• ثم قال ﵀
باب صلاة الكسوف.
ذكر صلاة الكسوف بعد صلاة العيد:
- لأن وقوعها أقل من صلاة العيد.
- ولأن مناسبة صلاة الكسوف عارضة ومناسبة صلاة العيد ثابتة.
ومعنى قوله: باب صلاة الكسوف أي: باب تذكر فيه أحكام الصلاة التي سببها الكسوف.
والكسوف في اللغة: التغير إلى السواد.
والخسوف: النقصان.
وفي الاصطلاح: تعريف الخسوف والكسوف: ذهاب ضوء أحد النيرين أو بعضه.
وله:
- أسباب حسية.
- وأسباب شرعية.
والمسلم يعنى بالأسباب الشرعية.
واختلف العلماء في مسألة الكسوف والخسوف: هل يطلق كل منهما على الشمس والقمر؟ أو يختص كل منهما بأحد النيرين؟
- فالقول الأول: أنه يختص: - فالكسوف خاص بالشمس. - والخسوف خاص بالقمر.
وإلى هذا ذهب المحققون من أهل اللغة فاختاره الفراء والجوهري وثعلب وغيرهم.
- والقول الثاني: أن كل منهما يطلق على الآخر فيجوز أن نقول: كسوف القمر وخسوف الشمس.
واستدل هؤلاء:
- بأن النصوص أطلقت الخسوف والكسوف على كل من الشمس والقمر.
فائدة: ثبت في النصوص إطلاق الخسوف والكسوف على كل من الشمس والقمر مجتمعات ومنفردات إلا شيء واحد لم يأت في النصوص وهو: إطلاق الكسوف على القمر منفردًا. فهذا لم يأت في النصوص أما ما عدا هذه الصورة فهو موجود.
• قال رحمه الله تعالى
تسن.
- ذهب الجماهير والجم الغفير وحكي إجماعًا أن صلاة الكسوف سنة.
واستدلوا على ذلك:
- بالحديث الذي تقدم معنا مرارًا وهو: قول النبي ﷺ لما قال له هل علي شيء غيرهن؟ قال: لا. إلا أن تتطوع.
- واستدلوا بحديث معاذ أن النبي ﷺ قال: أخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.
فدل الحديثان على أن ما عدا الفرائض الخمس ليس من الواجبات.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وهذا كما قلت مذهب الجماهير بل حكي إجماعًا.
- والقول الثاني: وهو رواية تنسب لأبي حنيفة ورواية تنسب لمالك وقواها ابن القيم أن صلاة الكسوف واجبة.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الأول: قول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (فإذا رأيتموهما فصلوا ..) فأمر بالصلاة.
- الثاني: أن ترك الصلاة مع ما يرى الإنسان من آيات الله العظيمة فيه دليل على رقة الدين.
ونحن نقول كما قال ابن القيم القول بالوجوب قوي فهذا غاية ما يقول الإنسان.
• ثم قال ﵀
تسن جماعة.
لأن النبي صلى الله وسلم: لما كسفت الشمس في عهده ﷺ خرج إلى المسجد وأمر المنادي: الصلاة جامعة فدل خروجه والمناداة على أنها تشرع جماعة.
• ثم قال ﵀:
وفرادى.
أي أنها وإن كانت تشرع جماعة وتستحب في المساجد إلا أنه يجوز أن يصليها الناس فرادى لعموم قول النبي ﷺ: (فصلوا) وهذا يتناول الفرد والجماعة.
•
ثم قال ﵀:
إذا كسف أحد النيرين.
في هذا إشارة إلى وقت صلاة الكسوف. ووقت صلاة الكسوف: من حدوثه إلى انجلائه.
- لقول النبي ﷺ: (فصلوا حتى تنكشف) وفي رواية: (حتى تنجلي.
فدل الحديث على أن الوقت ينتهي بانجلاء هذا الكسوف.
• ثم قال ﵀:
ركعتين يقرأ في الأُولى جهرًا.
كون صلاة الكسوف ركعتين - هذا القدر: مجمع عليه لكن اختلفوا كم ركوع في كل ركعة؟ كما سيأتينا.
قوله: جهرًا.
- ذهب الحنابلة واختاره ابن حزم وشيخ الاسلام أن القراءة في صلاة الكسوف تكون جهرية.
واستدلوا على ذلك:
- بما ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة.
وهذا نص في المسألة.
- وذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن صلاة الكسوف تكون سرية.
واستدلوا على ذلك:
- بما ثبت في الصحيح أن ابن عباس قال: قرأ رسول الله ﷺ فأطال بقدر البقرة.
ولو كان سمع ما جهر به النبي ﷺ لم يقدرها تقديرًا ولذكر ماذا قرأ ﷺ.
والجواب عليه من وجهين:
- إما أن نقول أن ابن عباس كان يصلي بعيدًا لم يسمع.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
- أو نقول - وهو الأقرب - أنه صلى وسمع ولكنه نسي ماذا قرأ النبي ﷺ لكنه يذكر مقدار الطول وأنه يقارب سورة البقرة.
واستدلوا:
- بحديث عائشة أنها كانت تحرز قراءة النبي ﷺ ولو كانت سمعت القراءة لم تحتج أن تقدر وتحرز.
والجواب عليه: أنه حديث ضعيف ويخالف ما صح عنها في المتفق عليه: أنه جهر.
والراجح: بلا إشكال أنه جهر لتصريح عائشة ﵂ أنه ﷺ صلى الكسوف وجهر.
ولا أدري بالنسبة للبلدان الذين يأخذون مذهب الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة هل يصلون الكسوف سرية أو جهرية؟
الآذان -.
[ ٢ / ٢٥١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
بدأ المؤلف في الكلام على صفة صلاة الكسوف. وصلاة الكسوف صار لها صفة خاصة غير معهودة في جميع الصلوات لأن سبب صلاة الكسوف أيضًا غير معهود في سائر الصلوات.
• فقال رحمه الله تعالى:
يقرأ في الأُولى جهرًا بعد الفاتحة: سورة طويلة، ثم يركع طويلًا، ثم يرفع ويسمع ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة إلى آخر هذه الصفة المذكورة في الكتاب.
وتقدم معنا الكلام عن مسألة الجهر وبقينا في الصفة.
هذه الصفة: = ذهب إليها الإمام أحمد ومالك والشافعي واختارها شيخ الاسلام وابن القيم فكل هؤلاء ذهبوا إلى هذه الصفة التي ذكرها المؤلف.
واستدلوا:
- بأن الصحابة: عائشة وجابر وغيرهما ذكروا أن النبي ﷺ صلى هكذا وحديثهم في الصحيحين.
فذهب هؤلاء الأئمة إلى هذه الصفة ولصلاة الكسوف صفات أخرى أشار إليها المؤلف في آخر الباب وسنتحدث عنها حين يذكرها ﵀.
* * مسألة: = ذهب الحنابلة إلى أنه إذا رفع من الركوع فإنه لا يطيل كما يطيل في الركوع والسجود.
واستدلوا على ذلك:
- بأن الآثار لم تذكر التطويل بعد الرفع من الركوع.
= والقول الثاني: أنه يطيل أيضًا إذا رفع من الركوع.
- لأن المعهود من صلاة النبي ﷺ في الفرائض والنوافل أن تكون أجزاء الصلاة متقاربة ولا يعهد منه إطالة جزء إطالة شديدة وتقصير جزء آخر.
وإنما لم يذكر في الآثار:
- لكونه معلومًا.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
- أو - وهو الجواب الثاني: لأنهم اعتنوا بذكر السجود والركوع لأنهما مقصودان أكثر من الرفع من الركوع.
والصواب مع القول الثاني - إن شاء الله -.
•
قوله ﵀:
ثم يصلي الثانية كالأُولى: لكن دونها في كل ما يفعل.
- لأن الصحابة الذين رووا لنا صفة صلاة الكسوف عن النبي ﷺ ذكروا أنه صلى الثانية أقل من الأولى.
وقد حدد ابن عباس ﵁ لنا مقدار التطويل فقال: هو بقدر سورة البقرة. وفي بعض الآثار بقدر قراءة مائة آية.
وهذا يبين أنه أطال إطالة شديدة لأن قراءة سورة البقرة في ركعة واحدة لا شك أنه تطويل شديد.
* * مسألة: ذكر المؤلف أن الصفة المرجحة في كل ركوع ركوعان. بناء عليه نقول: الركوع الذي تدرك به الركعة هو الركوع الأول دون الثاني.
فإذا دخل مع الإمام في الركوع الثاني من الركعة الأولى لزمه بعد سلام الإمام أن يأتي بركعة بركوعين لأن الركعة الأولى تعتبر فاتت هذا المسبوق.
• ثم قال رحمه الله تعالى:
ثم يتشهد ويسلم.
يعني: أن التشهد والسلام صفتها في صلاة الكسوف كما في سائر الصلوات الفرائض منها والنوافل. وهذا لا إشكال فيه.
• ثم قال ﵀:
فإن تجلى الكسوف فيها: أتمها خفيفة.
يعني: إن تجلى الكسوف أثناء الصلاة فإنه ينبني على هذا حكمان:
- الأول: أنه يتم الصلاة على صفتها. فمعنى قوله المؤلف هنا: أتمها: أي: على صفتها ولو أنه قال على صفتها لكان أوضح لأن هذا مقصود الحنابلة.
- والثاني: أنها تكون خفيفة. والسبب في ذلك أن سبب الصلاة زال وإذا زال السبب شرع التخفيف.
فإن قيل: ألا يشرع قطع الصلاة إذا زال السبب؟
فالجواب: أنه لا يشرع لقوله تعالى: (ولاتبطلوا أعمالكم). بل يتمها خفيفة،
= ومن الفقهاء من قال بل يتمها كالنفل بلا زيادة - أي بلا زيادة ركوعان.
والصواب مع الحنابلة أنه يتم الصلاة على صفتها الشرعية المعروفة لكن مع التخفيف.
•
ثم قال ﵀:
وإن غابت الشمس كاسفة لم يصل.
يعني إذا غابت الشمس وهي كاسفة فإنه لا يشرع في هذه الحالة أن نصلي لوجهين:
- الوجه الأول: أن الشارع الحكيم علق وجوب الصلاة برؤية الكسوف ومن المعلوم أن الشمس إذا غابت لم نر الكسوف لأن الشمس برمتها غابت.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
- الثاني: أن الانتفاع بالشمس يكون بالنهار وهي سلطان للنهار فإذا غابت ذهب سلطانها وذهب مع ذلك الأحكام المتعلقة بها ومنها صلاة الكسوف.
إذًا إذا فرضنا أن الناس لم يعلموا بالكسوف إلا قرب الغروب ثم غربت فإننا نقول لا تشرع الصلاة حينئذ.
• ثم قال ﵀:
أو طلعت والقمر خاسف
إذا خسف القمر ثم طلعت الشمس والقمر خاسف فإنه لا يشرع للمسلمين أن يصلوا.
- والأدلة تمامًا كالأدلة السابقة في مسألة غروب الشمس تمامًا: - أولًا: لأن القمر أصبح لا يرى والحكم معلق بالرؤية.
- ثانيًا: أن سلطان القمر في الليل لا في النهار فإذا خرجت الشمس صار الوقت نهارًا فلا يشرع أن يصلي الإنسان لأنه لا ينتفع بضوء القمر وليس له سلطان في النهار.
* * مسألة: فإن طلع الفجر ولم تطلع الشمس والقمر خاسف:
= فعند الحنابلة كذلك لا يصلي. - لذهاب سلطان القمر بطلوع النهار ولو لم تطلع الشمس.
= والقول الثاني: أن القمر إذا خسف وطلع الفجر قبل أن تطلع الشمس فإنه يصلي الكسوف وإلى هذا ذهب الشيخ الففيه الكبير المجد بن تيمية. وهذا هو الصواب.
- لأن المعنى الذي شرعت صلاة الخسوف لأجله موجود ولو طلع الفجر فإنا نرى القمر خاسف فيجب أن نصلي حينئذ.
•
ثم قال رحمه الله تعالى:
أو كانت آية غير الزلزلة: لم يصل.
إذا حدثن آية في السماء أو في الأرض فإنه عند الحنابلة لا يشرع أن يصلي الإنسان صلاة الكسوف.
فإذا هبت رياح شديدة غير معتادة أو حصلت ظلمة شديدة أو فيضانات أو براكين أو أي آية فيها تخويف فإنه عند الحنابلة لا يشرع أن يصلي الإنسان صلاة الكسوف إلا في شيء واحد وهو: الزلزلة.
- أما الدليل على أنه لا تشرع صلاة الكسوف للآيات الأخرى فهو: أن نظير هذه الآيات وقع في عهد النبي ﷺ ولم يصل لها.
- وأما الدليل على الصلاة في الزلزلة: فلأنه جاء بإسناد صحيح ثابت عن ابن عباس وعن حذيفة أنهما صليا صلاة الكسوف في الزلزلة.
فاستثنى الحنابلة الزلزلة لمجيء الآثار بها. على قاعدة الإمام أحمد كما تقدم التنبيه إليه مرارًا.
= القول الثاني: للمالكية والشافعية. أنه لا يشرع للإنسان أن يصلي صلاة الكسوف لأس شيء سوى الكسوف والخسوف مهما كانت الآية الأخرى.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
= والقول الثالث: للأحناف واختاره شيخ الاسلام أنه إذا حصلت آية في السماء أو في الأرض تخوف العبادة فإنه يشرع مطلقًا أن يصلي لها الإنسان صلاة الكسوف.
واستدل على هذا:
- بأن النبي ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا واستغفروا حتى ينكشف).
قال شيخ الاسلام: فعلل النبي ﷺ الصلاة بأنها آية خوف الله بها عباده فكل آية يخوف الله بها عباده يشرع لها أيضًا صلاة الكسوف.
والراجح: القول الثالث بسبب أثر ابن عباس وحذيفة ولولا هذين الأثرين لكان قول المالكية والشافعية قوي ووجيه جدًا لأنه معلوم أنه في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حصلت آيات وأشياء خوف الله بها عباده ومع ذلك لم ينقل أن أحدًا من الصحابة صلى إلا هذا الأثر عن ابن عباس وحذيفة.
فهذا الأثر يقوي أو يجرئ الإنسان على أن يقول: تصلى صلاة الكسوف لكل آية غير طبيعية - فكل آية غير معتادة يصلي لها الإنسان صلاة الكسوف.
ولولا مجيء هذين الأثرين لكان قول مالك والشافعي قوي جدًا وإذا طالعت تاريخ ابن كثير فستقرأ من الآيات الكثيرة وبعضها مهول جدًا ولم نسمع أنهم صلوا لها صلاة الكسوف.
لكن لما كان الأثرجاء عن ابن عباس وهو من فقهاء الصحابة وحذيفة وهو من كبار الصحابة فمثل هذا يقوي الإنسان على القول بالصلاة.
على أن عمل المسلمين الآن ويبدو لي أنه من قديم على القول الثاني على أنهم لا يصلوا أبدًا إلا للكسوف أو للخسوف.
• ثم قال رحمه الله تعالى:
وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات.
ثلاث ركوعات: يعني في كل ركعة. لأنه تقدم معنا أن العلماء أجمعوا أن صلاة الكسوف ركعتان وإنما اختلفوا في نقدار الركوع في كل ركعة.
= فالقول الثاني: أن يجعل في كل ركعة ثلاث ركوعات.
- لما أخرجه مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلى بست ركوعات.
• ثم قال ﵀:
أو أربع.
- أيضًا لما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى بثمان ركوعات.
= وهذا هو القول الثالث.
• ثم قال ﵀:
أو خمس: جاز.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
- لما في سنن أبي داود عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ صلى بعشر ركوعات.
فصارت الأقوال مع القول الأول أربعة.
واختلف العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث وانقسموا إلى قسمين:
= فالقسم الأول: الذين معهم مالك والشافعي والبخاري والبيهقي وشيخ الاسلام وابن القيم وهو المعروف عن الإمام أحمد:
أن كل حديث عدا حديث عائشة في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى ركعتين في كل ركعة ركوعين - كل حديث عدا هذا الحديث فهو شاذ أو منكر لا يعمل به ولو كان في مسلم.
- واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ لم يصل صلاة الكسوف في حياته إلا مرة واحدة لما مات ابنه إبراهيم.
فكل هؤلاء يتحدث عن واقعة واحجة وقطعًا أن الحديث الذي في البخاري ومسلم واتفق على روايته عدد من الصحابة مقدم على هذه الأحاديث سواء كان حديث جابر أو حديث ابن عباس أو حديث أبي.
= والقول الثاني: وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة ورجحه ابن حزم وابن المنذر والخطابر وغيرهم - عدد من أهل العلم:
أنه يشرع للإنسان أن يصلي بجميع هذه الصفات فتارة يصلي بركوعين وتارة بثلاث وتارة بأربع وتارة بخمس.
والصواب مع القول الأول. وهو أنه لا يشرع أن يصلي الإنسان إلا ركعتين في كل ركعة ركوعين لأن هذا هو الثابت ولأنه لم يصلها النبي ﷺ إلا مرة واحدة.
وبهذا انتهى باب صلاة الكسوف ولله الحمد ونبدأ بالباب الذي بعده.