• ثم قال - ﵀ -:
باب صوم التطوع.
• قال بعده - ﵀ -:
يسن صيام أيام البيض.
أيام البيض «(الأذان»)
بعد الأذان»).
قال الشارح حفظه الله:
• قال المؤلف - ﵀ -
باب صوم التطوع.
أراد المؤلف - ﵀ - أن يبين أحكام صيام التطوع بهذا الباب وما يتعلق بأيهم أفضل؟ وما يكره من الصيام. وما يتعلق بهذه الأحكام.
يقول - ﵀ -
يسن صيام أيام البيض.
صيام أيام البيض سنة = عند الجمهور.
والأيام البيض هي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وسميت بهذا الاسم لشدة ضوء القمر.
وصيام أيام البيض نتكلم عنه في مسألتين:
_________________
(١) المسألة الأولى: صيام ثلاثة أيام بغض النظر عن أن تكون في البيض أو في غيرها. فهذا سنة بالإجماع والنصوص المستفيضة تدل على أنه ثابت: - كحديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: (أوصاني خليلي - ﷺ - أن أوتر قبل أن أنام وأن أصلي سبحة الضحى وأن أصوم من كل شهر ثلاثة أيام). - وأيضًا ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام. - وأيضًا ثبت في الصحيح من حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قيل لها - ﵂ - في أي الأيام يصوم؟ قالت كان - ﷺ - لا يبالي أي الأيام صام. فهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على أنه يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. المسألة الثانية: أن يجعل الإنسان هذه الأيام الثلاثة توافق البيض وهي اليوم: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وجاء في هذا الباب وهو استحباب صيام البيض أحاديث كثيرة نحو أربعة أحاديث منها: - حديث أنس - ﵁ -. - ومنها حديث جرير - ﵁ -. وكل الأحاديث المروية في صيام الأيام البيض - كلها ضعيفة. لكن ضعف هذه الأحاديث ضعف يسير وليس بالضعف الشديد:
[ ٣ / ١٣ ]
= فمن العلماء من يصححها وهم عامة المتأخرين بمجموع الطرق والألفاظ والشواهد يصححون مشروعية صيام ثلاثة أيام.
ومنهم من يرى أن هذا الباب لا يثبت فيه حديث لضعف الأحاديث.
وفي الحقيقة صيام ثلاثة أيام - صيام البيض أحاديث البيض تقبل التقوية إلا أنه يشكل عليها حديث عائشة - ﵂ - وهي أنها ذكرت أن النبي - ﷺ - لم يكن يبالي أي الأيام يصوم. يعني: لم يكن يحرص على موافقة البيض.
فهذا الحديث يشكل على الأحاديث التي في الباب.
فإما أن يقال أنها لم تقف - ﵂ - على أنه - ﷺ - كان يحب أن يوافق الأيام البيض أو أن مشروعية صيام الأيام البيض جاء متأخرًاَ أو أي جواب ممكن أن يجاب به عن حديث عائشة متى أردنا أن نصحح أحاديث الأيام البيض.
والأمر في هذا يسير لأنه ما دام ثابتًا فإنه - ﷺ - يصوم ثلاثة أيام فكون الإنسان يجعل هذه الثلاثة أيام توافق الأيام البيض لا يضر ويحصل على فضيلة موافقة هذه السنة من غير ضرر.
•
ثم قال - ﵀ -:
والاثنين والخميس.
أولًا: الاثنين: صيام يوم الاثنين ثابت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - كان يصوم يوم الاثنين ويقول: هو يوم ولدت فيه.
وأشار الإمام مسلم في صحيحه إلى أن رواية كان يصوم الاثنين والخميس في هذا الحديث ضعيفة.
ثانيًا: صيام يوم الخميس: يوم الخميس جاء فيه أحاديث كثيرة منها: حديث أن النبي - ﷺ - كان يصوم يوم الاثنين والخميس ويقول هما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم.
وهذا الحديث يقبل أنه حديث حسن إن شاء الله بمجموع طرقه وبشواهده الكثيرة يقبل التحسين.
لكن يجب أن تعلم أن حديث الاثنين في مسلم بينما حديث الخميس في السنن وهو صحيح بشواهده وطرقه.
فثبت بهذا أن صيام يوم الاثنين والخميس مشروع إن شاء الله.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
انتهى الدرس،،،
[ ٣ / ١٤ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال المؤلف - ﵀ -:
وست من شوال.
صيام الست من شوال سنة استحبها جماهير أهل العلم.
- لقول النبي - ﷺ -: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر).
وفضيلة صيام الست تحصل سوتء صامها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لإطلاق الحديث إلا أن عددًا من السلف استحب أن يبادر بها لأن لا يشتغل عنها فتفوته.
- - مسألة: اختلف أهل العلم هل يشترط في صيام الست أن يكون أتم صيام رمضان؟
اختلفوا فيها على قولين:
= القول الأول: أنه لا يصوم الست إلا إذا أتم رمضان.
- لقوله - ﷺ -: (من صام رمضان)، ومن أفطر بعض رمضان لا يصدق عليه أنه صام رمضان بل صام بعض رمضان.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط بل إذا صام الإنسان رمضان جملة وإن أفطر بعضه جاز له أن يؤخر القضاء وأن يبدأ بصيام الست.
واستدلوا على ذلك:
- بأن من صام رمضان وأفطر منه يومًا أو يومين فإنه يصدق عليه بأنه صام رمضان.
- وبحديث عائشة الذي تقدم معنا وهو قولها - ﵂ - كان يكون علي قضاء من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان. ووجه الاستدلال أنه يبعد أن عائشة - ﵂ - لم تكن تصوم الست من شوال فإذا كانت تصوم الست من شوال فهي تصوم قبل القضاء.
والأقرب لظاهر الحديث أن الإنسان لا يصوم إلا بعد القضاء.
•
ثم قال - ﵀ -:
وشهر المحرم.
يعني: ويسن أن يصوم الإنسان شهر الله المحرم.
- لقول النبي - ﷺ -: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم).
فدل هذا الحديث على أن صيامه مندوب إليه مستحب.
• ثم قال - ﵀ -:
وآكده العاشر.
أي آكد أيام الشهر المحرم اليوم العاشر وهو يوم عاشوراء.
فتعريف عاشوراء أنه اليوم العاشر من الشهر المحرم.
ودليل (الاستحباب):
- قوله - ﷺ -: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) وهو حديث صحيح.
والسنة أن يصوم الإنسان اليوم العاشر ويومًا قبله ويومًا بعده وإلا يصوم العاشر ويومًا قبله أو بعده ويجوز أن يفرد العاشر بالصيام.
[ ٣ / ١٥ ]
وجواز إفراد العاشر بالصيام = مذهب الحنابلة فيجوز بلا كراهة واختاره شيخ الاسلام وابن القيم - رحمهما الله -.
- لعموم الحديث حيث فيه أن من صام العاشر فإنه يغفر له السنة التي قبله.
• ثم قال - ﵀ -:
ثم التاسع.
صيام اليوم التاسع من شهر المحرم متأكد يأتي في المرتبة الثانية بعد العاشر.
بناء على هذا من أراد أن يصوم العاشر ويومًا فقط فالأحسن أن يصوم التاسع بدل أن يصوم الحادي عشر لأن اليوم التاسع يأتي في الأفضلية والآكدية بعد اليوم العاشر.
والدليل على استحباب اليوم التاسع:
- ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - لما صام عاشوراء قالوا له: إنه يوم تعظمه اليهود فقال: لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع. يعني مع العاشر.
فهذا دليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يصوم العاشر أن يجمع إليه التاسع.
فإن جمع معهما الحادي عشر فهو أطيب وأكمل.
•
ثم قال - ﵀ -:
وتسع ذي الحجة.
يعني: ويسن أن يصوم الإنسان تسع ذي الحجة أي من اليوم الأول إلى اليوم التاسع من شهر ذي الحجة.
- لقول النبي - ﷺ -: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من العشر قالوا: يا رسول الله ولا المجاهد في سبيل الله قال ولا المجاهد في سبيل الله إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشء).
فقوله: (ما من أيام العمل الصالح) دليل على أفضلية الصيان في هذه الأيام لأن الصيام من جملة العمل الصالح.
= وإلى مشروعية الصيام ذهب الجماهير.
فإن قيل: أنه ثبت عن عائشة - ﵂ - أنها قالت ما صام رسول الله - ﷺ - العشر قط.
فالجواب: أن الإمام أحمد - ﵀ - سلك مسلكين في الجواب عن هذا الحديث:
- الأول: قال - ﵀ -:أن حديث عائشة هذا فيه اختلاف ورواه بعضهم مرسلًا وروي عن حفصة إثبات الصيام.
فكأن الوجه الأول يشير فيه الإمام أحمد إلى نوع ضعف ولا يظهر من عبارة الإمام أحمد أبدًا أنه يضعف الحديث لكن يشير إلى أنه فيه ضعف.
[ ٣ / ١٦ ]
- الثاني: قال الإمام أحمد - ﵀ - أن المراد في حديث عائشة نفي استغراق العشر في الصيام: يعني: أنه لم يصم جميع العشر - ﷺ - فأرادت نفي جميع العشر. والمثبت في حديث حفصة صيام بعض العشر.
وبهذا يكون - ﵀ - جمع بين حديث حفصة وبين حديث عائشة.
بناء على هذا - على الجمع الأخير: نقول لا ينبغي استغراق العشر صيامًا. فلا ينبغي أن يستغرق الإنسان جميع أيام العشر بالصيام.
هذا إذا أردنا أن نجمع بالجمع الثاني وأنا أرى أنه وجيه وجيد وهو أقوى من الوجه الأول الذي ذكره الإمام أحمد - ﵀ -.
•
ثم قال - ﵀ -:
ويوم عرفة لغير حاج بها.
يشرع للإنسان الذي لم يحج أن يصوم يوم عرفة.
- لقول النبي - ﷺ - عن صيام يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده).
فدل الحديث على مشروعية الصيام بالنسبة لغير الحاج وأنه يوم أحب الشارع فيه أن يصبح الإنسان صائمًا.
• ثم قال - ﵀ -:
لغير حاج بها.
أي: لا يشرع أن يصوم الإنسان في يوم عرفة.
والدليل على هذا:
- ما ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - أوتي بقدح من لبن في يوم عرفة فشربه والناس ينظرون.
- - مسألة: الحكمة من النهي عن صيام يوم عرفة للحاج: اختلفوا فيها:
- الأول: ذهب شيخ الإسلام - ﵀ - إلى أن الحكمة أن يوم عرفة عيد وكل عيد لا يصام.
- الثاني: أن العلة في النهي عن صيام يوم عرفة ليتقوى الحاج على عبادة الله والدعاء والابتهال والتضرع.
والأقرب والله أعلم أن الحكمة مركبة من الأمرين ولا مانع. فهو لا يصام لأنه عيد وليتقوى فيه الحاج.
- - مسألة: حكم الصيام: اختلفوا في حكم الصيام - بعد أن عرفنا أنه ليس بمشروع اختلفوا فيه:
= [القول الأول]: فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يستحب أن يصوم الإنسان يوم عرفة.
= والقول الثاني: أنه جائز بلا كراهة.
= والقول الثالث:
أنه مستحب ما لم يضعف الحاج.
= والقول الرابع: أنه مكروه.
والقول بالكراهة قريب من القول من أنه لا يستحب وهو مذهب الحنابلة - مسألة: أنه لا يستحب هو مذهب الحنابلة.
[ ٣ / ١٧ ]
عرفنا من الخلاف أن الجماهير لا يرون أن الصيام محرم فليس في الأقوال أنه محرم فلم يذهب إلى التحريم إلا عالم واحد من السلف وهو يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: لا يجوز أن يصوم الإنسان يوم عرفة،
أما عامة علماء الأمة فأقوالهم تدور بين الكراهة والإباحة.
والراجح والله أعلم. أنه يدور بين الكراهة والتحريم.
• ثم قال - ﵀ -:
وأفضله: صوم يوم وفطر يوم.
أفضله: الضمير يعود إلى: صوم التطوع.
فأفضل الصوم الذي للتطوع أن يصوم الإنسان يومًا ويفطر يومًا.
والدليل على هذا:
- ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا).
وصيام يوم وإفطار يوم هو أفضل أنواع صيام التطوع من حيث الأصل وقد تصبح مفضولة عند بعض الناس كمن يعوقه الصيام عن أداء الواجبات أو عن أداء عبادة هي أفضل من الصيام يومًا والإفطار يومًا.
كأن تتعلق به مصالح عامة أو يتعلق به بيان الناس وإرشادهم ووعظهم.
ولعله لهذا الأمر لم ينقل أن النبي - ﷺ - كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.
أي لأنه يقوم بما هو أفضل وأعظم من صيام يوم وإفطار يوم.
وربما أن السبب في عدم صيام النبي - ﷺ - يوم وإفطار يوم لكي لا يدخل المشقة على الناس لأنه لو كان يفعل ذلك لحرص كثير من الناس على الاقتداء به فدخل عليه المشقة.
لأن الناس يحبون الاقتداء بما فعله - ﷺ - أكثر مما قاله ولم يفعله.
وبعد أن بين الأيام التي يسن ويحب الشارع أن تصام انتقل إلى المكروهات وبعدها سيذكر المحرمات.
• فقال - ﵀ -:
ويكره: إفراد رجب بصوم.
يكره للإنسان أن يفرد شهر رجب بالصوم لأمرين:
- الأول: أن في هذا تشبهًا بالجاهليين لأنهم كانوا يعظمون هذا الشهر.
- والثاني: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - كان ينهى عن ذلك.
- والثالث: أنه لم يثبت في حديث صحيح ولا حسن أن الشارع حث على صومه وجميع الأحاديث التي في الباب ضعيفة جدًا أو موضوعة.
- - مسألة: وتزول الكراهة بأحد أمرين:
- الأول: أن لا يستكمل شهر رجب بالصيام. يعني: أن يصوم بعض الأيام ويفطر بعض الأيام فتزول الكراهة.
[ ٣ / ١٨ ]
- الثاني: أن يصوم مع شهر رجب شهرًا آخر سواء كان هذا الشهر الثاني يلي رجب أو هو شهر بعيد عن رجب فلا يشترط فالمهم أن لا يفرد شهر رجب من بين شهور السنة بالصيام.
إذًا تلخص عندنا أن الكراهة تزول بأن يصوم ويفطر في شهر رجب أو أن يصوم رجب كاملًا ويصوم معه شهرًا آخر.
- - مسألة: لم يتطرق المؤلف إلى غير شهر رجب هل يكره أن يصوم الإنسان جميع الشهر في غير شهر رجب؟
اتفق الفقهاء أنه لا يكره إلا في شهر رجب. أما ما عداه من الشهور فإنه يستحب ولا يكره أن يصوم الإنسان جميع الشهر لأن هذا الصيام يدخل في العمومات التي تحث المسلم على الصيام مالم يعتقد أن للشهر الفلاني الذي صامه مزية معينة شرعية فحينئذ يحرم الصيام لأنه يكون بدعة.
وعرفنا من هذا التفصيل أن الإنسان يحرم عليه أو يكره له أن يصوم جميع شهر رجب ولو بدون اعتقاد فهذا الشهر لايستكمل صيامًا لما فيه من التشبه.
• ثم قال - ﵀ -:
والجمعة.
يعني: ويكره أن يفرد الإنسان الجمعة بالصيام.
- لقول النبي - ﷺ -: (لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده).
- وقوله في صحيح مسلم: (إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم). يعني: إذا وافق الجمعة صيام أيام اعتاد الإنسان أن يصومها فلا بأس أن يصومها.
وتزول الكراهة بأن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.
- - مسألة: فهم من الأحاديث أن المنهي عنه هو تقصد الجمعة بالصيام. فإن صام الجمعة لا قصدًا وإنما لأنه هو المتيسر فقد أفتى الإمام أحمد أن من صام الجمعة بلا قصد فلا بأس.
وفي الحقيقة أن هذا يفهم من الأحاديث لأن الشارع الكريم أجاز أن يصوم الإنسان الجمعو مفردًا إذا كان في صوم يصومه الإنسان مما يدل على أن الإنسان إذا صامه لا قصدًا له وإنما لكونه صادف وقتًا متيسرًا له أو صادف صومًا هو اعتاد أن يصومه فلا بأس بذلك.
بناء عليه: الذين يشتغلون طيلة أيام الأسبوع في دوام لا يتمكنون معه من الصيام لمشقة العمل أو لأي أمر آخر فإنه لا حرج عليهم فيما أرى أن يصوموا يوم الجمعة لكونه هو المتيسر لا لأنه يوم الجمعة.
بدليل: - أن إجازة هذا الموظف لو وافقت غير الجمعة لصامه أيضًا مما يدل على أنه لم يتقصد يوم الجمعة.
[ ٣ / ١٩ ]
ففي هذه الصورة لا بأس إن شاء الله أن يصوم ولا حرج عليه.
= القول الثاني: أن صيام يوم الجمعة محرم.
- لقوله: (لا تصوموا). والأصل في النهي التحريم.
وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام - ﵀ - أخذًا بظاهر الحديث. ولأن النبي - ﷺ - دخل على بعض أزواجه وهي صائمة في يوم الجمعة فقال أصمت بالأمس قالت لا ثم قال أتصومين غدًا قالت لا قال إذًا أفطري.
فأمرها بالفطر وقطع العبادة.
وهذا هو الراجح: أنه لا يجوز أن يتقصد الجمعة لأن هذا فيه محادة للشارع. فإن الشارع ينهى عن تقصد صيام يوم الجمعة وهو يتقصد صيام يوم الجمعة فالأقرب ما قاله شيخ الاسلام - ﵀ - أنه محرم.
• ثم قال - ﵀ -:
والسبت.
يعني: ويكره إفراد السبت بالصيام.
والدليل على كرهية إفراد السبت بالصيام:
- ما روي أن النبي - ﷺ - قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم).
وتزول الكراهة بأن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.
بدليل: - أن النبي - ﷺ - لما نهى عن صيام يوم الجمعة أمر بأن يصام معه يوم قبله أو يوم بعده واليوم الذي بعده هو السبت.
= والقول الثاني: وإليه ذهب جماهير علماء المسلمين: أن صيام السبت على سبيل الإفراد أو التبع جائز ولا حرج فيه.
وإلى هذا ذهب عدد من المحققين الأفذاذ منهم شيخ الاسلام بن تيمية - ﵀ -.
وأجابوا عن الحديث الذي فيه: لا تصوموا يوم السبت. بأنه حديث شاذ منكر ولا يثبت عن النبي - ﷺ - وإن ثبت فهو منسوخ.
لكن الجواب الصحيح عندي أنه حديث ضعيف ضعفه عدد كبير من الحفاظ منهم: الإمام أحمد والإمام مالك والإمام النسائي وغيرهم من الحفاظ.
وقد أبعد جدًا من صحح هذا الحديث من المعاصرين وخالف ما عليه جمهور الأئمة من تضعيف هذا الحديث.
فالراجح بناء على التقرير جواز إفراد السبت بالصيام.
فلو أراد الإنسان أن يصوم السبت فقط تطوعًا لله وتقربًا فلا حرج عليه.
• ثم قال - ﵀ -:
والشك.
يعني: يكره أن يفرد الإنسان صيام يوم الشك.
ونحتاج إلى مسألتين: الأولى: ما هو يوم الشك؟. والثانية: الدليل.
[ ٣ / ٢٠ ]
- فالمسألة الأولى: ما هو يوم الشك: = عند الحنابلة هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحو ولم ير الهلال.
فحكم صيامه: أنه مكروه.
= القول الثاني: أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان على السماء غيم أو قتر أو غبار.
والراجح هو القول الثاني: - لأن يوم الثلاثين إذا كانت السماء صحوًا ولم ير الهلال فلا يوجد شك بل الأمر متضح أن شهر رمضان لم يدخل.
- والمسألة الثانية: الدليل على الكراهة.
- الأول: قول النبي - ﷺ -: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين).
ومن صام يوم الشك فقد تقدم رمضان إما بيوم أو بيومين.
- والثاني: قوله - ﷺ -:من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم.
وصيام يوم الشك مكروه عند الحنابلة.
= والقول الثاني: أنه محرم.
- لأن المعصية في لفظ الشارع لا تكون على المكروه بل على المحرم.
ويقصد بالنهي عن صيام يو م الشك إذا صامه الإنسان احتياطًا لرمضان.
• ثم قال - ﵀ -:
ويحرم: صوم العيدين ولو في فرض.
يعني: ويكره إفراد العيد للكفار بصوم.
يكره للإنسان أن يفرد يومًا من أيام السنة يوافق عيدًا من أعياد الكفار بالصيام.
والدليل على الكراهة:
- الأول: أن في إفراد هذا اليوم تعظيمًا لشعائر المشركين والكفار ولا يجوز للمسلم أن يعظم شعائر الكفار.
- والثاني: قوله - ﷺ -: (من تشبه بقوم فهو منهم). وهذا قد تشبه بهم بتعظيم يوم يعظمونه.
والذي يظهر من الأدلة أن إفراد يوم من أيام الكفار بالصيام محرم وليس بمكروه فقط لأن مقتضى الأدلة التي استدلوا بها أن هذا العمل محرم وليس بمكروه.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى الأيام التي يحرم على الإنسان أن يصومها:
• فقال - ﵀ -:
ويحرم صوم العيدين ولو في فرض.
المقصود بالعيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى.
فلا يجوز للإنسان أن يصوم عيد الفطر ولا عيد الأضحى.
- لأنه ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - نهى عن صيان يوم الفطر ويوم الأضحى.
فإن صام: فإن صيامه باطل. - لأنه منهي عن الصيام في هذين اليومين فصيامه فيها محادة للشارع.
قوله: ولو في فرض.
[ ٣ / ٢١ ]
لأن الحديث عام لم يستثن أن يكون هذا الصيام قضاء لفرض معين أو لنذر معين أونفل أو أي نوع من أنواع الصيام.
• ثم قال - ﵀ -:
وصيام أيام التشريق.
صيام أيام التشريق محرم.
- لقول النبي - ﷺ - أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله.
بناء على هذا:
من وجبت في ذمته كفارة صيام شهرين متتابعين فإنه يجب أن يفطر في أيام التشريق وهذا الفطجر لا يقطع التتابع لأنه لعذر شرعي.
كما أنه أيضًا يفطر في يوم العيد تمامًا لأن صيام هذه الأيام محرم بنص الحديث. فقد جعلها الشارع من أيام الأكل والشرب فكيف يجعلها الإنسان من أيام الإمساك عن الأكل والشرب.
إذًا يحرم على الإنسان أن يصوم أيام التشريق.
يستثنى من هذا ما ذكره المؤلف - ﵀ -:
• بقوله:
إلاّ عن دم متعة وقران.
إذا وجب على الإنسان في الحج دم متعة أو قران. يعني: من تمتع بالحج أو حج قارنًا ووجبت عليه ذبيحة - دم - ولم يجد فإنه يجب أن يصوم فإذا وجب عليه الصيام جاز له أن يصوم في أيام التشريق.
- لقول عائشة ﵂ لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي.
فهذا الحديث هودليل على تحريم صيامها وجوازه لمن لم يجد الهدي لأنها قالت لم يرخص. وتقدم معنا أن الرخصة تأتي في الأمر المحرم.
• ثم قال - ﵀ -:
ومن دخل في فرض موسع: حرم قطعه.
الفرض الموسع يقصد: بالموسع: يعني ك من جهة الوقت.
كالصلوات المفروضة في أول أوقاتها أو قضاء رمضان قبل أن يتضايق الوقت أو النذر المطلق فكل هذه الأشياء واجبة وجوبًا موسعًا.
فإذا دخل الإنسان في هذا الواجب الموسع حرم عليه أن يقطعه.
والدليل على هذا:
- أنه شرع في الواجب فلا يجوز له أن يقطعه.
- ولقوله تعالى: - (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) -[محمد/٣٣].
فإذا بدأ الإنسان بالصيام حرم عليه أن يقطعه إذا كان قضاء أو نذر وإذا بدأ الإنسان بالصلاة وشرع فيها وكبر تكبيرة الإحرام فإنه يحرم عليه أن ينفتل من صلاته بل يجب عليه وجوبًا أن يتم هذه الصلاة فإن قطعها فهو آثم لأن قطع العبادة الواجبة إذا شرع فيها الإنسان محرم ومن فعل محرما أثم.
• ثم قال - ﵀ -:
ولا لايلزم: في النفل.
[ ٣ / ٢٢ ]
أي ولا يلزم الإنسان إذا شرع في النفل أن يتمه.
فقوله: (ولا يلزم) يعني: الإتمام.
سواء كان هذا النفل صلاة أوصيام أو صدقة أو ذكر أن تسبيح أو أي نوع من أنواع العبادات.
والدليل على ذلك:
- ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - دخل على عائشة فقالت أهدي لنا حيس فقال النبي - ﷺ - أرنينيه فقلد أصبحت صائمًا.
ففي هذا الحديث دخل النبي - ﷺ - وقد عزم على صيام النفل ومع ذلك أفطر وأكل من هذا الطعام الذي أهدي لهم - ﷺ - فدل هذا الحديث على أن الإنسان إذا بدأ بالنفل لا يجب عليه أن يقطعه.
وهذا الحديث وإنكان في الصيام إلا أنه يقاس عليه كل العبادات.
لكن ذهب الحنابلة إلى أن من شرع في نفل فيستحب له أن لا يقطعه مع الجواز.
•
ثم قال - ﵀ -:
ولا قضاءُ فاسده.
أي لا يجب قضاء فاسد العبادة التي دخل فيها الإنسان على سبيل التنفل.
فلا يجب أن يتمها زلا يجب أن يقضيها إذا فسدت.
والدليل على هذا:
- أن ما كان أصله ليس واجبًا فلا يجب قضاء فاسده.
• ويستثنى من هذا الحج كما قال المؤلف - ﵀ -:
إلاّ الحج.
ويستثنى الحج في المسألتين:
فيجب إتمام نفله.
ويجب قضاء فاسده.
إذًا الاستثناء بالنسبة للحج يرجع إلى المسألتين: الإمام والقضاء.
وسيأتي مفصلًا في الحج إن شاء الله.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى الكلام عن ليلة القدر:
• فقال - ﵀ -:
وترجى ليلة القدر: في العشر الأواخر.
ترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان لما
- صح في البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ - قال: (تحروا ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان).
- ولأن النبي - ﷺ - كان يصوم العشر الأول ثم الوسطى ثم في سنة لما صام الوسطى وكان في معتكفه رفع الستر عن خباءه وتحدث مع الناس حتى اجتمعوا ثم قال: إنه قد أوحي إليًّ أن أتحراها في العشر الأخير فمن اعتكف في الوسطى فليعتكف معنا إن شاء في الأخيرة).
فهذا الحديث نص مع الأحاديث السابقة على أن ليلة القدر يتحراها الإنسان في العشر الأخيرة من رمضان.
•
ثم قال - ﵀ -:
وأوتاره آكد.
[ ٣ / ٢٣ ]
الأوتار من العشر الأخيرة: هي خمس ليال: وهي اللبالي الأوتار: ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.
هذه الليالي أرجاها: لقول النبي - ﷺ - تحروا ليلة القدر في الأوتار من العشر.
وهذا أيضًا حديث صحيح ثابت.
وعلى هذا جماهير الأمة أن ليلة القدر أرجى في الآحاد منها في غيرها من الليالي في الأشفاع من ليالي العشر.
ثم بعد أن خصص من رمضان العشر وخصص من العشر الأوتار خصص أيضًا أكثر من ذلك:
• فقال - ﵀ -:
وليلة سبع وعشرين أبلغ.
قوله هنا: أبلغ: يعني: أرجى ولو أنه - ﵀ - عبر كما عبر هو نفسه في الإقناع بقوله: أرجى فلو عبر بنفس تعبيره الآخر لكان أوضح وأسهل من قوله: أبلغ.
وعلى كل المعنى واضح: أن ليلة سبع وعشرين أبلغ.
والدليل على هذا:
- أنها أرجى ما ثبت في الحديث الصحيح أن أبي بن كعب - ﵁ - كان يحلف ولا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين قيل له: ما علامة ذلك؟ قال: علامة ذلك: ما أخبر النبي - ﷺ - أنها تطلع الشمس صبيحة ليلة القدر بلا شعاع.
- وأيضًا ثبت عن ابن عباس أنها ليلة سبع وعشرين.
- وعن غيره من أصحاب النبي - ﷺ -.
= والقول الثاني: أنها ليلة إحدى وعشرين.
- لما ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: أريت أني أسجد في ماء وطين صبيحة ليلة القدر فلما أصبح من ليلة إحدى وعشرين سجد بعد أن أمطرت السماء فصار في جبهته وأنفه ماء وطين.
= والقول الثالث: أنها في ليلة ثلاث وعشرين.
- لما ثبت في الصحيح أيضًا: أن النبي - ﷺ - قال: أريت أني أسجد في صبحها بماء وطين فلما أصبح ليلة ثلاث وعشرين أمطرت السماء فسجد في الماء والطين - ﷺ - فخرج وأثرهما على جبهته.
هذه الأقوال الثلاثة.
وفي تحديد ليلة القدر أقوال كثيرة جدًا اكتفيت بثلاثة لوضوح الأحاديث فيها.
والصواب من هذه الأقوال أنها: تتنقل. فليست في ليلة واحدة دائمًا بل كل سنة تكون في ليلة مختلفة.
والدليل على هذا:
[ ٣ / ٢٤ ]
- أنه لا يمكن الجمع بين النصوص الصحيحة الثابتة التي تعين ليلة القدر في أكثر من ليلة - دع عنك الضعيفة - إلا بهذا القول. فهي إذًا تتنقل.
وهذا القول من محاسنه أن الإنسان لا يجتهد في ليلة واحدة معينة بل يجتهد في جميع الليالي.
- - مسألة مهمة: يتحتم على الإنسان وينبغي ويتأكد أن يجتهد في كل العشر.
والسبب في ذلك: أن الليالي الآحاد أو الأفراد - الأوتار - تختلف بتمام الشهر ونقصانه.
فإذا تم صارت ليلة إحدى وعشرين هي ليلة إحدى وعشرين.
وإن نقص تغيرت فصارت الشفع هي ليلة الآحاد.
إذًا يختلف الأمر بين أن يتم الشهر وبين أن ينقص.
ولذلك قال شيخ الاسلام - ﵀ -: ينبغي أن يجتهد الإنسان في جميع الليالي.
إذًا تبين من مسألتين: أن الإنسان ينبغي أن يجتهد جدًا في جميع ليالي رمضان:
- الأولى: أنها تتنقل.
- والثانية: أن الآحاد تختلف بتمام أو نقصان الشهر.
فعلى الإنسان أن يجتهد في كل ليلة اجتهاده كأنها هي ليلة القدر.
• ثم قال - ﵀ -:
ويدعو فيها بما ورد.
مما ورد:
- ما جاء في حديث عائشة رضي اللهى عنها أنها سألت النبي - ﷺ - ما أقول إن وافقت ليلة القدر؟ فقال لها: قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). فهذا الدعاء مما ينبغي أن يتحراه الإنسان في ليلة القدر.
وبهذا الكلام انتهلا الكلام عن ليلة القدر.
وتبين من خلال النصوص كقول النبي - ﷺ -: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ذنبه). تبين من هذه النصوص أن المندوب في ليلة القدر الصلاة والدعاء والاستغفار.
وأنه لم يأت نص صحيح ولا ضعيف يدل على استحباب العمرة في ليلة القدر بالذات سواء قلنا أنها ليلة سبع وعشرين أو غيرها من الليالي.
وقد نبه شيخنا - ﵀ - هذا التنبيه المهم جدًا وهو أن تحري ليلة القدر بالعمرة قد يكون بدعة. لأنه تخصيص بما لم يأت دليل من الشارع يدل على تخصيصه.
العمرة خصت في شهر رمضان. (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) ىما في ليلة القدر فليس في النصوص ما يدل على أنها مستحبة أو مندوبة فإذا رأى الإنسان أنه يستحب تخصيص هذه الليلة بالعمرة فقد ابتدع.
[ ٣ / ٢٥ ]
فهذه من المسائل المهمة في الحقيقة لا سيما في وقتنا هذا مع تيسر الوصول إلى الحرم والتي ينبغي على طالب العلم أن ينبه الناس إليها.