المقصود بالحرم هنا حرم مكة وحرم المدينة، أي أن المؤلف - ﵀ - سيبين في هذا الباب حكم صيد وحشائش وشجر مكة والمدينة، وبطبيعة الحال سيبدأ - ﵀ - بمكة لعظمها ورفع قدرها.
- يقول - ﵀ -:
يحرم صيده: على المحرم والحلال.
الصيد داخل الحرم: محرم بالنص والإجماع لم يختلف الفقهاء في تحريمه.
[ ٣ / ١٢٧ ]
واستدلوا على تحريمه:
- بقول النبي - ﷺ -: «إن هذا البلد حرمه الله منذ خلق السموات والأرض فهو حرام بتحريم الله إلى قيام الساعة لا يختلا خلاه ولا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف».
فقال العباس يا رسول الله: إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم. - والقين: هو الحداد أو الصائغ - فقال رسول الله - ﷺ -: (إلا الإذخر).
فهذا الحديث نص في تحريم الصيد وتحريم الحشيش وتحريم الشجر وتحريم تنفير الصيد ولو للجلوس مكانه.
يعني يحرم على من في داخل الحرم أن ينفر الصيد ولو كان بغير قصد اصطياده بل بقصد الجلوس مكانه لأنه سيجلس في الظل مثلًا فإنه يحرم عليه أن يفعل هذا فإن الأشجار والحشائش والحيوانات آمنة بأمن الله داخل الحرم، إذًا هذا الحكم حكم مجمع عليه ودلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة.
- ثم قال - ﵀ -:
وحكم صيده كصيد المحرم.
حكم الصيد داخل الحرم كحكم صيد المحرم فيه المثل وهو مخير بين الصيام والإطعام فإن لم يجد قوم الصيد وهو أيضًا مخير بين الصيام والإطعام على الترتيب والأحكام التي تقدمت معنا في جزاء الصيد تمامًا.
وإلى هذا: أي إلى وجوب جزاء صيد الحرم:
= ذهب الجماهير من أهل العلم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من فقهاء الإسلام ذهبوا إلى وجوب الجزاء في صيد الحرم.
واستدلوا على هذا:
- بأن أصحاب النبي - ﷺ - حكموا بهذا الحكم لأن أصحاب النبي - ﷺ - حكموا بوجوب جزاء الصيد على من صاد في الحرم.
= وذهب الأحناف إلى أنه لا يجب جزاء الصيد بل عليه التوبة والاستغفار.
واستدلوا على هذا
- بأنه ليس في النصوص الصحيحة الصريحة ما يوجب جزاء الصيد داخل الحرم.
والجواب: أن الآثار المروية الصحيحة في هذا الباب كافية في إثبات هذا الحكم فهي إجماع من الصحابة إذ لا يعلم مخالف للفتاوى التي أفتى فيها الصحابة بوجوب جزاء الصيد داخل الحرم.
ثم لما بين المؤلف - ﵀ - حكم الصيد انتقل إلى الشجر:
- فقال - ﵀ -:
ويحرم: قطع شجره وحشيشه الأخضرين.
قطع الشجر والحشيش الأخضرين محرم بالإجماع:
[ ٣ / ١٢٨ ]
- لدلالة الحديث السابق. والذي يدل على اشتراط كونه أخضرًا أنه قال: (الكلأ) والكلأ في لغة العرب لا يطلق إلا على الحشيش الرطب.
بقينا في أمور أخرى تخرج عن الشجر الأخضر والحشيش الأخضر:
- الأول: ما زرعه الآدمي. وهو ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: الزرع.
ـ والقسم الثاني: الشجر.
- فالزرع: أجمع الفقهاء بلا خلاف أن يجوز لمن زرع في الحرم أن يحصد ولا فدية عليه.
- والشجر: فيه خلاف: لكن مع ذلك ذهب الجماهير إلى جواز قطع الشجر الذي زرعه الآدمي قياسًا على الزرع المجمع عليه.
وهذا القول هو الصواب، والقول الآخر الذي يمنع من الشجر ضعيف.
- المسألة الثانية: حكم قطع الشجر الميت اليابس والحشيش اليابس، اتفق الأئمة الأربعة على جواز قطع ما يبس من الشجر والحشيش:
- لأن هذا اليابس في حكم الميت فجاز أخذه والانتفاع به.
- الثالث والأخير: ما قطع من الشجر بغير فعل الآدمي وسقط أو ظل متعلقًا بالشجرة بعد كسره. فهذا يجوز عند الجماهير أن ينتفع به الإنسان وأن يأخذه لأن مآل هذا الساقط إلى اليبس والموت ومآل الذي سقط وبقي متعلقًا أن ييبس ويموت أيضًا فله أخذ كل منهما، وأما إن كان هذا السقوط بفعل آدمي:
= فمن الفقهاء من قال: يجوز له أن ينتفع به.
= ومنهم من قال: لا يجوز أن ينتفع به. وقالوا: لا يجوز أن ينتفع به نظير الصيد فإن الصيد إذا صاده المحرم أصبح ميتة فكذلك هذا لا يجوز الانتفاع به.
والأقرب والله أعلم: أنه يجوز الانتفاع به ولو كان بفعل آدمي والآدمي آثم لكن نحن الآن نتحدث عن الانتفاع بما قطعه الآدمي.
- والدليل على ذلك: أن بين الذبيحة والشجر فارق كبير. لأن الذبيحة يشترط فيها أن يكون الذابح من أهل الذكاة فإن أهلية المذكي من شروط جواز أكل الذبيحة بخلاف الحطب وكسره فإنه لا يشترط له ما يشترط للذبائح والأطعمة، فافترقا من هذه الجهة فجاز الانتفاع بما قطعه الآدمي من الشجر ولم يجز بما قتله الآدمي من الصيد.
ـ ويستثنى أيضًا: الرعي:
= ذهب الجمهور إلى جواز الرعي. جواز أن يجعل الإنسان بهائمه ترعى في الحرم. واستدلوا على هذا:
[ ٣ / ١٢٩ ]
- بأن النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - دخلوا الحرم في هديهم ولم ينقل أنهم كانوا يكممون أفواه ابهائم حتى لا تأكل من حشيش الحرم. فدل هذا على الجواز وهذا ظاهر.
- واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس لما أتى إلى الصف على أتان ثم تركها ودخل الصف وصارت الأتان ترعى من الأرض وهم في الحرم.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يمكن الإنسان بهائمه أن ترعى في الحرم.
- لأن هذا الرعي يستلزم الإتلاف والإتلاف من محظورات الحرم.
وهو قول ضعيف جدًا مصادم لظواهر النصوص، فإنه يجوز للإنسان أن يبذل المرعى لبهائمه ولو كان في الحرم فهو أمر مستثنى.
ـ المسألة الأخيرة: الفدية.
o يجب في الشجر الكبيرة والمتوسطة: بقرة.
o وفي الشجرة الصغيرة: شاة.
بهذا حكم بعض أصحاب النبي - ﷺ -.
= والقول الثاني: أنه ليس في إتلاف الشجر والحشيش فدية لأنه لا يوجد دليل يدل على وجوب الفدية في الشجر أو الحشيش. وإلى هذا ذهب المالكية.
والصواب والله أعلم مع الجمهور:
- لأنا نحكم في كل باب الجزاء بفتاوى الصحابة ثم إذا وصلنا إلى جزاء الشجر توقفنا عن الأخذ بفتاوى الصحابة فهذا لا شك تناقض وعدم اضطراد في قواعد الترجيح، فما دام قبلنا آثار الصحابة هناك نقبلها هنا ولا يوجد فارق أو مانع يمنع من الأخذ بفتاوى الصحابة في هذا الباب.
- ثم قال - ﵀ -:
إلاّ الإذخر.
الإذخر مستثنى بالإجماع:
- لأن حديث ابن عباس فيه التصريح باستثنائه من قبل النبي - ﷺ -.
ثم انتقل المؤلف إلى حرم المدينة:
- فقال - ﵀ -:
ويحرم: صيد المدينة.
صيد المدينة محرم:
= عند الجماهير وهو الأئمة الثلاثة: مالك وأحمد والشافعي.
واستدلوا:
- بما أخرجه مسلم عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور).
- وبالحديث الصحيح الآخر أن النبي - ﷺ - حرَّم ما بين لا بتي المدينة.
= وذهب الأحناف وهو القول الثاني: إلى أن المدينة ليست حرمًا. فيجوز للإنسان أن يختلي خلاها وأن يقطع شجرها وأن يقتل صيدها.
واستدلوا على هذا:
[ ٣ / ١٣٠ ]
- بأن المدينة فيها حرم حكم كبير يحتاج لإثباته إلى نقل عام لا إلى نقل خاص.
والجواب على هذا الدليل من وجهين:
- الوجه الأول: أن تحريم المدينة نقل نقلًا عامًا فقد نقله عدد من الصحابة.
- الوجه الثاني: أن هذه القاعدة قاعدة منكرة إذ لا يشترط في ثبوت الأحكام أن تنقل نقلًا عامًا بل يكتفى فيها بالنقل الخاص ولذلك نجد أحكامًا مهمة لم تنقل لنا إلا نقلًا خاصًا فيكون الذي رواها من الصحابة واحد أو اثنان ورواها عنه عدد قليل من التابعين إلى أن وصلت إلى أصحاب الكتب الستة أو التسعة، فهذا شرط غير صحيح ويخالفه عمل علماء المسلمين.
بناء على هذا: الراجح: إن شاء الله ما ذهب إليه الأمة وهو أن المدينة لها حرم صحيح وثابت وكيف نرد الأحاديث الصريحة والصحيحة عن النبي - ﷺ - في صحيح مسلم أنه حرم المدينة في مثل هذه الأقيسة والتعليلات.
- ثم قال - ﵀ -:
ولا جزاء فيه.
= ذهب الحنابلة واختاره ابن قدامة وذكر عن الإمام أحمد - ﵀ - أنه ليس في قتل صيد المدينة جزاء وإنما فيه التوبة، قال الإمام أحمد: لا أعلم أن فيه جزاء.
= والقول الثاني: أن فيه جزاء. والجزاء هو سلب قاتل الصيد أو قاطع الشجرة.
واستدلوا على هذا:
- بما أخرجه مسلم عن سعد - ﵁ - أنه رأى عبدًا يقطع شجرًا في حرم المدينة فأخذ سلبه. فجاء قومه إليه فقالوا: أرجع سلب العبد فقال - ﵁ -: ما كنت أرد شيئًا نفلنيه رسول الله - ﷺ -.
فهذا الحديث صريح بأن سعد يرى أن النبي - ﷺ - جعل في قطع شجر الحرم أو قتل صيده سلب المعتدي، والمقصود بالسلب: على هذه الرواية هو: ثياب المعتدي دون دابته، فالسلب في هذا الباب يختلف عن السلب في الجهاد، والدليل:
- أن السلب في باب الجهاد إنما جاز فيه أخذ الدابة لأن لا يتقوى بها الكافر ولأجل أن يتقوى بها المجاهد المسلم وهذا المعنى مفقود في حرم المدينة.
- والشيء الآخر أنه لم ينقل أن سعدًا ﵁ أخذ دابة العبد.
[ ٣ / ١٣١ ]
وهذا القول: هو الظاهر من اختيار شيخ الإسلام وابن القيم فإنهم ضربوا أمثلة على التعزير المالي في الشرع وذكروا عدة أمثلة ومنها أخذ سلب من قطع شجر المدينة، فظاهر هذا أنهم يرون أنه يؤخذ السلب وأن في صيد المدينة وأخذ الشجر جزاء.
وهذا القول هو الصواب.
بقينا في إشكال كبير جدًا وهو قول الإمام أحمد - وهو من هو -: أنه لا يعلم أنه نقل إيجاب الجزاء فهذا في الحقيقة، مشكل فمثل الإمام أحمد إذا نفى بعلمه وورعه وسعة اطلاعه فيكون إشكال: وأنا لم أجد جوابًا على هذه الكلمة من الإمام أحمد والذي يظهر لي أن الإمام أحمد - ﵀ - وقف على هذا الأثر لكن كأنه - ﵀ - يرى أنه ليس بصريح في وجوب الجزاء وإلا فإن الإمام أحمد لا يخالف مطلقًا سنة مروية عن النبي - ﷺ - أو يكون يرى ضعف الحديث لكن ما يبدو لي أن الإمام أحمد يرى ذلك فإن الحديث في مسلم وإسناده قوي.
[ ٣ / ١٣٢ ]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٩)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.