العشرة في لغة العرب: المصاحبة والمخالطة، فمن يعاشر شخصًا فهذا يعني أنه يخالطه ويصاحبه
وأما في الاصطلاح الشرعي: المقصود بهذا الباب فهو ما يكون بين الزوجين من الألفة والوئام وحسن الصحبة.
فهذا المعنى هو المقصود بالبحث في هذا الباب.
قال المؤلف ﵀:
(يلزم الزوجين العشرة بالمعروف)
حث الشارع وأكد على أنه يجب على كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف، وهذه العشرة منها ما يكون واجبًا، ومنها ما يكون مستحبًا متأكدًا كما سيأتينا في هذا الباب، وقد دلت نصوص كثيرة على وجوب العشرة بالمعروف، وسيأتينا في كلام المؤلف حدود العشرة بالمعروف، لكن الذي يعنينا الآن هو أنّ الشارع الكريم حث على العشرة بالمعروف في نصوص كثيرة في الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (النساء/١٩)، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (البقرة/٢٢٨)
وقول النبي - ﷺ - في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم (استوصوا بالنساء خيرا)، وقوله - ﷺ - (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله)
والنصوص في هذا الباب كثيرة جدًا، ويظهر لي والله أعلم أنه متواترة المعنى أو قريبة من التواتر لكثرة النصوص الدالة على استحباب وتأكد إحسان العشرة بين كل من الزوجين.
لما قرر المؤلف وجوب العِشرة بالمعروف، انتقل كما هي عادة الفقهاء إلى الضابط، يعني بماذا تحصل العِشرة بالمعروف.
قال المؤلف ﵀:
(ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر والتكره لبذله)
العشرة بالمعروف تحصل بأن يؤدي كل واحد منهما ما عليه للآخر بلا مطل ولا تكره، فإذا أدى ما عليه مستوفيًا للشرطين، فقد عاشر صاحبه بالمعروف، وفهم من هذا التعريف أنّ صور الإخلال بالعشرة بالمعروف ثلاث:
[ ٥ / ٢٥١ ]
الأولى: من لا يعاشر بالمعروف مطلقًا، يعني أن لا يبذل ما عليه مطلقًا.
الثاني: أن يبذله مع التكره.
الثالث: أن يبذله مع المماطلة.
فهذه صور الإخلال بالعشرة الواجبة، فهذه العشرة كما تقدم في النصوص واجبة، ومما يدل على تأكد العشرة لاسيما في حق الزوج.
قال المؤلف ﵀:
(إذا دعى الرجل زوجته إلى فراشه، فلم تأتي باتت تلعنها الملائكة إلى الصباح)
وفي لفظ (ثم بات غضبان عليها) ففي هذا الحديث في بعض الألفاظ التصريح بأنه إذا أبت وبات غضبان عليها تلعنها الملائكة إلى الصباح، وفي بعض الألفاظ، أنه بمجرد أن تأبى فإنّ الملائكة تلعنها إلى الصباح، ولا شك أنّ لعن الملائكة دليل كبير على أنّ مخالفة هذا الأمر من كبائر الذنوب، إذا عرفنا الآن بماذا يحصل المماطلة، ولهذا نحن نقول لإخواننا الأزواج وأخواتنا الزوجات أنه كثير ما يحصل الإخلال بالعشرة بالمعروف، كثيرًا ما يحصل في جانب التكره. فإنّ بعض الناس يظن إذا بذل ما عليه فقد أدى الواجب ولو بتكره وهذا ليس بصحيح، بل يجب أن يبذل ما عليه بلا تكره يعني منقادة به نفسه، فإنّ التكره في أداء الحقوق يفسد أداء الحق على الآخر إلى أن تصل لدرجة بمن يؤدى إليه الحق أن لا يرغب بأخذ هذا الحق لما احتف به من التكره.
فأنا أؤكد على أن يتنبه كل من الزوج والزوجة إلى أن يؤدي الحقوق بلا تكره.
قال المؤلف ﵀:
(وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة)
إذا تم العقد فإنه يلزم أن يسلم أهل الزوجة، الزوجة إلى زوجها، والدليل على هذا أنّ تمام العقد يقتضي تسليم العوض والمعوض، فيجب على الزوج أن يسلم المهر وعلى أهل الزوجة أن يسلموها إليه، لأنّ هذين هما العوض والمعوض.
فإذًا الدليل أنّ العقود في الشرع تقتضي إذا تمت تسليم العوض والمعوض، وفي عقد النكاح العوض والمعوض المهر والزوجة، لكن لهذا التسليم ضوابط وشروط أشار إليها الشيخ الماتن - ﵀ -.
قال المؤلف ﵀:
(لزم تسليم الحرة)
إذا الوجوب يتعلق بالحرة، أما الأمة فلها حكم آخر سينص عليه المؤلف، وهو أنه يجب أن تسلم بالليل لا بالنهار، فتسليم الأمة جزئي، وتسليم الحرة كلي، يعني في جميع النهار والليل. وسيأتينا بحث الأمة.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
قال المؤلف ﵀:
(التي يوطأ مثلها)
إنما يجب تسليم المرأة التي يوطأ مثلها، ويلتحق بالمرأة التي يوطأ مثلها، المرأة التي يمكن أن يستمتع بها بما دون الوطء، مثل المرأة المريضة التي لا يمكن أن توطأ لكن يمكن الاستمتاع بها بما دون الوطء، كالمباشرة والتقبيل ونحوهما، فإذا كانت المرأة يوطأ مثلها أو يمكن أن يستمتع بها بما دون الوطء، حينئذ يجب على أهل الزوجة تسليم الزوجة إلى زوجها بهذا الشرط.
وإذا كانت المرأة لا توطأ، ولا يمكن أن يستمتع منها مطلقًا فإنه لا يجب على أهل الزوجة أن يسلموها إلى الزوج ولو بعد العقد.
التعليل: علل الفقهاء هذا بأنّ وجوب التسليم إنما هو للتمكن من الاستمتاع، فإذا لم يمكن الاستمتاع لم يمكن التسليم واجبًا وهذا واضح، إذا لم يمكن أن توطأ فإنه لا تسلم، إذا عرفنا تعليل عدم وجوب التسليم.
وهناك تعليل آخر: وهو أنه لا يأمن من تسليم الزوجة التي لا يوطأ مثلها، أن يقوم الزوج بالوطء وهي لا يوطأ مثلها فتضرر الزوجة فمن باب سد الذرائع رأى الفقهاء أنه لا يجب على أهل الزوجة أن يسلموا الزوجة إلى الزوج، وهذا الحكم يستوي فيه ما إذا ادعى الزوج أنه يريد أن يأخذ الزوجة لتعليمها وتأديبها، أو أخذها للاستمتاع، يعني بعبارة أخرى أنها لا تعطى للزوج وولو زعم أنه أخذها للتعليم والتأديب لا للاستمتاع، لما تقدم وأنه وإن زعم هذا فإنّ وجود المرأة معه في نفس البيت وهو يعلم أنها زوجته مظنة عظيمة لوقوع الوطء الذي هو مضر بهذه الزوجة.
مسألة / ذهب الحنابلة إلى أنّ المرأة التي يوطأ مثلها تحد بالسنين، فإذا تمت تسع سنوات، فهي امرأة يوطأ مثلها، وإن كانت أقل فهي امرأة لا يوطأ مثلها، واستدلوا على هذا بأنّ النبي - ﷺ - دخل على عائشة وبنى بها - ﵂ - وهي بنت تسع سنين.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
والقول الثاني: في ضابط المرأة التي يوطأ مثلها، أنه أمر يختلف باختلاف النساء، فقد تكون المرأة لها تسع سنوات ولا يمكن أن توطأ بل لها عشر ولا يمكن أن توطأ، وقد تكون امرأة أخرى لها سبع سنوات ويمكن أن توطأ، فإنّ هذا الأمر يرجع إلى طبيعة المرأة وطبيعة جسد المرأة، وما يتعلق بهذه الأمور، وهذا القول الثاني وهو أنه يختلف باختلاف النساء وأنه لا يتحدد بسن هو القول الصحيح إن شاء الله، بناء على هذا إذا عقد على امرأة ولها ثمان سنوات وهذه المرأة جسدها يقبل الوطء ويمكن أن تفهم ما يقع بين الزوج والزوجة من المعاشرة، فإنه يجب على أهل الزوجة أن يسلموها إليه.
وإذا عقد على امرأة لها عشر سنوات لكنها نضوة الخِلقة، يعني ضعيفة الخلقة لا تتحمل الوطء كما أنها لا تفهم ما يقع بين الزوج والزوجة فإنه والحالة هذه وإن كان لها عشر سنوات فإنه لا يجب أن تسلم إلى الزوج.
قال المؤلف ﵀:
(التي يوطأ مثلها في بيت الزوج إن طلبه)
فالوجوب أي وجوب التسليم موقوف على طلب الزوج، وتعليل ذلك أنّ التسليم حق من حقوق الزوج، والحقوق الخاصة تتوقف على الطلب، فإذا لم يطلب ورضي ببقائها عند أهلها فلا حرج في ذلك.
قال المؤلف ﵀:
(ولم تشترط دارها أو بلدها)
يعني وإن كانت اشترطت الدار أو البلد، فإنه لا يجب أن تسلم بل على الزوج أن يأتي إليها في دارها ويستمتع منها بما يشاء في دارها، ولا يجب على أهل الزوجة أن يخرجوها إلى بيته، لأنها شرطت البقاء في دارها أو في بلدها، ودليل هذا الشرط تقدم معنا مفصلًا ومطولًا أنّ هذا الشرط من الشروط الصحيحة اللازمة، وأنّ الشروط الصحيحة اللازمة يجب على الزوج أن يتقيد بها وإلاّ فللمرأة الحق في الفسخ وهذا الشرط من جملة الشروط الصحيحة اللازمة التي تقدمت معنا في باب الشروط في النكاح.
قال المؤلف ﵀:
(وإذا استمهل أحدهما أمهل العادة وجوبًا)
[ ٥ / ٢٥٤ ]
معنى هذه العبارة يعني إذا طلبت الزوجة أو طلب الزوج المهلة في التسليم والاجتماع، فإنه يجب إجابته لهذه المهلة، على سبيل الوجوب سواء كان الطالب الزوج أو كانت الطالبة الزوجة، وفي الغالب سيكون الطالب من؟ الزوجة. لتستعد لأمر الزواج بما يتطلبه الزواج عادة، الدليل على الوجوب من وجهين:
الوجه الأول: أنه جرت العادة بالإمهال اليسير لتستعد الزوجة لأمر الزواج، علمًا أنّ المقصود بالاستعداد هنا في كلام الفقهاء الاستعداد المتعلق ببدن المرأة أو الزوج، لا الاستعداد المتعلق بالبيت، ولا بالملابس، إنما الاستعداد المتعلق بماذا؟ ببدن المرأة.
الدليل الثاني: قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح (لا تدخلوا على النساء ليلًا حتى تمتشط الشعثى وتستحد المغيبة)، هكذا ضبطوها (المغيبة) وجه الاستدلال من الحديث أنّ النبي - ﷺ - إذا طلب من الزوج الإمهال مع طول الصحبة فلأنه يجب الإمهال مع بداية الصحبة من باب أولى، وهو استدلال قوي جدًا، إذا طلب الزوج أو الزوجة المهلة للاستعداد فإنه يجب وجوبًا إنظارهما قدر ما جرت العادة به من الاستعداد، ثم استثنى المؤلف مسألة:
قال المؤلف ﵀:
(لا لعمل جهاز)
قوله لا لعمل جهاز، النفي هنا نفي للوجوب لا للاستحباب، يعني أنه لا يجب الإنظار لعمل الجهاز لكنه يستحب، والجهاز قد يتعلق بالرجل، بأن يستعد بتأسيس أو تأثيث أو تهيئة المنزل، وقد يتعلق بالمرأة بأن تستعد بأدوات المرأة الخاصة بالزواج الخارجية، كالألبسة وأدوات الزينة وما يتعلق بهذه الأمور، مما تحتاج إليه المرأة عادة قبيل الزواج، فالحنابلة يرون أنّ الإنظار لهذا الأمر لا يجب وإنما يستحب، لأنه لأمر خارج عن ذات الزوج والزوجة.
لم أقف على قول بالوجوب لكني أقول إن كان أحد من الفقهاء قال بالوجوب في مسألة استعداد في الجهاز فهو قول وجيه جدًا وقوي، وهو الراجح بوضوح إن كان قيل به، أنا لم أقف على قائل بالوجوب كما قلت لكن إن كان قيل به فهو قول قوي جدًا.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
السبب في ذلك: أنه إذا كنا ننظر الزوجة لبعض الأعمال البسيطة المتعلقة بالبدن، كأن يستعد من حيث الشعر ومن حيث الجسد إلخ، كيف لا نمكن الزوج من الاستعداد في أمر مهم وهو مثلا ً البيت الذي يريد هو وهي أن يسكنا فيه، واليوم الناس يعتبرون الاستعداد فيما يتعلق بالبيت أهم وأشق من الاستعداد الخاص بنفس الزوج، فإذا كان الحنابلة يرون أنّ الإنظار لاستعداد الخاص بالزوج واجب فهذا الإنظار واجب من باب أولى، فيما يظهر لي. كذلك ما يتعلق بالزوجة، فإنه لا تكاد المرأة تجرأ على الدخول على الزوج وتستصيغ ذلك إلاّ بعد الاستعداد الكامل بحسب الأعراف كل بلد له عرفه في الاستعداد، لكن البلدان جميعًا يتفقون على هذا المقدار المشترك وهو الاستعداد.
قال المؤلف ﵀:
(ويجب تسليم الأمة ليلًا فقط)
تقدم معنا أنّ الحرة يجب أن تسلم في جميع الزمان، أما الأمة فإنه تسلم ليلًا فقط، ذكر الفقهاء تعليلًا لذلك، وهو أنّ السيد يملك من الأمة الخدمة والاستمتاع، فإذا انتقل الاستمتاع إلى الزوج، بقيت الخدمة حق من حقوق السيد، ولهذا نقول هي له بالنهار للخدمة فقط ولزوجها بالليل للاستمتاع، ولكن لماذا جعلوا الليل للزوج، والنهار للسيد، ولماذا لم يعكسوا لأنّ الخدمة يمكن أن تكون بالليل ويمكن أن تكون بالنهار؟ عللوا هذا بأنّ الخدمة جرت العادة بأن تكون في النهار، وطلب المعاش غالبًا يكون بالنهار، وجرت العادة أنّ الاستمتاع يكون في الليل، ولهذا جعلوا حق الزوج في الليل وحق السيد في النهار، وهذا صحيح.
قال المؤلف ﵀:
(ويباشرها ما لم يضر أو يشغلها عن فرض)
أفادنا المؤلف بهذه العبارة أنّ للزوجّ الحق في الاستمتاع بالزوجة في كل زمان وفي كل مكان وبأي كيفية شاء، إلاّ ما سيذكره المؤلف من الاستمتاع المحرم، إذا أفادنا أنّ له أن يستمتع منها كيفما شاء زمانًا ومكانًا وكيفية.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
واستدلوا على هذا بالحديث المتقدم أنّ النبي - ﷺ - (ذكر أنّ المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه ولم تأتي وبات وهو غضبان عليها لعنتها الملائكة إلى تصبح). وكذلك في الحديث الحسن إن شاء الله أنّ النبي - ﷺ - (قال إذا دعى أحدكم زوجته فلتجب ولو كانت على تنور) مع أنّ ترك التنور في هذه الحالة يؤدي إلى فساد المال وفساد المال منهي عنه ومع ذلك أباح لها الشارع أن تترك الخبز الذي في التنور أو أي طعام كان ولو أدى ذلك إلى فساده، وهذا من الأدلة الواضحة على الوجوب، كذلك جاء في الحديث أنّ النبي - ﷺ - (أمر الزوجة أن تجب زوجها ولو كانت على ظهر جمل)، ففي حديث التنور من جهة الزمان وفي حديث الجمل من جهة المكان، إذا يجب على الزوجة أن تستجيب لرغبة الزوج في كل الظروف والأماكن والكيفيات، إلاّ التي استثناها الشارع كما سينص عليه المؤلف.
أفادنا المؤلف بعموم عبارته، أنّ للزوج أن يستمتع من زوجته بالجماع ولو تعددت المرات بلا حدّ ولا عدد، ولكن هذا الحكم والحكم السابق مشروط بشرطين:
الشرط الأول: أن لا تؤدي كثرة الجماع إلى الإضرار بالزوجة.
الشرط الثاني: أن لا يؤدي ذلك إلى تفويت الزوجة فرضًا من فروض الله.
بشرط أن لا يضرها ولم يفوتها فرضًا من الفروض، فإنّ له أن يجامع عدد المرات التي يشاء بلا حدّ، واستنبط الحنابلة هذا الحكم من النصوص العامة، فإنّ النصوص عامة متى دعاها دخلت في الحديث ولو كثرت هذه المرات.
وأما الشرطان اللذان ذكرهما المؤلف، وهو عدم الإضرار وأن لا تفوّت فرضًا، فدليلهما واضح.
فالدليل الأول: قوله - ﷺ - (لا ضرر ولا ضرار)
والدليل الثاني: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
القول الثاني: يتعلق بمسألة عدد المرات التي للزوج أن يجامع فيها الزوجة، القول الثاني أنّ الزوج إذا جامع بكثرة فإنّ للزوجة أن تصالحه عن عدد الجماع بما يتفق عليه، فلها أن تقول لك في اليوم كذا مرة والزائد تدفع مقابله عوضًا، فيكون صلح عن بعض عدد الجماع. الدليل استدلوا بدليلين:
[ ٥ / ٢٥٧ ]
الأول: أنّ امرأة في عهد ابن الزبير اشتكت كثرة الجماع من زوجها، فحكم عليها بست في النهار وست في الليل.
الدليل الثاني: أنّ أنس سئل عن امرأة جامعها زوجها بكثرة فحكم بأربعة في الليل والنهار.
قالوا فهذان الصحابيان قيدوا بعدد محدد، والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، وهو أنه لا يتقيد بقيد ولا يحدّ بعدد.
وأما الجواب عن الآثار فمن وجهين:
الوجه الأول: البحث في ثبوت هذه الفتاوى، فإن ثبتت فإنّ هذه الفتاوى تحمل على وقوع الضرر من كثرة الجماع، ونحن نتفق، والجماهير يرون ذلك أنه إذا كان هناك ضرر فإنه يجب أن يحد عدد الجماع إلى العدد الذي لا يكون معه ضرر على الزوجة.
إذا نجيب على الآثار بأنها تحمل هذه الآثار على وجود ضرر على الزوجة، أما في الحقيقة إذا كان الزوج يجامع بكثرة ولا يوجد ضرر على الزوجة إلاّ أنه سئمت من كثرة الجماع بلا ضرر يقع عليها، فيظهر لي أنّ مذهب الحنابلة في هذه المسألة أقوى.
سبب الترجيح: أنّ النصوص التي اعتنت بهذا الأمر التي جاءت عن النبي - ﷺ - صريحة بأنّ هذا حق من حقوق الزوج ولم يأتي في النصوص ما يقيّد هذا الحق ونحن نفترض ونفرض المسألة مع وجود ضرر على الزوجة، حينئذ الأقرب والله أعلم مذهب الحنابلة.
قال المؤلف ﵀:
(وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده)
يعني أنّ للزوج أن يسافر بزوجته، وأنه يجب عليها الطاعة إذا طلب منها أن تسافر معه، إلاّ إذا كانت اشترطت عليه ألاّ تخرج من بلدها فإن كانت اشترطت هذا الشرط، فهو شرط صحيح لازم، وإن لم تكن اشترطت فإنه يجب عليها أن تسافر مع زوجها.
الدليل على هذا: أنّ الزوج له حق الاستمتاع بالزوجة في كل الأوقات ومن ذلك الأوقات في السفر، ولم يتمكن من الاستمتاع إلاّ إذا سافرت معه، وهذا صحيح وهو أنه يجب على المرأة أن تطيع الزوج إذا أراد أن يسافر، لكن يشترط لوجوب الطاعة أن يسافر إلى بلد مأمون في الطريق وبعد الوصول، فإن كان الطريق إلى البلد غير مأمون أو كانت البلد غير مأمونة فإنه لا يجب على الزوجة أن تسافر، فإذا أراد أن يصحبها إلى بلد فيه حرب أو فيه وباء أو فيه كوارث طبيعية فإنه لا يجب عليها أن تسافر معه.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
كذلك إذا أراد أن يصحبها في طريق مخوف لا يأمن معه الإنسان على نفسه، فإنه لا يجب عليها أن تسافر معه.
هل من ذلك إذا أراد أن يسافر في طيران يكثر سقوط الطائرات فيه؟ أو في سفن يكثر الغرق فيها؟ أو ليس من ذلك؟
إذا كانت هذه الخطوط معروفة بأنّ طائراتها كثيرة السقوط، أو هذه السفن كثيرة الغرق، فإنه لا يجب أن تسافر، لكن ما يظهر لي أنا أنه في خطوط معروفة أنها كثيرة السقوط، يعني هذا نادر، وكذلك لا يظهر لي أنه يوجد مجموعة من السفن معروفة بكثرة الغرق.
فإنّ هذه الكوارث الكبيرة لا يمكن أن تتكرر بكثرة، لكن من ذلك أن يسافر بها مع سائق معروف بالتهور، حينئذ لها أن تمتنع، ولو كان هذا السائق قريب، المهم القاعدة العامة إذا كان هناك ضرر فإنه لا يجب أن تسافر معه.
قال ﵀ في بداية الكلام عن الممنوعات من الوطء بعد أن قرر القاعدة العامة أنه له أن يباشر كيفما شاء أراد أن يبيّن الممنوعات.
قال المؤلف ﵀:
(ويحرم وطؤها في الحيض والدبر)
تحريم الوطء في الحيض دلّ عليه النص والإجماع.
قال تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة/١٨٩] فوطء المرأة أثناء الحيض محرم بالإجماع والنص ولا إشكال فيه لم يختلف فيه أهل العلم ولله الحمد، ويستوي في هذا أول نزول الحيض وأوسط نزول الحيض وآخره إذا خفّ ويلتحق به الصفرة والكدرة إذا اعتبرناها حيضًا، ففي كل هذه المراحل لا يجوز للإنسان أن يطأ زوجته.
وتقدم معنا هذا في كتاب الحيض.
قال المؤلف ﵀:
(والدبر)
ولا يجوز أن يطأ في الدبر، ذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وعامة علماء الأمة، إلى أنّ الوطء في الدبر محرم وهو من الكبائر وجاء فيه من النصوص أكثر مما جاء في الحيض عند من يصحح هذه النصوص، استدل الجماهير بأدلة:
الأول: قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة/٢٢٣] وقد فسر الصحابي الجليل ابن عباس - ﵁ - الآية بأنّ المقصود بالحرث موضع الولد، وهو صريح جدًا، وجه الاستدلال من الآية أنّ الله ﷾ إنما أباح وطء المرأة في موضع الولد، هذا الدليل الأول.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
الدليل الثاني: مجموعة كبيرة من الأحاديث الدالة على تحريم الوطء في الدبر، منها قوله - ﷺ - (ملعون من أتى امرأته في دبرها) ومنها قوله - ﷺ - (لا تأتوا النساء في أعجازهن) ومنها قوله - ﷺ - (إنّ الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن)، هذه النصوص أولًا جميعا لا تخلو من ضعف، كل واحد منها في اسناده ضعف لا يسلم منها حديث، لكن كثيرًا من المتأخرين يصحح هذه الأحاديث معتمدًا على ثلاثة أمور:
الأول: أنه جاءت من طرق متعددة.
الثاني: أنها توافق ظاهر القرآن.
الثالث: أنها توافق فتاوى الصحابة.
لكن مع ذلك ذهب كثير من الأئمة، إلى أنه لا يثبت في هذا الباب حديث صحيح، من هؤلاء الإمام البخاري، ومن هؤلاء النسائي، ومن هؤلاء الإمام ابن المنذر، نحو خمسة من الأئمة، على رأسهم البخاري والنسائي.
الأقرب والله أعلم أنه لا يثبت في الباب حديث صحيح، لأنّ هذه الأحاديث من الضعف بحيث لا يقوي بعضها بعضًا.
الدليل الثالث: صح عن الصحابة تحريم وطء المرأة في الدبر.
إذا الدليل الأول: الآية، والدليل الثاني: الأحاديث، وعلمتم كيف شأن هذه الأحاديث من حيث الثبوت وعدمه، والدليل الثالث: الآثار.
القول الثاني: أنّ وطء المرأة في الدبر جائز، وهو مروي عن اثنين الإمام مالك وقبله ابن عمر وبعضهم يرويه وينسبه للإمام الشافعي والصحيح أنّ هذا القول لا يثبت عن مالك ولا ابن عمر ولا عن الشافعي.
نبدأ بالأهم وهو ابن عمر - ﵁ - روي عنه ما يوهم جواز وطء المرأة في الدبر. وعن هذه الفتوى أجوبة عن الفتوى المنقولة عن ابن عمر أجوبة:
الجواب الأول: أنّ مقصود ابن عمر بجواز وطء الدبر يعني الوطء في القبل من جهة الدبر. الوطء يكون في القبل لكن أتاها من جهة الدبر، وهذا تفسير أحد كبار تلاميذ ابن عمر وهو نافع، فإنه قال أنّ مقصود ابن عمر هذا وصح عنه هذا التفسير.
الجواب الثاني: أنه إن ثبت عن ابن عمر فهو وهم منه - ﵁ - وممن ذهب إلى أنّ هذا وهم وصح عنه ابن عباس فإنه قال وهم ابن عمر.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
الجواب الثالث: أنه صح عن ابن عمر بإسناد كالشمس أنه يرى تحريم الوطء في الدبر، بل روي عنه اللعن فقال لعن الله من أتى امرأته في دبرها، وكما ترى كل واحد من الأجوبة الثلاث كافي في إبطال الاستدلال بأثر ابن عمر.
أما مالك فإنه سئل فيما ينسب إليه من جواز الوطء في الدبر فقال معاذ الله.
وأما الشافعي فإنه لم يثبت عنه، ولهذا أقول إن شاء الله الراجح بلا تردد ولا إشكال بإذن الله أنّ الوطء في الدبر محرم وهو من الكبائر بل قال شيخ الإسلام - ﵀ - الوطء في الدبر للزوجة من اللواط، وقال ابن القيم - ﵀ - لم يبح وطء الدبر على لسان نبي من الأنبياء.
كما أنه يضاف لهذه الأدلة أنّ وطء الدبر يترتب عليه آثار وخيمة جدًا وأمراض تلحق بالزوج بالدرجة الأولى، وبالزوجة بالدرجة الثانية ويظهر لي والله أعلم أنّ القول بالجواز شاذ وغير معتبر، وأنه ينافي الفطرة لاسيما وأنّ الآية صريحة أنّ جواز الوطء إنما هو في محل الولد وأما ما تمسك به الذين يقولون بجواز الوطء بالدبر وهو الآيات العامة، فقالوا نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، هذا عام ونسوا أنّ ابن عباس فسّر الآية بمحل الولد، والاستدلال بالعمومات لا يصلح مع وجود النصوص الخاصة.
وأنا أقول لو لم يكن في الباب أي نص لكانت الأضرار الطبية التي ثبتت بالتواتر والإجماع كافية في التحريم، كيف وتوجد آثار عن الصحابة صحيحة مسندة كثيرة، أنّ الوطء لا يجوز حتى روي عن ابن عمر اللعن.
قال المؤلف ﵀:
(وله إجبارها ولو ذمية على غسل حيض)
يعني ونفاس وإنما تركوا النفاس لأنّ أحكام الحيض والنفاس واحدة المعنى، وتعليل الوجوب أنه لا يمكن أن يستمتع الإنسان من زوجته إلاّ بعد أن تغتسل، ولهذا فإنه يجب عليها أن تغتسل ليتمكن من الاستمتاع الواجب.
قال المؤلف ﵀:
(ونجاسة)
ويجب على الزوجة أن تغسل النجاسة التي أصابت بدنها أو أصابت ثوبها، لأنّ الزوج لا يتمكن من الاستمتاع مع وجود النجاسات في بدن المرأة، وهذا أمره واضح.
قال المؤلف ﵀:
(وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره)
[ ٥ / ٢٦١ ]
يعني ويجب على الزوجة أن تأخذ ما تعافه نفس الزوج من الشعر ونحوه من الأوساخ التي يندب للزوجة أن تتخلص منها، يجب وجوبا أن تتخلص من الشعور وهذا الوجوب زائد على الوجوب المستفاد بالنصوص من حلق أو أخذ الإبط وحلق شعر العانة فإنّ النصوص دلت على هذا، وهذا وجه آخر للوجوب، وهو إذا طلب الزوج ذلك.
الدليل: أنّ الاستمتاع لا يتم مع وجود ما تعافه النفس من الزوجة، لا حظ هم يقولون لا يتم، ولم يقولوا لا يوجد لكنه لا يتم بخلاف الحيض فإنّ الاستمتاع لا يوجد، لأنه لا يجوز للزوج أن يجامع زوجته قبل أن تغتسل.
القول الثاني: أنه لا يجب على المرأة أن تأخذ ما تعافه نفس الزوج من شعر ونحوه، لأنّ هذه الشعور لا تمنع من الوطء.
والجواب على هذا الاستدلال أنها تمنع كمال الوطء والاستمتاع للزوج واجب على زوجته، وعلى المرأة أن تؤدي الواجب على وجه الكمال لا على وجه النقص، وهذا القول الأول هو الصحيح، ومقتضى تعليل الحنابلة أنه أيضًا يجب على الزوج أن يأخذ ما تعافه الزوجة من شعر ونحوه، لأنّ الاستمتاع كما سيأتينا في آثار الصحابة حق متبادل، وإن كان هو من الحقوق الأولى للزوج بالذات لكنه أيضًا من الحقوق المتبادلة، فيجب على الزوج أن يأخذ ما تعافه نفس الزوجة.
قال المؤلف ﵀:
(ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة)
يعني ليس للزوج أن يجبر زوجته على غسل الجنابة إذا كانت ذمية، لأنّ الذمية لا تلزم بفروع الشرع إلاّ بعد الدخول في الإسلام، وهذه المسألة فيها خلاف كالخلاف في المسألة السابقة تمامًا من حيث التعليل والدليل والأقوال والراجح.
فمثلًا الزوج تعاف نفسه الزوجة التي لا تغتسل من الجنابة، ولو كانت ذمية ولهذا نحن نقول الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تمامًا، والراجح أنه يجب على الزوجة أن تغتسل من الجنابة لا وجوبًا شرعيًا أصليًا، وإنما ليتمكن الزوج من استيفاء الحقوق على الوجه الكامل.
فصل
قال المؤلف ﵀:
(ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع)
هذا الفصل يقول المؤلف - ﵀ - فصل وهذا الفصل يريد المؤلف أن يتكلم فيه عن المبيت والقسم وما يتعلق بهما.
قال المؤلف ﵀:
[ ٥ / ٢٦٢ ]
(ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع)
قوله عند الحرة لم يبيّن المؤلف ماذا يجب عليه عند الأمة، فلنذكر الأمة ثم نرجع لتفصيل الحرة لأنّ المؤلف سيستمر في تفصيل الأحكام المتعلقة بالحرة.
الأمة يجب على الزوج أن يبيت عندها ليلة من كل سبع ليالي، لأنّ أكثر ما يجمع الإنسان على زوجته الأمة ثلاث حرائر، لكل حرة ليلتان وللأمة كم؟ ليلة واحدة فست للحرائر وواحدة لمن؟ للأمة، فإذا لها ليلة من كل سبع، هذا ما يتعلق بالأمة نرجع إلى تفصيل الحرة.
قال المؤلف ﵀:
(ويلزمه وينفرد إن أراد في الباقي)
المؤلف يريد أن يتحدث عن قسم الابتداء، وقسم الابتداء هو القسم إذا كان له زوجة واحدة، فيجب عليه أن يبيت عندها ليلة من كل أربع وينفرد بالثلاث، هذا مذهب الحنابلة دليلهم: القصة المشهورة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنّ امرأة جاءت إلى عمر ﵁، وأثنت على زوجها خيرًا وذكرت من قيامه وصيامه، فأثنى عليها عمر خيرًا، وقال لها جزاك الله خيرًا فاستحت المرأة فخرجت، فقال كعب بن سوار وكان حاضرًا، يا أمير المؤمنين لما لم تعدي المرأة على زوجها، قال وما ذاك؟ قال إنما أتت شاكية، فإنّ زوجها إذا كان يقوم الليل ويصوم النهار ليس لها منه شيء، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ - عليَّ بزوجها فلما جاء قال لكعب احكم، فقال - ﵁ - إنّ أكثر ما يجمع الحر أربع زوجات، فحكمي أنّ لها ليلة من كل أربع.
فقال عمر بن الخطاب، إنّ حكمك أعجب من فهمك، ثم قال اذهب فأنت قاضي البصرة.
هذا الأثر عمدة الحنابلة، فإنّ عمر بن الخطاب حكم بهذا الحكم بعد مداولات في مجلس القضاء مع حضور الصحابة وأطبقوا - ﵃ - أنّ المرأة الحرة في قسم الابتداء لها ليلة من أربع، وله أينفرد بنفسه في الثلاث الباقية.
القول الثاني: أنّ هذا القسم يرجع فيه إلى العرف، وهذا القول أضعف الأقوال.
القول الثالث: أنّ الحكم بما يبيت الزوج من الليالي عند زوجته يختلف باختلاف الأحوال واستدلوا على هذا بأنه ليس من حسن العشرة أن ينفرد الإنسان عن زوجته بلا سبب لمدة ثلاث ليالي، ويبقى معها لمدة ليلة واحدة، وليس له زوجات سواها.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
وأجابوا عن أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - بأنها فتوى خاصة وحادثة عين.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وهو أنه يختلف باختلاف الظروف والزوج والزوجة، الراجح أيُّ القولين أرجح هذه المسألة تأملت فيها كثيرًا ويظهر لي أنّ الراجح بوضوح جدًا مذهب الحنابلة، السبب في ذلك أنه لا يظهر مطلقًا عند تأمل الأثر
أنّ هذا الأثر فتوى خاصة أو حادثة عين أو تتعلق بفتوى شخصية، لأنّ أمير المؤمنين لا يعرف المرأة ولا الرجل وهي فتوى في مجلس عام، لا يظهر مطلقًا منها أنها فتوى خاصة، ولم يذكر في الأثر أي ملابسات تختص بالمرأة أو بالرجل، ولهذا أنا أرى أنّ اختيار شيخ الإسلام
في هذه المسألة فيه ضعف وأنّ هذه الفتوى التي بمحضر الصحابة وتكاد تكون إجماع لا يمكن أن ترد بمثل هذه التعليلات.
نقول إن شاء الله الراجح أنه يجب على الإنسان أن يبقى ليلة من ثلاث في قسم الابتداء.
قال المؤلف ﵀:
(ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة)
الوطء واجب على الزوج وجوبًا إذا لم يكن معذورًا بمرض ونحوه، واستدلوا على هذا بأنّ المقصود من عقد النكاح إحصان المرأة، وإعطاءها الحقوق، وهذا لا يكون مع الامتناع عن الوطء.
الثاني: أنّ ترك لوطء ليس من المعاشرة بالمعروف.
القول الثاني: أنه لا يجب على الزوج أن يطأ، واستدلوا على هذا بأنّ الوطء حق من حقوق الزوج، فكيف نوجب على الإنسان حق من حقوقه، والراجح أنه يجب عليه أن يطأ لأنّ الوطء حق مشترك وليس حقًا خاصًا بالرجل، بل يجب عليه أن يطأ.
وسيبيّن المؤلف - ﵀ - مقدار هذا الوجوب.
قال المؤلف ﵀:
(ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة)
كما قلت لما بيّن الوجوب بيّن مقدار هذا الوجوب، فالحنابلة يرون أنه يجب أن يطأ مرة واحدة كل أربع أشهر، واستدلوا على هذا بأدلة: بأنّ الله تعالى حدّ للمولي أربعة أشهر، فدل على أنّ هذا غاية ما ينتظر الإنسان في الوطء.
القول الثاني: أنّ الوطء يرجع فيه إلى العرف، وهذا أيضًا أضعف الأقوال، لأنه لا يمكن أن نعتبر الأعراف في أمور يختلف فيها الناس.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
القول الثالث: أنه يجب أن يطأ زوجته بما يحصل لها به الكفاية ولو كثر ما لم يضر ببدنه أو بطلبه المعاش، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام، وهو قول قوي جدًا، بهذين الشرطين فيجب أن يعف زوجته، وأن يطأها الوطء الذي تحصل به الكفاية بهذين الشرطين:
١ - أن لا يضر ببدنه.
٢ - وأن لا يضر بمعاشه.
«انتهى الدرس».
[ ٥ / ٢٦٥ ]
الدرس: (١٥) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه )
إذا سافر الزوج لعذر وحاجة سقط حقها من القسم والوطء، ولو طال السفر مادام لعذر.
أما إذا لم يكن له عذر يمنع الرجوع ففي الحكم تفصيل كما يلي:
إن كانت مدة السفر ستة أشهر فأقل فإنه لا حرج على الزوج ولا يطالب بنفقة ولا وطء، وإن كان أكثر من ستة أشهر فإنه يجب عليه أن يعود متى طلبت الزوجة ذلك.
إلى هذا ذهب الإمام أحمد، إلى هذا التقسيم والتفريق ذهب الإمام أحمد واستدل على ذلك بالقصة المشهورة التي حدثت في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو أنّ امرأة خرج زوجها للجهاد، وأصابها الضر من طول غيابه، فدخل عمر بن الخطاب - ﵁ - على ابنته حفصة أم المؤمنين - ﵂ - وقال كم تصبر المرأة
على فراق زوجها، فقالت سبحان الله مثلك يسأل مثلي عن هذا؟! فقال أمير المؤمنين إنما أردت صالح المسلمين، فقالت - ﵂ - تصبر المرأة من خمسة أشهر إلى ستة أشهر، فجعله عمر بن الخطاب حدًا لغياب الرجل.
إذًا عرفنا مستند الحنابلة في هذا التقسيم، ثم بيّن المؤلف الحكم فيما إذا زاد.
قال المؤلف ﵀:
(وإن سافر فوق نصفها)
يعني فوق نصف ماذا؟ السنة.
(وطلبت قدومه وقدر لزمه)
إذا سافر أكثر من ستة أشهر بغير عذر ولا حاجة، فإنه إذا طلبت الزوجة قدومه لزمه وجوبًا، والسبب في ذلك أنّ قدوم الزوج في هذه الحالة حق من حقوق المرأة، فلا يجب إلاّ بطلبها.
قال المؤلف ﵀:
(وقدر لزمه)
[ ٥ / ٢٦٦ ]
يعني إن طلبت المرأة قدومه، ولم يقدر أن يأتي لعدم أمن الطريق أو لعدم وجود وسيلة النقل أو لأيِّ سبب من الأسباب التي لم يتمكن معها من القدوم، فإنه لا يجب عليه والحالة هذه أن يقدم، لأنه لا يستطيع، ولا يكلف الله نفسًا إلاّ وسعها.
إذا عرفنا الآن الحكم فيما إذا سافر الزوج، وتفريق الحنابلة بينما إذا كان ستة أشهر فأقل وبينما إذا كان أكثر من ستة أشهر، وكما تلاحظ الشيخ المؤلف ذكر الحكم فيما إذا كان فوق ستة أشهر، ولم يذكر الحكم فيما إذا كان أقل من ستة أشهر وذكرته لك.
قال المؤلف ﵀:
(فإن أبى أحَدَهُما فُرّقَ بينهما بطلبها)
(فإن أبى أحَدَهُما) صحح النسخة التي بين يديك، لأنه الصواب الفتحة، الضمير في أحدَهمُا يرجع إلى القدوم من السفر أو الوطء، يعني إن أبى أن يطأ الوطء الواجب، أو أبى أن يقدم في الصور التي يجب عليه أن يقدم، فإنه يلزمه الحاكم بذلك، وجعلوا الإلزام إلى الحاكم لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى اجتهاد وتقدير، تقدم معنا مرارًا أنّ كل أمر يحتاج إلى اجتهاد وتقدير فإنه يرجع فيه إلى الحاكم لئلا يقع النزاع، ولهذا عبر المؤلف بقوله (فُرِّق بينهما بطلبها) وقال فُرِّق المقصود به الحاكم، وبطلبها تقدم معنا أنّ السبب أنّ التفريق يكون بطلب الزوجة، لأنه حق من حقوقها، فلا يجب إلاّ بعد الطلب.
قال المؤلف ﵀:
(وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد)
يعني يسن للإنسان إذا أراد أن يطأ أن يسمي وأن يقول الوارد، ودليل ذلك قوله - ﷺ - (لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإذا قسم بينهما ولد لم يضره الشيطان)، فهذا الحديث اشتمل على التسمية واشتمل على ذكر الوارد، وهذه السنة واضحة.
مسألة / هل يختص هذا الدعاء بالرجل، وقع بين الفقهاء خلاف، فمن العلماء من قال هذا الذكر خاص بالرجل عند إرادة الجماع دون المرأة لقوله - ﷺ - (لو أنّ أحدكم).
[ ٥ / ٢٦٧ ]
القول الثاني: أنّ هذا الذكر لا يختص بالزوج بل يشمل الزوج والزوجة الرجل والمرأة، وعلل أصحاب هذا القول قولهم بأنّ الأذكار الواردة في السنة سواء كانت أذكار صباح ومساء أو طبعًا شراب أو مبيت قد تذكر بلفظ التذكير ولا يعني هذا تخصيص الرجل بها دون المرأة، فكذلك هذا الحديث، وإن خرج مخاطبًا به الرجل فإنه لا يعني أنه لا يتناول المرأة، وإلى هذا القول ذهب المرداوي - ﵀ - ورجح أنه لا يختص بالرجل وهو الصحيح إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀:
(ويكره كثرة الكلام، والنزع قبل فراغها)
من قول الشيخ (وتسن التسمية ) بدأ بذكر آداب الجماع، والآداب تشتمل المسنونات والمكروهات، فإنّ تجنب المكروهات من جملة آداب الجماع، فأخذنا الأدب الأول وهو التسمية مع الذكر.
ثم بدأ بالمكروهات فقال (ويكره كثرة الكلام ) يكره للرجل وللمرأة أثناء الجماع أن يكثرا من الكلام، واستدلوا على هذا بقول النبي - ﷺ - لا يتكلّمن أحدكم في الجماع فإنّ منه يكون الخرس والفأفأة) فدل هذا الحديث على كراهية الكلام أثناء الجماع، وهذا الحديث ضعيف، والمكروه عند الحنابلة كما تلاحظ في كلام المؤلف كثرة الكلام، أما الكلام بلا كثرة فليس بمكروه، والأقرب والله أعلم أنّ الكلام أثناء الجماع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مباح وهو أن يتكلم بكلام ليس له علاقة بأمر الجماع.
القسم الثاني: مستحب وهو أن يتكلم بكلام يحقق المقصود من الجماع، وهو كمال الاستمتاع كما قال الفقهاء، وعلم من هذا التقسيم أنّ القول بالكراهة ليس بصحيح إذ لا دليل يدل على الكراهة مطلقًا، لكن نقول إما أن يكون مباحًا أو أن يكون مستحبًا على ما تقدم.
قال المؤلف ﵀:
(والنزع قبل فراغها)
يعني ويكره للزوج إذا جامع زوجته أن ينزع قبل فراغها، والمقصود بالنزع أن ينتهي من الجماع قبل فراغ زوجته من حاجتها، فهذا العمل مكروه، والدليل على الكراهة من وجهين:
الوجه الأول: قوله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/١٩] وهذا ليس من العشرة بالمعروف.
الدليل الثاني: قوله - ﷺ - (إذا قضى أحدكم حاجته فلا يعجل حتى تقضي حاجتها) هذا الحديث فيه ضعف.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
لكن في الحقيقة هو صحيح المعنى ويتوافق مع الآية ويتوافق مع قواعد الشرع، فنقول إنّ نزع الرجل قبل أن تقضي الزوجة حاجتها من الجماع مكروه لهذه النصوص، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه محرم، والذي ذهب إلى أنه محرم هو شيخنا - ﵀ - فإن كان سبق بالقول إلى التحريم فهو قول وجيه جدًا، وإن لم يسبق فيكون الراجح الكراهة فقط.
والسبب في أنّ قول التحريم قوي إن كان قيل به، أنّ نزع الرجل قبل أن تقضي الزوجة حاجتها، مُضِر جدًا بالزوجة وقد يكون له آثار سلبية أكثر من لو لم يجامع أصلًا، وهذا الأمر مضادة للمقصود الشرعي من الجماع، وإذا كان الجماع كما تقدم معنا واجبًا في الشرع فإنّ ما يضاد هذا الواجب ويؤدي إلى عكس النتيجة القول بتحريمه وجيه جدًا، وعلى كل حال المهم أنّ نزع الرجل قبل أن تقضي زوجته حاجتها يدور بين الكراهة والتحريم.
قال المؤلف ﵀:
(والوطء بمرأى أحد)
يعني ويكره أن يطأ بمرأى أحد من الناس، ويلتحق بالوطء بمرأى أحد التقبيل والمباشرة والضم ونحوها، فهذه الأمور مكروهة بمرأى أحد، تعليل الكراهة: أنّ قيام الزوج بهذا العمل بمرأى أحد هو من الدناءة التي ينبغي أن يترفع عنها المسلم.
ومقصود الحنابلة بمرأى أحد يعني مع ستر العورة، أما مع انكشاف العورة فمحرم كما تقدم معنا في شروط الصلاة في الشرط المتعلق بوجوب ستر العورة، فمقصود الحنابلة هنا يعني مع ستر العورة فإذا استتر الزوجان وجامعها بمرأى من الناس فإنّ هذا مكروه، كما تسمع وهو في الحقيقة كما قال الحنابلة من الدناءة.
قال المؤلف ﵀:
(والتحدث به)
يعني ويكره أن يتحدث الزوج بما صنع مع زوجته، أو تتحدث الزوجة بما صنعت مع زوجها في الجماع.
[ ٥ / ٢٦٩ ]
دليل الكراهة أنّ النبي - ﷺ - صلى الفجر يومًا ثم قال للرجال (لعل بعضكم يتحدث بما يكون بينه وبين أهله (، فسكت الرجال، فانصرف النبي - ﷺ - إلى النساء فقال: (لعل إحداكن تتحدث بما يكون بينها وبين زوجها) فسكت النساء، ثم قامت امرأة وقالت يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن، فقال النبي - ﷺ - (لا تفعلوا فإنّ مثل ذلك كمثل الشيطان لقي شيطانة فجامعها في الطريق والناس ينظرون)، فهذا الدليل الصحيح دليل على كراهية أن يتحدث الزوج والزوجة بما يجري بينهم.
الدليل الثاني: ما جاء في الصحيح أنّ النبي - ﷺ - عدّ من يتحدث بما يكون بينه وبين أهله من شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
القول الثاني: أنّ التحدث به محرم، واستدل هؤلاء بأنّ الأدلة التي استدل بها الذين قالوا بالكراهة تدل على التحريم لا الكراهة، وهذا صحيح واضح جدًا، لأنّ جماع الشيطان والشيطانة في الطريق الممثل به محرم، كما أنّ الفعل الذي يؤدي إلى أن يكون الإنسان
من شرار الخلق عند الله يوم القيامة لا شك أنّ هذا محرم، وهو مؤكد بثلاثة:
الأول: أنه من شرار الخلق. الثاني: عند الله وهو مذكور في الحديث. الثالث: يوم القيامة.
فهو من شرار الخلق، ويوم القيامة عند الله، على كل حال القول بالتحريم هو الصحيح وهو الذي تدل عليه هذه النصوص الصحيحة.
قال المؤلف ﵀:
(ويحرم جمع زوجتيه في مسكن واحد)
المسكن: تعريفه هي الغرفة المسقوفة التي لها دهليز، هذا تعريفه في اللغة.
وأما تعريف البيت فهو كتعريف المسكن تمامًا، البيت والمسكن واحد.
المصطلح الثالث الدار وهي ما تشتمل على عدة مساكن، يعني على عدة غرف، فالدار فيها عدة مساكن أو عدة بيوت.
المؤلف يقول لا يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجتيه في مسكن واحد، يعني في غرفة واحدة، ولو كانت الغرفة كبيرة جدًا، والسبب في ذلك أنّ جمعهما يؤدي إلى وقوع الزوجتين في المحظور بسبب الغيرة والتنافس، كما أنّ في جمعهما في غرفة واحدة إضرار عظيم وظاهر
بالزوجتين، لأنّ وجود الضرة معها في نفس الغرفة يؤدي إلى الغيرة من أيّ تصرف يكون من الزوج وهذا إضرار بهما.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
وما ذكره المؤلف من أنّ هذا محرم صحيح، مع القدرة في أن يسكنهما في أكثر من غرفة.
قال المؤلف ﵀:
(بغير رضاهما)
أما برضاهما فلا بأس، فإذا رضيت الزوجتان في السكن في غرفة واحدة فلا حرج، لأنّ الحق لهما، فإذا تنازلا عن حقهما فلا بأس، فإذا سكنت الزوجتان في غرفة واحدة، في مسكن واحد أو في بيت واحد، فهل يجوز أن يبيت هو مع الزوجتين في فراش واحد؟
الجواب: يجوز أن يبيت في فراش واحد برضاهما أيضًا، إذا رضيت الزوجتان له أن ينام بينهما في فراش واحد.
وهل يجوز أن يكون اللحاف واحد. أو يشترط أن ينام بينهما وكل منهما له لحافه.
الجواب: يجوز برضاهما أن يكونوا في لحاف واحد، فإذا مع رضا الزوجتين يجوز أن يسكن في غرفة واحدة وينام في فراش واحد ويتغطى بلحاف واحد.
مسألة / وهل يجوز أن يجامع إحداهما بوجود الأخرى؟
الجواب: لا يجوز أن يجامع إحداهما بوجود الأخرى، ولو مع الرضا، هنا لا نقول برضاهما ولا بغير رضاهما، لا يجوز ولو مع الرضا.
لأنّ هذا فيه مضرة ظاهرة على الزوجة التي لم تجامع، ولو رضيت كما أنّ في هذا دناءة في الحقيقة، لا يجوز أبدًا وإن كانت زوجته أن يجامعها بوجود الزوجة الأخرى.
علم من هذا التقسيم، أنّ وضع الزوج إحدى الزوجتين في طابق والأخرى في طابق آخر جائز عند الفقهاء بل وضع كل واحدة في غرفة في بيت واحد في دور واحد جائز عند الفقهاء، بشرط أن يكون هذا مسكن مثلها كما سيأتينا في باب النفقات.
قال المؤلف ﵀:
(وله منعها من الخروج من منزله)
للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من المنزل، فهذا حق من حقوق الزوج، بل هو من أعظم حقوق الزوج بعد حق الاستمتاع، وعموم كلام المؤلف يشمل ما لو منعها من زيارة والديها، ولو كانا مريضين، وهذا صحيح، لأنّ حق الزوج بالنسبة للمرأة مقدم على حق الوالدين، الدليل على هذا من عدة أوجه أو نصوص:
النص الأول: قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء/٧٥] وقد فسر بعض السلف هذه الآية، أي أمرهم نافذ عليهم.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة/٢٢٨] وهذه الدرجة تشمل الطاعة.
[ ٥ / ٢٧١ ]
الدليل الثالث: وهو في الحقيقة نص في المسألة: قوله - ﷺ - (إذا استأذنت أحدكم زوجته إلى المسجد فلا يمنعها)، فإنّ صريح مفهوم الحديث، أنها إذا استأذنت إلى غير المسجد فله أن يمنعها.
الدليل الرابع: قوله - ﷺ - (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)، وهذا الحديث إسناده إن شاء الله حسن، وكما ترى النصوص، وعدم الخروج إلاّ بإذن الزوج نصوص ظاهرة جدًا وكثيرة، وسيأتينا في النصوص أنّ هذا من أعظم الحقوق.
قال المؤلف ﵀:
(ويستحب إذِنُهُ أن تُمَرِّض محرمها)
ويستحب يعني للزوج أن يأذن لها في تمريض محارمها، والدليل على أنّ هذا مستحب قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/١٩] فإنّ هذا من العشرة بالمعروف.
والدليل الثاني: أنّ في الإذن في تمريض محارمها، إعانة على صلة الرحم، وصلة الرحم مندوبة والإعانة عليها مندوبة، إذا يستحب له ويتأكد في حقه أن يأذن بالتمريض.
قال المؤلف ﵀:
(وتشهد جنازته)
يعني ويستحب له أن يأذن لها بأن تشهد جنازة محارمها، وفي استحباب هذا الأمر نظر، بأنّ المرأة منهي عنها إتباع الجنائز.
فنقول للزوج ينبغي أن تمنعها لأنّ في منع الزوج من إتباع زوجته للجنازة تحقيق لرغبة الشارع فنقول لا ينبغي الإذن لها في إتباع الجنازة، لكن قول المؤلف - ﵀ - (ويستحب بإذنه أن تمرض محارمها)، لا يظهر لي أنّ مقصود المؤلف حصر الاستحباب على تمريض المحارم بل حتى الزيارة التي هي من صلة الرحم، أو زيارة الوالدين، أو الأخوات التي تكون ضمن النطاق المشروع يستحب له أن يأذن لها، لأنّ هذا من صلة الرحم، ولعل المؤلف مثّل بالتمريض
لأنّ الاستحباب فيه ظاهر.
قال المؤلف ﵀:
(وله منعها من إجارة نفسها)
[ ٥ / ٢٧٢ ]
وله منعها من إجارة نفسها، بلا نزاع وتعليل ذلك أنها إذا أجرت نفسها فقد منعته من الاستمتاع في زمن الإيجار، ونحن قلنا أنّ الاستمتاع حق من حقوق الزوج في كل الأوقات، فإذا أجرت نفسها فقد منعته من هذا الحق، وعموم عبارة المؤلف يشمل إجارة الأعمال وإجارة الزمان، يعني يشمل ما إذا استأجرت في عمل معيّن أو استأجرت في زمن معيّن، وهذا صحيح فإنه يشمل الأمرين، لكن ذكرنا في باب الإجارة، لما تحدث المؤلف عن هذه المسألة وهي أنه يشترط في استئجار الزوجة إذن الزوج، قلت هناك أنه إذا عملت المرأة في البيت عملًا لا يضر الزوج فإنه ليس له حق في المنع، لأن هذا العمل لا يضره، وهذا صحيح وهنا نقول صحيح أنّ العمل داخل البيت الذي لا يضر الزوج ليس له حق في المنع، لكن إذا زعم الزوج أنّ عمل المرأة في البيت يقضي عليه أوقات طويلة ويشغل الزوجة عن أن تستعد له وأن تقوم بحاجته على الوجه الكامل فله حق في المنع، إنما يتصور عدم الحق في المنع فيما إذا كانت تعمل عملا ً محدودًا داخل البيت، ولا يضر هذا بحقوق الزوج أبدًا، هنا نقول ليس للزوج الحق في منع زوجته من العمل.
قال المؤلف ﵀:
(ومن إرضاع ولدها من غيره إلاَّ لضرورته)
وله الحق في منع زوجته من إرضاع ولدها من غيره، ولو كان ولدها فله المنع من إرضاعها، والسبب في هذا أنّ زمن الإرضاع حق من حقوق الزوج وهي إذا أرضعت الطفل فإنها تمنع الزوج من حق الاستمتاع في مدة الإرضاع، وهذا صحيح لأنّ الزوج له حق الاستمتاع في كل الزمن، ومفهوم عبارة المؤلف يستثني ما إذا كان الولد لها منه، فحينئذ ليس له أن يمنعها، لعموم قوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة/٢٣٣] وهذه الآية وإن كان لفظها خبر إلاّ أنها بمعنى الأمر يعني المقصود من الخبر الأمر، فليس له أن يمنعها من إرضاع ولدها إذا كان منه.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ لضرورته)
هذا الاستثناء يرجع إلى ولدها من غيره، فإذا كان الولد من غيره بلغ إلى مرحلة الضرورة بحيث لم يقبل أن يشرب الحليب إلاّ من أمه أو لم توجد امرأة يمكن لأهل الولد أن يستأجروها له حينئذ يجوز لها أن ترضعه، وليس للزوج الحق في منعها ولا ينظر في منعه.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
لأنه وصل حال الطفل إلى حدّ الضرورة، بقينا في مسألة وهي أنه وإن كان للزوج الحق في منعها من إرضاع ولدها من غيره إلاّ أن هذا مكروه، أقل أحواله أنه مكروه لأنه يتنافى تمامًا مع العشرة بالمعروف، لأنّ منعه زوجته من إرضاع ابنها ولو كان من غيره ليس من المعاشرة بالمعروف، لما يعلم من رغبة الأم لابنها ورغبة الابن لأمه وحاجته إليها في مثل هذا السن وهو سن الرضاعة، فلا شك أنّ أقل أحواله الكراهة، بهذا انتهينا من فصل وننتقل لفصل متعلق بالقسم.
فصل
قال المؤلف ﵀:
(وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم، لا في الوطء)
المؤلف يريد من هذا الفصل أن يبيّن أحكام القسم بين الزوجات، وصدر الشيخ الباب بقوله وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم، المساواة بين الزوجات في القسم دلت عليه النصوص بشكل واضح وهو أصل المسائل في الباب، والدليل على وجوب القسم من وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء/١٩] وهذا ليس من العشرة بالمعروف.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء/١٢٩]
الدليل الثالث: قوله - ﷺ - (من كان له زوجتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشِقه مائل).
الدليل الرابع: الإجماع، فإنه لا يحفظ أنّ أحدًا خالف في وجوب العدل في القسم، فإذا القسم من الأمور المهمة ومن الظلم البيّن الإخلال به، وهذه نصوص تشهد بالوجوب بوضوح.
قال المؤلف ﵀:
(لا في الوطء)
يعني لا يجب عليه أن يعدل في الوطء، فهو يجب عليه أن يبيت عندها، أما الوطء فلا يجب عليه أن يعدل فيه، فله أن يطأ إحداهما أكثر من الأخرى، والدليل على هذا من وجهين: الأول: الإجماع، فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب عليه أن يعدل في الوطء.
الثاني: وهو تعليل وجيه، أنّ الوطء سببه الشهوة والميل وهذا الأمر خارج عن تصرف الرجل، فالشهوة والميل أمر نفساني لا يمكن للزوج أن يتحكم فيهما، وإذا أمرناه بالعدل في الوطء فقد ألزمناه بما لا يستطيع.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
مسألة / قال الإمام أحمد - ﵀ - لكن لا ينبغي للزوج أن يجمع نفسه لإحدى زوجتيه، معنى هذا الكلام لا ينبغي للإنسان إذا كان له زوجتان أن يوفر نفسه في الجماع إلى أن يأتي إلى من يريد ثم يجامع قصدًا هذا لا ينبغي، وتلاحظ من كلام الإمام أحمد.
أنّ هذا ليس بمحرم لكنه لا ينبغي، والمسألة مفروضة فيما إذا أعطى إحدى زوجتيه حقها من الجماع، فإذا أعطاها الحق الواجب العدل فيما زاد عن الواجب لا يجب، لكن يقول الإمام أحمد لا ينبغي أن يجمع نفسه لإحدى زوجتيه، لأنّ هذا ليس من مكارم الأخلاق، وليس من العشرة بالمعروف.
قال المؤلف ﵀:
(وعماده الليل لمن معاشه النهار)
الضمير يرجع إلى القسم، وكون الليل عماد القسم بلا خلاف بين الفقهاء، والسبب في ذلك أنّ الليل هو وقت السكن والرجوع والنوم، فيجب عليه أن يعدل فيه، وأما النهار فهو وقت طلب المعاش، والمؤلف بيّن حكم الليل وأما النهار فهو تبع لليل في وجوب العدل، والدليل على أنّ النهار تبع لليل في وجوب العدل أنّ عائشة - ﵂ - قالت توفي رسول الله - ﷺ - في يومي، ومعلوم أنه - ﷺ - توفي ضحى يعني في النهار مع ذلك اعتبرت وفاته في يومها - ﵂ - فدل هذا على أنّ اليوم تبع لليل في القسم.
مسألة / هل يجعل اليوم السابق لليل أو اليوم اللاحق لليل هو التابع للمقسوم لها؟
نحن قلنا الآن يجب أن يقسم وأنّ القسم يكون في الليل، فهل يجعل اليوم السابق أو اللاحق؟ الجواب له أن يجعل السابق أو اللاحق إن شاء جعل اليوم السابق لليل وإن شاء جعل اليوم اللاحق لليل، وتعليل ذلك أنّ له أن يتقدم أو يتأخر، أنّ العدل لا يختل بذلك
هي لها ليلة ويوم، يعني ليل ونهار سواء كان هذا النهار قبل أو بعد يتحقق المقصود بهذا أو هذا.
قال المؤلف ﵀:
(والعكس بالعكس)
لمن كان معاشه بالليل، فعماد القسم يكون بالنهار، وتنقلب الأحكام تمامًا إذا كان معاشه بالليل، كمن يكون دوامه ليلًا في وقتنا هذا فعماد القسم النهار بالنسبة له لأنه وقت السكن والنوم.
قال المؤلف ﵀:
(ويقسم لحائض، ونفساء، ومريضة، ومعيبة، ومجنونة، مأمونة وغيرها)
[ ٥ / ٢٧٥ ]
يقصد بغيرها كالتي آلى منها أو ظاهر أو المحرمة بالحج أو المحرمة بالعمرة، ما هو مقصود المؤلف في هذا الكلام، مقصود المؤلف أنه يجب عليه أن يقسم للزوجة وإن كان لا يمكن أن توطأ في هذا الوقت، لأي سبب من الأسباب التي ذكرها، إذا هذا هو ضابط هذه المسائل
أنه يجب عليه أن يقسم لزوجته وإن كانت لا يوطأ مثلها لعارض في هذا الوقت، تعليل وجوب القسم وإن لم يمكن الوطء أنّ المقصود من القسم بالإضافة إلى الوطء ما يحصل من الإستئناس والسكينة لوجود الزوج وقربه من زوجته وهذا يحصل بالنوم ولو لم يوجد وطء،
ووجوب القسم لمن لم يمكن أن توطأ محل إجماع فيجب عليه أن يبات عندها وإن لم يتمكن من الوطء لحيض أو إحرام أو نفاس أو غيرها.
قال المؤلف ﵀:
(وإن سافرت بلا إذنه، أو بإذنه في حاجتها، أو أبت السفر معه، أو المبيت عنده في فراشه فلا قسم لها ولا نفقة)
ذكر المؤلف أربعة مسائل:
المسألة الأولى: إن سافرت بلا إذنه. المسألة الثانية: إن سافرت بإذنه في حاجتها.
الثالثة: إذا أبت السفر معه. الرابعة: إذا أبت المبيت عنده في فراشه.
نحن سنتكلم عن ثلاث مسائل من هذه المسائل الأربعة، وهي المسألة الأولى والثالثة والرابعة. ثم نتكلم بكلام آخر عن المسألة الثانية وهي ما إذا سافرت بإذنه في حاجتها، المؤلف جمع بين هذه المسائل والواقع أنّ الأحكام تختلف، نأتي إلى المسائل الثلاث الأولى وهي:
سافرت بلا إذنه، أو أبت السفر معه، أو أبت المبيت عنده في فراشه، إذا فعلت ذلك فلا قسم لها ولا نفقة.
أما من جهة القسم فلا قسم لها بالإجماع، في هذه المسائل الثلاث، لأنها بعصيانها فوتت على نفسها حق القسم، لأنها سافرت بلا إذنه أو أبت المبيت عنده.
وأما النفقة ففيه خلاف، وليس محل إجماع كالقسم، والصحيح في النفقة أنه لا نفقة لها أيضًا، وهذا هو الصحيح من المذهب.
وهو الصحيح من حيث الدليل، وستأتي هذه المسألة في كتاب النفقات، لكن نقول الصحيح إن شاء الله أنه لا نفقة لها في هذه المسائل الثلاث يعني إذا سافرت بلا إذنه، أو أبت السفر معه أو أبت المبيت عنده في فراشه، فلا قسم ولا نفقة، إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ القسم محل إجماع والنفقة محل خلاف.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
قال المؤلف ﵀:
(أو بإذنه في حاجتها)
إذا سافرت بإذنه في حاجتها ففيه خلاف، فالمذهب كما ترون لا قسم لها ولا نفقة، لأنها سافرت لحاجتها فسقط حقها.
القول الثاني: أنّ لها القسم والنفقة، والسبب في ذلك أنها وإن سافرت في حاجتها إلاّ أنها سافرت بإذنه فلما أذن لها لم يسقط حقها لا في القسم ولا في النفقة.
القول الثالث: أنها إذا سافرت بإذنه في حاجتها سقط حقها في القسم وبقي حقها في النفقة. والسبب في هذا أنها لما سافرت بإذنه النفقة باقية، وأما القسم فهي التي فوتت على نفسها القسم بسفرها فأسقطت حقها بهذا السفر وإن كان بإذنه، هذا القول الثالث اختاره ابن عبوس من الحنابلة، وابن عقيل، وهو كما ترى قوي جدًا ووجيه.
سؤال / على القول لا قسم ولا نفقة ما معنى هذا القول وهي مسافرة؟ كيف يدخل القسم والنفقة وهي مسافرة؟
يثبت حقها إذا رجعت يقضيها.
على القول بوجوب أو بثبوت القسم والنفقة بإذنه فإنّ الحكم إذا رجعت قسم لها بقدر ما غابت، فإذا غابت خمسة أيام يعطيها كم؟
خمسة أيام بقدر ما غابت يعطيها، وكما ترون أنه إذا سافرت لحاجتها كيف نقول إذا رجعت يعطيها كل الأيام التي سافرت فيها لهذا مضرة للزوجات الأخريات كم أنّ السفر كان لحاجتها هي.
مسألة / ذكر المؤلف ما إذا سافرت بإذنه لحاجتها، بقينا فيما إذا سافرت لحاجته هو، فإذا سافرت لحاجته لم يسقط قسم ولا نفقة فإذا رجعت قسم لها ويستمر في الإنفاق مدة السفر، لأنّ السفر كان لقضاء حاجة الزوج.
قال المؤلف ﵀:
(ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه أو له فجعله لأخرى جاز)
إذا وهبت إحدى الزوجات نصيبها لزوجة معينة أو وهبته للزوج وجعله هو لزوجة معينة جاز، تعليل ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنّ سودة - ﵂ - جعلت يومها لعائشة - ﵂ - وهذا نص في المسألة.
التعليل الثاني: أنّ الحق لا يخرج عنه وعنها، فإذا رضي بذلك جاز ونفذ، فإذا للزوجة أن تتنازل عن ليلتها لمعينة أو للزوج ليجعلها حيث شاء، وأيهما أفضل أن تتنازل لمعينة أو للزوج فيجعلها هو حيث شاء؟
[ ٥ / ٢٧٧ ]
أنا أرى أنها تهب يومها لزوجة وليس للزوج لماذا؟ التعليل هو أنه إذا وهبت للزوجة جاز بالإجماع، وفي الآخر خلاف فخروجًا من هذا الخلاف ينبغي للزوجة أن تعطيها زوجة معينة؟ وأيضًا تعليل فعل سودة جميل، لأنه هذا تأسي بسودة وليس كما فعلت أحق.
قال المؤلف ﵀:
(فإن رجعت قسم لها مستقبلًا)
إذا رجعت فالحكم ينقسم إلى قسمين:
١ - أن يكون التنازل عن الليلة مقابل عوض وأن يكون بغير عوض، فإن رجعت بعد أن تنازلت بغير عوض جاز لها الرجوع في المستقبل بالإجماع، لأنّ هذا من الحقوق المتجددة.
٢ - أن تكون تنازلت مقابل عوض حينئذ ليس لها الرجوع لأنّ المعاوضات لازمة، إذا هذا حكم الرجوع لكن ينبغي أن تعلم أنّ المعوضة في التنازل عن ليلة محل خلاف والحنابلة يرون أنه لا يجوز ولكن القول الصحيح أنّ للزوجة أن تتنازل عن ليلتها مقابل عوض ونحن ذكرنا التفصيل بناء على القول الصحيح.
قال المؤلف ﵀:
(مستقبلًا)
يعني ما مضى ليس لها أن تتراجع عنه، فإذا قالت أنا تنازلت عن سبع ليالي للتجربة، والآن رجعت فاقسم لي سبع ليالي ليس لها ذلك لماذا؟ لأنّ هذا التنازل في حكم الهبة المقبوضة، والهبة المقبوضة لا يجوز الرجوع فيها.
قال المؤلف ﵀:
(ولا قسم لإمائه، وأمهات أولاده، بل يطأ من شاء متى شاء)
الإماء وأمهات الأولاد ليس لهن قسم، والدليل على هذا أنّ النبي - ﷺ - اتخذ جاريتين يطأهما ولم يقسم لهما.
الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء/٣] يعني أنّ ما ملكت اليمين لا يجب فيه العدل.
الثالث: الإجماع فإنهم أجمعوا أنه لا يجب أن يقسم للأمة فلا إشكال في الأمة.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا ثم دار، وثيبًا ثلاثًا)
قلنا في أول القسم كنا تحدثنا في أول الفصل عن قسم الابتداء، ما معنى قسم الابتداء؟ إذا كان له زوجة واحدة.
أما هذا فالقسم إذا كان له أكثر من زوجة، إذا تزوج البكر فإنه يمكث عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب فإنه يمكث عندها ثلاثًا.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
والدليل على هذا حديث أنس - ﵁ - أنه قال من السنة إذا تزوج البكر أن يمكث عندها سبعًا وإذا تزوج الثيب أن يمكث عندها ثلاثًا، هذا نص في التقسيم الذي ذكره المؤلف.
الدليل الثاني: أنّ النبي - ﷺ - قال لأم سلمة (إنه ليس بك هوان على أهلك إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لهن) أو قال (سبعت للبواقي) فهذا الدليلان نص على مسألة أنه إذا تزوج البكر قام عندها كم؟ سبعًا وإن تزوج الثيب أقام عندها كم؟ ثلاثًا، ولا إشكال في هذه المسألة لأنّ النص صريح.
قال المؤلف ﵀:
(وإن أحبت سبعًا فعل وقضى مثلهن للبواقي)
يعني وإن أحبت البكر أو الثيب؟ إذا الضمير يرجع على الثيب إن أحبت الثيبة بقي عندها سبعًا لكن إن بقي عندها سبعًا سبع للبواقي لقول النبي - ﷺ - (إن سبعت لك وإن سبعت لك سبعت للبواقي)، هنا إشكال كيف يسبع للبواقي ولها حق في ثلاث. كان المتبادر للذهن أن يربع أليس كذلك؟ لأنّ الثلاث حق أصلي.
أجاب الفقهاء على هذا الإشكال بأنّ المرأة الثيب إذا تزوجها الرجل فلها حق في الثلاث ما لم تتصل بالسبع، فإن اتصلت سقط حقها بالثلاث يعني لها حق في ثلاث غير متصلة بأربع فإن اتصلت سقط حقها، هكذا أجابوا عن الحديث.
القول الثاني: أنه إذا سبع للثيب، فإنه يربع للبواقي، لأنّ الثلاث حق أصلي لها، فإذا يقسم للبواقي الزائد عن هذا الحق الأصلي، وهذا القول قول وجيه من حيث النظر لكن مع ذلك مرجوح لمخالفته السنة الصريحة لهذا الراجح المذهب.
فصل
قال المؤلف ﵀:
(النشوز )
النشوز لغة: يطلق على المكان المرتفع من الأرض كأن المرأة ارتفعت عليه واستعصت وهو مشتق من نشز على وزن فلس.
أما اصطلاحا فسيذكره المؤلف.
قال المؤلف ﵀:
(النشوز: معصيته إياه فيما يجب عليها)
قصر المؤلف النشوز على الزوجة والصواب أنه يكون منهما ولهذا فالتعريف الأقرب:
(امتناع الزوجين أو أحدهما عن أداء الحق الواجب عليه بلا عذر)
قال المؤلف ﵀:
(فإذا ظهر منها أماراته )
الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة يعتبرون النشوز يحصل بأحد أمرين:
١) امتناعها عن الاستمتاع.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
٢) الخروج بلا إذن ونحوه كأن تغلق الباب دونه أو تمتنع عن السفر معه.
فهذا هو المقصود بالحق الواجب إلا أن المالكية أضافوا ترك الفرائض فجعلوه من النشوز، وظاهر كلام الفقهاء أن ترك الخدمة ليس من النشوز، أما على القول بندبه فظاهر، وأما على القول بوجوبه فكذلك لم يذكروه من النشوز أي الامتناع عن الخدمة.
قال المؤلف ﵀:
(بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع مطلقًا أوتجيبه متبرمة)
والتبرم هو التثاقل في الاستجابة (أو متكرهة)، يعني مع كراهة الاستجابة فعلمنا من كلام المؤلف أنّ الامتناع عن الاستجابة تمامًا نشوز، كما أنّ التكره والتبرم أيضًا ماذا؟ نشوز وليس من علامات النشوز.
قال المؤلف ﵀:
(وعظها)
اتفق الجماهير على أن التأديب على الترتيب فلا ينتقل إلى الثاني إلا بعد تجربة الأول وهكذا، لكن اختلفوا متى يبدأ بأول مراحله، فالقول الأول: وهو المذهب ومذهب الشافعية يبدأ بالوعظ من حين ظهور الأمارات، ولو لم يظهر النشوز فعلًا.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية والحنفية لا يبدأ بالوعظ إلا بعد ظهور النشوز فعلًا.
والأقرب الأول لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ فعند الخوف من النشوز يبدأ بالوعظ.
قال المؤلف ﵀:
(وعظها)
المرحلة الأولى من العلاج أن يعظ، يشمل عدة عناصر: العنصر الأول: أن يخوفها بالله، وأن يبيّن لها أنّ عملها من الآثام التي يجب أن تتوب عنها.
ثانيًا: يبيّن لها عظم المعصية، يعني أولًا يخوفها بالله ثم يبيّن لها أنّ المعاصي لها آثار سيئة على قلب وبدن المسلم.
الثالث: أن يبيّن لها ما يترتب على النشوز من ترك النفقة والهجر والضرب، هذه ثلاث عناصر في الوعظ، ويختلف الناس في الوعظ بحسب الحال وبحسب المرأة والرجل.
قال المؤلف ﵀:
(فإن أصرت هجرها)
قوله فإن أصرت يعني فإن أظهرت النشوز حينئذ ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي الهجر فإن أصرت هجرها.
قال المؤلف ﵀:
(فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام)
قسم الشيخ الهجر إلى قسمين: قسم الأول: الهجر في المضجع.
القسم الثاني: في الكلام.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
القسم الأول الهجر في المضجع، اختلف الفقهاء فيه فمنهم من قال الهجر في المضجع يحصل بترك الجماع، ومنهم من قال في المضجع يحصل بأن يوليها ظهره، ومنهم من قال الهجر في المضجع يحصل بأن ينام في مكان آخر.
والصواب أنّ الهجر يقصد منه جميع هذه الأمور، ويستعمل الزوج من هذه الأمور ما يرى أنه الأوفق لحال الزوجة، وهذا من بلاغة وإعجاز القرآن، لأنه أمر بالهجر أو أرشد إلى الهجر وأطلق ولم يبيّن كيفية الهجر ليرجع الزوج إلى المناسب لحالته، فيستخدمه في الهجر.
قال المؤلف ﵀:
(في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام)
للزوج أن يهجر زوجته ثلاثة أيام ولا يزيد، ولو لم ترتدع بالهجر ثلاثة أيام، فإنه لا يجوز له أن يهجر أكثر من ثلاثة أيام.
لقول النبي - ﷺ - (لا يحل للمرء أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام).
القول الثاني: أنّ له أن يهجر ما شاء إلى أن تتأدب، لأنّ هذا الهجر يقصد منه التأديب، ولعل الأقرب أنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وله أن يستخدم أساليب أخرى لم ينهى عنها الشارع في التأديب.
قال المؤلف ﵀:
(فإن أصرت، ضربها ضرب غير مبرح)
إذا أصرت انتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي الضرب والضرب يشترط له شروط:
الأول: أن يظن نفع الضرب في حال زوجته، فإذا ظن أنّ الضرب لا ينفع فلا يجوز له أن يستخدم هذا الأسلوب.
الشرط الثاني: أن يضربها ضربًا غير مبرح، ولا يجوز له أن يضرب ضربًا مبرحًا وهو إجماع ولو ظن أو جزم أنّه إن ضرب فإنها سترتدع لا يجوز له أن يضرب إلاّ ضربًا غير مبرح لأنّ هذا ليس من العشرة بالمعروف، ولأنّ النبي - ﷺ - أرشد ونص على أنّ الضرب يكون غير مبرح.
«انتهى الدرس».
[ ٥ / ٢٨١ ]
الدرس: (١٦) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.