في هذا الباب سيذكر المؤلف الفروض ولن يتطرق للتفصيلات الأخرى ككيفية الوضوء الكامل وحدود أعضاء الوضوء وأشياء أخرى إنما سيبين فقط الفروض ثم بعد ذلك ينتقل إلى التفصيلات الأخرى.
• قال - ﵀ -:
باب فروض.
الفرض في لغة العرب هو: التأثير في الشيء سواء كان بقطع أو بحز أو بأي شيء آخر.
الأصل أن الفرض في اللغة هو التأثير في الشيء لا كما يقول البعض بأن الفرض هو القطع فهذا من معانيه في اللغة.
[ ١ / ٧٥ ]
إنما المعنى الأصلي له هو التأثير في الشيء.
هذا الفرض في لغة العرب وهو تفسير ابن فارس وهو من أكبر أئمة اللغة.
أما في الشرع: فالفرض ما أثيب فاعله وعوقب تاركه.
وهو أيضًا - وهذا مهم كقاعدة -: ما لا يسقط سهوًا ولا جهلًا. - في هذا الباب هذا التعريف مهم حتى نفرق بين الفروض والشروط والمستحبات والسنن.
• قوله - ﵀ -:
الوضوء.
الوضوء في اللغة: مأخوذ من الوضاءة وهي الجمال والنظافة.
وفي الشرع: استعمال الماء الطهور في غسل أعضاء مخصوصة بطريقة مخصوصة.
لأن غسل هذه الأعضاء يجب أن يكون بطريقة معينة.
• قال ﵀:
فروضه ستة.
حصر لنا - ﵀ - الفروض وهذا من مميزات التأليف وهو الحصر.
• قال - ﵀ -:
غسل الوجه.
غسل الوجه لا إشكال في فرضيته فهو واجب بالنص والإجماع.
أما النص: ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ) المائدة/٦.
وأما الإجماع: فلم يخالف أحد من أهل العلم مطلقًا - ولله الحمد.
• ثم قال - ﵀ -:
والفم والأنف منه.
يعني أن الفم والأنف من الوجه ويقصد بهذه العبارة وجوب المضمضة والاستنشاق.
الحنابلة يرون أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء والغسل - سيأتينا في باب الغسل.
ويستدلون بأحاديث صحيحة وبعضها حسن.
- فالدليل على الاستنشاق حديث أبي هريرة - أن النبي - ﷺ - قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر)
- وفي هذا الحديث بالإضافة إلى وجوب الاستنشاق وجوب الانتثار وهو: إخراج الماء بعد جذبه من الأنف.
- والدليل على المضمضة قالوا: أنه في حديث لقيط بن صبرة - السابق - في رواية: أن النبي - ﷺ - قال: (إذا توضأت فمضمض).وهذا اللفظ صححه الحافظ ابن حجر في الفتح.
ثم إن النبي - ﷺ - لم يحفظ عنه في حديث صحيح مطلقًا أنه ترك المضمضة أو الاستنشاق، ومع هذه الأدلة فإن القول بالوجوب من مفردات المذهب فقد ذهب الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعي - إلى أن المضمضة والاستنشاق سنة.
وفي حكم المضمضة والاستنشاق عن الإمام أحمد سبع روايات.
= لماذا تكثر الروايات عن الإمام أحمد؟
- الجواب:
١. إما لتعارض الأدلة الصحيحة.
٢. أو لعدم ورود دليل.
[ ١ / ٧٦ ]
٣. وأحيانًا: لاختلاف الصحابة è - مثلًا: تارة يأخذ ’ بفتوى ابن عباس وتارة يأخذ بفتوى ابن مسعود.
وهذه المسائل مهمة ومن مهام الإسلام فإن الوضوء أمر اعتنى به الشارع غاية الاعتناء.
الأقرب والله أعلم الوجوب: لأن الأحاديث فيها الأمر ثم لم يحفظ عنه ‘ أبدًا أنه ترك المضمضة والاستنشاق.
• ثم قال ’:
وغسل اليدين.
غسل اليدين من فرائض الوضوء وأيضًا غسل اليدين ثابت بالنص والإجماع. فلا إشكال فيه.
لكن الإشكال في مسألة أخرى وهي:
أن الله تعالى قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) <المائدة - ٦>. وغسل اليدين عند الفقهاء يريدون مع المرفقين والإشكال أن إلى في لغة العرب تدل على: انتهاء الغاية.
ومعنى انتهاء الغاية: عدم دخول ما بعدها فيما قبلها.
والله تعالى يقول وأيديكم إلى المرافق فإذا أخذنا بهذه القاعدة اللغوية فهل تدخل المرافق أو لا تدخل؟
الجواب: الإشكال أنها داخلة عند الفقهاء فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟
أجابوا بعدة أجوبة - ونحن سنترك الأجوبة الضعيفة - كقولهم أن إلى بمعنى مع. وكقولهم: أنه يختلف باختلاف الجنس الذي بعد إلى - ولا نريد الاستطراد في هذا الجانب نشير فقط إلى أن هذه الأجوبة ضعيفة.
إذًا ما هو الجواب الصحيح؟
الجواب الصحيح أن الذي دلَّ على دخول ما بعد إلى في ما قبلها في الآية السنة فقط فلولا السنة لم تدخل.
ما هي السنة؟
السنة: أنه ثبت في صحيح مسلم أن الصحابي الجليل أبا هريرة توضأ فأشرع في العضد ثم قال: (رأيت رسول الله ‘ يفعله).
والدليل الثاني: الإجماع. فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل العلة أنه قال بعدم وجوب غسل المرفقين.
إذًا الآن اتضحت مسألة إلى المرافق - فيجب أن تفهم هذه المسألة لأن ما قيل فيها سيتكرر معنا عند الحديث على قوله إلى الكعبين.
• ثم قال ’:
ومسح الرأس ومنه الأُذنان.
مسح الرأس أيضًا فريضة بإجماع أهل العلم لكن الخلاف وقع في القدر المجزئ في المسح.
فذهب الحنابلة والمالكية: إلى أنه يجب تعميم الرأس في المسح. بدليل أن الآية فيها (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) المائدة - ٦. والباء هنا: للإلصاق. ومعنى الإلصاق: استيعاب الرأس مسحًا.
[ ١ / ٧٧ ]
قالوا: ومن قال أن الباء للتبعيض فقد وهم وليس في اللغة العربية أن الباء تجيء للتبعيض.
وأيضًا من السنة أن النبي - ﷺ - كان يمسح على جميع رأسه فلم يحفظ عنه في حديث واحد المسح على بعض الرأس.
القول الثاني: أنه يجزئ مسح بعض الرأس وهذا مذهب الشافعية والحنفية.
واختلف أصحاب القول الثاني اختلافًا طويلًا في القدر الواجب أن يمسح:
• فبعضهم قال الربع.
• وبعضهم قال الثلث.
• وبعضهم قال شعرتين الخ ..
ونحن أخذنا قاعدة: أن اضطراب القول دليل على ضعفه.
وأضف أيضًا قاعدة: وجود تفاصيل كثيرة في القول بلا أدلة فإنه دليل على ضعفه.
الصواب هو مذهب الحنابلة وهو أن نمسح جميع الرأس.
• ثم قال - ﵀ -:
ومنه الأذنان.
يعني أنه يجب أن نمسح الأذنين إذا مسحنا الرأس وأن مسح الأذنين فرض - لأنه يقول: منه.
وهذه المسألة أيضًا من مفردات مذهب الحنابلة.
استدلوا على الوجوب بقول النبي - ﷺ - (الأذنان من الرأس) والمتأخرون من المحدثين يصححون هذا الحديث بطرقه والصواب أنه موقوف.
واستدلوا بأن النبي - ﷺ - داوم على المسح على الأذنين.
والرواية الثانية: في هذه المسألة أن مسح الأذنين سنة.
والإمام أحمد - ﵀ - كأنه استقر قوله على السنية.
وهذا أيضًا اختيار الخلال - ﵀ - - وهو من أصحاب الإمام أحمد وهو عالم كبير وأيضًا اختيار شيخ الاسلام.
أيضًا الإمام أحمد أكثر ما روي عنه أن مسح الأذنين سنة وهو اختيار الخلال ومن بعده شيخ الاسلام.
قالوا: أن الدليل هو: عدم وجود ما يدل على الوجوب وأن الأصل براءة الذمة.
والراجح في مسألة هل مسح الأذنين سنة أم واجب؟: - - في الحقيقة أنا متوقف في الترجيح في هذه المسألة لأنه لا يوجد أحاديث لكن صح عن الصحابة لكن لا شك أن الأحوط أن لايدع الإنسان مسح الأذنين.
• ثم قال - ﵀ -:
وغسل الرجلين.
غسل الرجلين ثابت بالنص والإجماع. لأن الله يقول: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ. فعلى قراءة النصب فلا إشكال وهي قراءة سبعية.
ولكن الإشكال في قوله إلى والبحث السابق يأتي معنا هنا: أن إلى لها معنى في لغة العرب والجواب عن هذا المعنى وكيف دخل الكعبان في القدر الذي يجب أن يغسل كما تقدم معنا.
• ثم قال - ﵀ -:
والترتيب.
يعني أن الترتيب واجب في الوضوء.
[ ١ / ٧٨ ]
الدليل: قالوا: أن الله ﷾ في الآية الكريمة أدخل ممسموحًا بين مغسولات - الممسوح هو: الرأس.
ومن المعلوم أن القرآن معجز وأنه في قمة البلاغة والفصاحة والبيان فلا يمكن أن يدخل - والله أعلم فهذا فيما يظهر للإنسان - ممسوحًا بين مغسولات إلا لفائدة ولا يعلم فائدة لهذا الإدخال إلا الترتيب.
هكذا يقرر الحنابلة هذا الدليل وهو دليل صحيح.
ثم كذلك نقول أن النبي - ﷺ - لم يخل بالترتيب أبدًا.
والقول الثاني: أنه مستحب لأن الواو في لغة العرب لا تقتضي الترتيب ولا يوجد دليل على الوجوب.
والراجح وجوب الترتيب. إلا أنه يسقط جهلًا وسهوًا. فلو أن إنسانًا قدم أو أخر في الوضوء نسيانًا ثم صلى وتذكر بعد ذلك فصلاته صحيحة ولا يؤمر بإعادة الوضوء والصلاة عدم وجود دليل صريح على الترتيب ثم يوجد آثار عن ابن مسعود وعن وعلي - ﵄ - يدلان على هذا الحكم.
وسقوط الترتيب جهلًا اختيار شيخ الاسلام.
• قال - ﵀ -.
والموالاة وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
يعني أن الموالاة واجبة. ونحتاج في الكلام على الموالاة إلى أمرين:
١. ما هي؟
٢. وما الدليل على وجوبها؟
- أما ما يتعلق بحقيقة الموالاة فقد ذكره المؤلف فقال - ﵀ -: وهي أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله. فهذه هي المولاة في الشرع.
فإن أخره إلى أن نشف الذي قبله فقد أخل بفرض المولاة وبطل وضوئه. لكن أضاف صاحب الروض عبارة مهمة جدًا وهي قوله: بزمن معتدل أو قدره من غيره.
إذًا صار ضابط الموالاة: أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله بزمن معتدل أو بقدره من غيره.
ما معنى هذا الكلام؟
إذا توضأ الإنسان في جو طبيعي فإنا نقول يجب أن لاتؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
وإذا توضأ الإنسان في جو حار فيه ريح فهذه الحرارة والرياح تسبب سرعة نشوق العضو فنقول إذا توضأت في ريح أو في حرارة شديدة وأثناء الوضوء نشف عضو قبل أن تغسل الذي بعده فالوضوء صحيح لأن المدة تقدر في الزمن المعتدل.
كذلك العكس - إذا توضأ في جو رطب أو بارد فإنه قد يبقى الإنسان فترة طويلة بين غسل اليدين والرجلين ولا تنشف اليدين فنقول إذا مضى وقت يمكن أن تنشف فيه اليدين لو كان الجو معتدلًا فقد بطل الوضوء
ما الدليل؟
[ ١ / ٧٩ ]
الدليل حديث خالد بن معدان أن النبي ‘ رأى رجلًا يصلي وعلى قدمه لمعة بقدر الدرهم لم يصبها الماء فأمر أن يعيد الوضوء.
وهذا الحديث قال عنه الإمام أحمد إسناده جيد وهو نص.
وجه الاستدلال: أنه لو كانت الموالاة ليست واجبة لما أمره بإعادة الوضوء وأنما يأمره بغسل هذه البقعة التي لم يصلبها الماء.
وهذا الاستدلال صحيح.
إذًا الآن تبينت معنا الفروض الستة وما فيها من خلاف وتبين من خلال سياق الخلاف والأدلة والقول الراجح أن جميع الفروض التي ذكرها المؤلف أن الصواب معه فيها ما عدا الأذنين فأنا متوقف في الترجيح في مسألتها.
والقول بعدم الوجوب والذي هو اختيار شيخ الاسلام واختيار غيره من المحققين قوي لكن وجود الآثار يجعل الإنسان يتوقف.
انتهى المؤلف ’ من تعداد الفروض وانتقل إلى مباحث النية.
• فقال ’:
والنية شرط لطهارة الحدث كلها، فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلاّ بها.
في الهامش <هامش نسخة الزاد بتحقيق الهبدان - دار ابن الجوزي - ص ٥٣> أنه في نسخة بدل قوله الحدث: الأحداث. وهذه النسخة أصح وأحسن.
قال: والنية شرط: النية لغة: القصد. فإذا نوى الإنسان شيئأ فقد قصده سواء كان المنوي حسيًا أو معنويًا.
فإذا نوى الإنسان مدينة فقد قصد أمرًا حسيًا. لأن ذهابه إلى المدينة حسيٌ.
قال: شرط: الشرط فب لغة العرب العلامة وفي الاصلاح ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم وجوده وجود ولا عدم لذاته.
ما معنى هذا التعريف؟
معناه: نقول: أن من شروط الوضوء النية: هو يقول أن الشرط يلزم من عدمه العدم: فلو توضألاالإنسان بلا نية صار الوضوء باطلًا فيلزم من عدم النية عدم الوضوء - وهذا معنى قوله يلزم من عدمه العدم.
ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته: لو أن الإنسان نوى أن يتوضأ فهل يلزم أن يتوضأ؟ أو قد يتوضأ أو لا يتوضأ؟ مع أن النية موجودة الآن. إذًا لا يلزم من وجود النية وجود الوضوء إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود ولا عدمة لذاته.
والنية شرط لطهارة الأحداث كلها:
[ ١ / ٨٠ ]
إذًا بلا نية لا تصح الطهارة بدليل قول النبي - ﷺ -: (أنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى) فإذا عمل الإنسان أي عمل شرعي بلا نية فعمله باطل. فإذا قيل: ماهو الضابط في الأعمال التي تشترط لها النية؟
فالجواب: أن الأعمال التي تشترط لها النية هي العبادات. لكن هناك ضابط ذكره شيخ الاسلام - وهو ضابط مفيد لطالب العلم - وهو أنه يقول: كل عمل لم يعرف إلا من الشارع فلا يصح إلا بنية.
قبل الاسلام هل كنا نعرف الوضوء؟ لا.
الصلاة الزكاة الحج جميع العبادات إذًا إذا طلب من الانسان عمل لم يعلم إلا من الشارع فلا بد فيه من النية وإلا كان باطلًا.
• قال - ﵀ -:
فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلاّ بها.
يريد المؤلف أن يبين بهذه العبارات كيفية النية فذكر صورتين:
الأولى: أن ينوي رفع الحدث.
الثانية: أن ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها.
مثل لما لا يباح إلا بالطهارة: الصلاة قراءة القرآن الطواف - على خلاف في مسائل - لكن المراد الآن التمثيل.
الثالث: أو نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن.
إذًا إذا نوى رفع الحدث أو نوى الطهارة لما لا يباح إلا بها أو لما تسن له الطهارة فإن طهارته صحيحة.
ثم ذكر - ﵀ - مسائل فيها خلاف وهي مسألة تجديد مسنون ناسيًا حدثه أو نوى غسلًا مسنونًا عن واجب - نترك هاتين المسألتين - إذًا نأخذ الثلاث التي لا إشكال فيها وهي أن ينوي رفع الحدث أو ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها أو ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن. إذًا في هذه الثلاث صفات إذا نوى هذه النوايا فإن نيته صحيحة وعمله صحيح شرعًا.
في قوله: ص ٥٣. في تنبيه من جهة صف العبارة يقول: ماتسن له الطهارة كقراءة ماذا بعدها؟ أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثه - في الحقيقة أو تجديدًا مسنونًا متعلقة بناسيًا حدثه.
فكان حق الصف أن يختم عند قوله كقراءة ثم يبدأ مع أول السطر فيقول: أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثه.
إذًا إذا توضأ الإنسان ونوى رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها أو ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن فإن طهارته صحيحة.
انتهى الدرس،،،
[ ١ / ٨١ ]
• في قوله - ﵀ -:
ويجب الختان مالم يخف على نفسه:
أي أنه إذا كبر ولم يختتن أو لم يختنه أهله ثم أراد أن يختتن لكنه خشي على نفسه إذا اختتن أن يتأذى أذًا شديدًا أو أن ينزف نزفًا شديدًا فإنه والحالة هذه لا يجب عليه - حتى عند الحنابلة - أن يختتن. لقول النبي - ﷺ - (لا ضرر ولا ضرار).
نرجع إلى النية فما زلنا في باب فروض الوضوء وصفته وبين المؤلف - ﵀ - الفروض الستة وتكلمنا على كل فرض منها ثم انتقل إلى شرط النية وأخذ في تفصيل هذا الشرط فذكر أنه لا تصح الطهارة إلا به ثم انتقل إلى مسألة الصور التي تتأتى بها النية.
فذكرنا - في الدرس السابق - ما ذكر المؤلف وهما صورتان:
الأولى: أن ينوي رفع الحدث. فيصح الوضوء.
الصورة الثانية: أن ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها - الصلاة أو قراءة القرآن أو الطواف على خلاف في بعضها.
أو ينوي ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن باعتبار أن القرآن لها سنة.
إذًا إذا نوى ما تجب الطهارة له أو ما تسن له الطهارة فإن نيته ووضوئه صحيح. وهذا كله تقدم.
نأتي إلى درس اليوم يقول - ﵀ -:
أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثه: ارتفع.
يعني إذا نوى الإنسان بالوضوء تجديدًا مسنونًا وقد نسي أن أحدث فإن طهارته صحيحة.
صورة المسألة:
رجل توضأ لصلاة الظهر وصلى الظهر ثم أحدث ثم نسي أنه أحدث فلما جاء وقت صلاة العصر توضأ ناويًا التجديد لأنه نسي حدثه فعند الحنابلة وضوئه صحيح.
وإن كان قد توضأ على أساس أنه على طهارة والواقع أنه محدث. هذا مذهب الحنابلة.
وهذا القول اختاره عدد من المحققين في مذهب الحنابلة كابن قدامة وكالمجد ابن تيمية.
والقول الثاني: أنه لا يرتفع. وهذا القول اختاره القاضي من كبار أصحاب الإمام أحمد. لأن نيته لا توافق الواقع.
والقول الثاني هو القول الصواب لأنه الآن ينوي التجديد والواقع أنه يحتاج أن ينوي الرفع وفرق بين نية التجديد وبين نية الرفع.
بقينا في مسألة مهمة جدًا: يقول - ﵀ - -: تجديدًا مسنونًا - فيفهم من عبارته أن هناك تجديدًا مسنونًا وتجديدًا لا يسن فنحتاج أنت نعرف:
ما هو التجديد المسنون عند الحنابلة بل عند الفقهاء جميعًا؟
التجديد المسنون هو: أن يجدد وضوءًا قد صلى به.
[ ١ / ٨٢ ]
مثال ذلك: إذا توضأ الإنسان ثم صلى الظهر ثم لما أراد أن يصلي العصر جدد الوضوء وإن كان على طهارة. فهذا تجديد مسنون مشروع.
الصورة الثانية: إنسان توضأ قبل صلاة الظهر بساعة فلما أذن الظهر توضأ مرة أخرى تجديدًا فهذا أيضًا مسنون.
إذًا الضابط: أن يصلي بالوضوء الأول صلاة قبل أن يجدد.
ويجب أن لا يغيب عن ذهنك أن هذا نادرًا ما يؤثر على صلاة الإنسان لأننا نفترض أنه ناسيًا حدثه فمتى يؤثر؟
إذا تذكر بعد الصلاة أنه توضأ وقد أحدث ناويًا التجديد فإن الأصل أنه إذا كان ناسيًا حدثه سيستمر على هذا النسيان.
بعد أن عرفنا حكم المسألة.
إذا قال لنا قائل:
أنا أحدثت ونسيت أني أحدثت وتوضأت ناويًا التجديد ثم صليت الظهر وبعد الصلاة تذكرت أني كنت محدثًا لنا توضأت ناويًا التجديد.
فما نقول له؟
نقول له: أعد الوضوء والصلاة.
• ثم قال ’:
وإن نوى غسلًا مسنونًا: أجزأ عن واجب وكذا عكسه.
يعني وإن نوى من يجب عليه الغسل نوى غسلًاَ مسنونًا: يعني رجل عليه غسل جنابة ونوى أثناء الاغتسال غسل جمعة فإن هذا الغسل المستحب يجزئه عن الغسل الواجب.
ولذلك كان مما ينبغي للمؤلف ’ أن يضيف قيدين فإن تركهما لا يناسب فهو - من وجهة نظري - نقص في المتن:
كان ينبغي أن يقول: وإن نوى من عليه غسل واجب غسلًا مسنونًا فكان يجب أن يضيف - ناسيًا - لأن هذا في الحقيقة يؤثر جدًا ولا يناسب أن يختصر.
إذًا إذا قيل لك: ماذا يريد المؤلف بقوله: وإن نوى غسلًا - هل أراد غسلًا مسنونًا أو واجبًا؟
أراد غسلًا مسنونًا. لكن عليه غسلًا واجبًا.
وهل هو حال نسيانه أو حال تذكره؟
الجواب: حال نسيانه.
هذه المسألة تشبه المسألة السابقة - مثلًا - إنسان استيقظ بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة وعليه جنابة ونسي أن عليه جنابة فاغتسل بنية غسل الجمعة وغسل الجمعة سنة عند الحنابلة فإن هذا الغسل يجزأه عن غسل الجنابة عند الحنابلة.
التعليل: لماذا؟
قالوا: لأنه نوى طهارة شرعية فترفع حدثه.
والقول الثاني: أنه لا يجزأه وهذا القول اختاره عالمان محققان الأول: المجد - جد شيخ الاسلام - والثاني: الحافظ ابن عبد البر.
[ ١ / ٨٣ ]
والمجد ’ اختلف ترجيحه في هذه المسألة عن المسألة السابقة والواقع أنهما مسألتان متشابهتان.
• ثم قال ’:
وكذا عكسه:
أي وكذا يجزئ المسلم أذا نوى غسلًا واجبًا عن مسنونٍ.
مثاله: عكس المثال السابق: رجل استيقظ بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل للجنابة فإن هذا الغسل يكفيه عن غسل الجمعة سواء قيل أن غسل الجمعة سنة أو أنه واجب.
ولكن هذا المثال مفروض فيما إذا كان غسل الجمعة مسنون لأن يقول وكذا عكسه.
والراجح أنه لا يجزأه. لأن غسل الجنابة غسل معين مقصود للشارع وغسل الجمعة غسل معين مقصود للشارع فلا يتداخلان ولذلك أفتى عدد من اليلف فيمن كان عليه جنابة صبح يوم الجمعة أن يغتسل أولًا عن الجنابة ثم يغتسل ثانيًا عن الجمعة وهذا هو الصواب.
إذًا: ماذا يصنع؟
يغتسل عن الجنابة ثم يغتسل للجمعة.
وهل يعني هذا أنه يجب أن يخرج من مكان الاغتسال ويبدأ من جديد وإنما الفارق سيكون بالنية فينوى أثناء تعميم الماء أنه غسل جنابة ثم ينوي بعد ذلك بتعميم الماء الآخر أنه جمعة.
أخذنا الآن ثلاث مسائل: المذهب في جميع المسائل حكمه أنه يجزيء والقول الثاني في جميع المسائل أنه لا يجزيء والراجح هو القول الثاني.
• ثم قال ’.
وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءًا أو غسلًا فنوى بطهارته أحدها: ارتفع سائرها.
يعني إذا اجتمعت على الإنسان أكثر من حدث. مثاله: كأن ينام ثم بعد النوم يتبول فهنا كم اجتمع من حدث؟
- اجتمع حدثان.
• يقول ’
: ارتفع سائرها.
التعليل: تعليل جيد قوي من الحنابلة - وهو قولهم أن الحدث وصف واحد إذا نوى رفعه ارتفع مهما تعددت الأسباب.
إذًا هذه المسألة وما ذهب المؤلف ’ فيها هو حكم صحيح.
• ثم قال ’:
ويجب الإتيان بها: عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية.
ما زال المؤلف ’: في مباحث النية فبعد أن بين صور النية انتقل إلى وقتها.
وقوله عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية. هذا بالنسبة لما قاله الحنابلة وعلى القول الصحيح أن أول واجبات الطهارة المضمضة والاستنشاق.
وعلى القول الثالث: الذي عليه الجمهور أن أول واجبات الطهارة غسل الوجه.
إذًا المقصود أن يأتي بها في أول واجبات الطهارة حسب اختلاف أهل العلم في ما هو أول واجبات الوضوء؟
[ ١ / ٨٤ ]
= فإذا قيل لك: على القول الراجح متى يجب أنوي؟
- عند المضمضة والاستنشاق لأنا قد رجحنا أنهما واجبان.
• ثم قال - ﵀ - - مستكملًا البحث في وقت النية:
وتسن عند أول مسنوناتها: إن وجد قبل واجب.
ما هو أول مسنونات الوضوء؟
غسل اليدين إذًا فتسن عند غيل اليدين. ويقول: إن وجد قبل واجب لأنه قد لا يغسل يديه يشرع مباشرة في أحد الواجبات.
فإن أتى بالمسنونات استحب أن يأتي بالنية.
= فإذا قيل لك: رجل أراد أن يتوضأ وغسل يديه ثلاثًا قبل الوضوء ولم ينو وضوءًا ثم أكمل وضوئه فما حكم الوضوء؟
- حكمه صحيح. لأن الإتيان بالنية عند أول مسنونات الوضوء حكمه سنة وتركه لا يبطل الوضوء.
ثم انتقل - ﵀ - إلى مسألة الاستصحاب.
• فقال - ﵀ -:
واستصحاب ذكرها في جميعها.
ويجب استصحاب حكمها.
قوله: واستصحاب ذكرها في جميعها. يعني أنه سنة. ويجب استصحاب حكمها.
استصحاب النية على قسمين:
١. حقيقي.
٢. وحكمي.
الحقيقي: هو أن يظل متذكرًا للنية طيلة الوضوء فهذا هو الاستصحاب الحقيقي وهو أكمل أنواع النية.
الحكمي: هو أن لا يأتي بما يقطع النية وإن عزبت عن ذهنه. كثير من الناس إذا أراد أن يتوضأ قد يغيب عن ذهنه أثناء الوضوء نية الوضوء كأن يفكر بأمر ما أو ينسى أو يذهل أو يعزب عن ذهنه.
فهل بقيت نية الوضوء أو انقطعت؟
الجواب: بقيت بقاء حكميًا. لأنه لم ينو أن يقطعها أو لم يأت بما يقطعها.
فالإنسان كما قلت لكم قد يتوضأ ويفكر بعمله أو يفكر بكتابه أثناء الوضوء لكنه لم يقطع نية الوضوء وإن غابت قليلًا عن ذهنه.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ -:إلى صفة الوضوء.
• فقال - ﵀ -:
وصفة الوضوء:
المقصود بصفة الوضوء كيفيته. ودائمًا إذا وجدت أهل العلم يقولون صفة كذا يعني كيفيته.
والمقصود أيضًا بهذه الكيفية: أي الصفة الكاملة التي تشمل الواجبات والمندوبات.
والمؤلف - ﵀ - من طريقته أن يذكر الواجبات والشروط والسنن ثم يجمل الصفة. وسيصنع ذلك في الصلاة أيضًا وسيصنع مثل ذلك في الحج أيضًا وهذا من باب التقسيم ثم الإجمال وهي طريقة مفيدة لطالب العلم من جهتين:
• أنه يكرر على المعلومات فترسخ.
• والفائدة الثانية: أن يستطيع طالب العلم التفريق بين الواجبات والسنن والشروط.
• قال - ﵀ -:
أن ينوي، ثم يسمي.
[ ١ / ٨٥ ]
تقدم معنا بحث النية مفصلًا موضحًا.
وتقدم معنا بحث البسملة وقلنا بأن الراجح أن البسملة سنة وعند الحنابلة واجبة وقلنا أن الصواب في حديث البسملة أنه ضعيف.
• ثم قال - ﵀ -:
ويغسل كفيه ثلاثًا.
غسل اليدين ثلاثًا ثابت في حديث عثمان ابن عفان - وفي حديث عبد الله بن زيد - وغسل الكفين ثلاثًا قبل الوضوء من سنن الوضوء كما تقدم معنا.
لكن هنا بحث ذكره الفقهاء: وهو: هل إذا قام الإنسان من النوم وأراد أن يدخل يديه في الإناء هل يجب عليه أن يغسل يديه ثلاثًا أولًا ليدخلهما في الإناء ثم يغسل يديه ثلاثًا بنية سنة الوضوء.
يعني يكرر غسل اليدين مرتين أو يكتفي بغسلهما مرة واحدة.
الحنابلة يرون أنه يجب أن يكرر فيصبح مجموع الغسل كم؟
الثلاث الأولى: بسبب القيام من النوم.
والثلاث الثانية هي: سنة الوضوء.
والقول الثاني: أنه يكتفي بواحدة. يغسل يديه ثلاثًا مرة واحدة وتتداخل النيتين والراجح القول الثاني: أنه يكتفي بثلاث لماذا؟
سبب الترجيح: أن الشارع - والله أعلم - يريد من المسلم أن لا يدخل في الإناء إلا إذا غسلهما ثلاثًا بغض النظر عن هذا الغسل هل هو خاص بالاستيقاظ؟ أو يتعلق بسنة الوضوء.
نظير ذلك: الشارع الحكيم يريد من الإنسان إذا دخل المسجد أن لايجلس حتى يصلي ركعتين لكن لو دخل وقد أقيمت الصلاة وصلى الفجر ركعتين فهل يجوز أن يجلس بعد صلاة الفجر؟
نعم يجوز. لأن الشارع يريد أن لا نجلس حتى نصلي الركعتين أيًا كانت الركعتين فليست شيئًا خاصًا.
كذلك هنا - فيما يظهر والله أعلم أن الشارع يريد أن لا يدخل الإنسان يديه في الإناء إلا بعد أن يغسلهما ثلاثًا سواء كانت غسلًا خاصًا للاستيقاظ أو لسنة الوضوء.
• ثم قال - ﵀ -:
ثم يتمضمض ويستنشق.
المتبادر للذهن أن يقول المؤلف: ثلاثًا. كما أنه قال يغسل كفيه ثلاثًا كان ينتظر منه وهو يسوق الصفة الكاملة أن يقول ثلاثًا.
والمضمضة والاستنشاق واجبان على الصواب.
ونحتاج إلى أن نعرف كلًا من المضمضة والاستنشاق:
المضمضة: هي تحريك الماء في الفم. فإذا حرك الإنسان الماء في فمه فإنه يعتبر قد تمضمض.
[ ١ / ٨٦ ]
والاستنشاق: هو أن يسحب الماء إلى داخل الأنف. فإن وصل إلى أقصى الأنف فهو المبالغة. وإن جذبه أدنى جذب فهو المجزئ.
فتبين معنا من تعريف المضمضة أنه ينبغي أن يعرف الإنسان حكم المج: أليس الإنسان إذا تمضمض يمج الماء؟
فما حكم المج؟
إذا لم يمج فماذا سيصنع؟ يبلعه.
الواقع أن المج من كمال المضمضة لكن لا يوجد دليل على الوجوب لأن الشارع إنما أوجب المضمضة والمج لا يدخل في تعريفها ولكن لاشك - كما أسلفنا - أن المج من كمال المضمضة لأن بعد المضمضة يصبح الماء مليئًا بما تخلف في الفم.
ومقصود الشارع من المضمضة تنظيف الفم.
وباقي مسألة واحدة - في مسألة المضمضة والاستنشاق - وهي مسألة: الوصل والفصل: هل السنة أن يصل المضمضة والاستنشاق؟ أو السنة أن يفصل؟
ما هو الوصل؟ وما هو الفصل؟
المقصود بالوصل: أن يتمضمض ويستنشق من كف واحدة.
والمقصود بالفصل: أن يتمضمض من كف ويستنشق من كف أخرى.
الثابت في السنة الصحيحة الذي لا يحفظ عن النبي ‘ غيره هو: الوصل. أي: بكف واحدة.
فيرفع الماء باليمنى ويستنثر باليسرى.
ولكن إت تمضمض واستنشق بكفين فلا حرج. ولا يوجد ما يدل على بطلان مضمضته أو استنشاقه لكن السنة أن لا يفصل وإنما يصل.
وعليه عمل كثير من الناس - على إني أرى بعض الناس يفصلون وهذا أدنى أحواله أن نقول أنه خلاف السنة وينبغي أن يصل الإنسان تأسيًا بالنبي ‘.
• ثم قال ’:
ويغسل وجهه
أيضًا ينبغي أن يقول المؤلف: ثلاثًا.
وبالنسبة للوجه تولى المؤلف بيان حدود الوجه فقال:
من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولًا ومن الأُذن إلى الأُذن عرضًا.
حد الرأس الذي ذكره المؤلف يشمل الجهات الأربع من الأعلى والأسفل واليمين والشمال.
فمن الأعلى يقول: من منابت شعر الرأس.
فالجزء الذي ينبت فيه شعر الرأس هو بداية الوجه لكن اشترط أهل العلم أن يكون من المنابت المعتادة فلا ينظر للأفرع وهو من نبت شعره على جبهته.
[ ١ / ٨٧ ]
ولا ينظر للأصلع وهو من انحسر شعره عن جبهته. وإنما ينظر إلى المعتاد فيكون هو الحد الذي يبتدئ منه الوجه. فلو أن إنسانًا غسل وجهه ولكن لم يستوعب الجزء الذي فيه منابت الشعر المعتاد وإنما نزا عنه قليلًا فإن الوضوء يعتبر باطلًا لأنه لم يستوعب الوجه غسلًا وأخذنا في أول الباب أن غسل الوجه فرض بالنص والإجماع. هذا بالنسبة لحد الوجه من الأعلى.
ثم قال: إلى ما انحدر من اللحيين والذقن:
اللحيان هما: العظمان أسفل الوجه. وهما: العظمان اللذان تنبت عليهما اللحية.
والذقن: هو مجتمع هذين العظمين.
إذًا هذا تحديد الوجه من الأعلى - اليمين والشمال - ومن الأسفل وهو الذقن.
بناءً على هذا هل يجب على الإنسان أن يغسل أعلى حلقه الملاصق للوجه؟
الجواب: لا. لأن حد الوجه ينتهي بالذقن والذقن شيء والحلق شيء آخر.
ثم قال: ومن الأذن إلى الأذن عرضًا: تقدم معنا أن إلى ما بعدها خارج الغاية:
طيب: من الأذن إلى الأذن هل ما قبل من داخل أو خارج؟
فيه خلاف: في كتب اللغة. لكن الراجح أنه خارج كما قيل في إلى تمامًا وهذا القول ممن رجحه العلامة الصنعاني وإن كان بعض المعاصرين يرى أن من داخل لكن الصواب أن من خارج.
إذًا فقوله من الأذن إلى الأذن نقول أن الأذنين خارجان. وعليه فمنتهى الوجه الأذن.
ويفهم من عبارة المؤلف أن ما بيت الخد والأذن داخل في الوجه. أليس كذلك؟ فهو يقول من الأذن إلى الأذن:
إذًا فما بين الخد والأذن داخل - وهو الصواب. وهو البياض المحاذي لصماخ الأذن. فيجب غسله عند جماهير أهل العلم - الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي وأبو حنيفة - وخالف مالك في هذه المسألة. فنبقى مع قول الجمهور ولا نحتاج إلى الخلاف في هذه المسألة.
ثم لما بين المؤلف - ’ - الحدود انتقل إلى الكلام عن ما في الوجه:
• فقال ’:
وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه.
بين حكم ثلاثة أنواع من الشعر:
الأول: الشعر الخفيف.
والثاني: الشعر الكثيف.
والثالث: الشعر المسترسل.
ولم يبين المؤلف ’: هل غسل هذه الأنواع من الشعر واجب أو مستحب أو سنة؟ والواقع أن فيها تفصيلًا.
[ ١ / ٨٨ ]
وقبل أن نذكر حكم كل واحد منها يجب أن نعرف الفرق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف: فما هو الفرق بينهما؟ نقول:
• أن ضابط الشعر الخفيف هو أن يرى الخد من تحته. وسيأتينا حكمه.
• وضابط الشعر الكثيف هو: أن لا يرى الخد من تحته.
إذًا انتهينا من معرفة الشعر الخفيف والشعر الكثيف فباقي الشعر المسترسل: ونقول: ضابط المسترسل هو: ما خرج من اللحية عن حد الوجه طولًا أو عرضًا. فهذا يسمى عند الفقهاء: شعر مسترسل. فلا يشترط أن يكون طويلًا بل مجرد ما يخرج عن هذا الحد يعتبر مسترسلًا.
بعد أن تصورنا ما هو الشعر الخفيف وما هو الشعر الكثيف وما هو الشعر المسترسل؟ فنبين أحكام هذه الأنواع الثلاثة من الشعر:
بالنسبة للشعر الخفيف: فيجب أن يغسل وما تحته: الدليل: قالوا أن هذا الشعر وما تحته من جلد يرى في حكم الظاهر وتحصل به المواجهة فيجب أن يغسل.
وبالنسبة للشعر الكثيف: نص الإمام أحمد أنه ليس من السنة غسل داخل الشعر الكثيف - الكثير - ولكن يجب أن يغسل ظاهره لأن ظاهره تحصل به المواجهة.
ما هو الدليل على أن باطنه لا يغسل؟
الدليل: أن النبي ‘ ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه كان كث اللحية ولم ينقل أنه كان يغسل باطن اللحية.
وبالنسبة للشعر المسترسل: ففي حكمه إشكال فقد اختلف فيه أهل العلم:
المذهب - مذهب الحنابلة: الوجوب، ومن هنا نعلم أن قول المؤلف ’: مع ما استرسل منه يعني بذلك: الوجوب.
وممن اختار وجوب غسل ما استرسل من اللحية من المحققين المجد وشيخ الاسلام وابن مفلح - وكل واحد من هؤلاء إمام من الأئمة.
الدليل: قالوا: أن الشعر المسترسل من اللحية تحصل به المواجهة وما تحصل به المواجهة فهو داخل في حد الوجه فيجب أن يغسل.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن غسل الشعر المسترسل من اللحية سنة وليس بواجب وممن اختار هذا القول من المحققين الحافظ ابن رجب - وهو أيضًا من كبار أهل العلم.
[ ١ / ٨٩ ]
وقد كان عندي تردد كثير في هذه المسألة منذ زمن والآن تبين لي بوضوح أن غسل المسترسل ليس بواجب الدليل: الذي ساعد على الترجيح: أخرج البخاري في صحيحة عن ابن عباس - وصف وضوء النبي - ﷺ - وكان في قوله - أن قال ثم أخذ كفًا من ماء وغسل وجهه وتقدم معنا أن النبي - ﷺ - كان كث اللحية حتى أنه بعض المأمومين يرى لحيته - ﷺ - إذا قرأ القرآن من خلفه وإذا كانت لحيته كثه - ﷺ - ولم يأخذ لها إلا كفًا واحدة للوجه فإن هذه الكف لا تستوعب غسل جميع ما استرسل هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن ما استرسل من اللحية خارج محل الفرض فإن الله أمرنا أن نغسل الوجه وتقدم معنا تحديد الوجه كما جاء في كتب أهل اللغة ومن المعلوم أن الخارج عن اللحين خارج عن محل الفرض.
فلهذا أرى أنه لا يجب على الإنسان أن يغسل ما استرسل من اللحية ولكن لا شك أن الإحتياط أن يغسل الإنسان ما استرسل من لحيته احتياطًا وتطبيقًا للسنة.
• ثم قال:
ثم يديه مع المرفقين.
تقدم معنا البحث في مسألة يديه مع المرفقين وكيف دخل المرفقان في حد اليد مع أن إلى في لغة العرب لا يدخل ما بعدها فيما قبلها.
• ثم قال - ﵀ -:
ثم يمسح كل رأسه مع الأُذنين مرة واحدة.
بين في مسألة مسح الرأس ثلاث قضايا:
الأولى: استيعاب الرأس. وهذا يؤخذ من قوله: كله.
الثانية: أنه يمسح مرة واحدة. فقد نص على أنها مرة واحدة في قوله: مرة واحدة.
الثالثة: أنه يمسح مع الرأس الأذنين.
ففي هذه الجملة - الخمس كلمات - بين حكم ثلاثة مسائل.
أولًا: السنة أن يمسح الإنسان على رأسه مرة واحدة لأنه لم يحفظ أن النبي - ﷺ - مسح على رأسه أكثر من مرة وأي حديث يمر بك في أي كتاب أن النبي - ﷺ - مسح أكثر من مرة فاعلم أنه شاذ أو ضعيف.
شاذ: يعني أن يكون رواية لحديث صحيح.
أو ضعيف: أي أن يكون برأسه حديث مستقل ولكنه ضعيف. فلا يحفظ عن النبي - ﷺ - مطلقًا أنه مسح أكثر من مرة.
ثانيًا: أن يستوعب الرأس. تقدم معنا الخلاف في حكم استيعاب الرأس وأن الصواب هو مذهب الحنابلة وهو وجوب استيعاب جميع الرأس بالمسح لأن الباء في الآية للإلصاق والإلصاق يعني استيعاب الرأس مسحًا. - فهذا تقدم معنا -.
[ ١ / ٩٠ ]
بقي معنا الأذنين فلم يبين المؤلف كيفية مسح الأذنين ولا كيفية مسح الرأس.
أما كيفية مسح الر أس: فقد بينه الصحابي الجليل عبد الله بن زيد - في الحديث المتفق عليه فأخبر أن النبي ‘ بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب إلى قفاه ثم عاد إلى مقدم رأسه.
هذه هي السنة في كيفية المسح.
وهذه الكيفية صحيحة وروي في حديث عبد الله بن زيد العكس - في رواية للحديث - أنه بدأ بمؤخر رأسه ثم أقبل إلى مقدمه ثم رجع.
والأصح من الروايتين الأولى. - أن يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب إلى قفاه.
والثانية: يجاب عنها بأحد جوابين:
• إما أن نقول إنها ضعيفة.
• أو نقول أن الواو فيها لا تفيد الترتيب. بينما رواية عبد الله بن زيد - في الصحيحين فيها استخدام كلمة ثم وهي نص في الترتيب.
إذًا تبيت معنا أن السنة أن يبدأ بمقدم رأسه. لكن هل هذه الكيفية واجبة؟ أو سنة؟
صرح الحنابلة أنه كيفما مسح أجزأه لكن لا ينبغي الإخلال بهذه الكيفية المنصوصة عن النبي ﷺ.
باقي المسألة الأخيرة: وهي: كيفية مسح الأذنين:
جاء في حديث ابن - في سنن النسائي أن النبي ‘ (مسح بأن وضع السبابتين في الصماخ ومسح يإبهامه على ظاهر الأذنين).
هذا الحديث أصله في البخاري لكن هذه الكيفية في النسائي وسنن النسائي صرح اثنان أو ثلاثة من الحفاظ أن جميع ما فيه مما لم يعله النسائي لا في السنن المجتبى ولا في السنن الكبرى أنه صحيح وبغض النظر عن صحة هذه الرواية إلا أنها تفيد قوة الأحاديث الموجودة في سنن النسائي.
إذًا عرفنا الآن - ما يتعلق بمسح الأذنين وتقدم معنا أن الخلاف في مسح الأذنين خلاف قوي وأن الإنسان في الحقيقة يتردد في الوجوب وعدمه إلا أنه من الغرائب أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على عدم الوجوب.
وهذا الإجماع ليس بصحيح لأن مذهب الحنابلة الوجوب. لكن حكاية هذا الإجماع يجعل الإنسان يميل إلى القول بعدم الوجوب.
• ثم قال ’:
ثم يغسل رجليه مع الكعبين -
«هذه لم تشرح»
• ثم قال ’:
ويغسل الأقطع بقية المفروض.
[ ١ / ٩١ ]
لم يبين المؤلف ما هو مقصوده بالأقطع؟ في أي عضو من الأعضاء وهو أراد أن لا يعين حتى يعم إذًا أي عضو من أعضاء الوضوء إذا قطع غسل البقية والدليل قوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم [الأنفال/٦٠]
وقول النبي ‘ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا في الصحيحين.
إذًا إذا انقطع العضو من الإنسان سواء كان سبب القطع عقوبة أو كان سببه قضاء مقدر فإنه يغسل الباقي.
• ثم قال ’:
فإن قطع من المفصل: غسل رأس العضد منه.
يعني: إن شمل القطع كل اليد من المفصل فإنه يجب أن يغسل رأس العظم لأنه كان من اليد - داخل في اليد.
لم يبين المؤلف حكم العضو المقطوع جملة فلو أن إنسانًا قطعت يده من الكتف أو من منتصف العضد فماذا يجب عليه؟
سقط. فلم يبينه المؤلف لأنه معلوم من كلام المؤلف: لأنه قال: يغسل بقية المفروض فإذا لم يكن للمفروض بقية فلا يجب أن يغسل شيئًا.
فهذه المسألة عرف حكمها من مفهوم كلام المؤلف.
• ثم قال ’: بعد أن بين كل ما يتعلق بالوضوء -:
ثم يرفع نظره إلى السماء.
روي أن النبي ‘ قال من توضأ ثم رفع بصره إلى السماء ثم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) وهذا الحديث بزيادة رفع البصر حديث ضعيف.
بناء على هذا فلا يسن للإنسان أن يرفع بصره إذا انتهى من الوضوء بل أكثر من أنه لا يسن لا يشرع فهو بدعة لأنه من صميم العبادة ولا يوجد له دليل يدل عليه.
لكن من عادة أهل العلم ﵏ أنهم لا يطلقون البدعة على مسألة فيها خلاف بالنسبة للآخر وإن كانت المسألة ينطبق عليها تعريف البدعة لكن جرى عمل العلماء أنهم ما يطلقون بدعة إذا كانت المسألة محل خلاف فربما الحديث الذي تضعفه أنت يصححه غيرك إذًا نكتفي بقولنا غير مشروع.
• قال ’:
ويقول ما ورد.
في الروض يقول: ومنه (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) هذا الحديث صحيح في البخاري ومسلم.
لكن أخرج الترمذي زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).
وسبق معنا قاعدة أن الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم بألفاظ زاد عليها غيرهم زيادات لم تذكر في الصحيح فالغالب عليها الضعف بل لو قال الإنسان: كلها ضعيفة إلا شيء يسير لصدق.
[ ١ / ٩٢ ]
ومن ذلك هذا اللفظ فإن هذا الفظ ضعيف - هذه الزيادة ضعيفة لأن الحفاظ الأثبات الذين رووا هذا الحديث في الصحيحين لم يذكروها.
• قال - ﵀ -:
وتباح معونته
يباح للإنسان أن يعان. ليس سنة ولا محرم لكنه مباح بدليل أن المغيرة بن شعبة - أعان النبي - ﷺ - لما أراد أن يتوضأ فويؤخذ من هذا أنه لا غضاضة على الإنسان أن يقبل إعانة الآخرين له مالم يكن في منة وتنقص عليه وجرت العادة أن إعانة الصغير للكبير أو المفضول للفاضل ليس فيها منة فقبول هذه الإعانة لا بأس به ولا حرج.
وهذا سيد الخلق - ﷺ - وإمام المتوكلين يقبل الإعانة والإعانة شيء والسؤال شيء آخر فإن بعض الناس يخلط بين الإعانة والسؤال.
إذا عرض أحد عليك إعانة فلا حرج في القبول لكن الحرج في السؤال أن تسأل الإعانة من الناس هذا هو المذموم.
• ثم قال - ﵀ -:
وتنشيف أعضائه.
ما هو حكم التنشيف؟ مباح. لأنه يقول: وتباح. ثم قال وتنشيف. إذًا الحنابلة يرون أن تنشيف الأعضاء مباح.
ولكن مع ذلك الأئمة الأربعة كلهم بلا خلاف يرون استحباب ترك التنشيف وفي رواية عن أحمد كراهية التنشيف.
فصارت الأقوال ثلاثة:
• إما أن نقول: مباح.
• أو أن نقول: يستحب تركه.
• أو أن نقول: مكروه.
والراجح مذهب الحنابلة: أنه مباح.
واستدل الأئمة الأربعة على استحباب ترك التنشيف بأن النبي - ﷺ - اغتسل فجاءته ميمونة بمناديل فردها - ﵂ - ولم يرد أن ينشف. هذا الحديث يقوي مذهب الأئمة الأربعة.
لكن يجاب عن هذا الحديث بأن هذه قضية عين وربما كان رده - ﷺ - لسبب لا نعلمه. فتكون الرواية المشهورة عن الإمام أحمد وهي إباحة التنشيف هي الأقرب.
أما الحكم بأنته يستحب تركه - يعني أن يتعبد الإنسان ربه بترك التنشيف هذا فيه بعد.
ولو كان من مستحبات الوضوء ترك التنشيف لجاء في الأحاديث الصحيحة ولم يأت عرضًا في مثل حديث ميمونة.
بهذا انتهى المؤلف - ﵀ - من باب فروض الوضوء وصفته وانتقل إلى باب مسح الخفين
«(انتهى الدرس وانتهى الباب»».
[ ١ / ٩٣ ]