• ثم قال - ﵀ -:
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة.
هذا الباب مخصص لمفسدات الصيام.
ومفسدات الصيام هي: كل ما ينافي الصيام ويبطله. فهو من المفسدات.
وما يفسد الصيام ينقسم إلى قسمين:
- الأول: ما يبطل الصيام مع كونه مجزأ وهو بهذا المعنى يذهب بالأجر علن الصائم.
ومثاله: من يتعاطى الشتم والسب ولا يتأدب بآداب الصيام وهوصائم.
فهذا صومه مجزيء لكن يصح أن نقول لاصيام لك يعني: لا أجر لك.
- الثاني: المفسد للصيام أي المبطل الذي يترتب عليه وجوب القضاء. وهو المقصود في هذا الباب.
• قال - ﵀ -:
من أكل أو شرب إلى أن قال: فسد صومه.
الأكل والشرب مفسد للصيام إذا كان مغذيًا بإجماع أهل العلم.
- أولًا: لقوله - ﷺ -: (يدع طعامه وشرابه). فدل على أن من شأن الصائم أن يدع الطعام والشراب وإلا فليس بصائم.
- ثانيًا: قوله تعالى: - (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) -[البقرة/١٨٧]
القسم الثاني: ما يؤكل مما لا يغذي فهذا يبطل الصيام: = عند الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف.
كأن يبلع حصانة أو درهمًا أو ترابًا أو نجو ذلك مما لا يغذي.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
= والقول الثاني: وهو مذهب لبعض المالكية والحسن بن صالح ونصره شيخ الاسلام: أن من أكل ما لا يغذي فإنه لا يفطر.
واستدلوا بدليلين:
- الأول: أن الأكل والشرب إذا أطلق في اللغة وفي العرف وفي الشرع ينصرف إلى الأكل المعروف الذي يتغذى به الجسد. ولا ينصرف إلى ما لا يؤكل عاجة ولا يغذي.
ولذلك: لما أراد الخليل بن أحمد أن يعرف الأكل قال: والأكل معروف.
يعني: الذي يطعم وينتفع الجسم منه.
- الثاني: أن علة التفطير التي تعقل من نصوص الشارع هي ما يتقوى به الجسد ويستمد منه الطاقة والنشاط دون ما ليس كذلك. فإن هذا هو المعى المعقول الذي يناسب أن يكون علة للنصوص.
وهذا القول الثاني من حيث الأدلة هو القول الصحيح. وهو قول قوي جدًا ويتناسب مع نصوص الشرع.
بناء على هذا إذا بلع الإنسان حصاة فإن صيامه باطل عند الجماهير وصحيح عند من ذكرت.
• ثم قال - ﵀ -:
أو استعط.
السعوط هو ما يصل إلى الجوف من خلال الأنف فإذا وصل إلى الجوف ماء أو غيره مما يغذي من طريق الأنف بطل الصيام.
- لقول النبي - ﷺ -: (بالغ في الا ستنشاق إلا أن تكون صائمًا). فدل الحديث على أن الأنف من المنافذ التي إذا وصل المعدة من خلالها ما يطعم أبطل الصيام.
وهذا لا إشكال فيه وهو واضح.
• ثم قال - ﵀ -:
أو احتقن.
الاحتقان لغة: هو الاحتباس.
واصطلاحًا: هو تعاطي الدواء في الدبر بالحقنة.
= وذهب الجماهير إلى أن الحقنة تفطر الصائم.
- لأنها إدخال مادة إلى الجوف.
= والقول الثاني: أن الاحتقان لا يفطر وإليه ذهب بعض أهل العلم ونصره شيخ الاسلام - ﵀ -
واستدل بدليلين:
- الأول: أن ما يحصل بالحقنة الشرجية هو استفراغ ما في البدن لا إدخال القوة والنشاط إليه فكيف يفطر الصائم بذلك؟
وهذا عكس ما يقوله الجمهور الذين يقولون هو إدخال مادة إلى الجوف.
- الثاني: أن الاحتقان في الدبر لا يفيد الجسم وليس من الغذاء لا لغة ولا شرعًا. فلا يسمى المحتقن آكل ولا شارب لا عرفًا ولا شرعًا.
والصواب التفصيل وهو:
[ ٢ / ٤٧٩ ]
- أنه إذا احتقن الإنسان في الأمعاء الغليظة وانت المادة المحقونة فيها ماء أو مواد غذائية فإنه يفطر لأن الأمعاء الغليظة من الأماكن التي يمتص فيها الماء والغذاء.
فإذا امتصت الماء أو الغذاء تقوى الجسد وهذا سبب الفطر.
- وإن حقن في الدبر أدوية ليس فيها ماء ولا غذاء: إن تصور هذا - فإنها لا تسبب الفطر.
هذا القول هو الصواب وأظن أن شيخ الاسلام لو علم من خلال الطب الحديث أن الأمعاء الغليظة محل لامتصاص الماء لم يتوقف في التفطير - أظن هذا - وعاى كل حال سواء صار هذا أو لم يصر فالصواب أنه إذا دخل ماء أو مواد غذائية أن الإنسان يفطر.
وفي الغالب لن يخلو من ماء لأن المقصود من الحقنة الشرجية التنظيف أو خفض الحرارة أو غيره من الأغراض.
وفي الغالب مع ذلك إلى الماء فلابد من الماء.
فإذا حقن بماء فهو يفطر وعليه أن يقضي هذا اليوم لأن الأمعاء ستمتص هذا الماء.
• ثم قال - ﵀ -:
أو اكتحل بما يصل إلى حلقه.
إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه يعني: بما يستطعم حلقه فإنه يفطر.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - نهى عن الإثمد للصائم.
وهذا الحديث ضعيف جدًا.
= واالقول الثاني: أن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه.
- لأن الاكتحال ليس بأكل ولا شرب ولا يحصل للجسد منه أي نوع من أنواع النشاط والتقوية فلا سبب شرعي للتفطير به.
وهذا هو الصواب. أن الكحل لا يفطر. لعدم وجود المقتضي الدال على التفطير به.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله.
أراد المؤلف - ﵀ - في نهاية المسائل التي يفطر بها الإنسان أن يقعد قاعدة وهي تتعلق بما يوجب الفطر من الأشياء التي تدخل البدن.
لو لاحظت معي: فإن المؤلف - ﵀ - قسم المفطرات إلى قسمين:
- مفطرات تدخل البدن.
- ومفطرات تخرج من البدن.
فالقسم الأول: المفطرات التي تدخل البدن - لاحظ معي في المتن -: الأكل والشرب والاستعاط والاحتقان والاكتحال فهذه تدخل البدن.
والقسم الثاني: المفطرات التي تخرج من البدن وهي في قوله: استقاء استمنى باشر أنزل الخ.
فالمؤلف يريد الآن أن يقرر قاعدة للأشياء التي تفطر إذا دخلت:
[ ٢ / ٤٨٠ ]
• فقال - ﵀ -:
أو أدخل إلى جوفه شيئًا.
إذًا قاعة المذهب: أن كل ما يدخل إلى الجسد إلى جوف فيه يصل إلى المعدة فإنه يفطر. سواء دخل من المدخل المعتاد كالفم أو من غير المعتاد كما ذكر الأنف والعين أو الجاحات والجروح الغائرة أو من أي منفذ.
وسواء كان هذا الداخل مما يتغذى به الجسم أو مما لا يتغذى به الجسم. ففي الجميع يجب على من دخل إلى جوفه مما يصل إلى المعدة شيء أن يقضي ذلك اليوم.
هذه هي قاعدة المذهب.
= والقول الثاني: - من حيث القاعدة - أنه لا يفطر شيء مما يدخل البدن إلا ما يدخل إلى المعدة أو إلى موضع يمكن أن تمتص منه المواد الغذائية والماء سواؤ كان من المدخل الطبيعي وهو الفم أو من غيره من المداخل بشرط أن يكون الداخل مغذيًا.
«إذًا مرة أخرى كل ما يدخل إلى ما ينتفع به الجسم أو يمكن أن يمتص فيه مما يغذي».
وفي الحقيقة ما يمكن أن ينتفع به الجسم هما موضعين فقط: المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة فقط. وباقي الأشياء التي في البدن مما يدخلها مواد لا يمكن أن ينتفع بها الإنسان من حيث القوة والنشاط.
يضاف إلى مسألة المعدة والأمعاء الغليظة والدقيقة فقط مسألة المغذيات التي تدخل للدم. فهذه تفطر لأنها في معنى الطعام والشراب وفيما عدا الإبر المغذية الضابط: ما يدخل إلى المعدة أو الإثنا عشر الغليظ أو الدقيق مما ينتفع به الجسم فهذا هو الضابط.
•
ثم قال - ﵀ -:
غير إحليله.
= ذهب الجمهور. إلى أن ما يدخل الإحليل فإنه لا يسبب الفطر.
واستدلوا على هذا:
- بأنه ليس بين الإحليل والجوف منفذ.
وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب لأنه أولًا ليس بين الإحليل والجوف منفذ.
ثانيًا: أن ما يوضع في الإحليل لا يمكن أن يسبب نشاطًا ولا قوة للجسم.
- ثم هو ليس في معنى الطعام ولا في معنى الشراب.
• ثم قال - ﵀ -:
أو استقاء.
استقاء يعني: قاء عمدًا.
فمن قاء عمدًا وجب عليه أن يقضي هذا اليوم.
وحكى عدد من أهل العلم الإجماع على هذا الحكم منهم الخطابي وغيره - عدد من أهل العلم حكوا الإجماع.
واستدلوا على هذا الحكم:
[ ٢ / ٤٨١ ]
- بحديث: أبي هريرة: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء) وهذا الحديث معلول والصواب أنه موقوف. «الأذان».
والصواب ما عليه الجماهير الذي حكي إجماعًا أن من استقاء عمدًا فعليه القضاء:
- أولًا: للإجماع المحكي.
- وثانيًا: للآثار الموقوفة عن أبي هريرة وابن عمر - ﵄ -.
ومن ذهب إلى أنه لا يفطر فقوله ضعيف بمقابل ما عليه جماهير أهل العلم أو حكي إجماعًا.
انتهى الدرس
[ ٢ / ٤٨٢ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مازال المؤلف - ﵀ - في سياق الكلام عن الأشياء التي إذا خرجت من البدن سببت فساد الصوم فذكر منها من استقاء عمدًا وتحدثنا عنها في الدرس السابق.
• ثم قال - ﵀ -:
أو استمنى.
الاستمناء هو: استدعاء المني باليد أوم بغيره مما يستدعى به المني.
فإذا استدعى المني بأي طريقة كانت فهو ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن لا ينزل. فإن لم ينزل فعمله محرم وصيامه صحيح.
- القسم الثاني: أن ينزل. فإن أنزل فإن صومه يفسد.
واستدل العلماء على فساد الصوم بالإستمناء بدليلين:
- الأول: أنه إذا كان الصوم يفسد بالقبلة التي تؤدي إلى الإنزال فبالإستمناء من باب أولى.
- الثاني: قوله - ﷺ -: (يدع شرابه وطعامه وشهوته) وهذا لم يدع شهوته.
= والقول الثاني: أن الصيام لا يفسد وإليه ذهب الظاهرية. وذكروا أنه لادليل على فساد الصوم.
والصواب أن الصوم يفسد وسيأتينا مزيد إيضاح في مسألة المباشرة. لأنهم قاسوا الإستمناء على المباشرة - كما سمعتم -.
• قال - ﵀ -:
أو باشر فأمنى فسد.
المباشرة يقصد بها: أن يباشر امرأته بما دون الفرج.
فالمباشرة والتقبيل واللمس حكم هذه الثلاث مسائل واحد.
= فذهب الجماهير من السلف والخلف وحكي إجماعًا أن الإنسان إذا باشر أوقبل أو لمس فأنزل فإن صيامه يفسد.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الأول: قوله - ﷺ -: (يدع شرابه وطعامه وشهوته) فإنه لم يدع شهوته.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
- الثاني: ما أخرجه البخاري عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - كان يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه. يعني يملك نفسه وشهوته عن الإنزلاق إلى المحرم.
وجه الاستدلال: أن مفهوم حديث عائشة أن من لا يملك نفسه فإنه لا يجوز له أن يقبل أو يباشر لأن هذا يؤدي إلى الإنزال الذي يؤدي إلى فساد الصوم.
- الثالث: القياس على الجماع. ووجه القياس: أن غاية ما يطلب في الجماع الإنزال. وقد حصل له بالمباشرة أو التقبيل.
وقد حكى ابن قدامة الإجماع فيصلح أن نجعله أيضًا دليلًا.
ولم يخالف إلا الظاهرية وهم أصحاب:
= القول الثاني: فذهبوا إلى أنه لا يفسد الصيام إلا بالجماع لعدم الدليل. وقد سمعت الأدلة.
- - مسألة: فإن باشر أو قبل أو لمس ولم ينزل فالصواب أن هذا جائز إذا أمن نفسه.
وفي المسألة - مسألة مباشرة الصائم أقوال هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه مفهوم حديث عائشة المتقدم.
واعلم أن هذه المسألة كالأصل لمسائل الإنزال والمباشرة. فأخذنا قبل قليل أن مسألة الاستمناء باليد أو بغيرها تقاس على مسلة التقبيل والآن هذه المسائل - المباشرة والتقبيل واللمس - وهذا الخلاف الذي حكيناه في المباشرة يعتبر كالقاعدة لمسائل التعامل مع الزوجة فيما يتعلق بالشهوة.
• ثم قال - ﵀ -:
أو أمذى.
إن باشر فأمذى ولم ينزل فسد صيامه أيضًا.
والدليل على ذلك:
- القياس على المني. ووجه القياس: أن في كل منهما خروج السائل بشهوة.
= والقول الثاني: أن المذي لا يوجب فساد الصوم.
- لأن المذي ليس كالمني، بدليل وجوب الغسل في المني دون المذي فلا يصح أن نلحق المذي به.
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وهو الصواب إن شاء الله.
فإذا باشر الإنسان فأمذى فإن صومه صحيح. إلا عند الحنابلة فإن صومه فاسد على ما سمعت من الخلاف والترجيح.
• ثم قال - ﵀ -:
أو كرر النظر فأنزل.
= ذهب الحنابلة إلى أن الصائم إذا كرر النظر على سبيل الشهوة فأنزل فإن صيامه يبطل.
واستدلوا على هذا:
- بأن تكرير النظر يشبه المباشرة في استدعاء المني. فأفسد الصيام كالمباشرة. ولهذا قلت لكم أن المباشرة أصل في مسائل هذا الباب.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
= القول الثاني: أن تكرير النظر وإن أدى الإنزل فإنه لا يفسد الصيام.
- لأنه ليس منه مباشرة فيقاس على من تفكر فأنزل.
والجواب: أن هناك فرق كبير بين من تفكر وبين من كرر النظر فإنه من كرر النظر قصد النظر إلى المحرم وكرر ذل على سبيل الشهوة حتى أنزل وأما من تفكر فإن التفكر يخرج عن إرادة الإنسان فهو شيء يخطر بالبال يصعب دفعه فاختلفا من هذه الجهة.
ولذلك الراجح إن شاء أن من كرر النظر وأنزل فإنه يفسد صيامه كما قلنا في المباشرة تمامًا وفيمن استمنى.
وعلم من كلام المؤلف أن من نظر نظرة واحدة فأنزل: أن صيامه صحيح. لأنه قيد الذي يفسد بأن يكرر. والسبب في أن صيامه صحيح: أن النظرة الأولى: جائزة. ولا يترتب على المأذون محذور.
وتبين أيضًاَ من كلام المؤلف أن من كرر النظر فأمذى فإن صيامه صحيح حتى عند الحنابلة.
فتبين أن الحنابلة يفرقون بين المذي الذي يكون سببه المباشرة وبين المذي الذي يكون سببه تكرار النظر.
فالمذي الأول: يفسد الصيام. والمذي الثاني: لا يفسد الصيام وهذا مما يضعف القول بإفساده في مسألة المباشرة.
• ثم قال - ﵀ -:
أو حجم أو احتجم وظهر دم.
قال: أو حجم أو احتجم. وقيد ذلك بقوله: وظهر دم.
إذا حجم أو احتجم فإن الحجامة تفسد الصيام.
= وهذا مذهب الإمام أحمد. ونصره شيخ الاسلام بن تيمية بقوة.
واستدلوا:
- بقول النبي - ﷺ -: (أفطر الحاجم والمحجوم). وهو حديث صحيح فقد صححه عدد من الأئمة.
وهذا الحديث هو عمدة القائلين بإفساد الصيام بالحجامة.
وذهب إلى هذا الإمام أحمد وكثير من فقهاء أهل الحديث كإسحاق لابن راهويه - ﵀ -.
= القول الثاني: وإليه ذهب جماهير العلماء من اليلف والخلف. أن الحجامة لا تفسد الصيام.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الدليل الأول: ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم.
وأجاب شيخ الاسلام - ﵀ - عن هذا الحديث: بأنه منسوخ بحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم).
- الدليل الثاني: ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: رخص رسول الله - ﷺ - في الحجامة. قال الداقطني: رجاله ثقات.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
- الدليل الثالث: حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - مر على جعفر بين أبي طالب وهو يحتج فقال: أفطر هذان يعني الحاجم والمحجوم. قال أنس: ثم رخص النبي - ﷺ - بالحجامة وكان أنس يحتجم.
قال الداقطني: لا أعلم له علة.
والراجح والله أعلم: أن الحجامة لا تفطر والسبب في ترجيح هذا القول: ما ذكره ابن حزم - ﵀ - أن قول الصحابي رخص لا يكون إلا بعد منع.
فتبين من هذا أن آخر الأمرين من النبي - ﷺ - أنه لا يفطر من احتجم. وكما قلت أن لفظ الترخيص الذي جاء في حديث أنس وفي حديث أبي سعيد الخدري صريح في أن آخر الأمرين من النبي - ﷺ - أن الحجامة لا تفطر.
أما حديث: أفطر الحاجم والمحجوم فهو صحيح لكنه يعتبر منسوخًا بهذه الأدلة.
لأنه لا نعقل من كلمة رخص إلا هذا وما ذكره ابن حزم صحيح وقوي. وهو أقوى مما ذكره شيخ الاسلام على قوة كلامه - ﵀ - في العلة التي من أجلها يفطر الصائم إذا احتجم لكن مع وجود هذه الأحاديث الصحيحة فإنه لا مفر من القول بها ولعله بهذا ذهب إليه الجماهير من الصحابة فمن بعدهم فهم لا يرون التفطير بالحجامة.
•
ثم قال - ﵀ -:
عامدًا ذاكرًا لصومه: فسد.
هذه الشروط ترجع إلى المفطرات السابقة جميعًا.
ولذلك لو أن المحقق وفقه الله جعل عامدًا ذاكرًا لصومه في سطر مستقل لتشمل جميع ما تقدم من المفسدات.
يشترط في الإفساد بهذه المفطرات:
١ - أن يكون الإنسان عالمًا.
٢ - وأن يكون ذاكرًا.
٣ - وأن يكون عامدًا.
فإن اختل أحد هذه الشروط فإنه لا يبطل الصيام.
والدليل على هذا النصوص العامة والنصوص الخاصة.
- فالنصوص العامة:
كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا﴾ [البقرة/٢٨٦]
وكقوله - ﷺ -: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
- والنصوص الخاصة:
كقول النبي - ﷺ -: (من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فإذًا دل على هذه القاعدة نصوص عامة ونصوص خاصة مما لا يدع مجالًا للشك أن من أكل أو شرب أو تعاطى أي مفطر من المفطرات المذكورة فإن صيامه صحيح إذا كان ذلك تم منه جهلًا أو نسيانًا أو إكراهًا.
ثم بدأ المؤلف - ﵀ - بتعداد الأشياء التي لا تفطر عند الحنابلة.
• فقال - ﵀ -:
لا ناسيًا أو مكرهًا.
تقدم معنا. فإن هذا كالتأكيد للشرط السابق. فإن الأدلة الدالة على اشتراط أن يكون عامدًا ذاكرًا هي الأدلة الدالة على أن الناسي والمكره لا يبطل صيامهما.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار.
هاتان مسألتان حكمهما واحد. إذا إلى حلقه غبار أو ذباب أو نحو هذه الأشياء فإن صيامه صحيح.
- لأنه فعل هذا من غير قصد. فإذا فعله من غير قصد بقي صيامه صحيحًا لما تقدم من اشتراط العمد في تناول هذه المفطرات.
• ثم قال - ﵀ -:
أو فكر فأنزل.
إذا فكر الإنسان فأنزل فإن صيامه = عند الحنابلة صحيح ولا يفسد ولو أنزل بالتفكر.
واستدلوا على هذا:
- بأن التفكر أمر خارج عن الإرادة لا يستطيع الإنسان أن يدفعه. وإذا كان كذلك لم يؤاخذ الإنسان بما يترتب عليه.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن الإنسان إذا فكر حتى أنزل فإن صيامه فاسد.
واستدلوا على هذا:
- بأن الله ﷾ أثنى على الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ولا يثني الله على عمل إلا وهو داخل في الإرادة فدلت الآية على أن التفكر ممكن من بني آدم وأنه في مقدورهم أن يتفكروا أو أن لا يتفكروا.
= والقول الثالث: وهو مذهب الإمام مالك وهو جميل جدًا: وهو الراجح: أنه إن تفكر فانساق وراء هذه الأفكار ولم يمنع نفسه أفطر وإن تفكر فمنع نفسه وصرفها واشتغل بغيرها ولم يستطع دفع هذه الأفكار فأنزل فإن صيامه لا يفسد.
فإنه في الحقيقة بهذا التفصيل تجتمع الأدلة وتنسجم وتتوافق. وأيضًا من جهة المعنى واالنظر فإنه تفصيل دقيق وجميل من الإمام مالك - ﵀ -.
وهو كما قلت - إن شاء الله - الراجح.
• ثم قال - ﵀ -:
أو احتلم.
أي: فإنه لا يفسد صيامه إذا احتلم.
وتعليل ذلك: يشبه التعاليل السابقة وهو:
[ ٢ / ٤٨٧ ]
- أن الاحتلام أمر خارج عن الاختيار والإرادة ولا يملك الإنسان دفعه.
فإذا احتلم صح صيامه ولو كان في وسط النهار.
وأمر الاحتلام واضح وهو محل إجماع.
• ثم قال - ﵀ -:
أو أصبح في فيه طعام فلفظه.
إذا استيقظ الإنسان من النوم ووجد في فيه طعام فإنه ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: الطعام اليسير المختلط بالريق. فإن هذا لا يفسد الصيام ولو ابتلعه. وقد حكي الإجماع على هذا الحكم.
- القسم الثاني: أن يكون الطعام كثيرًا فإنه ينقسم إلى قسمين:
- إن أخرجه ولفظه صح صيامه. لأن الفم في حكم الظاهر لا في حكم الباطن.
- وإن ابتلعه بطل صيامه. وتعليل البطلان: أنه أكل طعامًا عامدًا ففسد صيامه.
وبهذا التفصيل يكمل حكم هذه المسألة التي قد تكثر عند بعض الناس بسبب أنه يتسحر ثم ينام مباشرة فإذا استيقظ اكتشف أن في فمه بقايا طعام فحكمه على هذا التفصيل الذي ذكرت.
ثم قال - ﵀ - في مسائل لها حكم واحد:
أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر.
• قال ﵀:
أو اغتسل فدخل الماء حلقه.
أو تمضمض .. فدخل الماء حلقه.
أو استنثر .. فدخل الماء حلقه.
هذه المسائل حكمها واحد لكن من الظاهر أن المؤلف ﵀ وهم بقوله: أو استنثر. وأن الصواب: أو استنشق.
ولذلك جاءت على الواب في المقنع الذي هو أصل هذا الكتاب وفي غيره من كتب الحنابلة جاءت على الصواب ولعل المؤلف - ﵀ - جاء في ذهنه الاستنثار فكتبه والمعنى ولله الحمد واضح.
إذا اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل إلى حلقه الماء وابتلعه فإن صيامه صحيح
- لأن هذا وقع منه بغير إرادة.
وتقدم معنا أن الإنسان إذا شرب أو أكل بغير إرادته فإن الصيام صحيح.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو زاد على الثلاث، أو بالغ «يعني في الاستنشاق» فدخل الماءُ حلقه: لم يفسد.
هاتان مسألتان لهما حكم واحد.
فالمسألة الأولى: زاد على الثلاث.
والمسألة الثانية: إذا بالغ في الاستنشاق.
فإذا زاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق فإن صيامه:
= عند الحنابلة صحيح.
- لأن الماء ذهب إلى حلقه من غير إرادة ولا قصد فلم يؤاخذ عليه.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
= والقول الثاني: أنه إذا زاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق ثم دخل إلى حلقه الماء فسد صومه ولو كان بغير قصد منه.
وعللوا هذا:
- بأن دخول الماء كان بسبب تعد منه للأحكام الشرعية فضمن ما ترتب على ذلك.
فإن الإنسان منهي في الوضوء أن يزيد على ثلاث ومنهي في الوضوء إذا كان صائمًا عن أن يبالغ. فهو خالف الأمر وأدت هذه المخالفة
إلى دخول الماء ففسد صومه.
والراجح والله أعلم الأول. لأن كون المتوضيء يخطيء ويزيد عن الحد الشرعي فهذه مسألة يحاسب عليها وعمله محرم أو مكروه لكن مسألة أخرى وهي صيامه يبقى صحيحًا لأنه دخل الماء بغير قصد والربط بين المسألتين ليس بصحيح فيما أرى.
فنقول: زيادتك وتعديك للحكم الشرعي تأثم عليها. ومسألة دخول الماء بغير قصد لا يترتب عليه حكم فيبقى صيامك صحيحًا.
• ثم قال - ﵀ -:
ومن أكل شاكًا في طلوع الفجر: صح صومه.
يعني: إذا شك الإنسان هل طلع الفجر أو ما زال في الليل ثم أكل فإن صيامه صحيح.
وتعليل ذلك: - أن الأصل بقاء الليل.
ومع ذلك لا يكره أن يأكل ويشرب ولا يفسد صومه. - لأن الأصل بقاء الليل وإذا كان الليل باقيًا جاز للإنسان أن يأكل ويشرب بلا كراهة لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة/١٨٧] فأجاز الله ﷾ إلى طلوع الفجر.
ولا دليل مع من قال بالكراهة إذا شك. وهذه المسألة - وهذا مما ينبغي أن تتنبه إليه - مفروضه فيما إذا لم يتبين له بعد ذلك أن الفجر طلع. فإن تبين له فهي المسألة بعد الثالية.
فنحن الآن نتكلم على شخص شك ولم يتبين له. فصيامه صحيح لأن الأصل بقاء الليل ولدلالة الآية.
• ثم قال - ﵀ -:
لا إن أكل شاكًا في غروب الشمس.
إذا أكل وهو يشك بغروب الشمس فإن صيامه باطل عند جميع الأئمة.
- لأن الأصل بقاء النهار وعدم دخول الليل. فهو أفطر في حال لا يجوز له أن يفطر فيها.
- - فإن أكل شاكًا في غروب الشمس ثم تبين أنها قد غابت فعلًا.
فالحكم: أنه آثقم وعليه التوبة وصيامه صحيح. - لأنه حين أكل أكل متعديًا للأحكام الشرعية فهو آثم وصيامه صحيح لأنه تبين من الواقع أن عمله وافقه المشروع حيث لم يأكل إلا بعد غروب الشمس.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
• ثم قال - ﵀ -:
أو معتقدًا أنه ليل فبان نهارًا.
هذه العبارة تشمل مسألتين:
- - المسألة الأولى: إذا أكل يظن غروب الشمس فبانت لم تغرب.
- - والمسألة الثانية: إذا أكل يظن عدم طلوع الفجر فبان طالعًا.
فعبارة المؤلف - ﵀ - تشمل المسألتين.
= فعند الحنابلة: أن من صنع ذلك بطل صيامه.
واستدلوا على ذلك:
- أولًا: بأنه ثبت عن عمر أنه قضى. حيث أنه - ﵁ - أفطر وكان يظن أنم الشمس قد غابت ثم تبين أنها لم تغب.
- وثانيًا: قياسًا على من أكل وهو شاك بغروب الشمس.
= والقول الثاني في هذه المسألة التي تكثر جدًا بين الناس: أن صيامه صحيح في المسألتين.
واستدلوا بأدلة:
- أولًا: أنه جاء عن عمر - ﵁ - أيضًا أنه فعل ذلك ولم يقض. فيكون المنقول عن عمر - ﵁ - روايتين. ولا أعرف أيهما أصح لأني لم أنظر في أسانيد هذين الأثرين لأن في المسألة نصوص فلا نحتاج في الحقيقة إلى هذه الآثار.
- ثانيًا: حديث أسماء - ﵂ - أنهم في زمن النبي - ﷺ - تلبدت السماء بالغيوم فأفطروا ظانين أن الشمس غربت فلما انكشف الأمر خرجت الشمس. وليس في الحديث أنه أمرهم بالقضاء. فلو كان القضاء واجبًا لبين لهم - ﷺ - وجوبه.
- ثالثًا: حديث عدي بن حاتم - ﵁ - أنه لما سمع الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة/١٨٧] جعل تحت وسادة عقالًا أسود وأبيض ثم صار ينظر إليه ولا يمسك حتى يتبين له الأبيض من الأسود فلما ذكر ذلك للنبي - ﷺ - قال له: إن وسادك إذًا لعريض الأبيض والأسود بياض الليل وسواد النهار ولم يأمره بالقضاء.
وهذا القول: الثاني: هو الأقرب إن شاء الله والذي تدل عهليه النصوص.
فإذا أخطأ الإنسان فإن صيامه صحيح وعليه بعد أن يتبين له أن يمسك إلى أن تغرب الشمس.
فصل
[فيما يتعلق بالجماع في نهار رمضان]
• قال - ﵀ -:
(فصل) ومن جامع.
خص المؤلف - ﵀ - أحكام الجماع في نهار رمضان بفصل خاص لأمرين:
- الأول: كثرة الأحكام المتعلقة بهذا المفطر.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
- الثاني: للدلالة على أنه من أعظم الذنوب التي يقترفها الصائم.
• قال - ﵀ -:
من جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر.
المقصود بقوله: في قبل أو دبر. أي لا بد أن يكون في فرج أصلي سواء كان من حي أو من ميت.
فإن لم يكن فرجًا أصليًا فإنه لا تترتب عليه الأحكام المذكوة في هذا الفصل.
فلو افترضنا أن خنثى أو لج في امرة أو رجل أولج في خنثى فإنمها لا تترتب أحكام الجماع في نهار رمضان لاحتمال أن يكون هذا العضو زائدًا وليس بأصلي.
وإذا كان زائدًا فإنها لا تترتب عليه الأحكام المذكورة في النمصوص.
إذًا عرفنا الآن أن قصده لافي قبل أو دبر يعني أن يكون أصليًا.
ومفهوم قوله: في قبل أو دبر: أي: سواء كالن هذا القبل أو الدبر محرم أو مباح أي من زوجة أو من أجنبي أو من رجل فإن هذه البارة عامة تشمل الجميع.
• ثم قال - ﵀ -: مبينًا ما يترتب على الجماع في نهار رمضان:
فعليه القضاءُ.
إذا جامع الإنسان في نهار رمضان فعليه:
= عند الجماهير القضاء. يجب عليه مع الكفارة التي سيذكرها المؤلف أن يقضي ذلك اليومن.
واستدلوا بدليلين:
- الأول: أن الأمر العام بهذا اليوم ما زال قائمًا وهو في ذمته لابد أن يؤديه.
- الثاني: أنه في حديث أبي هريرة - ﵁ - في حديث الأعرابي المجامع والذي سيأتينا في بعض ألفاظه: (وأمره أن يقضي يومًا مكانه). وهذه الفظة شاذة وإن حاول بعضهم تصحيحها فإنها في الحقيقة الصواب فيها أنها ضعيفة لأنها مخالفة لرواية الثقات.
= القول الثاني: وإليه ذهب الإمام الشافعي ونصره ابن حزم: أن المجامع في نهار رمضان عليه الكفارة دون القضاء.
واستدلوا على ذلك:
- بأن النبي - ﷺ - لم يأمر المجامع أن يقضي.
- وبأن المجامع أفطر عمدًا وسيأتينا أن من أفطر عمدًا لا يقبل منه القضاء وعليه بالتوبة والاستغفار والإكثار من العمل الصالح.
وهذا القول الثاني هو الأقرب إن شاء الله.
• ثم قال - ﵀ -:
والكفارة.
دلت عبارة المؤلف على أن من جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة أنزل أو لم ينزل. فبمجرد أن يجامع تجب عليه الكفارة والقضاء على المذهب.
[ ٢ / ٤٩١ ]
والدليل على ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد أن رجلًا دخل على النبي - ﷺ - فقال يا رسزول الله هلكت فقال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان فقال له النبي - ﷺ - هل تجد رقبة قال لا قال هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال هل تجد ما تطعم به ستين مسكينًا قال لا.
فجلس ولم يأمره النبي - ﷺ - بالذهاب ثم جاء النبي - ﷺ - مكتلًا فيه تمر فقال خذه وتصدق به فقال على أفقر مني يا رسول الله فضحك رسول الله - ﷺ - وقال: أطعمه أهلك.
وقوله: أطعمه أهلك أيضًا في الصحيحين.
فدل هذ الحديث على وجوب الكفارة وهو نص في وجوبها. وستأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف - ﵀ - أحكام الكفارة.
• ثم قال - ﵀ -:
وإن جامع دون الفرج فأنزل. .. أفطر ولا كفارة.
المجامعة دون الفرج هي المباشرة. وتقدم معنا أن المباشرة فيها القضاء فقط.
فإذا جامع الإنسان بما دون الفرج كأن يكون بين الفخذين أو أن يستمتع بأي جزء من أجزاء زوجته فإن الواجب عليه أن يقضي هذا اليوم فقط دون الكفارة ولو أنزل.
والدليل على هذا:
- أن النص إنما جاء بكفارة في الجماع فقط وهذا لا يسمى جماعًا في الشرع إنما الجماع ما يصير فيه إيلاج أما المباشرة فيما دون الفرج فإنها لا تسمى جماعًا في الشرع فلا يجب بناء على ذلك كفارة.
• ثم قال - ﵀ -:
أو كانت المرأة معذورة.
يعني إذا كانت المرأة معذورة بجهل أو نسيان فإنه لا يجب عليها الكفارة = عند الحنابلة ويجب عليها القضاء.
= والقول الثاني: أنه لا قضاء ولا كفارة ما دامت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب لأنه تقدم معنا أنه يشترط للمفطر أن يتم مع الذكر والعمد وهذه نفترض أنها معذورة بجهل أو نسيام أو إكراه.
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن المرأة إذا لم تكن معذورة فيجب عليها هي أيضًا كفارة.
واستدلوا على ذلك:
- بحديث أبي هريرة فإنه دل على أن من جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة ما دام عمدًا قصدًا.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
= والقول الثاني: أن المرأة ليس عليها كفارة. أو أن كفارة الرجل عنه وعنها ومؤدى القولين واحد أنه ليس على المرأو كفارة.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - لم يأمر المرأة أن تكفر ولم يرشد السائل لذلك.
والجواب عليه من وجهين:
- الأول: أن النبي - ﷺ - إنما سأله الرجل دون المرأة. فأفتى من سأل وسكت عمن لم يسأل.
- الثاني: أن الظاهر في قصة الرجل - من بعض الألفاظ - أنها مكرهة يدل عليه أمران:
- الأمر الأول: ما رواه الداقطني أنه قال: يارسول الله هلكت وأهلكت. فقوله: أهلكت دليل على أنها مكرهة.
- الأمر الثانمي: أن الرجل لما طلب منه النبي - ﷺ - الصيام قالا لا أستطيع وفي لفظ وهل أوتيت إلا من الصيام فيدل هذا اللفظ على أن الرجل لا يصبر عن الجماع وأن هذا ربما كالن مسوغًا لإجبار الزوجة على الجماع.
فدل هذا اللفظان على أن ظاهر الحال أن المرأة مكرهة. ونحن لا نجزم بهذا لكن كما قال بعض الفقهاء: ظاهر الحال أن المرأة كانت مكرهة فلم يأمرها النبي - ﷺ - بالكفارة.
وبكل حال عدم ذكر الكفارة بالنسبة للمرأة لا يدل على عدم الوجوب. وهذا هو القول الراجح إن شاء الله.
= ومفهوم عبارة المؤلف أن الرجل لو طكان ناسيًا فإنه يجب عليه أيضًا الكفارة.
- لأنه نص على عذر المرأة دون الرجل.
= والقول الثاني: أن الرجل إذا كان ناسيًا أو مكرهًا فإنه أيضًا لا كفارة ولا قضاء عليه.
- لما تقدم في حق الزوجة. فما ذكرناه من تعليل في عدم وجوب الكفارة والقضاء بالنسبة للزوجة المكرهة أو المعذورة هو نفس التعليل بالنسبة للرجل.
• ثم قال - ﵀ -:
أو جامع من نوى الصوم في سفره: أفطر ولا كفارة.
إذا نوى المسافر الصوم أو نوى المريض الذي يجوز له الفطر الصوم ثم جامع فلا كفارة.
والدليل على هذا:
- أن إتمام الصوم بالنسبة لهؤلاء لا يجب. وإذا لم يجب الإتمام لم يجب في إفساده كفارة.
فمعلوم أن المسافر لا يجب عليه أن يتم الصيام وكذا المريض الذي يجوز له أن يفطر.
وعليه القاء: فتقدم معنا أن المسافر والمريض يجب القضاء عليهما بالإجماع.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
= والقول الثاني: أنه لا يجوز له أن يجامع - المسافر والمريض -.
- لأنه شرع في صوم واجب.
والأقرب كما هو ظاهر القول الأول وهو مذهب الحنابلة.
• ثم قال - ﵀ -:
وإن جامع في يومين فعليه كفارتان.
يعني إذا جامع الإنسان في اليوم الأول من رمضان ثم جامع في اليوم الثاني من رمضان فإنه يجب عليه كفارتان.
وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يجامع في اليوم الأول ويكفر. ثم يجامع في اليوم الثاني فهذا بالإجماع عليه كفارتان ولا إشكال وأمره واضح.
لكن الإشكال والذي يريده المؤلف:
-[في القسم الثاني] إذا جامع فيب اليوم الأول ولم يكفر ثم جامع في اليوم الثاني فيجب عليه كفارتان = عند الحنابلة.
الدليل: قالوا: الدليل على هذا:
- الأول: أن كل يوم من أيام رمضان يعتبر يومًا مستقلًا. وهو عبادة مفردة تترتب عليها الأحكام فإذا جامع في يومين وجبت عليه كفارتان.
- الثاني: وهو قوي إذا تأملت قياسًا على ما إذى جامع في يومين من رمضانين ولم يكفر. فمثلًا لو أن أحدهم جامع في رمضان سنة ١٤٠٠ ولم يكفر ثم جامع في رمضان من سنة ١٤٠١ فإنه يجب عليه كفارتين.
= القول الثاني: في هذه المسألة بعد أن حكينا الإجماع في القسم الأول ونحن نتكلم في القسم الثاني.
أنه تجب عليه كفارة واحدة.
- لأنهما كفارتان من جنس واحد فاكتفي بأحدهما.
وهذا القول الثاني: - الاكتفار بكفارة واحدة - فيما أرى ضعيف جدًا ليس له حظ من النظر ولذلك نجد أن الشيخ الفقيه المجد بن تيمية رجح القول الأول ونصره مما يدل على أنه قوي عنده وهو كذلك في الحقيقة فإني لا أعلم وجهًا مقنعًا للاكتفاء بكفارة واحدة مع كونه انتهك حرمة يومين من رمضان. هذا فضلًا عن أن المناسب في حق مثل هذا الشخص أن يؤدب بإيجاب كفارتين ونحن لا نقول بوجوب كفارتين من باب التأديب فإن الأحكام الشرعية لا تنبني فقط على مسألة التأديب بل الأدلة تدل أن عليه كفارتان ومع ذلك هو من باب التأديب.
• ثم قال - ﵀ -:
أو كرره في يوم ولم يكفر: فكفارة واحدة في الثانية وفي الأُولى اثنتان.
لو أن المؤلف - ﵀ - جعل حكم كل مسألة بجوارها.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وإن جامع في يومين فعليه كفارتان أو كرره في يوم واحد فكفارة واحدة.
لكنه فصل بينهما وليس له مبرر من وجهة نظري.
المهم: إذا كرره في يوم ولم يكفر فكفارة واحدة في الثانية. يعني: لو جامع في أول النهار في رمضان ثم جامع في آخر النهار في رمضان قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة.
- لأنه انتهك حرمة يوم واحد. فعليه كفارة واحدة.
•
ثم قال - ﵀ -:
وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه: فكفارة ثانية.
هذا القسم الثاني: للمسألة السابقة.
رجل جامع في يوم الأول من رمضان مثلًا ثم كفر ثم جامع فهذا الرجل اختلف فيه الفقهاء:
= فمنهم من يقول: عليه كفارتان. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية. قال: لأنه انتهك المحرم مرتين فوجبت عليه كفارتان.
= والقول الثاني: وهو للجماهير بل حكاه ابن عبد البر إجماعًا أنه إذا جامع ثم كفر ثم جامع فلا تجب عليه كفارة أخرى.
واستدلوا:
- بأن هذا الذي جامع وكفر فسد صومه وأصبح من المفطرين فلا تجب عليه كفارة أخرى فإنه الآن مفطر. ولا يوجد دليل على إيجاب كفارة أخرى عليه.
وربما نستدل بالإجماع الذي حكاه ابن عبد البر.
وهذه الإجماعات كما أشرت مرارًا يستأنس بها ويستدل بها فإن كانت محكمة فهي دليل مستقل وإن كانت غير محكمة بأن يوجد مخالف فلا أقل من أن يستأنس بها ويقوى القول التي هي معه.
لأنه لا شك أنه يحكى إجماع في قول فإن هذا يقويه.
• ثم قال - ﵀ -:
وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع.
من يلزمه الإمساك في رمضان ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: من يلزمه الإمساك لكون البينة جاءت في وسط النهار أو لكونه صار أهلًا في وسط النهار.
- والقسم الثاني: من يلزمه الإمساك من نحوحائض طهرت ومريض صح ومسافر قدم.
ففي القسم الأول: إن جامع وجبت عليه الكفارة ولا إشكال إن شاء الله. - لأنه انتهك حرمة اليوم. وهويجب عليه الإمساك.
والقسم الثاني: تقدم معنا ذكر الخلاف في أنه: هل الحائض إذا طهرت والمريض إذا صح والمسافر إذا قدم وما أشبه هؤلاء هل يجب عليهم أن يمسكوا أو لا يجب؟
فإن قيل بوجوب الإمساك فعليهم كفارة.
وإن قيل أن الإمساك لا يجب غلا كفارة عليهم.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وتقدم معنا أن الراجح أنه لا يجب عليهم أن يمسكوا وبناء على هذا فالراجح أنه لا كفارة عليهم.
إذًا الخلاف في وجوب الكفارة يرجع إلى الخلاف في وجوب الإمساك.
• ثم قال - ﵀ -:
ومن جامع وهو معافى، ثم مرض أو جن أو سافر: لم تسقط.
يعني: رجل مقيم مكلف يجب عليه الصيام جامع ثم لما جامع زال عنه التكليف. بأن سافر لا حيلة أو جن أو بأي سبب يزول معه التكليف.
= فقال الحنابلة: تجب عليه الكفارة ولو ارتفع عليه التكليف في أثناء اليوم.
واستدلوا على هذا:
- بأن وجوب الكفارة سابق لزوال التكليف.
= والقول الثاني: أن مثل هؤلاء لا تجب عليهم الكفارة.
- لأنه تبين أنهم ليسوا من أهل الصيام في ذلك اليوم.
فأي القولين أرجح؟
الجواب: أن هذا يرجع إلى مسألة متى تجب الكفارة في الذمة؟ هل يشترط مضي وقت أو بمجرد الجماع؟
الجواب: بمجرد الجماع.
ولذلك لو جامع. ومات أخرجنا الكفارة من تركته.
فالأقرب والله أعلم الوجوب.
• ثم قال - ﵀ -:
ولا تجب الكفارة: بغير الجماع في صيام رمضان.
الكفارة الكبرى لا تجب إلا بشرطين:
- أن يكون الفطر بالجماع.
- وأن يكون هذا الجماع في نهار رمضان.
فإن تخلف أي شرط من هذه الشروط لمتجب الكفارة.
والدليل على هذا:
- أن حديث أبي هريرة الذي فيه ذكر المجامع نص على وجوب الكفارة فيمن أفطر في نهار رمضان وما عدا هذه الصورة لا نص فيها ولا إجماع.
= والقول الثاني: أنها تجب الكفارة فيمن جامع في قضاء رمضان.
= والقول الثالث أنها تجب الكفارة بأي مفطر من المفطرات ولو بغير الجماع.
فالقول الثاني: أخل بشرط نهار رمضان.
والقول الثالث: أخل بشرط أن يكون الفطر بالجماع.
والصواب القول الأول وعليه الجماهير وعليه تدل النصوص أنه لا يجب عليه الكفارة إلا بهذين الشرطين.
•
ثم قال - ﵀ -:
وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت
دل كلام المؤلف - ﵀ - على أن الكفارة تجب على الترتيب لا على التخيير.
= وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير ورأوا أنه لا ينتقل من خصلة إلى أخرى إلا إذا يستطع الأولى.
واستدلوا:
[ ٢ / ٤٩٦ ]
- بأنه في حديث أبي هريرة رتب الكفارات بقوله: فإن لم تجد أو أتجد ولم ينتقل عن واحدة إلى أخرى إلا إذا قال لا أستطيع.
= والقول الثاني: وهو مذهب لبعض الفقهاء أن الكفارة على التخيير.
- لما جاء في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قال في حديث أبي هريرة عليك عتق رقبة أو صيام أو إطعام. وأو تأتي بلغة العرب للتخيير ولا تدل على الترتيب.
الصواب أن الترتيب واجب وأن الرواية الصحيحة فيها الترتيب ولذلك نقل بعض الحفاظ أن الزهري روى عن ثلا ثين راويًا أنهم نقلوا الترتيب فالترتيب المذكور في االصحيحين هو اللفظ الصحيح وهو يدل على وجوب عدم الانتقال من واحدة إلى أخرى إلا عند العجز.
المسألة الثانية: قوله: وهي عتق رقبة فإن لم يجد:
• قوله
: فإن لم يجد:
أي فإن لم يجد الرقبة ولا ثمن الرقبة فإنه حينئذ ينتقل إلى النوع الثاني من الكفارة.
• قال:
فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
المرتبة الثانية في الكفارة أن يصوم شهرين.
ويشترط في هذين الشهرين أن يكونا متتابعين.
وإذا شرع في الصيام ثم وجد الرقبة فإنه لا يجب عليه أن ينتقل إلى الصيام نص عليه الإمام أحمد - ﵀ -.
والدليل على ذلك:
- أنهى شرع في الكفارة المجزأة فلا يجب عليه أن ينتقل إلى غيرها. فإن انتقل فهو الأولى. وقد أحسن وأجاد.
•
ثم قال - ﵀ -:
فإن يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
إطعام ستين مسكينًا. الخلاف الذي ذكرناه في السابق حول الإطعام لمن أفطر من حيث المقدارهو نفسه الخلاف هنا فيكرر كما تقدم تمامًا هل هو نصف صاع أو مد وهل هو من البر أو من غيره وهل يقدر أو لايقدر؟ على الأقوال الثلاثة. التي ذكرتها في الدرس قبل السابق.
• ثم قال - ﵀ -:
فإن لم يجد سقطت.
= ذهب الحنابلة إلى أنه إذا لم يجد جمبع أنواع الكفارات فإنها تسقط.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - لما جاءه المكتل من التمر أعطاه للرجل وأمره أن يتصدق فلما قال على أفقر مني قال خذه وأطعمه أهلك وإطعام هذا الرجل التمر لأهله عند الحنابلة ليس على سبيل الكفارة ونصر هذا من العلماء المحققين اثنان: ابن دقيق العيد والصنعاني.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
أي أن هذا الأعرابي أخذ الطعام لا على أنه كفارة وإنما على أنه صدقة لأهله.
وإذا كان الرجل أخذ هذا الطعام لا على أساس أنه كفارة ولم يأمره النبي - ﷺ - أن يكفر لا حقًا دل هذا على سقوط الكفارة.
والحنابلة يرون والإمام أحمد أن الكفارة التي تسقط هي فقط كفارة الجماع في نهار رمضان دون الكفارات الأخرى - ككفارة القتل وكفارة الحج - فهذه الكفارات وغيرها لا تسقط عند العجز إنما الذي يسقط فقط هذه الكفارة لأنها التي دل النص فيها على السقوط.
= والقول الثاني: أن الكفارة تبقى في ذمته وكون النبي - ﷺ - لم يقل له كفر فقد اكتفى بكونه قال له في صدر الحديث أعتق رقبة صم شهرين أطعم ستين مسكينًا فهذا الأمر يكفي في بقاء الكفارة في ذمته وكونه أعطاه هذا التمر صدقة لأهله لحاجته لا يعني أنه لا تجب عليه الكفارة.
- - مسألة: قوله: فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
كيف يكون هذا الأعرابي لا يستطيع وهويصوم رمضان؟
الجواب على هذا: أن هذا الأعرابي قال كما تقدم: وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام وهل أوتيت إلا منه - الالفاظ مختلفة.
فدل على أن هذا الرجل لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين بدون أن يقع في الجماع فاعتبر النبي - ﷺ - هذا عذرًا.
فنقول لمن لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين خشية الوقوع في الجماع أن هذا عذر كما عذر النبي - ﷺ - هذا الأعرابي ويجوز له بناء على هذا أن ينتقل إلى الخصلة الثانية وهي الإطعام.
وفي مثل هذه الأمور يدين الإنسان فلو قال لا أستطيع أن أصوم لمرض أو لشدة الرغبة في الجماع فهذا شيء بينه وبين الله ﷾ يدين فإن كان صادقًا سلم وإن كان كاذبًا أثم.
انتهى الدرس
[ ٢ / ٤٩٨ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا من الفصل السابق ما عدا مسألة بقيت في من أراد أن يكفر بالصوم فسيصوم شهرين متتابعين.
والمسألة التي بقيت هي: كيفية هذا الصيام:
نقول: كيفية هذا الصيام تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: إذا بدأ الصيام من أول الشهر فإنه يصوم شهرين كاملين سواء تم الشهران ثلاثين يومًا أو نقص. وسواء نقص أحدهما أو نقص كلاهما فإنه إذا انتهى الشهر الثاني فإنه يعتبر قد أدى ما عليه من الكفارة ما دام أنه بدأ من أول الشهر.
وهذا واضح ولا إشكال في لأن الشهر في الشرع تارة يكون ثلاثين يومًا وتارة يكون تسعة وعشرين يومًا.
- القسم الثاني: أن يبدأ من وسط الشهر فسيصوم بعض الشهر الأول وكل الشهر الثاني وبعض الشهر الثالث.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وسيصوم من الشهر الثالث ما يكمل به عدد الأيام التي صامها من الشهر الأول.
فالشهر الثاني لا إشكال فيه أنه هلالي. لأنه سيبدأ من الأول فيصوم حسب عدد أيام ذلك الشهر سواء تم أو نقص.
بقينا إذا أراد أن يكمل من الشهر الثالث فإنه الفقهاء - ﵏ - قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين:
= القول الأول: أنه يتم ثلاثين يومًا فإذا كان صام من الشهر الأول عشرة أيام فسيصوم من الشهر الثالث عشرين يومًا. لأنهم قالوا: لا يمكن اعتبار هذين شهرين بالأهلة لأنهما مفترقان فوجب الرجوع إلى العدد. والأحوط فيه ثلاثين يومًا.
= القول الثاني: أن يصوم بحسب الشهر الأول:
- فإن كان الشهر الأول تامًا أكمل من الشهر الثالث ثلاثين يومًا.
- وإن كان الشهر الأول ناقصًا أكمل من الشهر الثالث تسعة وعشرين يومًا.
والراجح والله أعلم:
- أنه إن كان الشهر الأول والثالث كلاهما ناقص صام تسعة وعشرين يومًا.
- وإن كان أحدهما تامًا أكمل ثلاثين يومًا احتياطًا.
وبهذا القول إن شاء الله تجتمع الأقوال ويحصل الاحتياط في مسألة أداء الكفارة.