- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
باب محظورات الإحرام.
الحظر في لغة العرب: المنع.
والمقصود بمحظورات الإحرام: ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام.
فالكذب يحرم على المحرم فعله لكن ليس بسبب الإحرام إنما بالتحري الأصلي.
إذًا المحظورات المقصودة في هذا الباب فقط ما يكون سبب المنع منه الإحرام وهي كما قال المؤلف - ﵀ -: تسعة.
- قال - ﵀ -:
(١) حلق الشعر.
حلق الشعر من محظورات الإحرام.
وحلق الشعر ينقسم إلى قسمين:
[ ٣ / ٨٦ ]
- القسم الأول: حلق شعر الرأس. وهو من محظورات الإحرام: بالنص والإجماع.
- أما النص فقوله تعالى: - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٦]. فهذه الآية نص في تحريم حلق شعر الرأس أثناء الإحرام.
- والثاني: الإجماع فقد حكى الإجماع أكثر من واحد ولا يعلم في هذه المسألة مخالف لصراحة النص في النهي عنه.
- القسم الثاني: ما عدا شعر الرأس من شعر البدن.
وفيه خلاف بين أهل العلم - ﵏ - على قولين:
= القول الأول: وإليه ذهب الأئمة الأربعة والجماهير والجم الغفير من الفقهاء أنه من محظورات الإحرام.
قال الإمام أحمد لا أعلم أحدًا فرق بين الرأس والإبط.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: القياس على شعر الرأس. بجامع ترك الترفه أي أن الشارع إنما نهى المحرم عن أخذ شعر الرأس لأن لا يترفه والترفه حاصل بأخذ الشعور الأخرى.
- - الدليل الثاني: قوله ﷾ - (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) -[الحج/٢٩].
قضاء التفث فسره ابن عباس - ﵁ - بأخذ شعر العانة والإبط وتقليم الأظافر.
وجه الاستدلال بالآية: أنه تعالى قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ والآية معطوفة على نحر الهدي.
فمعنى الآية أن الإنسان لا يقضي تفثه إلا بعد أن ينحر الهدي وما دام لم ينحر فهو محرم ويمنع من أخذ هذه الشعور وهو استدلال غاية في القوة كما ترى لا سيما وأن هذا التفسير مروي عن ابن عباس ولا يعرف له مخالف.
= القول الثاني: أن أخذ باقي الشعور جائز ولا يترتب عليه فدية وأن الممنوع فقط شعر الرأس.
وإلى هذا ذهب ابن حزم - ﵀ -.
واستدل على ذلك كما هي طريقته:
- - بأنه ليس في النصوص مطلقًا المنع من أخذ باقي الشعور وإنما نص الله ﷾ فقط على شعر الرأس.
وهو قول ضعيف جدًا مخالف لظاهر الآية وللآثار عن الصحابة ولما عليه جماهير الفقهاء بل إن عبارة الإمام أحمد يفهم منها الإجماع حيث يقول - ﵀ -: لا أعلم أحدًا فرق بين شعر الرأس والإبط.
إذًا الراجح أن باقي الشعور كشعر الرأس وهي من محظورات الإحرام.
[ ٣ / ٨٧ ]
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى المحظور الثاني من محظورات الإحرام:
- فقال - ﵀ -:
(٢) وتقليم الأظافر.
تقليم الأظافر من محظورات الإحرام.
فإن قلم المحرم أظافره فعليه فدية كما سيأتي تفصيل أحكامها.
وليس في النصوص ما يدل على أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام. ولذلك الخلاف الذي سمعت في الشعر غير شعر الرأس وجد تمامًا في حكم تقليم الأظافر سواء من حيث الأدلة ومن حيث القائلين فلا يختلف بشيء.
والراجح كذلك في هذه المسألة كالراجح في المسألة السابقة وهي أن تقليم الأظافر بمقتضى ظاهر الآية وفتاوى الصحابة من محظورات الإحرام وأن اختيار ابن حزم في هذه المسألة ضعيف.
ثم لما بين - ﵀ - المحظور الأول والثاني انتقل إلى الضابط الذي تجب فيه الفدية في الشعور والأظافر:
- فقال - ﵀ -:
فمن حلق أو قلم ثلاثة: فعليه دم.
إذا حلق الإنسان ثلاث شعرا فصاعدًا: فعليه دم.
فإن حلق شعره ففيه: طعام مسكين.
وإن حلق: شعرتين: فيه طعام مسكينين.
وإن حلق بعض شعرة: فيه ما في حلق الشعرة.
واستدلوا:
- بأن الثلاثة أقل الجمع.
= القول الثاني: لأبي حنيفة - ﵀ - أن الفدية تجب إذا حلق ربع الرأس فصاعدًا. فإن حلق أقل من ذلك فلا فدية فيه.
= القول الثالث: للمالكية وهو أن الحلق الذي تجب فيه الفدية هو ما اتصف أحد صفتين إما أن يون فيه ترفه أو أن يكون فيه إزالة للأذى.
فإن حلق شعر يحصل به الترفه أو يحصل به إزالة الأذى: وجبت الفدية وإلا فلا.
ومعنى هذا القول: أن لا تجب الفدية إلا - في الحقيقة - عمم شعره بالحلق.
أما إذا حلق بعض الرأس فلا فدية فيه.
وهذا القول هو القول الصحيح.
فإن حلق الرأس أو أغلب الرأس ففيه الفدية.
وإن حلق دون ذلك ففيه طعام مسكين.
* * مسألة/ والفقهاء الذين يقولون حلق ما دون الثلاث شعرات مثلًا ليس فيه فدية يرون مع ذلك أنه: محرم.
فهو محرم وإن ل تكن فيه فدية.
إذًا: الحديث الآن لا عن حكم الحلق وإنما عن متى تجب الفدية وقد سمعتم الخلاف والراجح إن شاء الله مذهب المالكية.
-
ثم قال - رحمه الله تعالى -:
(٣) ومن غطى رأسه بملاصق: فدى.
تغطية الرأس من محظورات الإحرام.
وهي في الجملة: محل إجماع.
[ ٣ / ٨٨ ]
- - لقول النبي - ﷺ - في الحديث الذي سيأتينا: (ولا العمائم ولا البرانس) - فيما ينهى المحرم عن لبسه.
- - ولقوله - ﷺ - في المحرم الذي وقصته ناقته: (ولا تخمروا رأسه).
إذًا من حيث الجملة دل على المنع منه النص والإجماع فلا إشكال فيه.
لكن من حيث التفصيل ففيه خلاف.
فتغطية الرأس تنقسم إلى قسمين:
- إما أن تكون بملاصق. - أو أن تكون بغي ملاصق.
القسم الأول: أن تكون بملاصق.
يعني أن يغطي رأسه بما يلاصق الرأس هذا ينقسم إلى قسمين:
- إما أن يغطي بملاصق معتاد. كالعمامة والطاقية أو الشماغ وما أشبه ذلك من الألبسة المخصصة للرأس.
- أو أن يغطيه بغير معتاد. كأن يضع عليه قرطاس أو أن يضع عليه خرقه ليست مما أعد لستر الرأس.
والنوعان ممنوعان. فإن غطى رأسه بملاصق معتاد أو غير معتاد فهو محرم وعليه الفدية.
القسم الثاني: أن يغطي رأسه بغير ملاصق. وهو ينقسم إلى قسمين:
- الأول: أن يكون غير الملاصق غير تابع للمحرم، والتابع هو الذي يتحرك بحركة المحرم وغير التابع هو الذي لا يتحرك بحركة المحرم.
مثاله: أن يستظل تحت سقف مبني أو أن يستظل تحت خيمة فهذه لأمور ليست تابعة تحرك بحركة المحرم فهذه لا إشكال أنه لا فدية فيها لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - ضربت له خيمة بنمرة.
- الثاني: أن يكون غير ملاصق ولكنه تابع للمحرم.
كأن يستظل بمظلة شمسية أو بالسيارة أو بما أشبه هذه الأمور مما تحرك بحركة المحرم.
فهذه: = عند الحنابلة لا تجوز وفيها فدية.
واستدلوا على هذا:
- بأثر عن ابن عمر - ﵁ -
وبأنها تابعة لهذا المحرم.
= والقول الثاني: أنه لا بأس بالاستظلال بغي الملاصق ولو كان تابعًا.
- - لما ثبت في الحديث الصحيح أن بلالًا وأسامة بن زيد - ﵄ - كانوا مع النبي - ﷺ - في حجة الوداع وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - ﷺ - والآخر يستره بثوب إلى أن رمى جمرة العقبة.
[ ٣ / ٨٩ ]
فهذا الثوب الذي ستر به النبي - ﷺ - تابع له ويتحرك بحركته بل إن الصحابي الجليل إما أن يكون بلال أو أسامة ولعله أسامة كان يقصد أن يتحرك إذا تحرك النبي - ﷺ - ليستمر الظل فوق رأسه - ﷺ -.
وهذا الحديث نص في المسألة.
ويجزم الإنسان ويقطع أن ابن عمر لم يعلم أن أسامة صنع هذا مع النبي - ﷺ - وإلا لم يكن ليخالف أو أن يكون الإسناد إلى ابن عمر لا يثبت.
المهم أن هذا الأثر ليس مما يتمسك به في مقابل الحديث الصحيح.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
(٤) وإن لبس ذكر مخيطًا: فدى.
لبس المخيط من محظورات الإحرام.
والمقصود بالمخيط: هو كل ما فصل على قدر عضو أو على قدر الجسم جميعًا.
فكل ملبوس فصل على قدر عضو من أعضاء الجسم أو على قدر الجسم كله فهو من محظورات الإحرام في باب اللباس.
والدليل على هذا:
- ما أخرجه في الصحيح عن ابن عمر أن الني - ﷺ - سئل: ما يلبس المحرم؟ فقال - ﷺ -: (لا يلبس القميص ولا العمائم ولا البرانس ولا السراويلات ولا الخفاف إلا من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ثم نهى أن يلبس المحرم ثوبًا مسه زعفران أو مسه ورس).
هذا الحديث: قاعدة في مسألة لبس المخيط والنهي عنه وتفصيل ما يجوز أن يلبس وما لا يجوز أن يلبس.
فكل ماذكر في الحديث وما يستوي معه في العلة فهو مما لا يجوز للإنسان أن يلبسه في الإحرام.
* * مسألة/ لبس الإزار المخيط. هذه المسألة الخلاف فيها طويل واشتهرت في هذا الوقت ولذلك سنفرد لها كلامًا خاصًا وربما يكون مكتوبًا. والراجح في هذه المسألة والله أعلم أنه لا يجوز لإنسان أن يلبس هذا اللباس ومن أقوى الأدلة أن هذا اللباس إذا فصل على هذه الهيئة فقد فصل على قدر جزء من البدن وهو: الجزء الأسفل.
[ ٣ / ٩٠ ]
وكما أن الثوب الذي يفصل على قدر الدن كله ممنوع كما قال النبي - ﷺ -: (القميص) كذلك ما فصل على قدر الجزء الأسفل من البدن فهو ممنوع لكن هذه المسألة: الخلاف فيها قوي والذين قالوا: أنه يجوز لبسه فقهاء كبار وأدلتهم قوية جدًا وقولهم معتبر وليس هناك إجماع على المنع من هذه اللبسة وإنما هي لبسة خلافية وإن شاء الله نحن نلخص لكم جميع الأدلة والأقوال في مجلس آخر وأرجو أن تكون مكتوبة لأن الناس بحاجة إليها ويتبين الأمر لكن مع ذلك من الخطأ البين المغالاة في هذه المسألة وكثرة النقاش وإخراجها عن أن تكون من مسائل العلم إلى أن تكون مسألة من المسائل التي يكثر فيها النقاش والخلاف.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
(٥) وإن طيب بدنه أو ثوبه، أو ادهن بمطيب، أو شم طيبًا، أو تبخر بعود ونحوه: فدى.
التطيب من محظورات الإحرام بالإجماع في الجملة وبالنص.
- - أما النص فقول النبي - ﷺ -: (ولا يلبس ثوبًا مسه رس ولا زعفران).
واختلف أهل العلم في الحكمة التي من أجلها نهي المحرم عن لبس الثوب الذي فيه زعفران وورس: هل هو لطيب رائحة الزعفران؟ أو لأن الزعفران ممايتجمل بلونه؟ اختلفوا على قولين في هذه المسألة:
= الجمهور على أن النهي لأجل الطيب لا لأجل الزينة وهذا هو الصواب. ويحتمل أن يكون النهي لأجل الأمرين.
لكن الذي يعنينا الآن ولاشك أنه داخل في النص: مسألة الطيب.
- الدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - قال في الذي وقصته الناقة: (ولا تحنطوه). وفي لفظ صحيح إن شاء الله (ولا تطيبوه).
فدلت هذه النصوص على أن الطيب من محظورات الإحرام فإن تعطر المحرم أو مسه فإنه ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
أو شم طيبًا.
= ذهب الحنابلة إلى أن شم الطيب أيضاَ من محظورات الإحرام.
واستدلوا على هذا:
- - بقولهم: وهل يقصد من الطيب إلا الشم.
فإذا شم المحرم الطيب فقد وقع في محظورات الإحرام.
وما استدل به الحنابلة وجيه: هل يقصد من الطيب شيء غير الشم؟ ولا يعترض على قول الحنابلة بأن المقصود من الطيب التجارة مثلًا لأن عندنا قاعدة وهي:
[ ٣ / ٩١ ]
«أنه لا يمكن القول أنه يقصد من أي سلعة بيعها».
لأن هذا القصد موجود في جميع السلع. فالمطعومات مثلًا المقصود منها الأكل وهو المقصود الأصل منها لا التجارة.
فمسألة البيع والاتجار ليست من مقاصد السلع الأساسية لأنها توجد في جميع السلع.
إذًا لا يعترض على الحنابلة بمثل هذا.
= القول الثاني: أن الشم ليس من محظورات الإحرام ولا حرج فيه وأن من شم طيبًا فقد فعل أمرًا مباحًا.
واستدلوا على هذا:
- - بأن النبي - ﷺ - كان يكثر من الطيب عند الإحرام في جسده وهذا يستلزم ولابد أنه سيشم الطيب أثناء أداء النسك.
فدل هذا على أن الشم ليس من محظورات الإحرام إذ يلزم من تطيب النبي - ﷺ - أن يشمه، ولوازم أقوال وأفعال النبي - ﷺ - معتبرة شرعًا.
= القول الثالث: أن المحظور تقصد الشم فإن تقصد أن يشم فقد فعل محظورًا وإن شم عرضًا من غير قصد فإنه لا يقع في محظور.
وهذا القول مال إليه ابن القيم وهو في الحقيقة قريب من مذهب الحنابلة بل إن بعض الحنابلة صرح أن مقصودهم (شم الطيب) يعني إذا تقصد.
القول الثالث وجيه لكن الإشكال ما يزول وظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يميل لمذهب الحنابلة وأن الشم من محظورات الإحرام.
والحقيقة المسألة فيها إشكال ولذلك الأحوط أن لا يتقصد شم الطيب، فإذا لم يتقصد شم الطيب فلا إشكال أنه لم يقع في المحظور، فإن اعتبار شم الطيب من المحظورات مطلقًا ولو بغير قصد هذا خطأ لأننا نكاد نجزم أن النبي - ﷺ - شم الطيب الذي وضعه لا سيما وأنه كان يضع من أطيب الطيب كما في الحديث يعني من أحسن أنواع الطيب، فمثل هذا النوع لابد أن يشمه الإنسان، فالقول بأن شم الطيب من محظورات الإحرام مطلقًا ضعيف ويتنافى مع صنع النبي - ﷺ -.
فالراجح إما القول الثاني أو القول الثالث.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
أو تبخر بعود.
إذا تبخر بعود فقد وقع بمحظور من محظورات الإحرام، لأن العود هكذا يصنع به، إذًا لا يلزم أن يضع الإنسان الطيب لكن حتى لو تبخر بعود فقد وقع في المحظور لأن العود هكذا يوضع.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
[ ٣ / ٩٢ ]
(٦) وإن قتل صيدًا مأكولًا برّيًا أصلًا
قوله: (وإن قتل) يريد المؤلف - ﵀ - أن يبين أن قتل الصيد من محظورات الإحرام.
وظاهر عبارة المؤلف - ﵀ - أن المحظور هو القتل.
والصواب أن المحظور هو القتل وملك الصيد بأي طريقة سواء كان بالشراء أو بالهبة أو بأي طريق من الطرق فإنه من محظورات الإحرام، فليس المقصود في الحقيقة القتل فقط وإنما أن يتملك المحرم الصيد بأي طريق من الطرق، وإنما يعبر الفقهاء كثيرًا بالقتل لأنه الغالب في الحصول على الصيد.
والدليل على تحريم الصيد:
- قوله تعالى: - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) -[المائدة/٩٥].
فهذا النص صريح بأن الصيد من محظورات الإحرام.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
مأكولًا برّيًا أصلًا.
الصيد الذي يحرم قتله له شروط اختصرها المؤلف - ﵀ -:
ـ الشرط الأول: أن يكون مأكول اللحم، فإن قتل غير مأكول اللحم فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بأمرين
- الأول: أن الصيد عند الإطلاق يتناول مأكول اللحم لأن الناس يصيدون مأكول اللحم.
- الثاني: قوله تعالى - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) -[المائدة/٩٥].
وجه الاستدلال: أن الآية منعت المحرم من قتل الصيد الذي يجوز له أن يقتله بدون إحرام وينتفع من هذا القتل وهو المأكول فقط، وهذا الاستدلال وجيه.
= والقول الثاني: أن المحرم ممنوع من قتل المأكول وغير المأكول، لعموم الآية.
والصواب مع القول الأول.
ـ الشرط الثاني: أن يكون متوحشًا أصلًا، ومقصوده أصلًا: أي أن الصيد المتوحش لو تأهل فلا يجوز أن نقتله والأهلي لو توحش يجوز أن نقتله. لماذا؟
لأن الفقهاء يقولون: العبرة بالأصل لا بالوصف الطارئ، فالوصف الطارئ لا يؤثر في الحكم، فإذًا لو تأهل واستأنس حيوان بري فإنه لا يجوز أنقتله وكذلك العكس، فلو توحش حيوان أهلي فيجوز للمحرم أن يقتله فإذًا العبرة بالأصل لا بالوصف الطارئ.
ـ الشرط الثالث: أن يكون بريًا لا بحريًا.
[ ٣ / ٩٣ ]
- لقوله تعالى: - (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) -[المائدة/٩٦].
فصيد البحر بالنسبة للمحرم جائز ولا حرج فيه.
إذًا يشترط في الصيد ليمنع هذه الشروط الثلاثة.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
ولو تولد منه ومن غيره.
تغليبًا للحظر، فإذا اجتمع مبيح وحاظر غلب الحاظر.
وهي قاعدة شرعية صحيحة وفيها مؤلفات وأظن بعض إخوانا المعاصرين ألف فيها رسالة طيبة في تقرير قاعدة: «إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب الحاظر».
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
أو تلف في يده: فعليه جزاؤه.
إذا تلف الصيد في يد المحرم ولو لم يصطده فعليه الضمان:
- لأن يده يد اعتداء وكان الواجب إما أن يطلقه أو أن يرده إلى المالك.
-
ثم قال - رحمه الله تعالى -:
ولا يحرم: حيوان إنسي ولا صيد البحر ولا قتل محرّم الأكل.
هذا تصريح بمفهوم الكلام السابق، تصريح بمفهوم الشروط السابقة، وأخذنا الكلام حول الإنسي وصيد البحر والخلاف في قتل المحرم محرم الأكل.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
ولا الصائل.
الصائل: يجوز للإنسان أن يقتله ولو اجتمعت فيه الشروط:
- لأنه لما صال صار من جنس الدواب التي أمر الشارع بقتلها لأنها مؤذية.
فإذًا إذا دخل في زمرة الحيوانات المؤذية التي أمر الشارع بقتلها صار له نفس الحكم ولو كان مأكولًا وحشيًا وانطبقت فيه الشروط.
* * مسألة/ فإذا قتله لأنه صال عليه فهو ميتة ولو كان مأكول اللحم:
- لأن القاتل الآن ليس من أهل الصيد ولا من أهل التذكية فيجوز له أن يقتله ولكن لا يجوز له ولا لغيره أن يأكله.
[ ٣ / ٩٤ ]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٦)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بدأ المؤلف - ﵀ - بالمحظور السابع وهو عقد النكاح:
- فقال - ﵀ -:
(٧) ويحرم عقد النكاح.
وعقد النكاح من محظورات الإحرام التي اتفق الفقهاء عليها.
- لدلالة السنة الصريحة على ذلك في قول النبي - ﷺ -: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب).
والمقصود بالمنع هم ثلاثة:
١. الزوج.
٢. والزوجة.
٣. والولي.
- وأما الشاهد فلا يدخل في الحديث لكن ذكر الفقهاء أنه يكره له أن يشهد وهو محرم.
فإذا عقد المحرم عقد النكاح فإن العقد يبطل.
والدليل على ذلك:
- - أن النهي في الحديث يعود إلى ذات العقد: (لا ينكح). وإذا عاد النهي إلى ذات العقد فهو باطل.
وعليه فإنه يلزم الزوج والزوجة إعادة العقد إذا عقداه أثناء الإحرام.
إذًا: الخلاصة أن عقد النكاح من المحظورات المتفق عليها على التفصيل الذي سمعت.
-
قال - ﵀ -:
ولا فدية.
يعني: مع كون النكاح من المحظورات إلا أنه إذا وقع المحرم فيه فلا فدية عليه بل عليه الإثم والتوبة وفساد العقد دون الفدية.
والدليل على هذا:
- أنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل على وجوب الفدية على المحرم الذي عقد نكاح في أثناء الإحرام، والأصل براءة الذمة وحرمة مال المسلم لذلك قرروا أنه لا فدية.
ثم لما ذكر المؤلف - ﵀ - النكاح ذكر الرجعة:
- فقال - ﵀ -:
وتصح الرجعة.
الرجعة هي: أن يراجع المطلق زوجته الرجعية.
وسيأتينا في كتاب النكاح من هي الرجعية وغير الرجعية؟ وما هي الرجعة؟
والرجعة: = عند الحنابلة تجوز.
واستدلوا على جواز المراجعة بدليلين:
- - الأول: أن الحديث نهى عن النكاح والرجعة ليست نكاحًا.
- - الثاني: أن الأصل الجواز والمنع يحتاج إلى دليل.
= والقول الثاني: أن الرجعة أثناء الإحرام لا تجوز ولا تصح وعليه أن يراجع بعد الإحرام.
واستدلوا على هذا:
- بأن الرجعة أثناء الإحرام غالبًا ما تؤدي إلى وقوع الوطء وما أدى إلى محظور فهو محظور.
والصواب إن شاء الله مع القول الأول، فيجوز للإنسان أن يراجع زوجته ولا حرج عليه والمنع من مثل هذا بدون دليل مذهب ضعيف.
ثم انتقل المؤلف بعد أن انتهى من المحظور السابع إلى المحظور الثامن.
- فقال - ﵀ -:
(٨) وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول: فسد نسكهما، ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام.
[ ٣ / ٩٥ ]
الثامن من محظورات الإحرام هو: الجماع.
والجماع من أعظم المحظورات والله ﷾ ورسوله - ﷺ - والصحابة - كما سيأتينا في فتاويهم - عظموا قضية الجماع والوطء وما يتعلق به، وعظموا تحريمه وعظموا فيه الفدية، لذلك سيأتينا في بعض المسائل أن الراجح في بعضها التشديد انطلاقًا من ملحظ وهو أن الشارع في جنس الوطء في الحج شدد الأمر من حيث التحريم والفدية، ولذلك تجد أن الصحابة - ﵃ - وعلى رأسهم ابن عباس - ﵁ - شددوا في هذا الباب في أكثر من مسألة ستأتينا الآن.
نبدأ بالمسألة الكبيرة وهي:
ـ الجماع قبل التحلل الأول: فهو أعظم محظورات الإحرام.
والجماع قبل التحلل الأول محرم بإجماع الفقهاء لم يخالف فيه أحد.
- لقوله تعالى: - (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) -[البقرة/١٩٧] قال ابن عباس - ﵁ - الرفث: الجماع ومقدماته.
والجماع قبل التحلل الأول ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يكون قبل الوقوف بعرفة.
فإذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع الأمة، فقد أجمعوا على أن الحج فاسد.
واستدلوا على فساده:
- بالآثار الصحيحة الثابتة المروية عن عمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم من أصحاب النبي - ﷺ -.
- القسم الثاني: أن يكون بعد الوقوف بعرفة.
= وأيضًا ذهب إلى فساده الجماهير والجم الغفير من أهل العلم ولم يخالف في هذه المسألة إلا:
= الأحناف: فهم يرون أن الجماع بعد الوقوف بعرفة لا يفسد الحج.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي - ﷺ -: (الحج عرفة).
والصواب مع الجمهور:
- - لأن الآثار التي رويت عن أصحاب النبي - ﷺ - لم تفرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة.
ولذلك تكون الخلاصة أن الجماع قبل التحلل الأول مفسد للحج مطلقًا بالإجماع قبل عرفة وعلى الصواب الذي عليه الجماهير: بعد عرفة.
ثم لما بين المؤلف - ﵀ - مسألة حكم الجماع قبل الحلل الأول ذكر ما يترتب على هذا الحكم:
فالأثر الأول:
- قال - ﵀ -:
فسد نسكهما.
وتحدثنا الآن عن أقسام فساد النسك.
[ ٣ / ٩٦ ]
الأثر الثاني:
- قال - ﵀ -:
ويمضيان فيه.
يعني أن من جامع قبل التحلل الأول: فسد نسكه ويجب عليه وجوبًا أن يمضي في هذا النسك الفاسد.
ولا يعلم لهذا الحكم نظير في الشرع بأن يمضي الإنسان في عبادة فاسدة وهذا يؤكد ما ذكرت لكم سابقًا أن الشارع وفتاوى الصحابة تعظم هذا الأمر في الحج بشكل لافت للانتباه.
والدليل على وجوب المضي:
- الآثار: ذات الآثار المروية عن أصحاب النبي - ﷺ - التي دلت على الفساد فإنها دلت على وجوب المضي.
لكن وقع في هذه المسألة خلاف وهو وجوب المضي:
= فالجماهير: ذهبوا - كما ذكرت لك - وحسب ما ذكره المؤلف إلى وجوب المضي.
= والقول الثاني: أن الحج يفسد ولا يمضي فيه بل ينصرف إلى أهله، وإلى هذا ذهب الفقيه ابن حزم - ﵀ -.
واستدل على ذلك:
- بأن هذا عمل ليس عليه أمر الله ولا رسوله (أي المضي في الحج الفاسد).
والجواب على ما استدل به ابن حزم - ﵀ -:
أن هذا المضي إن كان الحج فاسدًا فعليه أمر الله ورسوله بدلالة الآثار ولا يعلم مخالف بين أصحاب النبي - ﷺ -.
= القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد - ﵀ - أن من أفسد نسكه بالجماع قبل التحلل الأول فإنه يتحلل بعمرة ويمضي إلى أهله.
والصواب: القول الأول:
- لصراحة الآثار ووضوحها في مسألة وجوب المضي.
والأثر الثالث (الأخير):
- قال - ﵀ -:
ويقضيانه ثاني عام.
وجوب القضاء ثاني عام محل اتفاق بين الفقهاء ودلت عليه الآثار، ويجب أن يقضي هذا النسك الفاسد من حيث أحرم به عام أول، وهذا أيضًا نوع من التشديد في جنس هذا المحظور.
وحكم هذا الحج الثاني - القضاء - وحكم الحج الذي مضى فيه: حكم الحج الصحيح في كل شيء.
فإذا أفسد المحرم نسكه ومضى فيه وألزمناه أن يمضي فيه فهذا الحج الذي مضى فيه له نفس أحكام الحج الصحيح من وجوب الكفارات ولزوم أداء الأركان والواجبات وأنه لو أفسده بجماع آخر فعليه أن يمضي فيه وأن يقضيه، وكذلك حجة القضاء تأخذ نفس الأحكام - أحكام الحج الصحيح.
إذًا بين المؤلف - ﵀ - ثلاثة آثار للجماع:
- الأول: فساد النسك.
- والثاني: وجوب المضي.
[ ٣ / ٩٧ ]
- والثالث: عليه أن يحج من العام المقبل.
وبقي أثران: وهما الرابع والخامس:
- فالأثر الرابع: الإثم العظيم ووجوب التوبة.
- والخامس والأخير: وجوب الفدية كما سيأتينا مفصلًا في باب الفدية.
فترتب على الجماع قبل التحلل الأول كل هذه الآثار.
بَيَّنَ المؤلف - ﵀ - حكم الجماع قبل التحلل الأول ولم يتطرق إلى حكم الجماع بعد التحلل الأول.
فالجماع بعد التحلل الأول: محرم بالإجماع. ولا يفسد النسك عند:
= الجماهير.
= والقول الثاني: أنه يفسد النسك:
- قياسًا على الوطء قبل التحلل، بجامع أن الوطء قبل وبعد التحلل الأول كلاهما وقع في إحرام، والمقصود في إحرام بالنسبة لما بعد التحلل الأول، يعني: فيما تبقى من الإحرام.
إذًا هذا الحكم الأول وهو أنه محرم بالإجماع، والحكم الثاني: وهو أنه لا يفسد على الصواب الحج، والحكم الثالث:
ـ إن كان الجماع بعد التحلل الأول قبل طواف الزيارة: فسيأتينا تفصيله.
ـ وإن كان بعد طواف الزيارة: فلا يلزمه إلا المضي وإكمال النسك مع التوبة والفدية التي ستأتينا في باب الفدية لكن لا يلزمه شيء آخر.
إذًا: إذا جامع الإنسان بعد التحلل الأول بعد طواف الزيارة الذي هو طواف الركن فإنه لا شيء عليه إلا الإثم ويلزم منه التوبة والفدية وستأتينا في باب الفدية.
ـ وإن جامع قبل طواف الزيارة بعد التحلل الأول:
= فعليه عند الحنابلة: أن يخرج إلى الحل ويحرم من جديد ليطوف طواف الزيارة في إحرام صحيح:
- لأن هذا الجماع أفسد ما تبقى من إحرامه بعد التحلل الأول.
وقبل أن ندخل في تفصيلات القول الثاني يجب أن يستوعب الحكم: فالإنسان إذا تحلل التحلل الأول لم ينته من الإحرام كله وإنما بقي عليه من الإحرام ما يتعلق بالوطء فهو ما زال محرمًا في هذا المحظور فقط هذا الإحرام المتبقي يفسد بهذا الوطء الذي وقع بعد التحلل الأول، إذًا عليه عند الحنابلة أن يخرج ويحرم ليأتي بالطواف وقد أحرم إحرامًا صحيحًا بدل الذي أفسده بالوطء.
[ ٣ / ٩٨ ]
=القول الثاني: أن عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم إحرامًا جديدًا بالعمرة ويطوف ويسعى ويحلق ثم يطوف للزيارة، وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وهو منصوص الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام.
واستدل هؤلاء جميعًا:
- أن ابن عباس - ﵁ - أفتى بهذا لمن وقع منه الوطء بعد التحلل الأول وقبل طواف الزيارة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح وأنه لا يكتفى من الذي وقع منه الوطء مجرد الإحرام بل عليه أن يأتي بعمرة كاملة كما أفتى ابن عباس ولا يكتفى بالإحرام كما يصنع بعض الناس اليوم بناء على شهرة القول بالاكتفاء بالإحرام فقط بل يجب أن يأتي بعمرة كاملة ونستطيع أن نقول أن هذا مذهب الأئمة الأربعة وإن كان خلاف المشهور من مذهب الحنابلة لكن هو منصوص الإمام أحمد - ﵀ -.
إذًا الآن تبين معنا كل ما يتعلق بحكم الجماع بعد التحلل الأول.
-
ثم قال - ﵀ -: في المحظور التاسع:
وتحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل: لم يفسد حجه وعليه بدنة، ولكن يحرم من الحل لطواف الفرض.
المحظور الأخير وهو المحظور التاسع المباشرة، المباشرة محرمة وهي من محظورات الإحرام.
- لقوله تعالى: - (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَث) -[البقرة/١٩٧] وتقدم معنا أن الرفث فسره ابن عباس - ﵁ - بالجماع ومقدماته، فالمباشرة لا تجوز للمحرم.
ـ فإن باشر فأنزل: فيترتب على هذا أحكام ذكرها المؤلف - ﵀ -:
* الحكم الأول: أنه لا يفسد حجه. ولو كان قبل التحلل الأول.
- لأن إفساد الحج جاء في الآثار بالوطء فقط.
- ولأن الوطء يختلف في أحكام كثيرة عن المباشرة منها: الحد فالحد يجب بالوطء دون المباشرة (حد الزنى يجب بالوطء دون المباشرة).
= والقول الثاني: أنه إذا باشر فأنزل فسد حجه.
- قياسًا على الصيام فإن في الصيام الوطء والمباشرة كلاهما يفسد الصيام.
والجواب على هذا: أن هذا قياس مع الفارق الظاهر والواضح، ووجه النقض: أن محظورات الصيام الخاصة به (الأكل والشرب وما يتعلق بالصيام بالذات) كلها تفسده، بينما محظورات الحج ليس منها شيء يفسد الحج إلا واحد وهو: الوطء فامتنع لذلك القياس.
- ثم قال - ﵀ -:
وعليه بدنه.
[ ٣ / ٩٩ ]
إذا باشر فأنزل فعليه: بدنه.
= وهذا هو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على هذا:
- بالقياس: على الوطء، بجامع: حصول الإنزال في كل منهما.
يعني: يقيسون المباشرة على الوطء. والجامع بينهما: حصول الإنزال.
= والقول الثاني: أنه لا تجب فيه إلا شاة.
- قياسًا على: ما إذا باشر ولم ينزل، والجامع بينهما: أن كلاهما مباشرة.
يعني: الأول والثاني كلاهما مباشرة وليست وطء.
قال الفقيه ابن مفلح: والقياسان ضعيفان.
إذًا: الآن:
= القول الأول: وجوب بدنه.
= والقول الثاني: وجوب الشاة فقط.
وعرفت دليل القول الأول ودليل القول الثاني.
والراجح والله أعلم وجوب بدنه، والدليل:
- هو ما قاله الإمام أحمد - ﵀ -: ابن عباس جعل عليه بدنه، هكذا يقول - ﵀ -، وإذا كان القياسان ضعيفين بقي معنا الأثر، فتأخذ بالأثر ونترك الأقيسة الضعيفة.
إذًا نقول: إذا باشر الإنسان فأنزل فعليه بدنه كاملة. وهذا كما قلت لك يحقق القاعدة التي ذكرتها وهو: «أن الشارع عظم أمر الجماع وما يتعلق به».
لوم يذكر المؤلف - ﵀ - حكم ما إذا باشر ولم ينزل، ونحن عرفنا حكم المباشرة من حيث هي وحكم إذا باشر وأنزل. بقي لنا: إذا باشر ولم ينزل، فإذا باشر ولم ينزل:
= فالجمهور: على أن عليه شاة فقط. يعني: فدية أذى.
وهذا هو القول الصواب: أن عليه شاة:
- لأنه بدون إنزال لا يمكن أن نقيس المباشرة التي ليس معها إنزال لا على الوطء ولا على المباشرة التي معها إنزال للفرق الواضح جدًا بين الإنزال وعدمه وهو فرق مؤثر في الحكم بشكل واضح بحيث تكون الفدية بدل بدنه: شاة.
- ثم قال - ﵀ -:
لكن يحرم من الحل لطواف الفرض.
[ ٣ / ١٠٠ ]
ظاهر كلام المؤلف - ﵀ - أن من باشر فأنزل عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم ليطوف بإحرام صحيح، وهذا الظاهر الذي ذكره المؤلف - ﵀ - مخالف لكلام جميع الأصحاب فإن أحدًا من الحنابلة لم يجعل على المباشر إذا أنزل أن يخرج إلى الحل ويحرم ليطوف طواف الزيارة محرمًا إحرامًا صحيحًا وإنما ذكروا هذا الحكم فيمن جامع قبل طواف الزيارة بعد التحلل الأول، فهذا الحكم من أحكام الجماع بعد التحلل الأول ولذلك يذهب كثير من الشراح إلى أن ما ذكره المؤلف - ﵀ - هنا من قبيل الوهم أو سبق القلم.
-
ثم قال - ﵀ -:
وإحرام المرأة: كالرجل إلاّ في اللباس، وتجتنب: البرقع والقفازين وتغطية وجهها، ويباح لها التحلي.
لما انتهى المؤلف - ﵀ - من بيان كل ما يتعلق بمحظورات الإحرام بالنسبة للرجل انتقل ليفصل الكلام عن المرأة.
فذكر القاعدة العامة في المرأة وهي: (أن إحرام المرأة كإحرام الرجل في كل ما سبق ذكره) فكل ما ذكر من محظورات الإحرام فهي تنطبق على المرأة كما تنطبق على الرجل إلا ما سيستثنيه المؤلف - ﵀ - وهو قد استثنى:
- فقال - ﵀ -:
إلا في اللباس.
المرأة تختلف عن الرجل في شيئين فقط:
- الأول: تغطية الرأس. فهو محظور بالنسبة للرجل وليس بمحظور بالنسبة للمرأة.
- الثاني: لبس المخيط. فالمرأة تختلف عن الرجل في لبس المخيط ولا يجوز للرجل.
واستثناء هذين الأمرين بالنسبة للمرأة محل إجماع، وفيما عدا هذين الأمرين فالمرأة كالرجل في كل شيء.
ولما بين المؤلف ما هو محظور بالنسبة للرجل دون المرأة انتقل إلى الأشياء المحظورة بالنسبة للمرأة:
- فقال - ﵀ -:
وتجتنب البرقع.
البرقع في لغة العرب في كتب اللغة هو: النقاب، فهم يفسرون البرقع بالنقاب تمامًا بدون فارق بينهما عندهم، والنقاب هو: هو ما تلبسه المرأة على وجهها مفتوح ما قبل العينين للنظر، حتى أنهم ينصون أنه للنظر وليس للزينة، فإذًا كل لباس تلبسه المرأة على الوجه يكون مفتوح مقابل العينين للنظر فهو النقاب، والنقاب من محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة:
[ ٣ / ١٠١ ]
- لما رواه ابن عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
وإلى المنع من النقاب وجعله من محظورات الإحرام للمرأة:
= ذهب جماهير أهل العلم.
= والقول الثاني: أن النقاب ليس من محظورات الإحرام بل يجوز للمرأة أن تلبس ما شاءت نقابًا أو غطاء بلا فتحة، وهو مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا:
- أنه ليس في السنة الصحيحة أن النبي - ﷺ - نهى عن النقاب.
- وأما حديث ابن عمر هذا فهو موقوف عليه ولا يصح رفعه، قالوا: وقد أعله بالوقف عدد من الحفاظ، والحديث في صحيح البخاري.
والجواب عن هذا الدليل: أن حديث النقاب: صحيح أنه قد أعله بعض الحفاظ بالوقف وجعلوه فتوى لابن عمر لكن ذهب آخرون من الحفاظ من المحققين إلى تصحيح رفعه وأنه من كلام النبي - ﷺ - وعلى رأس الذين صححوه مرفوعًا الإمام البخاري بل أورده في صحيحه، وتصحيح الحديث مرفوعًا هو الصواب فما ذهب إليه البخاري هو الصحيح إن شاء الله.
وبذلك يثبت صحة مذهب الجمهور: وهو أن النقاب من محظورات الإحرام.
- ثم قال - ﵀ -:
والقفازين.
هما ما يلبس في اليدين مفصلًا، وهو من محظورات الإحرام:
= عند الجماهير.
= والقول الثاني: أن القفازين ليسا من محظورات الإحرام.
- لقول النبي - ﷺ - (إحرام المرأة في وجهها)، فدل الحديث على حصر المحظور في الوجه.
والجواب عليه: أن هذا اللفظ لا يصح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ – مطلقًا، وفي مقابل هذا: استدل أصحاب القول الأول بالسنة الصحيحة.
لذلك الراجح أن القفازين من محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن الجوارب والخفاف ليست من محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة لأنه نص على القفازين فقط فلا يجوز للمرأة أن تلبس ما يلبس في اليدين ولكن يجوز لها أن تلبس ما يلبس في الرجلين ونحن الآن عندما نقول يجوز لا نريد الحديث عن حكم تغطية الرجلين هل هي من العورة أو لا؟ فإن هذا البحث سيأتينا في كتاب النكاح. فالبحث الآن في هل هو من محظورات الإحرام أو لا؟ فإذا قال الإنسان: يجوز فلا يعني أنه لا يجب، فربما أنه يجوز وأيضًا يجب.
إذًا لبس ما فصل على قدر القدم من خف أو جورب لا بأس به للمرأة وهو جائز لأن الحديث نص على شيء واحد وهو القفازين.
- ثم قال - ﵀ -:
وتغطية وجهها.
تغطية المرأة وجهها أثناء الإحرام من محظورات الإحرام وهو محل إجماع وحكاه أكثر من واحد من أهل العلم: أنه لا يجوز للمرأة أثناء الإحرام أن تغطي وجهها.
ويستثنى من هذا عند الفقهاء جميعًا إذا مر الرجال الأجانب فإنه يجب على المرأة أن تسدل الغطاء لتستر وجهها عن الرجال الأجانب.
* * مسألة/ يفهم من كلام شيخ الإسلام - ﵀ - وابن القيم - ﵀ - أن المحظور بالنسبة للمرأة هو لباس معين وهو النقاب وليس المحظور هو تغطية الوجه، فهم يقولون: النبي - ﷺ - لم يمنع المرأة من ستر الوجه، لا وإنما منعها من ستر الوجه بشيء معين وهو النقاب، والجمهور لم يفهموا من حديث (لا تنتقب المرأة) هذا الفهم، وإنما فهموا من حديث لا تنتقب المرأة أن النبي - ﷺ - نهى عن النقاب لا لأجل النقاب وإنما لأجل أنه يغطي الوجه.
ويؤيد هذا الفهم - ويشكل في نفس الوقت على مذهب شيخ الإسلام وابن القيم - الإجماع الذي حكاه ابن حجر وغيره أن تغطية الوجه محظور عند جميع أهل العلم، فهذا الإجماع يسند فهم الجمهور للحديث وهو أن المراد من الحديث منع المرأة من تغطية الوجه سواء كان بغطاء معين وهو النقاب، أو بغير هذا الغطاء مما يستر به الوجه.
فإن قيل: إذا كان المقصود النهي عن تغطية الوجه فلماذا ذكر النبي - ﷺ - نوعًا معينًا من غطاء الوجه وهو النقاب؟
[ ٣ / ١٠٣ ]
فالجواب: أن النبي - ﷺ - كثيرًا ما يذكر غالب حال الناس، وكأن الغالب في ذلك الوقت لبس النقاب لا سيما أثناء السفر والحج يؤدى في سفر فلذلك نص على المنع منه.
وعلى كل حال: منع المرأة من تغطية الوجه محل إجماع ليس فيه خلاف فلا ينبغي للمرأة مطلقًا أن تغطي وجهها أبدًا إلا في حال واحدة وهي إذا مر الرجال الأجانب قريبًا منها أو أمامها لتستر وجهها عنهم، فيما عدا هذه الصورة فإنه يجب أن تبقى المرأة كاشفة للوجه، والفتاوى المنقولة عن عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين تفيد هذا المعنى لأنها كانت تقول: أنا نكشف حتى إذا مر الرجال الأجانب سدلنا، ويفهم من هذا أنهم كانوا يتحرون كشف الوجه ويغطونه إذا مر الرجال الأجانب.
* * مسألة أخيرة/ ذهب بعض الحنابلة إلى أن المرأة إذا أرادت أن تستر وجهها لمرور الرجال الأجانب فإنه ينبغي أن تضع ما يبعد الغطاء عن الوجه. لأنهم يرون أن المماسة مماسة الغطاء للوجه أيضًا هو من محظورات الإحرام.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: وهو خطأ على المذهب وعلى القول الصواب.
يعني خطأ على قواعد وأقوال المذهب وأيضًا خطأ من حيث النصوص لأنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل على وجوب مجافاة المرأة الغطاء عن وجهها إذا أرادت أن تسدل الغطاء بسبب مرور الرجال الأجانب بل في النصوص ما يدل على خلاف ذلك لأن ما جاء عن عائشة وغيرها من أنهن يسدلن عند مرور الرجال الأجانب لم يذكر فيه قضية المجافاة فهو قول ضعيف جدًا.
- ثم قال - ﵀ -:
ويباح لها التحلي.
يعني: يباح للمحرمة أثناء الإحرام أن تتحلى وأن تلبس الحلي لدليلين:
- الأول: أن هذا مروي عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -.
- الثاني: أنه لا يوجد في النصوص المنع من التحلي، والأصل بالنسبة للمرأة جواز التحلي وليس في النصوص ما يدل على أنه من محظورات الإحرام.
لكن مع ذلك مع كون التحلي جائزًا إلا أنه لا ينبغي أبدًا أن تستعمل المرأة الحلي من ذهب أو فضة أو التزين أثناء الإحرام. لا ينبغي. لا نقول: مكروه ولا أي حكم شرعي لكن نقول لا ينبغي لأمرين:
[ ٣ / ١٠٤ ]
- الأول: أن شأن الحج ترك الترفه وهذا مفهوم من النصوص العامة ومما يروى عن النبي - ﷺ - بل حتى عن الأنبياء من قبله.
- الثاني: خشية أن يكون هذا التحلي والتزين سببًا في وقوع المحظور بالنسبة للمرأة المتزوجة.
فتفاديًا لهذين الأمرين لا ينبغي مطلقًا أن تتحلى أو تتزين المرأة أثناء الإحرام.