قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال المؤلف - ﵀ -:
- كتاب البيع.
= جرى جمهور الفقهاء: على تقسيم الكتب إلى أربعة أو خمسة أقسام فيذكرون في:
الأول: كتب العبادات.
ثم البيوع وما يتعلق بها.
ثم النكاح وما يتعلق به.
ثم الجنايات وما يتعلق بها.
ثم القضاء وما يتعلق به.
وإنما قدموا البيوع على النكاح لأمرين:
- الأول: كثرة تعامل الناس بالبيوع بالنسبة للنكاح.
- الثاني: شدة الحاجة لمعرفة أحكام البيوع بالنسبة للنكاح. فإن البيع يقع من غالب الناس والنكاح يقع في الناس أقل منه في البيوع.
= وذهب الأحناف إلى: أن النكاح ينبغي أن يقدم على البيوع فيذكر بعد الحج مباشرة هو وتوابعه ثم يذكر بعد ذلك كتاب البيوع.
واستدلوا على هذا الترتيب:
- بأن كلًا من الحج والنكاح يشترك في خصائص واحدة وهي أنها عبادة لابد فيها من البدل والمال وهذا التشابه يقتضي أن نجعل النكاح بعد الحج.
- وأيضًا أن النكاح من الفقهاء من قال: هو سنة. ومنهم من قال: هو واجب بينما لم يوجب أحد من أهل العلم البيع.
بناء على هذا قالوا: يجب أن يكون النكاح بعد الحج وقبل البيع.
ولا يخفى على طالب العلم أن هذا الترتيب أمر اصطلاحي وأنه فيه سعة: فمن رأى تقديم بعض الأبواب على بعض فهو جيد ولكن لو أن الأحناف وافقوا الجمهور لكان أسهل من حيث أن الفقهاء الأربعة يكون ترتيب الفقه عندهم على نسق واحد.
-
قال - ﵀ -:
- كتاب البيع.
البيع: مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
ـ فأما الكتاب: فقوله تعالى - ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) -[البقرة/٢٧٥]
وهو نص في المسألة.
ـ وأما السنة: فجملة عظيمة كثيرة من النصوص المروية بالأسانيد الثابتة عن النبي - ﷺ - في جواز البيع: - منها: قوله - ﷺ - في الصحيحين: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
[ ٣ / ٣١٢ ]
ـ وأما الإجماع: فقد حكاه أكثر من واحد من أهل العلم. على أن البيع جائز ولم يخالف فيه أحد.
- قال - ﵀ -:
- وهو: مبادلة.
البيع لم يتعرض المؤلف - ﵀ - لتعريفه في اللغة.
والبيع في اللغة: هو أخذ شيء وإعطاء شيء.
وقيل - وهو أجود -: أن البيع لغة هو مطلق المبادلة.
والبيع: مشتق في اللغة من المبايعة. وهي: المطاوعة.
وقيل: مشتق من الباع لأن كلًا من البائع والمشتري يمد باعه للآخر لتسليم السلعة وأخذ الثمن.
ولعل المعنى الأول أقرب. والاعتراض عليه أقل.
والبيع من الأضداد الذي يطلق على كل من المتعاقدين إلا أنه عند الاطلاق في العرف واللغة ينصرف إلى باذل السلعة لا إلى باذل الثمن.
والمؤلف - ﵀ - ذكر تعريف البيع في الاصطلاح:
- فقال - ﵀ -:
- وهومبادلة إلى آخره ..
لم يتابع المؤلف - ﵀ - الأصل فهذا مختصر عن المقنع لكنه لم يتابع الأصل في التعريف: لأن تعريف الأصل عليه مؤاخذات كثيرة فعدل المؤلف - ﵀ - عنه واختار تعريفًا ذكره المرداوي - ﵀ - ورأى المرداوي أن هذا التعريف أسلم التعاريف ويكاد يخلو من الانتقاد والاعتراض فذكره.
وقد أجاد - ﵀ - بأنه ذكر تعريفا سليمًا من الاعتراضات.
-
قال - ﵀ -:
- وهو مبادلة.
المبادلة هي: دفع شيء وأخذ آخر عوضًا له.
فكل جملة من التعريف مقصود:
فلابد أن يكون فيه دفع.
ولا بد أن يكون فيه أخذ.
ولابد أن يكون الأخذ مبني على أنه عوض عما دفع فإن لم يكن عوضًا وإنما إعطاء جديد فليس بمبادلة. وهذا كله تعريف للمبادلة في اللغة.
ولعلك تلمس أن تعريف المبادلة في اللغة قريب من تعريف البيع لأن البيع أيضًا مبادلة ففي الحقيقة بين البيع والمبادلة في لغة العرب تقارب عظيم جدًا.
ولذلك عرفوه به. يعني: عرفوا البيع بالمبادلة.
- قال - ﵀ -:
- وهو مبادلة مال ولو في الذمة.
المال في الشرع لا يطلق إلا على كل عين مباحة النفع لا لحاجة.
وكل عين لا ينطبق عليها هذا التعريف فليست مالًا في الشرع ولو اعتبرها الناس من الأموال.
فيشترط في المال: أن يتضمن نفعًا فإن لم يكن فيه نفع فليس بمال شرعًا.
[ ٣ / ٣١٣ ]
ويشترط في النفع: أن يكون مباحًا. فإن كان محرمًا فليس بمال شرعًا.
ويشترط في هذه المنفعة المباحة: أن تكون مباحة إباحة مطلقة لا لحاجة ولا لضرورة.
فمثال المباح للحاجة: الكلب. فإنه مباخ النفع لكن للحاجة. يعني: يشترط لجوازه وجود الحاجة: ككلب الماشية والرعي إلى آخره.
ومثال العين المباحة النفع للضرورة: الميتة. فإن الميتة في حال الضرورة مباحة. لكنها مباحة بهذا القيد وهو الضرورة.
وسيخصص المؤلف - ﵀ - شرطًا كاملًا من شروط البيع في تحديد ماهية العين التي يجوز أن تباع وتشترى ويعتبر من أهم شروط البيع - كما سيأتينا.
- قوله - ﵀ -:
- وهو مبادلة مال ولو في الذمة.
يعني: ولو كان المبيع موصوفًا في الذمة.
فلا يشترط في المبيع أن يكون من الأعيان بل يجوز أن يكون موصوفًا في الذمة.
والعين الموصوفة في الذمة غالبًا ما يسميه الفقهاء: الدين - كما سيأتينا.
فإذًا المبيع ربما يكون عينًا قائمة مشاهدة موجودة. وربما يكون موصوفًا في الذمة ولا يوجد حال العقد.
مثال الموصوف في الذمة: أن أقول: بعت عليك كتابًا عنوانه كذا ومطبوع في كذا وصفته كذا وكذا وإن لم يكن الكتاب موجودًا حال إجراء العقد. لكن بشروط ستأتينا في كتاب البيع.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو منفعة مباحة.
قوله: (أو منفعة مباحة). يعني: إما أن يكون المبيع عينًا سواء كان في الذمة أو مشاهد أو يكون منفعة.
ويشترط في هذه المنفعة ما يشترط في العين: وهي: أن تكون هذه المنفعة مباحة وإباحتها إباحة مطلقة لا لحاجة ولا لضرورة.
فشراء المنفعة المحرمة باطل شرعًا وليس مما يجوز إجراء العقد عليه - أي المنفعة.
مثل المؤلف - ﵀ - للمنفعة:
- بقوله - ﵀ -:
- كممر دار.
في الحقيقة التمثيل لو كان أدق لكان أحسن. لأن العقد يقع على منفعة المرور لا على الممر لأن الممر عين وهي قطعة من الارض والعقد لا يقع على هذه العين وإلا لكان من الأعيان ولدخل في النوع الأول وإنما هو يريد - ﵀ - بقوله: (كممر) يعني: كمنفعة ممر.
[ ٣ / ٣١٤ ]
فيجب أن يقع العقد على المنفعة لا على الممر وهذا مراده - ﵀ -. وغيره من الحنابلة وضح هذا الأمر. وهو في الحقيقة كان ينبغي أن لا يمثل بكلمة ممر لأن الممر من الأعيان فلو قال: كمنفعة ممر.
- ثم قال - ﵀ -:
- بمثل أحدهما.
قوله: (بمثل أحدهما) الجار والمجرور يتعلق بقوله: (مبادلة) فالمبادلة تكون: للأعيان المباحة أو للمنافع المباحة.
لكن المؤلف - ﵀ - قسم الأعيان إلى: أعيان مشاهدة وأعيان في الذمة.
فصارت الأشياء التي يجوز إجراء عقد البيع عليها ثلاثة:
١ - العين المباحة.
٢ - وما في الذمة. وهو الدين.
٣ - والمنفعة.
ويستطيع الإنسان أن يوجد من هذه الثلاث أشياء تسع صور تجوز في البيع. ومعلوم أنه إذا بادلت بين هذه الثلاثة أشياء فسيكون عندنا تسع صور.
ونأخذ ثلاث صور. ثم أنت تستطيع أن تأخذ ست صور بإجراء نفس العملية.
ـ الصورة الأول: بيع عين بعين.
بأن نبيع هذا الكتاب بهذه العشرين ريال الموجودة حال إجراء العقد. فهذا بيع عين بعين.
ـ الصورة الثانية: بيع عين بدين. وهو الذي يسميه المؤلف - ﵀ -: (ما في الذمة).
بأن أقول: اشتريت منك الكتاب أو بعت عليك الكتاب الذي اسمه كذا وصفته كذا بعشرين ريالًا. فأنت تعطيني العشرين ريال الآن والكتاب موصوف في الذمة يسلم لاحقًا وفي موعد يتفق عليه.
ـ الصورة الثالثة: بيع عين بمنفعة.
بأن أشتري منك منفعة هذا الممر وليس الممر. فالممر لا يجوز لي أن أبيعه ولا أن أتصرف فيه لكن منفعة هذا الممر هي التي وقع عليها العقد.
ثم تستطيع أن توجد ست صور بإجراء نفس العملية إلا أنه في الصورة التاسعة وهي: (بيع ما في الذمة بما في الذمة) يشترط لصحة العقد تسليم أحد العوضين في مجلس العقد لكي لا يدخل تحت بيع الدين بالدين وهي الصورة التي اتفق الفقهاء - ﵏ - على تحريمها. فيما عدا هذه الصورة التاسعة وهي بيع ما في الذمة بما في الذمة فالصور جميعًا جائزة بلا شرط إضافي عدا الشروط الأصلية لصحة إجراء عقد البيع.
- ثم قال - ﵀ -:
- على التأبيد.
أراد أن يخرج بقوله: (على التأبيد): عقدين:
- الأول: الإجارة. فإن الإجارة وإن كان شراء منافع إلا أنها: شراء منافع مؤقتة.
[ ٣ / ٣١٥ ]
- والثاني: العارية. لأنها ليست بتمليك للمنفعة وإنما هي على اسمها: عارية مؤقتة وترجع.
فإذًا هذا القيد أخرج هذين العقدين.
وبهذا القيد: استغنى المؤلف - ﵀ - عن قيد آخر ذكره الفقهاء وهو: قوله بعضهم (على سبيل التمليك): مبادلة مال بمال على سبيل التمليك. فلا نحتاج إلى هذا القيد إذا وضعنا التأبيد لأن التأبيد يخرج الصور التي ليس فيها تمليك.
-
ثم قال - ﵀ -:
- غير ربا وقرض.
لو تأملت: فستجد ن التعريف المذكور:
ينطبق على الربا تمامًا.
وينطبق عهلى القرض تمامًا.
لكن الربا والقرض ليسا من عقود البيع ولذلك استثناه المؤلف - ﵀ -.
ـ أما الربا فهو مستثنى لأنه محرم: - (.. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) -[البقرة/٢٧٥]
وهو أمر اتفقت عليه الأمة ودلت عليه النصوص المتواترة.
ـ وأما القرض: فليس من البيع لأن الملحوظ فيه في الأكثر هو الارفاق لا التمليك. ومعلوم أنه إذا كان يقصد به الإرفاق لا التمليك فليس من البيوع لأن البيوع يقصد فيها المعاوضة على سبيل التمليك. أما القرض فليس كذلك.
ويدل على أنه ليس من البيوع:
أن القرض نوع من الربا إلا أن الشارع أباحه وأجازه للحاجة إليه وهو من محاسن الشرع وإلا فإن القرض مبادلة مال بمال مع التأخير لكنه جاز للإجماع ولحاجة الناس إليه وليس من البيوع في شيء لأنه يشترط في البيع أن يخلو العقد من الربا ونحن لا نشترط في القرض أن يخلو من الربا ولا من صورة الربا الذي ليس فيه زيادة ولذلك هو فيه نسيئة لكنه جاز بالإجماع كما قلت لحاجة الناس إليه.
إذًا تبين معنا لماذا نص المؤلف - ﵀ - على الربا والقرض: لأنهما لو لم يخرجا لدخلا في تعريف البيع.
- ثم قال - ﵀ -:
- وينعقد
ينعقد الييع في الشرع بصورتين فقط: ومعنى (ينعقد) يعني: يوجد.
ـ الصورة الأولى: قولية.
ـ والصورة الثانية: فعلية.
وإنما بدأ المؤلف - ﵀ - بالصورة القولية: لأنه متفق على جوازها وأخر الفعلية لما فيها من الخلاف بين أهل العلم فقدم المتفق عليه على المختلف فيه.
-
قال - ﵀ -:
- ينعقد بإيجاب وقبول.
- الإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع.
[ ٣ / ٣١٦ ]
- والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري.
ويجب أن يكون الإيجاب من البائع والقبول من المشتري وجوبًا. إلا ما سيستثنيه المؤلف - ﵀ -.
- يقول - ﵀ -:
- بإيجاب وقبول بعده.
الأصل: أن القبول يجب أن يكون بعد الإيجاب مباشرة.
فإذا أوجب البائع فيجب أن يقبل المشتري مباشرة. وهذا هو الأصل: وهو ان يكون القبول بعد الإيجاب.
وهذه الصورة التي بدأ بها المؤلف - ﵀ - إنما بدأ بها لأنها الأصل.
- ثم قال - ﵀ -:
- وقبله.
يعني: ويصح أن يكون القبول قبل الإيجاب. بشرط: أن لا يوجد في الإيجاب ما يدل على عدم إرادة إيقاع العقد.
أو بعبارة أخرى: بشرط أن يكون الإيجاب بلفظ الأمر أو الماضي الخالي عن الاستفهام.
إذًا: يشترط في الإيجاب إذا تقدم على القبول ان لا يقترن به ما يدل على عدم إرادة إيقاع العقد.
فإن اقترن به ما يدل على ذلك: لم يتم العقد.
فإذا قال: أتبيع علي؟ فهذا ليس بإيجاب مقبول ولو قال البائع: نعم. فإن العقد باطل. لأنه يشترط في حال تقدم الإيجاب أن لا يقترن بما يدل على عدم إرادة العقد.
إذًا: يجوز: = عند الحنابلة تقدم القبول لكن بهذا الشرط. فإن تقدم القبول بغير هذا الشرط فإن العقد باطل ولو استوفى أركانه.
= والقول الثاني: أن الإيجاب والقبول يصح بأي صيغة وبأي كيفية بلا مراعاة للترتيب ولا للصيغة ما دام العاقدان يريدان إيقاع العقد.
فما داموا يريدون أيقاع العقد فالعقد صحيح بلا شرط ولا قيد: - تقدم الإيجاب أو تأخر القبول وحصل العكس أو احتف به ما يدل على التردد فما دام أن كلًا من العاقدين يريد إيقاع العقد فالعقد صحيح.
وإلى هذا: ذهب شيخ الإسلام - ﵀ - وانتصر له بأدلة كثيرة ويمكن أن يفهم هذا القول أيضًا من تعليلات الشيخ الفقيه ابن قدامة - ﵀ - كما سيأتينا. فتعليلات الشيخ - ﵀ - تدل أيضًا على أنه يميل إلى هذا القول.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومتراخيًا عنه في مجلسه.
يعني: يجوز أن يقع القبول متراخيًا عن الإيجاب بشرط أيقع ذلك في المجلس.
فإن وقع القبول بعد المجلس فإن العقد باطل ولابد من إعادة العقد من جديد بإيجاب وقبول جديدين.
[ ٣ / ٣١٧ ]
فإذا قال زيد لعمرو: بعتك السيارة. ولم يجب عمرو حت قاموا من المجلس ووصل كل واحد منهما إلى بيته فاتصل وقال: قبلت.
= فعلى المذهب: العقد باطل ولابد من إجراء العقد من جديد. بأ يقول البائع: بعتك السيارة. فيقول: المشتري: قبلت.
فإن قال المشتري: قبلت. بدون إيجاب جديد فالعقد باطل. لماذا؟
لأن الحنابلة يشترطون مع التراخي أن يكون الإيجاب في المجلس.
دليلهم:
- قالوا: الدليل على ذلك: أن المجلس في معنى العقد. يعني: ما دام المجلس موجودًا كأن العقد وهو العرض موجود وهو الإيجاب فإذا انفض المجلس فكأن المشتري رد البيع وإذا رد المشتري لبيع لم يمكن أن يعقد إلا بإيجاب جديد لأن القبول وقع من غير إيجاب لأن الإيجاب الأول رد في المعنى.
= والقول الثاني: أن الإيجاب يصح مع التراخي ولو في غير المجلس ولو تراخى الأمر وقتًا طويلًا.
- لأنه لا يوجد دليل على اشتراط البقا في المجلس مع التراخي.
وإلى هذا أيضًا: ذهب شيخ الإسلام بن تيمية - ﵀ -.
وهو القول الصواب.
* * فإن قيل يلزم من هذا أن نلزم الموجب الذي هو البائع بعقد قد يكون رجع عنه؟ فإذ قال شخص: - زيد لعمرو - بعتك السيارة وجاء عمرو بعد ست ساعات فقال: نعم. فنكون ألزمنا البائع بأن يبيع وقد يكون صرف النظر عن البيع؟
فالجواب: أن هذا ليس بصحيح. لأنه إذا جاب المشتري وقال: قبلت. صار هذا مجلس العقد الجديد ومجلس العقد للبائع والمشتري فيه الخيار فللبائع أن يقول: عدلت عن البيع.
فليس في تأخير الإيجاب أي نوع من أنواع إلزام البائع لأن له بمقتضى خيار المجلس أن يرفض البيعة.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن اشتغلا بما يقطعه: بطل.
هذا هو الشرط الثاني: أن يكون في المجلس ويضًا أن لا يشتغل بما يقطع الرد.
فإن أوجب البائع واشتغل المشتري بشيء خارج عن موضوع العقد ثم ىجاب بعد ذلك فالبيع باطل ويحتاج كل منهما إلى إعادة العقد بأن يعيد الإيجاب ويعيد المشتري القبول.
والدليل:
- هو الدليل الأول: أن في تشاغل المشتري ما يدل على الإعراض والرد. فالإيجاب الأول مردود فيحتاج القبول الثاني إلى إيجاب جديد.
[ ٣ / ٣١٨ ]
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألتين السابقتين تمامًا إذ لا دليل على هذا التفصيل وما زال المسلمون يتبايعون هذه المبايعات ولو اشتغلوا بغير العقد الذي تكلموا فيه وتتم هذه البيوع ولم ينقل عن أحد من السلف الإبطال بمثل هذه الانقطاعات.
فالصواب أنه جائز ولا حرج فيه والعقد صحيح بلا حاجة إلى إجراء عقد صوري جديد.
- ثم قال - ﵀ -:
- وهي الصيغة القولية.
يعني: وما تقدم من الإيجاب والقبول هي الصيغة القولية.
- ثم قال - ﵀ -:
- وبمعاطاة وهي الفعلية.
الصورة الثانية لإيجاد العقد في الشرع: الصيغة الفعلية وهي: المعاطاة.
= ذهب الحنابلة والمالكية والأحناف والجماهير إلى أن عقد المعاطاة: صحيح ونافذ.
واستدلوا على هذا:
- بأن عقد البيع جاء في القرآن والسنة مطلقًا غير مقيد بشيء. ولم يبين القرآن ولا السنة كيفية تفصيلية لإجراء عقود البيع. وكل عقد جاء في الشرع ولم يحدد بصفة وكيفية معينة فإنه يرجع في كيفيته إلى العرف. وإذا رجعنا إلى العرف فإن العرف يقر إجراء العقود بالمعاطاة والمبادلة ولو لم يكن في أثناء هذه المبادلة صيغة قولية.
= والقول الثاني: للشافعية. وهو أنه لا يمكن إجراء عقد البيع إلا بصيغة قولية.
والسبب: أن الشافعي - ﵀ - لا ينظر إلى حقيقة العقود بقدر ما ينظر إلى صيغ وأشكال العقود. فهو يقول: وإن كان قصد كلًا من المتبايعين إيقاع العقد إلا أنا لا ننظر لهذا القصد وأنا ننظر إلى الشكل الظاهر وهو لم يوجد صيغة قولية تفيد إرادة البيع.
[ ٣ / ٣١٩ ]
وهذا المبدأ عند الشافعي من أضعف المباديء وهو أنه ينظر للصورة لا للحقيقة. فإن هذا المبدأ عند الإمام الشافعي أدى به إلى المنع من العقود الجائزة وأدى به في نفس الوقت إلى إجازة عقود باطلة فهو في الحقيقة من أضعف أصول الشافعي وهو أصل ليس عند الإمام أحمد - ﵀ - ولا عند مالك - ﵀ - لكنه من أصول الشافعي التي يستغرب الإنسان من الشافعي أن يؤصل مثل هذا الأصل وهو: أن العبرة عنده بظاهر وشكل العقد لا بحقيقته. وكما قلت لكم: أدى به إلى المنع من شيء واضح الجواز: كمسألتنا هذه وإلى جواز صور هي من الحيل الظاهرة التي يكاد جميع الفقهاء فيما عدا الشافعي يحرمها إلا هو نظرًا منه إلى ظاهر العقد - كما سيأتينا في كتاب البيوع أمثلة كثيرة.
والراجح: كما هو واضح هو مذهب الجماهير.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى مبحث من أهم المباحث وهو: الشروط.
- فقال - ﵀ -
- ويشترط
اشترط الفقهاء لصحة عقثد البيع سبعة شروط. لا يصح العقد إلا إذا توفرت.
ولعل المؤلف - ﵀ - رتب هذه الشروط حسب الأهمية فسيأتينتا أن الشرط الثاني من أهم الشروط إلا أن الشرط الأول هو مبدأ إجراء العقد فبدأ به المؤلف - ﵀ -.
الشرط الأول:
- قال - ﵀ -:
- (١) التراضي منهما.
يشترط لصحة البيع التراضي.
والتراضي هو: أن يقع العقد باختيار كل من الطرفين.
فإذا فقد الاختيار فقد التراضي.
والدليل على هذا الشرط:
- قوله تعالى: - ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) -[النساء/٢٩]. فنصت الآية على أنه لابد من التراضي في التجارة.
= وذهب إلى اشتراط التراضي: الجماهير. فكلهم رأى أن العقد لا يصح إلا بالتراضي.
والخلاف الذي يوجد في التراضي هو من وجهة نظري خلاف شاذ فيما يتعلق بإسقاط هذا الشرط. أما ما يتعلق بتصحيحه مع بقاء الخيار للعاقدين فهذا خلاف قد يكون معتبرًا لكنه يؤول إلى اشتراط التراضي فلا حاجة للتطويل به.
أما القول: بأن التراضي ليس بشرط وأنه نكتفي بظاهر قبول وإيجاب العاقدين فهو قول شاذ بعيد عن مقاصد الشرع والنصوص الفقهاء المحققين.
- قال - ﵀ -:
- فلا يصح من مكره بلا حق.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
الإكراه نقيض التراضي تمامًا. ولذلك نص عليه المؤلف - ﵀ -.
والإكراه ينقسم إلى قسمين:
- إكراه بغير حق. وهو المقصود بالبحث والذي ذُكِرَتْ له الأدلة في إبطال العقد إذا جرى معه - يعني: مع الإكراه الذي بغير حق.
- القسم الثاني: الإكراه بحق وهذا يصح معه العقد. لأنا إنما أبطلنا رضى البائع بحق. وإذا سقط الشرط بحق صح العقد.
ومن أمثلة هذا السقوط: أن يُلزِم الحاكم المدين ببيع أحد أمتعته أو مملوكاته لوفاء الدين الذي عليه - أي لوفاء الدين الحال الذي عليه.
فهذا العقد ولو كان مع عدم رضى البائع فهو عقد صحيح نافذ تنبني عليه كل فروع صحة عقد البيع.
* * مسألة / ذكرها العلماء: وهي مفيدة في وقتنا هذا:
- إذا أكره الإنسان على دفع مال فباع متاعه ليدفع المال: فحكم هذا العقد:
= عند الحنابلة: أنه صحيح مع الكراهة.
ـ أما أنه صحيح عند الحنابلة: فلأن الإكراه وقع على دفع المال لا على البيع. وإذا كان الإكراه لا يتعلق بالعين المباعة التي جرى عليها العقد: فالعقد صحيح.
وهذا دليل الصحة.
ـ وأما الكراهة فدليلها: أن هذا المكره غالبًا سيبيع السلعة بأقل من ثمنها. ولذلك قالوا: هو مكروه.
= القول الثاني: أن هذا البيع صحيح بلا كراهة. وهو قول تبناه شيخ الإسلام - ﵀ -.
دليله:
- أن القول بكراهة هذا العقد قد يؤدي إلى عدم الشراء من هذا المضطر فنوقع هذا المضطر في ضرر زائد.
وهذا العقد يسمى عند الفقهاء: بيع الاضطرار.
وهذا العقد يقع في وقتنا هذا كثيرًا فيما يستخدمه الناس بالتورق فتجد الشخص يشتري سيارة بقيمة مؤجلة ثم يبيع هذه السيارة بقيمة حاضرة أقل قطعًا من القيمة المؤجلة بل هي أقل من سعر المثل.
فهل هذه الصورة المعاصرة تدخل في بيع المضطر؟
ـ على الخلاف فيه. ومن وجهة نظري: أنه ينقسم إلى قسمين:
[ ٣ / ٣٢١ ]
- القسم الأول: أن يشتري السيارة بالتقسيط - يعني: بثمن مؤجل زائد - بغرض التجارة. فهذا ليس من بيع المضطر لأنه ليس بمضطر إلى أن يجري هذا العقد وإنما يريد التزيد والتجارات. فهذا ليس من بيع المضطر في شيء ولا يأخذ أي حكم من أحكام بيع المضطر. - وأنتم الآن سمعتم الخلاف في بيع المضطر ومن أحكام بيع المضطر المتفق عليها: أنه ينبغي لمن استطاع أن يراعي المضطر أن يراعيه بأن يشتري بسعر المثل وليس من المراعاة أن لا يشتري لأنه يوقع هذا المضطر في إحراج لكن من المراعاة أن يشتري بسعر المثل.
إذًا: القسم الأول ليس من بيع المضطر وإن كانت صورته صورة بيع الضطر لأن الإنسان لا يمكن أن يشتري ويجعل في ذمته مبلغًا أكثر من قيمة البيع الحال إلا وهو مضطر.
- القسم الثاني: أن يفعل ذلك اضطرارًا. كأن يريد أن يتزوج أو يريد أن يسدد دينًا حالًا اضطر إليه أو أن يريد العلاج كما يصنعه بعض الناس.
فهذا القسم الثاني من بيع المضطر وتتنزل عليه الأحكام التي ذكرها الفقهاء لبيع المضطر.
- ثم قال - ﵀ -:
- (٢) أن يكون العاقد جائز التصرف.
الشرط الثاني لصحة العقد: أن يكون العاقد جائز التصرف.
وجائز التصرف هو: الحر المكلف الرشيد.
فيشترط أن يكون حرًا وأن يكون بالغًا عاقلًا وأن يكون رشيدًا يحسن التصرف في الأموال.
ومقصود الفقهاء بقولهم (يحسن التصرف في الأموال) أي: فلا يقع في السفاهات والتصرفات التي يحكم عليه بها أنه سفيه ولا يقصدون بقولهم (يحسن التصرف) أن يكون تاجرًا متميزًا عارفًا بالصنعة فإن هذا لا يشترط: فمن الناس من يحسن التجارة ومنهم من لا يحسن التجارة. ومن لا يحسن التجارة: لا يمنع من البيع والشراء.
فإذًا مقصودهم هو هذا: أن لا يكون أخرقًا يقع في السفاهات وسيأتينا مزيد إيضاح في كتاب الحجر فهو مبحث مهم من مباحث كتاب الحجر.
الدليل على اشتراط هذا الشرط:
- قوله تعالى: - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) -[النساء/٦] فلابد أن يبلغ النكاح. يعني: أن يبلغ وأن يكون رشيدًا.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
لما ذكر المؤلف - ﵀ - هذا الشرط وذكرنا الآن دليل هذا الشرط وأن العقد لا يصح إلا بتوفر أهلية العاقد ذكر ما يشبه الاستثناء:
- فقال - ﵀ -:
- فلا يصح تصرف صبي وسفيه: بغير إذن ولي.
تصرف الصبي والسفيه: معلوم أنه لا يصح من الشرط الأساسي وإنما أعاده المؤلف - ﵀ - ليبين أنه يستثنى بحكم وهو: جواز تصرف الصبي والسفيه بشرط: إذن الولي. وهذا الحكم خاص بالصبي والسفيه. فالمجنون: لا يجوز أن يعقد ولو أذن له الولي. فإنه ليس بأهل للعقود. إذًا: يستثنى من هذا الشرط الصبي والسفيه إذا أذن لهما الولي.
والدليل على أنه يستثنى إذن الولي:
- قوله تعالى: - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ) -[النساء/٦] وابتلاء اليتامى لا يكون إلا بتمكينهم من إجراء بعض العقود لينظر هل يحسنوا العقد أو لا؟ فدلت الآية على أن لولي الصبي والسفيه أن يأذن لهما بإجراء العقود.
ويشترط في إذن الولي شرطان:
- الأول: أن لا يأذن لهما إلا بما فيه مصلحة. فإن أذن لهما بما لا مصلحة فيه فإذنه باطل والعقد باطل.
- والثاني: أن يأذن لهما إذنًا مقيدًا لا مطلقًا بأن يأذن لهما بإجراء عقد أو أكثر من عقد لكنها معلومة معينة مقيدة أما الإذن المطلق فهو ينتنافى مع اشتراط أهلية العاقد.
* * مسألة / فإذا أذن لهما الولي فإنه يجوز إجراء العقد من قبل الصبي في الكثير والقليل. لو يأذن لهما ببيع - مهما كان من الأعيان - الباهضة في الثمن فالعقد صحيح ما دام أنه جرى بإذن الولي. لأنا نفترض أن الولي لن يأذن إلا بما فيه مصلحة للصبي.
* * مسألة/ وإذا أذن الولي للصبي فللصبي أن يباشر العقد ولا يشترط أن يباشر العقد الولي.
* * مسألة/ الصبي والسفيه: لا يجوز لهما إجراء العقود بلا إذن الأولياء إلا فيما كان يسيرًا فإذا كان الشيء الذي يباع أو يشترى شيئًا يسيرًا فإنه يصح العقد.
والدليل على ذلك:
- أن صبيان الصحابة والناس ما زالوا يبيعون ويشترون فيما خف وسهل من الأمور. فدل هذا على أن الشارع أجاز مثل هذه الأمور إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة منع الصبيان من إجراء العقود التي جرى العرف بها مما هو يسير.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
الأمر الثاني: أن اليسير أمره خفيف ولا مضرة فيه ظاهرة على الصبي وفيه تمرين عليه فجاز لتحقيق هذه المصالح.
وبهذا انتهى الشرط الثاني ونبدأ إن شاء الله في الدرس القادم بالشرط الثالث.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٢)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن شروط البيع وأخذنا الشرط الأول والثاني ونبدأ اليوم بالشرط الثالث.
- قال - ﵀ -:
- وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة.
الشرط الثالث: أن تكون العين المباعة مالًا شرعًا. أي: أن تعتبر من الأموال في الشريعة.
والمال في الشرع: هو كل عين فيها منفعة مباحة لغير حاجة.
وخرج بهذا القيد: العين التي ليس فيها منفعة: كالحشرات. فإنها أعيان لكن لا منفعة فيها فهي ليست مالًا في الشرع.
وخرج بهذا القيد: الأعيان التي فيها منفعة لكنها محرمة: كالخمر. فإنه ليس بمال في الشرع.
وخرج أيضًا: الأعيان التي فيها منفعة مباحة لكن عند الضرورة: كالميتة. فهذه ليست بمال شرعًا.
وخرج أيضًا: الأعيان التي فيها منفعة مباحة للحاجة: كالكلب. فهذه ليست مالًا شرعيًا.
إذًا يشترط في المبيع ليجوز بيعه وشرائه: أن يكون مالًا شرعيًا. والمال الشرعي هو: ما اتصف بالصفات السابقة.
ولما بين المؤلف - ﵀ - القاعدة العامة ذكر أمثلة لهذه القاعدة لكنه راعى في الأمثلة أن ينوع في المسائل ليشمل أجناس الأعيان التي يجوز أن تشترى وتباع:
- فقال - ﵀ -:
- كالبغل والحمار.
البغل والحمار من الأموال الشرعية. يعني: مال في الشرع فيجوز أن يباع وأن يشترى.
وأشار المؤلف - ﵀ - بهذا المثال إلى أن الأعيان التي يجوز أن تباع وتشترى لا يشترط أن يتفق على طهارتها بل هي من الأموال الشرعية ولو اختلف في طهارتها كالخمار والبغل:
= فمن الفقهاء - ﵏ - من يرى أنها طاهرة.
= ومن الفقهاء - ﵏ - من يرى أنها نجسة.
والدليل على جواز بيع وشراء البغل والحمار من وجهين:
[ ٣ / ٣٢٥ ]
- الوجه الأول: أن الحمار عين مباحة الاقتناء بلا حاجة وفيها نفع مباح.
- والوجه الثاني: الإجماع. فإن الأمة ما زالت من عهد النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا وهي تبيع وتشتري الحمير والبغال بلا نكير من أحد. فهو إجماع.
والمؤلف - ﵀ - بدأ بالبغل والحمار لأنا سنقيس عليها أشياء ولأنه متفق في الجملة على جواز بيعه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ودود القز وبزره.
دود القز: هو الدود الذي ينتج القز.
والقز هو: أفخم أنواع الحرير.
فهذا النوع من الحشرات يجوز أن يباع ويشترى.
والدليل على جواز بيعه وشرائه:
- أن هذه العين عين طاهرة فيها نفع مباح.
وهذا الدليل هو قاعدة الشرط الثالث. وهو أن يكون المبيع فيه نفع مباح.
فإذًا هذه الدودة التي تنتج هذا النوع لا بأس ببيعها وشرائها لما تقدم من أنها عين طاهرة وأيضًا مباحة النفع.
وبزره: هو الدود قبل أن يبدأ بالدب يعني: صغيره.
وإنما نص المؤلف - ﵀ - عليه: ليفيد أن ما يجوز بيعه لنفعه يجوز وإن كان النفع سيأتي في المستقبل ولا يشترط في المبيع أن يكون النفع الذي يرجى منه موجود في الحاضر ولذلك نص على بزره.
- ثم قال - ﵀ -:
- والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد.
- الفيل: حيوان معروف. وينتفع به في أمرين:
ـ الأمر الأول: في الحرب فهو من أعظم الدواب التي يقاتل بها.
ـ والأمر الثاني: في نقل الأمتعة وغيرها. هذا بالنسبة للفيل.
- الثاني: سباع البهائم. أيضًا سباع البهائم يجوز أن تباع وأن تشترى بشرط: وهو أن تصلح للصيد.
فإن كانت لا تصلح للصيد فلا يجوز أن تباع أو أن تشترى لأنه لا فائدة فيها.
= ذهب الجماهير وأكثر أهل العلم - بل إن بعض الفقهاء حكاه إجماعًا: إلى جواز بيع وشراء الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن فيها نفعًا مباحًا.
- وبأنه يجوز أن تقتنى بلا حاجة.
- وبالقياس على الحمار.
= والقول الثاني: أن سباع البهائم لا يجوز أن تشترى ولا أن تباع. وإليه ذهب عدد قليل من أهل العلم.
واستدلوا بأمرين:
- الأمر الأول: أنها أعيان نجسة.
- والأمر الثاني: القياس على الكلب. وسيأتينا حكم بيع وشراء الكلب.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
والراجح والله أعلم جواز بيع سباع البهائم التي ينتفع بها في الصيد والفيلة التي تستخدم استخدامات نافعة ومباحة.
وهو مذهب الجماهير: لأن القياس على الكلب قياس فيه نظر من وجهين:
- الوجه الأول: أن إلحاق السباع بالحمار أقرب. لأن الحمار وإن كان نجسًا: جاز بيعه وشرائه فكذلك سباع البهائم. فالنجاسة لا تمنع دائمًا من البيع والشراء.
- والوجه الثاني: أن الشارع الحكيم خص الكلب بجملة من الأحكام. فالكلب يغسل من ولوغه سبعًا وأمر في أول الإسلام بقتله والأسود منه يقطع الصلاة. فخصه الشارع بجملة من الأحكام فلا يقاس عليه غيره من الأعيان الأخرى يعني: من البهائم.
والخلاصة: أن الراجح جواز بيع وشراء سباع البهائم بهذا الشرط.
* * مسألة/ الذي يظهر لي: أن الفقهاء - ﵏ - إنما نصوا على أن يكون مما يصلح للصيد: لأن هذا العمل هو الذي ينتفع به بسباع البهائم في وقتهم.
فإن أمكن أن ينتفع بسباع البهائم بشيء غير الصيد كما هو في وقتنا الحاضر: ينتفعون به بأشياء كثيرة فإنه أيضًا يجوز لأن العلة والمناط هو أن ينتفع به في شيء مباح.
فإذا حصل الانتفاع جاز ولو لغير الصيد.
- ثم قال - ﵀ -:
- إلاّ الكلب.
يعني: فلا يجوز أن يباع ولا أن يشترى.
= ذهب الجماهير - الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الفقهاء - ﵏ - إلى أن بيع وشراء الكلب: محرم.
- لما ثبت في الصحيحين: بأسانيد صحيحة ثابتة: أن النبي - ﷺ -: نهى عن ثمن الكلب.
- ولما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ثمن الكلب خبيث).
- ولما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال في بائع الكلب: (فإن جاء يومًا يطلب الثمن فاملأ كفه من التراب).
وهذه الأحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في السنن ومجموعها يدل دلالة واضحة على أن الشارع نهى وأبطل بيع الكلب.
= القول الثاني: أن الكلب يجوز أن يباع وأن يشترى.
- لأن فيه نفعًا مباحًا بل نفعه أكبر من غيره من الحيوانات. وهو أطوع وأقبل للتعليم.
وإلى هذا ذهب الأحناف.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
وهذا القول: قول شاذ ضعيف وأحسن ما يقال في من ذهب إليه: أنه لم تبلغهم النصوص وإلا فإنه ليس للإنسان أن يخالف هذه النصوص الصريحة الصحيحة مع عمل السلف لمجرد علل يصادم بها النصوص.
= والقول الثالث: أنه يجوز بيع الكلب المعلم دون غيره.
- لما رواه النسائي في سننه أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد.
والجواب: أن الإمام النسائي نفسه - ﵀ - لما أخرج هذا الحديث قال: وهو حديث منكر.
فهذا الاستثناء ضعيف ولا يثبت مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.
والراجح: القول الأول وهو مذهب الجماهير الذي يتفق مع النصوص الصريحة الصحيحة.
- ثم قال - ﵀ -:
- والحشرات.
يعني: ولا يجوز أن تباع الحشرات.
- لأنه يشترط في المبيع أن يكون له نفع. والحشرات ليس لها نفع فالعقد عليها باطل لأنها ليست من الأموال الشرعية.
وعلم من تعليل الفقهاء أنه لو كان لبعض الحشرات التي ليس لها نفع في السابق نفع في اللاحق أو في وقتنا هذا المعاصر فإنها تصبح من الأموال.
فلو جمع الإنسان حشرات بكميات كبيرة وباعها على المختبرات فإن العقد عقد صحيح لأنه عقد على عين فيها منفعة وإنما أبطل الفقهاء - ﵏ - البيع في الحشرات لأنه ليس لها في وقتهم أي نفع لا مباح ولا غير مباح.
-
ثم قال - ﵀ -:
- والمصحف.
= المصحف لا يجوز أن يباع ولا يشترى عند الحنابلة.
وقد انتقد كثير من الشراح كون المؤلف يعطف المصحف على الحشرات. ولو أنه أعاد الفعل مع حرف العطف وجعل منع بيع المصحف في جملة مستقلة لكان أولى وأحسن وأكثر أدبًا مع المصحف.
= ذهب الحنابلة إلى أنه لايجوز أن يباع المصحف ولا يكره أن يشرى استنقاذًا.
إذًا مذهب الحنابلة لا يصح ولا يجوز بيع المصحف ولا يكره أن يشترى إذا كان على سبيل الاستنقاذ.
واستدلوا على هذا الحكم بدليلين:
- الدليل الأول: أن ابن عكر - ﵁ - وددت أن الأيدي تقطع فيه. يعني: في بيع المصحف.
- والدليل الثاني: احترامًا وتقديرًا ورفعةً للقرآن أن يكون من السلع التي تباع وتشترى.
= القول الثاني: أنه لا بأس ببيعه ولا حرج.
- لأن العقد يقع على الورق والحبر لا على كلام الله.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
- ولأن الحاجة تدعو إلى مثل هذا.
- ولأنه ما زال المسلمون يتبايعون على المصاحف من غير نكير.
والعمل على القول الثاني.
- ثم قال - ﵀ -:
- والميتة.
يعني: ولا يجوز بيع الميتة. وبيع الميتة: محرم بالإجماع.
- لحديث جابر - ﵁ - في الصحيح أنه قال: إن الله ورسوله يحرمان بيع الميتة والخنزير والأصنام والخمر.
فدل النص والإجماع على تحريم بيع الميتة.
- والتعليل يدل على ذلك: لأنها نجسة.
فإذًا: لا يجوز بيع ولا شراء الميتة وهذا أمر واضح ومجمع عليه.
وقوله (والميتة). يستثنى من ذلك: ميتتان وهما: - السمك. - والجراد.
لأن ميتة السمك وميتة الجراد طاهرة ويجوز أن ينتفع بها: فجاز بيعها وشرائها.
-
ثم قال - ﵀ -:
- والسرجين النجس.
السرجين: كلمة فارسية معربة. ومعناها: الروث أو السماد.
وقوله: (النجس) يعني: الأرواث النجسة وهي أرواث غير مأمولة اللحم من الحيوان.
فالأرواث النجسة لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى.
لدليلين:
- الأول: أنها نجسة.
- والثاني: قياسًا على الميتة.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن تباع وأن تشترى.
- لأن عمل الناس ما زال على ذلك.
والراجح والله أعلم: أنه لا يجوز أن تباع ولا تشترى. لأن عمل الناس لا يؤخذ به إذا صادم النص أو معنى النص. ولأن عمل الناس إنما يعتد به ويعتبر إذا صدر ممن هو أهل لاعتباره كعمل الصحابة أو السلف وأما عمل العوام فلا عبرة به.
فإذًا لا يجوز أن يشتري الإنسان سماد الحمار ولا البغل ولا الفيل ولا الإنسان ولا كل ما حكمنا على روثه بأنه نجس.
- ثم قال - ﵀ -:
- والأدهان النجسة.
لا يجوز بيع ولا شراء الأدهان النجسة. لأنها نجسة.
وهي تقاس قياسًا جليًا على شحم الميتة المجمع على تحريمه.
فإذًا الأدهان النجسة لا يجوز أن تباع ولا يجوز أن تشترى لأنها نجسة وأيضًا كما قلت قياسًا على شحم الميتة.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا المتنجسة.
سقط على المحقق وفقه الله حرف الواو وهي ثابتة في كل النسخ كأنها سقطت منه وهمًا فالذي معه هذه النسخة يضيف (ولا المتنجسة).
الأدهان المتنجسة يقصد بها الأدهان التي هي في الأصل طاهرة ثم تنجست بوقوع نجاسة فيها.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
= فعند الحنابلة: لا يجوز أن تشترى ولا أن تباع.
- قياسًا على الشحم في الميتة.
- وقياسًا على الأدهان نجسة الأعيان. وهي المسألة السابقة.
= والقول الثاني: أن الأدهان المتنجسة يجوز أن تباع وأن تشترى بشرط أن يمكن تطهيرها. فإذا أمكن أن تطهر جاز أن تباع.
واستدلوا على ذلك:
- بأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. إذا كانت هذه الأدهان ستؤول إلى الطهارة فإذًا زالت علة المنع.
وإلى هذا ذهب عدد من المحققين من أهل العلم.
والراجح والله أعلم في هذه المسألة: مذهب الحنابلة. والسبب: أن الأدهان المتنجسة هي عرف الشرع نجسة وإن كان أصلها طاهرًا لكنها الآن نجسة. ويقولون: الحكم يدور مع علته. نقول: صحيح الحكم يدور مع علته فهي الآن نجسة والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا وإذا كان يمكن أن تطهر فلتطهر قبل البيع.
فالذي يظهر لي بوضوح: أن الأدهان إذا كانت متنجسة وإن كانت في الأصل طاهرة الأعيان إلا أنها الآن نجسة فيجب أن تطهر قبل أن تباع أو أن تشترى.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويجوز الإستصباح بها.
الضمير في قوله: (بها) يعود على: المتنجسة دون النجسة.
فيجوز الاستصباح يعني: استخدام هذا الدهن في إشعال الضوء.
ولا يجوز الاستصباح بالنجسة.
إذًا: نحتاج إلى دليلين:
- الأول: على جواز الاستصباح بالمتنجسة.
- والثاني: وعلى المنع من النجسة.
ـ أما جواز الاستصباح بالمتنجسة: فالدليل عليه: القياس على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغة فإن جلد الميتة بعد الدباغة يبقى نجسًا عند الحنابلة ومع ذلك يجوز الانتفاع به فنقيس عليه الأدهان المتنجسة.
ـ وأما الدليل على المنع من النجسة فحديث جابر المتقدم حيث ذكر فيه: أن الله ورسوله حرم الميتة والخنزير والأصنام والخمر فقالوا: أرأيت يا رسول الله شحم الميت فإنه تطلى به السفن وتدهن به الجلود ويستصبح به الناس فقال النبي - ﷺ - (لا. هو حرام).قال الحنابلة يعني: الانتفاع حرام.
فدل الحديث بنصه على أن الانتفاع بالنجسة لا يجوز لا بالاستصباح ولا بدهن الجلود ولا السفن ولا بغير ذلك من أنواع الانتفاع.
= والقول الثاني: أنه يجوز الانتفاع بالنجسة والمتنجسة.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
- لأن قوله - ﷺ -: (لا. هو حرام) ينصرف إلى المسئول عنه وهو البيع لا إلى الانتفاع الذي ليس هو موضوع السياق.
وهذا القول أقرب إن شاء الله: أن الانتفاع بالأعيان النجسة لا بأس به وله نظائر في الشرع فهذا الكلب لا يجوز أن يباع ولا أن يشترى ويجوز ان ينتفع به: بالصيد أو الحراسة أو الزرع أو بغير ذلك مما أجازه الشارع.
وإذا كان لهذا الحكم نظير في الشرع صاغ لنا أن نحكم به.
المسألة الثانية:
- يقول - ﵀ -:
- في غير مسجد.
يجوز الاستصباح بالمتنجسة لكن لا يجوز أن يكون ذلك في المسجد.
- لأن الدخان الذي يخرج بعد الإحراق نجس فلا يجوز أن ندخله إلى المسجد.
وهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل الاستحالة تطهر بها العين النجسة أو لا تطهر؟
وتقدمت معنا في كتاب الطهارة وأن الراجح إن شاء الله: بلا إشكال أن الاستحالة تطهر الأعيان النجسة لأنها تقلب العين النجسة من عين إلى عين أخرى تختلف في الصفات والشارع الحكيم إنما يربط الأحكام بالعلل والأوصاف وأوصاف هذه العين النجسة زالت وأصبحت عينًا أخرى طاهرة.
فإذًا الأقرب أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة.
فبناءً على ذلك: يجوز الاستصباح في المسجد وفي غير المسجد.
- ثم قال - ﵀ -:
- وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه.
الشرط الرابع من شروط البيع: أن يصدر العقد من مالك السلعة أو ممن يقوم مقامه من وكيل أو غيره.
فإن صدر من غير المالك فالعقد باطل.
الدليل على هذا الشرط:
- قوله - ﷺ - في حديث حكيم بن حزام - ﵁ -: (لا تبع ما ليس عندك).
وجه الاستدلال: أنه لا يمكن حمل الحديث إلا على أحد معنيين:
ـ المعنى الأول: لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع مالك الغائب.
ـ أو لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع ماليس مملوكًا لك.
ولا يمكن حمله على المعنى الأول: لأن أهل العلم أجمعوا على جواز العين المملوكة الغائبة أجمعوا على جوازها.
إذًا: لم يبق إلا أن يحمل على: (لا تبع ما ليس مملوكًا لك).
وهذا هو وجه الاستدلال بالحديث وهو ظاهر كما رأيت فلا يجوز للإنسان أن يتصرف بغير ملكه.
[ ٣ / ٣٣١ ]
- الدليل الثاني: أن ما لا يملك الإنسان هو ملك لغيره والنبي - ﷺ - يقول: (لا يجل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
فليس للإنسان أن يتصرف في مال غيره شرعًا.
الدليل الثالث: أن هذا الشرط في الجملة مجمع عليه فيما عدا مسائل ستأتينا أما في الجملة فإنه مجمع عليه أنه ليس للإنسان أن يبيع ما لا يملك.
- قال - ﵀ -
- فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بلا إذنه: لم يصح.
إذا باع ملك غيره، أو اشترى ملك غيره بغير ماله: فالعقد باطل.
لوجهين:
- الوجه الأول: ما تقدم معنا من حديث حكيم. والأدلة الدالة على تحريم بيع ما لا يملك الإنسان.
- والوجه الثاني: أنه لا يقدر على تسليم هذه العين لأنها ليست من أملاكه.
فإذًا دل على هذا الحكم هذان الدليلان.
= القول الثاني: في هذه المسألة - أن الإنسان إذا باع أو اشترى بغير ملكه فإن العقد يكون صحيحًا ويوقف على إجازة المالك فإن أجاز صح العقد وإلا بطل.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بحديث عروة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أعطاه دينارًا ليشتري شاةً فاشترى بالدينار شاتين ثم وهو راجع إلى النبي - ﷺ - باع إحداهما فرجع إلى النبي - ﷺ - بدينار وشاة فقال له النبي - ﷺ -: (بارك الله لك في صفقة يمينك). والدعاء من النبي - ﷺ - إقرار له على عمله.
فهذا الصحابي الجليل تصرف وتصرف بالبيع والشراء ففي العقد الأول: اشترى من دون إذن المشترى له وفي العقد الثاني: باع من دون إذن مالك السلعة ومع ذلك صحح النبي - ﷺ - العقدين بل ودعا له.
وهذا القول: هو القول الراجح لأن الحديث صريح فيه ولا يمكن الخروج عن هذا الحديث الصريح الذي فيه إقرار بيع وتصرف الفضولي إذا أجازه المالك.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد: صح له بالإجازة ولزم المشتري بعدمها ملكًا.
هذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي يصحح فيها الحنابلة تصرف الفضولي.
فتصرف الفضولي وهو: من لا يملك. يصح عند الحنابلة بشرطين:
[ ٣ / ٣٣٢ ]
- الشرط الأول: أن يشتري في الذمة. ولا يشتري بعين ماله ولا بعين مال الآخرين.
- والشرط الثاني: أن لا يسمي من اشترى له في العقد.
فإذا وجد الشرطان صح العقد.
فإن أجاز المشترى له: تم العقد وأصبحت السلعة ملكًا له.
وإن رفض: لزمت السلعة من اشتراها لأنه لم يسم أثناء العقد أحدًا. فلزمته السلعة وليس له أن يرد السلعة إلى البائع إذا لم يجز المشترى له.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يشتري لغيره. سواء في الذمة أو بمعين. وسواء كان المعين من مال نفسه أي: المشتري المتصرف تصرف الفضولي. أو من مال المشترى له. وسواء سماه أي من اشترى له أو لم يسمه ففي جميع الصور يصح ويجوز العقد بشرط إجازة المالك.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بالأدلة المذكور في المسألة السابقة.
فيجوز استدلالًا بحديث عروة - ﵁ -.
ولا إشكال أنه يجوز إن شاء الله في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية.
-
ثم قال - ﵀ -:
- ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة: كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر.
قوله: (ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة). أولًا: يقصد المؤلف - ﵀ - الأراضي التي فتحت عنوة ولم تقسم. ولو أنه ذكر هذا القيد لكان أوضح.
إذًا هو يقصد الأراضي التي لم تقسم كأرض الشام ومصر والعراق.
الأراضي المفتوحة عنوة التي رأى الإمام أن لا يقسمها بين المجاهدين وإنما يجعلها وقفًا على عموم المسلمين هذه الأراضي لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى. لأنها أوقاف والوقف لا يجوز أن يباع ولا يوهن ولا يشترى ولا يتصرف فيه بأي تصرف.
والدليل على تحريم بيع هذه الأراضي:
- أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - أوقف هذه الأراضي على المسلمين وجعل عليها خراجًا بمنزلة الأجرة يدفع للمجاهدين. وإذا كان أوقفها على المسلمين فلا يجوز أن تباع ولا تشترى.
- الدليل الثاني: أن بعض الصحابة باع واشترى في أراضي الشام والعراق فأبطل عمر بيعه وأبطل شرائه.
=القول الثاني: أنه يجوز أن تباع وتشترى. يعني: الأراضي التي فتحت عنوة. ونحن نتكلم عن الأراضي التي فتحت عنوة لا عن البيوت والمساكن فالبيوت والمساكن سيأتي الحديث عنها.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
إذًا القول الثاني جواز بيع وشراء الأراضي التي فتحت عنوة بشرط أن يلتزم المشتري بدفع الخراج.
وهو رواية عن الإمام أحمد - ﵀ - نصرها وأطال في تقريرها شيخ الإسلام - ﵀ -.
الجواب: عن أن هذه الأراضي وقف عند أصحاب هذا القول: قول شيخ الإسلام - ﵀ -: أن هذه الأراضي ليست وقفًا من كل جهة بل هي عقد مستقل. بدليل: أن العلماء أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث. وبدليل: جواز هبة هذه الأراضي والوقف لا يوهب. فيقول الشيخ - ﵀ -: هذه الأراضي التي أوقفها الخلفاء ليست وقفًا من كل جهة بل هي وقف من جهة ومحررة من جهة أخرى. ونظير ذلك: بيع المنافع الذي تقدم معنا في أول الباب فبيع المنافع ليس بيعًا من كل وجه وليس إجارة من كل وجه فهو إجارة من حيث أنه بيع منافع لأن المنافع موضوعها في الإجارة وهو بيع من حيث التأبيد فهو عقد بين البيع وبين الإجارة لكنهم ذكروه في البيع لأن عقد التأبيد غلب عليه.
فإذًا يوجد في الشرع عقود هي بين عقدين: فبيع المنافع بين عقد البيع وبين عقد الإجارة والأراضي التي لم تقسم: بين الأراضي الموقوفة والأراضي المحررة.
ولاشك أن هذا التقرير بديع جدًا من شيخ الإسلام - ﵀ - وفيه توضيح وجمع بين النصوص التي تدل على جواز هذه الأراضي وشراؤها وبين النصوص التي تدل على المنع.
والأقرب والله أعلم: أنه يجوز أن تباع وتشترى:
- أولًا: لأنه وقع من الصحابة.
- وثانيًا: لأن في المنع من مثل هذا حرج شديد.
- وثالثًا: لأن مقصود الخلفاء حين أو قفوا هذه الأراضي هو أن تضرب على رقابها أي: على الأرض نفسها: خراج بمنزلة الأجرة فإذا ضمن هذا الخراج وهذه الأجرة واستمر فلا حرج من البيع ولا مفسدة من تصحيح العقد.
وكما قلت هذا القول إن شاء الله عليه العمل وهو أسهل للمسلمين وفيه فقه وفهم للنصوص التي جاءت عن الصحابة.
* * فإن قيل: لماذا عمر بن الخطاب - ﵁ - أبطل العقد؟
فالجواب: لأنه خشي من ضياع الأجرة التي هي الخراج وخشي أن يفهم المسلمون أن الأرض إذا انتقلت إلى مسلم أن الخراج يسقط ولذلك منع من ذلك وأبقى الأراضي في يد أهل الذمة ليبقى الخراج.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وإذا عرفنا مقصود عمر - ﵁ - عرفنا لماذا أبطل البيع. أي: أنه لم يبطله لأن الأرض وقف وإنما لهذا الاعتبار فإذا ضمنا استمرار اخراج والأجرة فلا حرج إن شاء الله.
وعلى هذا العمل اليوم ومنذ قرون أن أراضي الشام ومصر والعراق أنها تباع وتشترى بلا حرج.
* * مسألة / فإن قيل اعتراضًا على الحنابلة: كيف تقولون إن الأراضي التي فتحت عنوة لا تباع ولا تشترى ومكة فتحت عنوة بلا إشكال وتباع وتشترى؟
الجواب: أن مكة - شرفها الله - لا شك أنها فتحت عنوة وهذا مذهب كثير من المحققين وداخلها النبي - ﷺ - بالجيش فاتحًا. لكن النبي - ﷺ - خطب فيها وأقر أهلها كل في بيته وأعطاهم بيوتهم ولم يقسم مكة بين المهاجرين ولا بينهم وبين الأنصار وإنما أقرها بأديدي أهلها وصاروا يبيعون فيها ويشترون بمحضر النبي - ﷺ - والصحابة. فيدل على أنها خصصت في هذا الحكم.
= هذا مذهب الحنابلة. فهم يجيبون عن مكة بمثل هذا. أن مكة مخصوصة من بين الأراضي التي فتحت عنوة بهذا الدليل وهو أن النبي - ﷺ - لما فتحها أقرها في أيدي أهلها.
وعلى القول الراجح لا إشكال ويكون تصرف أهل مكة ببيوتهم وأراضيهم دليل لأصحاب القول الثاني.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يباع غير المساكن.
تحدثنا عن الأراضي وباقي المساكن. فالمساكن يجوز أن تباع عند الحنابلة وعند غيرهم.
- وذلك أن أصحاب النبي - ﷺ - اقتطعوا خططًا وبنوا فيها مساكن وباعوا واشتروا فيها من غير نكير: في الشام وفي العراق وفي مصر لا سيما في البصرة والكوفة فإنهم أخذوا خططًا كثيرة وبنوا فيها مساكن وتبايعوا - ﵁ -.
فإذًا لا إشكال في المساكن وإذا باع الإنسان المسكن فالبيع عند الحنابلة يقع على المسكن لا على أرض المسكن.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يصح: بيع نقع البئر.
نقع البئر: هو الماء المتجمع في قعر البئر. ومثله العيون التي تنبع.
فهذه المياه لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى.
ويجوز أن يبيع الإنسان الأرض التي فيها النبع والبئر بمعنى الحائط - جدر البئر.
أما الماء نفسه فإنه لا يجوز أن يباع ولا يشترى.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
= وإلى هذا ذهب الجمهور.
واستدلوا:
- بما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الماء الفاضل.
- واستدلوا: بقول النبي - ﷺ - (المسلمون وفي لفظ: الناس: شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار).
فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع الماء الفاضل عن حاجته وإنما يجب عليه وجوبًا أن يبذل الماء الفاضل عن حاجته.
= القول الثاني: أن الماء الذي في البئر والمتبقي من العين النابعة الفاضل عن حاجته: يجوز أن يباع وأن يشترى.
- لأن هذا الماء نابع من أرضه فحكمه حكم الأرض ومن يملك الأرض يملك ما ينتج عن الأرض.
وحملوا الحديث: على الماء الذي في غير الأرض المملوكة.
والراجح والله أعلم: القول الأول. لأن الحديث نهى عن بيع الماء بلا تفصيل بين أن يكون في الأرض المملوكة أو في الأرض غير المملوكة.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٣)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في الدرس السابق الكلام عن حكم بيع الماء وذكر الخلاف في ذهه المسألة وأن الراجح فيما يظهر والله أعلم أنه لا يجوز بيع الماء الزائد عن الحاجة مطلقًا وتقدمت الأدلة والمناقشات. ونبدأ اليوم بمسائل تتعلق بهذه المسألة وهي: حكم بيع الماء.
ـ المسألة الأولى: حكم الماء إذا حيز:
إذا حاز الإنسان ماء سواء كانت هذه الحيازة في وعاء أو في بركة أو في خزان فإنه لا يجب عليه أن يبذل هذا الماء بل هو ملك له له أن ينتفع به بما شاء وله أن يبيعه:
- لأنه بالحيازة أصبح ملكًا.
- ولأن النبي - ﷺ - أمر رجلًا أن يحتطب ليستغن عن الناس والحديث في الصحيح. وحكم الحطب حكم الماء.
فهذا الرجل إذا حاز الحطب فإنه سيبيع الحطب وكذلك الماء إذا حيز بوعاء أو غيره مما ذكرت فهو ملك لمن حازه فله أن يتصرف فيه تصرف الملاك.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
ـ المسألة الثانية: إذا تقرر أن من وجد الماء في أرضه في بئر أو عين أنه يجب أن يبذل ما زاد عن حاجته فإنه مع ذلك نقول: هو أولى وأحق الناس بهذا الماء.
فإذا كانت له حاجة بهذا الماء فهو مقدم على غيره ولا يجوز لغيره أن يعتدي على الماء الذي يحتاجه صاحب الأرض وإنما يجب بذل الزائد عن الحاجة فقط أما ما يحتاجه صاحب الأرض فهو له.
بناء على ذلك: ما يقع الآن في وقتنا من تعبئة السيارات بالماء وبيعها حكمه فيه تفصيل:
ـ إن كان صاحب البئر يملأ السيارات من البئر مباشرة فهو لا يجوز حسب ما قررنا. لأنه باع الزائد عن حاجته بيعًا والإنسان لا يجوز له أن يبيع ما زاد عن حاجته ولو تكلف في إخراجه لأن البئر أيضًا يتكلف الإنسان في إخراج الماء منها ومع ذلك لا يجوز أن يبيعه.
ـ وأما إن كان يضع الماء في خزانات كبيرة أو في برك أو ما أشبه هذه الأمور ثم يعبي السيارات منها فهذا جائز وعمله مباح.
ومن هنا يجب أن يتنبه الذين يتاجرون ببيع الماء أن لا يبيعوه من البئر مباشرة بل يحوزوه أولًا في برك أو خزانات ثم بعد ذلك يتصرفون فيه تصرف الملاك.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك.
الكلأ والشوك: حكمه حكم الماء. فالتفصيل الذي ذكر في الماء تمامًا ينطبق على حكم بيع الكلأ الذي ينبت في أرض الإنسان.
والراجح في تلك المسألة هو الراجح في هذه المسألة.
* * مسألة / فإن كان الكلأ أنبته الإنسان في أرضه باعتنائه واختياره. فهو ملك له ولا يدخل في المنع وله أن يتصرف فيه تصرف الملاك. لأنه نبت بعمله والأصل في الكلأ الذي لا يجوز أن يحوزه الإنسان بعد حاجته - الأصل فيه الكلأ والنبات الذي خرج بأمر الله.
وما خرج بفعل الإنسان وبدون فعله كله بأمر الله لكن المقصود ما خرج بلا تدخل من صاحب الأرض فإن زرعه هو أو أبقى الأرض بلا زرع لينبت فيها الكلأ فكذلك هو ملك له يتصرف فيه تصرف الملاك.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويملكه آخذه.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
تبين معنا مما سبق أن الماء الزائد عن الحاجة والكلأ الزائد عن الحاجة مباح وهو لمن أخذه ولذلك إذا وجد في أرض مملوكة فيجوز للإنسان أن يدخل في هذه الأرض وأن يأخذ هذا الماء الزائد عن حاجة مالك الأرض والكلأ الزائد عن حاجة مالك الأرض ولا حرج عليه في ذلك.
وإذا أخذه تملكه بمجرد الأخذ لأن هذا شأن المباحات فإن المباحات تملك بالأخذ لكن يشترط في دخوله الأرض أن لا يكون في دخوله أذى على صاحب الأرض وأن يستأذن قبل الدخول.
ومن جهة أخرى يحرم على صاحب الأرض أن يمنع دخول الداخل بلا ضرر فإذا استأذنه ولا ضرر عليه فإنه يحرم عليه أن يمنعه.
* * مسألة / فإن منع صاحب الأرض الناس من الدخول إليها بلا ضرر: فهو آثم. لكن هل يجوز للناس أن يدخلو قسرًا وقهرًا بالقوة؟
=من الفقهاء من قال: نعم. لهم أن يدخلوا ليستنقذوا حقهم الذي أباحهم الله إياه، ولأن المانع ظالم لأنه منع بلا حق.
= ومن الفقهاء من قال: بل إذا منع بلا حق فهوآثم لكن لا يجوز الدخول إلى أرضه لما في هذا من الضرر ومن إيقاع الفوضى ومن المفاسد التي تعلم عند التأمل.
وهذا القول الثاني هو الصحيح.
-
ثم قال - ﵀ -:
- (٥) وأن يكون مقدورًا على تسليمه.
يشترط في المبيع أن يقدر على تسليمه فإن كان المبيع مما لا يستطيع البائع تسليمه للمشتري فإن العقد باطل. لأن هذه الشروط كما تقدم معنا شروط صحة.
والدليل على هذا الشرط من وجهين:
- الوجه الأول: أن الإمام مسلم أخرج في صحيحه أن النبي - ﷺ -:نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
فهذا حديث ثابت يفيد المنع من الغرر وعدم القدرة على التسليم من أعظم الغرر.
- والوجه الثاني: أن المعجوز عن تسليمه كالمعدوم والمعدوم لا يجوز أن يباع بلا إشكال.
فدل على هذا الشرط النص والاعتبار الصحيح. فهو شرط ثابت لا إشكال فيه وإذا تخلف هذا الشرط عن عقد البيع فهو باطل.
ثم لما قرر الشرط بدأ بالتفصيل:
- فقال - ﵀ -:
- فلا يصح بيع آبق.
المقصود بالآبق هنا: العبد الهارب الذي لا يقدر عليه فهذا هو الآبق.
فالآبق لا يجوز أن يباع ولا يجوز أن يشترى لأمرين:
[ ٣ / ٣٣٩ ]
- الأمر الأول: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن شراء العبد الآبق.
- الأمر الثاني: النهي عن الغرر وتقدم معنا الحديث الذي في مسلم.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يباع العبد الآبق.
- لأنه عين مملوكة فجاز لصاحبها البيع. وهو مذهب ابن حزم.
= القول الثالث: أنه يجوز بيع العبد الآبق على من استطاع أخذه ورده.
واستدل هؤلاء:
- بأن المنع من بيع العبد الآبق إنما هوم للغرر والعجز عن التسليم وهو منتف في حق من يستطيع أن يرده ويأخذه.
وهذا القول الثالث: هو الصواب. أنه يجوز البيع بشرط أن يكون المشتري ممن يقدر على أخذه ورده.
* * مسألة/ فإن اشترى العبد الآبق يظن أنه يستطيع أن يرده أو أن يأخذه ثم لم يستطع وفاته:
= فمن الفقهاء من قال: يبطل العقد من الأصل.
= ومن الفقهاء من قال: بل يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء.
وهذا القول الثاني هو الصحيح. أنه يخير بين الفسخ والإمضاء.
- ثم قال - ﵀ -:
- وشارد.
يعني: ولا يجوز بيع الجمل الشارد.
والخلاف في الجمل الشارد كالخلاف تمامًا في العبد الآبق من حيث التفصيل فإن الأحكام متطابقة تمامًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- وطير في هواء.
أي ولا يجوز للإنسان أن يبيع الطير الذي في الهواء ولو كان الطير ملكًا له ولو اعتاد الطير الرجوع إلى مكانه.
- لأنه معجوز عن تسليمه الآن.
* * فإن قيل / الطير الذي في الهواء المملوك لصاحبه الذي اعتاد الرجوع يشبه تمامًا ملك الإنسان الغائب عنه وملك الإنسان الغائب يجوز أن يباع وأن يشترى.
ـ فالجواب: بل إن بينهما فرق ظاهر: لأن الملك الغائب يرجع بإرادة المالك والطير الذي في الهواء يرجع بإرادة نفسه وليس للمالك أن يجبره على الرجوع متى شاء بل يرجع بإرادة نفسه. فبينهما فرق واضح من هذه الجهة.
= والقول الثاني: أنه يجوز بيع الطير في الهواء إذا كان من الطيور التي تعتاد الرجوع إلى مكانها.
- لأن هذا الطير يقدر على تسليمه وإن تأخر التسليم إلى الرجوع.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
- ولأن الناس اعتادوا على بيع الحمام الطائر ووصفه للمشتري أثناء طيرانه وإتمام الصفقة وقد جرى على هنذا عمل الناس بل إن من الناس من لا يشتري الطير إلا إذا طار ليتأكد من كيفية الطيران المطلوبة عنده أو من صفة في الطير خاصة.
وهذا القول الثاني ظاهر القوة والرجحان وهو أولى بالقبول.
فإذا كان الطير معتاد الرجوع فلا بأس ببيعه ولو كان لا يمكن تسليمه الآن وإنما لاحقًا.
-
ثم قال - ﵀ -:
- وسمك في ماء.
لا يجوز للإنسان أن يبيع السمك المملوك له في الماء.
- لأنه لا يستطيع أن يسلم هذا السمك فهو غير مقدور على التسليم وفي هذا من الجهالة ما يبطل العقد.
= القول الثاني: جواز بيع السمك في الماء. وذكروا للجواز شروطًا: ويغني عن هذه الشروط التي ذكرها الفقهاء والتفصيلات أن نقول بكل بساطة: أن يمكن اصطياده. وباقي الشروط في الحقيقة تطويل من وجهة نظري أنها شروط تطويلية لا فائدة منها لأنها شروط أرادوا منها الاستيثاق من إمكان الاصطياد فنحن نقول: يشترط في السمك إمكانية اصطياده فقط بلا تطويل. فإن أمكن أن يصاد سواء لكونه في بركة كحصورة أو لكونه في بركة يرى منها لشفافية الماء أو لأي سبب من الأسباب فمادام يمكن أن يصاد ومقدور عليه فيجوز أن يباع.
وهذا القول الثاني بهذا الشرط المختصر هو الصواب: أنه إذا أمكن أن يصاد أو يباع فلا حرج في ذلك.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا مغصوب من غير غاصبه.
لا يجوز للإنسان أن يبيع المغصوب. للعلل السابقة وهي: الجهالة بسبب عدم القدرة على التسليم. لأن العين المغصوبة في تصر ف الغاصب وليست في تصرف المغصوب الذي عقد العقد ولهذا عقده باطل. وهذا أمر واضح.
- ثم قال - ﵀ -:
- من غير غاصبه وقادر على أخذه.
أي: لا يجوز بيع المغصوب إلا إذا بيع على الغاصب أو على رجل يأخذ أو يستطيع أخذ العين من الغاصب.
أما الغاصب: فلكون العين في يده. فالتسليم متحقق من قبل العقد.
وأما من استطاع أن يأخذ العين من الغاصب: فلأن الجهالة والغرر منتفية في حقه لكونه يستطيع أن يسترد العين المغصوبة من الغاصب.
وهذا صحيح: أنه يجوز بيع المغصوب من غاصبه أو ممن يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب.
[ ٣ / ٣٤١ ]
* * مسألة/ فإن ظن أنه يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب ثم تبين له أنه لا يستطيع. فالكلام فيها كالكلام في الجمل الشارد والعبد الآبق تمامًا.
الشرط السادس:
- يقول - ﵀ -:
- (٦) وأن يكون معلومًا برؤية أو صفة.
الشرط السادس: العلم بالمبيع.
ولا يمكن العلم بالمبيع إلا من طريقين:
ـ الرؤية.
ـ أو الوصف.
فإن تم العقد بلا علم بالمبيع:
= فذهب عامة أهل العلم: إلى أن العقد باطل.
واستدلوا على ذلك:
- بنهي النبي - ﷺ - عن الغرر. وقالوا الجهل بالمبيع من أعظم الغرر.
= والقول الثاني: أن البيع بلا علم بالمبيع جائز وصحيح. فإذا رأى المشتري السلعة فهو بالخيار إن شاء أتم وأمضى العقد وإن شاء فسخ. وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء واختاره شيخ الإسلام - ﵀ -.
والراجح والله أعلم: أنه لا يصح العقد بدون معرفة المبيع وأن هذا من أوضح صور الغرر التي تدخل في حديث: النهي عن الغرر.
وشيخ الإسلام - ﵀ - نفسه تردد في هذه المسألة: فتارة رجح قول الجمهور وأن العقد باطل وتارة رجح أن العقد صحيح وللمشتري الخيار وتردده - ﵀ - يدل على أن المسألة محل إشكال وتردد ونظر وأنه لم يتثبت في اختياره.
والقول ببطلان العقد هو اختيار ابن قدامة وهو كما قلت واضح بالنسبة لي أنه هو القول الراجح وأنه لا يمكن تصحيح عقد مع الجهل التام بالسلعة فإن هذا غالبًا ما يفضي إلى الشقاق والنزاع وهو أيضًا من الغرر الواضح لأن السلعة أحد أركان عقد البيع فكيف نصحح العقد مع الجهل بالسلعة التي وقع عليها العقد؟ وأنا أتعجب من الذين يصححون هذا العقد.
الجمهور: لا يصححون العقد لكن في الحقيقة: أرى أن في ترجيح القول بصحة العقد مع عدم العلم بالسلعة مطلقًا لا رؤية ولا وصف أنه بعيد عن مقاصد الشرع.
معنى هذا: أني لو قلت لك: عندي شيء. تشتري شيئًا عندي. فينبغي على القول الثاني أنهم يصححون هذا العقد وأي غرر أعظم من أن أقول لك: تشتري شيئًا عندي. ماهو هذا الشيء؟ فإن الإشياء تتراوح من أشياء عظيمة جدًا إلى أشياء بخيسة جدًا.
المهم: رأيي في المسألة: هو رأي الجمهور وأنه هو الصواب وأن رجحانه ظاهر.
- ثم قال - ﵀ -:
[ ٣ / ٣٤٢ ]
- فإن اشترى ما لم يره أو رآه وجهله لم يصح.
المقصود بالرؤية هنا: الرؤية التي يحصل بها معرفة المبيع: - سواء كانت الرؤية مقارنة للعقد. - أو كانت الرؤية سابقة للعقد ولم يتغير المبيع.
إذًا: المقصود بالرؤية هنا: لا أي رؤية. بل الرؤية التي يحصل معها معرفة المبيع.
يحقق هذا التقرير قول المؤلف - ﵀ - هنا: (أو رآه وجهله).
إذا رأى الإنسان المبيع ولكن مع كون المشتري رأى المبيع إلا أنه يجهل المبيع: - إما لأنه رآه عن بعد فلم يتثبت ولم يره على الوجه المطلوب. - أو رآه وهو مستتر بما لا يتمكن معه من التثبت في رؤيته. - أو لأي سبب من الأسباب. إذا رآه وهذه الرؤية لم تفيد المعرفة وإنما بقي يجهل المبيع فإن هذه الرؤية تعتبر لا شيء وكأنه لم ير المبيع.
فالمؤلف - ﵀ - يريد أن يحقق أن الرؤية يجب أن تكون الرؤية التي يحصل بها معرفة المبيع على الوجه المطلوب.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو وصف له بما لا يكفي سلمًا: لم يصح.
ذكرت أن أحد طريقي معرفة المبيع: الوصف.
واعتبار الوصف أحد طريقي معرفة المبيع هو:
= مذهب الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله.
ورجحانه ظاهر بما يغني عن سياق الخلاف بالنسبة للذين لا يرون أن الوصف قائم مقام الرؤية في البيع ومذهبهم ضعيف ونكتفي بالإشارة إلى هذا وأن الصواب أن الوصف يقوم مقام الرؤية إذا كان وصفًا شرعيًا.
والوصف الشرعي هو: الوصف الذي يحصل معه بيان صفات المبيع بما يكفي في عقد السلم، والذي يكفي في عقد السلم - إجمالًا وسيأتينا إن شاء الله التفصيل والذي يعنينا في هذا الباب - هو بيان الصفات التي يختلف بها الثمن.
أن يبين من الصفات أو أن يبلين جميع الصفات التي يختلف فيها الثمن.
فإن وصف المبيع بما لا يجزئ في السلم فالوصف هنا باطل ولم يتحقق شرط معرفة المبيع.
* * مسألة/فإن وصف البائع السلعة للمشتري وصفًا دقيقًا يجزئ في السلم وجاءت السلعة مطابقة للمواصفات:
= فإن الجمهور: يرون أنه ليس للمشتري الخيار ولو أنه اشترى بالوصف بدون الرؤية. بل إذا جاءت السلعة مطابقة للوصف ثبت البيع ولا خيار للمشتري.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
= والقول الثاني: أن المشتري إذا اشترى عن طريق الوصف بلا رؤية فإن له الخيار بعد الرؤية ولو كان الوصف مطابقًا للسلعة. وإلى هذا ذهب الأحناف.
والأقرب للصواب - والله تعالى أعلم - مذهب الجمهور. لأن الغرض من تصحيح البيع بالوصف أن لا يثبت للمشتري الخيار إذا طابقت السلعة الأوصاف. وإذا جعلنا له الخيار فأي فائدة في الوصف.
إذًا نقول يشترط الرؤية ونرجع إلى مسألة: هل يشترط الرؤية أو الوصف؟ المهم نقول: إن شاء الله أن الأقرب أنه إذا رأى السلعة فإنه لا خيار له ما دامت الأوصاف مطابقة لما اتفق عليه في العقد.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يباع حمل في بطن ولبن في ضرع منفردين.
ـ لا يباع حمل في بطن: فإذا قال البائع للمشتري: بعت عليك هذا الحمل الذي في بطن هذه الفرس وعين الفرس وأشار إلى الحمل الموجود في بطن الفرس: فإن البيع باطل: بالإجماع. لعدة أمور:
- الأمر الأول: أن هذا الحمل غير مقدور على تسليمه.
- والأمر الثاني: أن الحمل في البطن مجهول الوصف والحياة فهو مغرق في الجهالة.
- والأمر الثالث: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الملاقيح والمضامين.
والملاقيح: ما في البطون. والمضامين: مافي أصلاب الفحول.
وهذا الحديث فيه ضعف لكن تشهد له النصوص العامة. وتشهد مقاصد الشريعة.
إذًا دل على بطلان بيع الحمل: الإجماع والنص الضعيف والاعتبار الصحيح.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولبن في ضرع.
اللبن في الضرع لا يجوز أن يباع. فإن بيع فالعقد باطل.
والدليل على هذا أيضًا من أوجه:
- الوجه الأول: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيه الصوف على الظهر واللبن في الضرع.
وهذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا ومرسلًا. والصواب من هذه الأوجه أنه صحيح موقوفًا على ابن عباس وثابت وصحيح ثابت مرسلًا عن عكرمة وضعيف مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.
وتقدم معنا مرارًا: أن الحديث المرسل الذي صح إلى قائله وتأيد بفتاوي الصحابة الثابتة وبأصول الشرع أنه يصلح للاحتجاج. فهذا الحديث ينطبق على القاعدة التي تكررت معنا مرارًا: وأن شيخ الإسلام يرى أن الأئمة الأربعة يحتجون بمثل هذه المراسيل.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
- الوجه الثاني: النهي عن الغرر. لأن هذا اللبن الموجود في الضرع مجهول تمامًا: مجهول من حيث الكمية ومجهول من حيث الصفة والجودة. فهو مجهول من أكثر من اعتبار.
- والوجه الثالث: أن اللبن في الضرع يتجدد فيجتمع في الضرع ما وقع عليه العقد وما استجد مما ليسمن ملك المشتري والفصل بين المستجد وما وقع عليه العقد لا يمكن وهذا المعنى يؤكد الجهالة واختلاط المبيع بغيره.
= القول الثاني: أن بيع اللبن في الضرع صحيح وجائز.
- لأن اللبن في الضرع مشاهد ويستطيع أهل الخبرة تقدير ما في الضرع من لبن.
وهذا القول: ساقط جدًا وضعيف.
= القول الثالث: في المسألة - تفصيل وهو:
- أن بيع اللبن في الضرع ينقسم إلى أقسام:
ـ القسم الأول: أن يبيع اللبن المشاهد في الضرع فهذا: لا يجوز. وهو المقصود بالحديث.
ـ القسم الثاني: أن يبيع آصاع معلومة معينة من هذه الشاة. فهذا أيضًا باطل لأنه يشبه بيع الثمر قبل بدو الصلاح.
ـ القسم الثالث: بيع آصاع موصوفة في الذمة مطلقة يشترط أن تكون من هذه الشاة. وهذا النوع الثالث أجازه شيخ الإسلام - ﵀ -.
إذًا: القول الثالث: التفصيل الذي سمعت وهو أن بيع اللبن في الضرع ينقسم إلى هذه الثلاثة أقسام:
- القسم الأول والثاني: لا يجوز ولا يصح.
- والقسم الثالث: قسم منعه الجمهور. وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.
* * مسألة / لا يجوز عند الجمهور استئجار البهيمة لحلبها بأن يستأجر البقرة لمدة خمسة أيام ليحلبها لأن العقد وقع في الحقيقة على اللبن.
= وذهب شيخ الإسلام: إلى أن استئجار الدابة للحلب لمدة معلومة: جائز. بل إنه - ﵀ - صنف مصنفًا مستقلًا خاصًا في هذه المسألة نصرة للقول بالجواز وأنه يتوافق مع أصول الشرع.
-
ثم قال - ﵀ -:
- منفردين.
أي أن تحريم بيع الحمل في حمل الدابة وتحريم بيع اللبن في الضرع: إنما يكون إذا بيعا على سبيل الانفراد والاستقلال.
أما إذا بيعا تبعًا فالعقد صحيح: بالإجماع.
فإذا باع الشاة وفيها لبن: أو وهي حامل: فالعقد صحيح: بالإجماع.
والدليل على صحة هذا العقد:
[ ٣ / ٣٤٥ ]
- أن النبي - ﷺ - صحح بيع المصراة. وسيأتينا الكلام عنها وعن تفصيلها. لكن الذي يعنينا هنا أن المصراة بيعت وفيها لبن ومع ذلك صحح النبي - ﷺ - العقد وجعل للمغرور الخيار.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا مسك في فأرته.
= لا يجوز عند الحنابلة: أن يبيع الإنسان المسك في الفأرة.
وفأرة المسك هي: الوعاء الذي يكون من جلد الغزال فيه المسك.
واستدل الحنابلة على المنع من بيع الفأرة التي فيها المسك:
- بأنه مجهول: لا تعرف كميته ولا جودته.
= والقول الثاني: أن هذا البيع صحيح ونافذ.
- لأن الفأرة بالنسبة للمسك كالوعاء الحافظ فهي تشبه الثمرة المغطاة بالقشرة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح: لأن إخراج المسك من الفأرة قد يؤدي إلى فساده. ولأن فأرة المسك بالفعل هي كالقشر الذي يغطي اللب في الفواكة التي أجمع العلماء جواز الشراء والبيع فيها.
فالأقرب والله أعلم. القول الثاني.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا نوى في تمر.
بيع النوى داخل التمر: لا يجوز. بالإجماع.
- لعظم الجهالة في وصفه. فقد يكون قليلًا أو صغيرًا. وقد يكون كبيرًا وهو مجهولٌ تمامًا. فهو داخل في نهي النبي - ﷺ - عن بيع الغرر. وأمره واضح.
-
ثم قال - ﵀ -:
- وصوف على ظهر.
= الجماهير: يرون تحريم بيع الصوف على الظهر.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأول: ان الصوف على الظهر معجوز على تسليمه.
- والثاني: أن الصوف على الظهر إذا بيع يختلط بما ينبت بعد العقد. وهذا يؤدي إلى جهالة المبيع حيث يختلط ماهو من ملك المشتري الذي وقع عليه العقد وماهو من ملك البائع مما نبت بعد العقد.
= والقول الثاني: أنه يجوز بيع الصوف على الظهر بشرط: الجز في الحال. وأن لا يؤدي إلى إيلام أو إيذاء البهيمة. وهذا القول مال إليه ابن القيم ورجحه صراحة المرداوي.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
والأقرب والله أعلم أنه لا يجوز بيع الصوف على الظهر: لأن الحديث الذي تقدم معنا نص في المسألة فإنه - ﷺ - نهى عن بيع الصوف على الظهر. ولأن إدراك هذا أمره سهل بأن يقال: جز الصوف ثم بعه. لأن جز الصوف لابد أن يتم بعد العقد فليجعل قبل العقد. وإلى هذا: أي إلى المنع: وهو قول الجمهور: ذهب الشيخ الصنعاني - ﵀ - ونصره وهو الصواب إن شاء الله.
- ثم قال - ﵀ -:
- وفجل ونحوه قبل قلعه.
المقصود بنحوه: كل نبات كان المقصود منه مستتر تحت الأرض كالبصل والثوم وأشباه هذه النباتات التي يكون المقصود منها مستتر تحت الأرض.
وعلة المنع: الجهالة. فربما كانت الثمرة المستترة قليلة صغيرة وربما كانت كبيرة وربما أصيبت بمرض وربما لم تصب. فالجهالة موجودة.
= والقول الثاني: أن بيع ما المقصود منه مستتر تحت الأرض جائز وصحيح.
وإلى هذا ذهب ابن القيم وشيخ الإسلام ونصروه نصرًا كثيرًا بأدلة كثيرة من أهمها:
- أن هذه البقولات إذا ألزم المزارع بإخراجها قبل البيع ربما تفسد قبل أن يتم بيعها.
- ثانيًا: أنه ما زال الناس يبيعون هذه الأشياء وهي في باطن الأرض بدون اشتراط للقلع.
والراجح والله أعلم: مذهب الجمهور. وإذا كان العرف في وقت الشيخ أنها تباع في الأرض فالعرف في وقتنا أنها تباع بعد القلع. فهل أحد منكم يعرف أن البصل يباع قبل القلع؟ فإن كل ما أعرفه من العرف الآن أن مثل هذه الأشياء: البصل والثوم والفجل لا يباع إلا بعد القلع. وهو الأكثر.
على كلٍ: الراجح والله أعلم أنه لا يباع إلا بعد القلع ونحن نعرف مشاكل كثيرة وقعت بسبب أن المزارع باع الثمار قبل القلع فتبين أنها مصابة بمرض أو صغيرة أو لا تصلح لسوق معين إلى آخره.
فنقول: مذهب الجمهور في هذه المسألة قوي ووجيه ويؤيده النهي عن بيع الغرر.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة.
ـ الملامسة: هو أن يقول الرجل: أي ثوب لمست فهو لك بكذا. وفسر أبو هريرة - ﵁ - الملامسة بأمر آخر وهو: أن يلمس كل من الرجلين ثوب صاحبه ليتبايعا من غير تدقيق ولا نظر في الثوبين.
وفسر بتفسيرات كثيرة تدور حول هذه المعنى.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ـ والمنابذة: هي أن يقول المشتري للبائع أي ثوب نبذت إلي فهو علي بكذا.
وبيع الملامسة والمنابذة: باطل. بإجماع الفقهاء. لما فيه من الجهالة. ولأن النبي - ﷺ - في صحيح البخاري ومسلم: نهى عن بيع الملامسة والمنابذة.
ولأن هذا البيع في شبه من القمار. فالبائع والمشتري كل منهما إما غارم أو غانم. فإن كان الثوب من الثياب الرفيعة المستوى والثمن قليل صار الكاسب هو المشتري وإن كان العكس فالكاسب هو البائع.
على كل حال هذه علل تقوي الحكم ونحن معنا نص في البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ -: نهى عن هذين البيعين.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا عبد من عبيده ونحوه.
لا يجوز أن يبع الإنسان عبدًا من عبيد بدون تحديد.
وقوله: (ونحوه) كأن يبيع شاة من قطيع. أو نخلة من بستان بلا تحديد.
فهذه البيوع باطلة.
- لأن النبي - ﷺ - نهى عن الغرر.
وهذا الحديث العظيم الذي تستنبط منه جملة من الأحكام ولذلك يقول النووي - ﵀ -: (هو حديث عظيم تقوم عليه جملة من الأحكام الشرعية).
إذًا بيع عين غي محدده لامن جملة أعيان: باطل. للنهي عن الغرر.
وهذا البيع باطل سواء كانت أقيام هذه الأعيان متساوية أو كانت متفاوتة.
فإذا كان عنده في الشبك عشر من الشياه قيمها متساوية تمامًا: فإنه إذا باع عليه شاة من هذا المكان فإن هذا العقد باطل.
وإذا باع عليه عين من بين أعيان فالعقد باطل ولو كان العدد قليلًا. ولو كان لا يوجد في الشبك إلا ثلاثة. فقال: بعت عليك شاة من هذه الثلاث فإن البيع باطل.
والعلة: كما تقدم: الجهالة. فإنه لا تعرف أي واحدة من هذه الأعيان المباعة هي المقصودة بالعقد.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا استثناؤه إلاّ معينًا.
لا يصح بيع مبيع واستثناء شيء منه إلا أن يكون هذا الشيء معينًا. فإن استثنى مجهولًا فالبيع باطل.
فإذا قال: بعت عليك هذا القطيع من الشياه إلا واحدة ولم يبين أي واحدة هي المستثناة فالبيع كله باطل.
فإن قال: بعت عليك هذا القطيع إلا هذه وأشار إليها فالبيع صحيح بالإجماع.
نرجع إلى مسألة: إذا استثنى ولم يبين المستثنى: فالبيع قلنا أنه: باطل.
الدليل:
[ ٣ / ٣٤٨ ]
- أولًا: ما أخرجه أبو داود في سننه: أن النبي - ﷺ -: نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
- وأيضًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ -: نهى عن الثنيا.
ويحمل النهي على ما لم يعلم.
- ثالثًا: أن استثناء المجهول يجعل المبيع والمستثنى كلاهما مجهول. لأن المبيع لا يمكن أن يعرف إلا إذا عرف المستثنى والمستثنى مجهول إذًا لن نعرف لا المبيع ولا المستثنى.
فإذًا استثناء المجهول يصير الصفقة كلها مجهولة.
والقاعدة عند أهل العلم: (أنه لا يجوز استثناء إلا ما يجوز إفراده بالعقد). وتقدم معنا أنه لا يجوز الإفراد بالعقد إلا للمعلوم.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح.
يعني وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح.
إذا استثنى البائع أثناء البيع رأس وأطراف وجلد الشاة المأكولة: صح الاستثناء وصح البيع.
والدليل على ذلك:
- أن هذه المستثنيات معلومة بالمشاهدة (الأذان).
قال شيخنا حفظه الله: نتم هذه المسألة: إذا استثنى البائع جلد ورأس وأطراف المبيع: صح الاستثناء وقلنا أن سبب الصحة هو: أن المبيع معلوم بالمشاهدة. فهذا الاستثناء صحيح.
والدليل على ذلك:
- أن النبي - ﷺ - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهي الآن معلومة.
ثم إذا استثنى هذه الأشياء: الرأس والجلد والأطراف. فإن كان اشترط على المشتري الذبح: فيجب على المشتري أن يذبح وأن يعطي المستثني ما استثناه.
وإن كان البائع لم يشترط على المشتري الذبح: فحينئذ لا يجب على المشتري أن يذبح بل له أن يبقي الشاة حية ولكن يبعطي المستثني قيمة الرأس والأطراف والجلد - قيمة ما استثنى ولا يلزمه أن يذبح.
* * مسألة / - نسيناها بالأمس - تلحق بحكم بيع الكلب: والمسألة هي:
حكم بيع الهر.
= ذهب الجماهير - جمهور أهل العلم: الأئمة الأربعة: إلى أن بيع الهر جائز.
واستدلوا على هذا:
- بأن الهر حيوان طاهر مباح النفع يجوز اقتنائه بلا حاجة، وهذه الأوصاف كلها تدل على جواز البيع.
= والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم ومال إليه ابن مفلح واختاره المرداوي: أن بيع الهر لا يجوز.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
- لما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الكلب والهر.
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث الصحيح الذي في مسلم الصريح في منع البيع: بعدة أجوبة: - الجواب الأول: أن هذا الحديث وإن كان في مسلم فهو ضعيف فإنه ممن ضعفه من الآئمة الترمذي لأنه حكم عليه بالإضطراب في السنن وممن ضعفه من الأئمة ابن عبد البر حيث قال: ولا يثبت مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.
- الجواب الثاني: أن الحديث محمول على الهر الذي لا نفع فيه.
- الجواب الثالث: أن الحديث محمول على الكراهة لا على التحريم.
والراجح في هذه المسألة: ينبني تمامًا على تحقيق الحديث ولم يتسن لي جمع طرق الحديث والنظر فيه ولماذا صححه مسلم ولماذا ضعفه الترمذي. فهذا يحتاج إلى وقت طويل.
لكن إن صح الحديث فلا كلام أن اختيار ابن القيم ورواية عن الإمام أحمد هو الصواب وإن لم يصح الحديث فقول الجمهور واضح القوة تمامًا.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٤)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم الكلام عن بيع مأكول اللحم واستثناء الرأس والجلد والأعضاء والأطراف وأن الصواب: صحة هذا الاستثناء، وانتهينا من هذه المسألة.
وكنا تكلمنا على مسألة: (ولا عبد من عبيد ونحوه). وذكرت ما يتعلق بهذه المسألة وأن بيع عبد من عبيد لا يجوز ولو تساوت القيمة ولو قل العدد، وباقي مسألة من مسائل هذه العبارة وهي من مسائل قوله: (ولا عبد من عبيد ونحوه).
وهي: إذا صار العبيد أو الشياه أو أي شيء مما سبق التمثيل به متساوي القيمة ومتساوي أيضًا من جهة الصفة بحيث تتطابق أوصاف هذه الأشياء التي بيع واحد منها.
ففي هذه الصورة: لا بأس بقوله: (بعت عليك واحدًا من هذه الأشياء). لأن الغرر في هذه الصورة منتف تمامًا.
وغالبًا ما يقع هذا في الجامدات والمصنوعات ونحوها فهي تتطابق في الصفة وتتطابق في القيمة.
[ ٣ / ٣٥١ ]
أما الأشياء الحية من بهائم الأنعام أو العبيد أو ما شابه هذه الأشياء فيكاد يتعذر أن تطابق الأوصاف تمامًا والقيمة، وقد تتطابق القيمة مع اختلاف في الأوصاف وتتطابق القيمة لاعتبارات أخرى لكن الأوصاف تختلف.
فقد تجد مثلًا من الماعز الذكر ما قيمته تساوي الأنثى لاختلاف السن أو لرغبة المشتري بالذكر دون الأنثى: فهنا تطابقت القيمة لكن مع اختلاف بين في الوصف بل إن هذا ذكر والآخر أنثى.
فإذًا: الخلاصة أنه يصعب أن تتطابق الصفات في الأعيان الحية لا سيما بهيمة الأنعام ولكن قد يحصل هذا في المصنوعات والمنتوجات الجامدة وهو كثير.
فمثلًا: السيارات الجديدة اليوم: متطابقة تمامًا. وتختلف في شيء واحد وهو: اللون. فبالنسبة للسيارات التي من طبقة واحدة في الصفة لا تختلف إلا في اللون.
فإذا وجدت سيارة من نفس الموديل جديدة بنفس اللون وبنفس المواصفات: فإنه لا يوجد أي فرق بين السيارتين.
فإذا قال: بعت عليك سيارة مما في المعرض وكل الذي في المعرض من موديل واحد ونوع واحد ولون واحد وصفة واحدة: فهذا على الصواب يجوز وإن كانت عبارة المؤلف - ﵀ - أن هذا البيع لا يجوز لأنه عمم.
لكن كما قلت: هذا يجوز.
إذًا: انتهينا من مسألة استثناء المعين من مسألة استثناء رأس وجلد وأطراف الحيوان المأكول وبقينا في مسألة اليوم:
- قال - ﵀ -:
- وعكسه الشحم.
معنى قوله: (وعكسه الشحم) أي: فلا يجوز أن يستثنى.
والسبب: أن النبي - ﷺ - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
وتقدير الشحم في الحيوان المأكول اللحم لا يمكن أن يضبط.
فإذا قال: بعت عليك هذه الشاة واستثنيت ما فيها من لحم: فالبيع باطل. لأن المستثنى مجهول ولا يمكن معرفة المستثنى منه إلا بمعرفة المستثنى. فالبيع باطل.
إذًا: الشحم يأخذ عكس حكم استثناء الرأس والجلد والأطراف.
* * مسألة / فإن استثنى نوعًا معينًا من الشحم وهو الإلية فقط فإن هذا الاستثناء جائز لأنها مشاهدة معلومة مقدرة وليست مجهولة في داخل الجسم.
فاستثناء هذا النوع من الشحم فقط: جائز ولا حرج فيه فإذا انتفت الجهالة صح العقد.
- ثم قال - ﵀ -:
- والحمل.
يعني ولا يصح أن يستثني الحمل.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
فإذا قال: بعت عليك هذه الشاة وأستثني حملها. فإنه: لا يصح. للجهالة. وما قيل في الشحم يقال في الحمل حيث لا يمكن معرفة صفة هذا الحمل ولا هل هو حي؟ أو ميت؟ فهو مجهول.
=والقول الثاني: أن استثناء الحمل: جائز.
- لأن عبد الله بن عمر - ﵁ - باع أمة واستثنى حملها.
والقول الراجح إن شاء الله: أن استثناء الحمل: لا يجوز. والجواب على أثر ابن عمر: أن لفظه الصحيح: (أنه أعتق جارية واستثنى حملها) ومن المعلوم أن العتق ليس من عقود المعاوضة فلا بأس فيه باستثناء المجهول.
ومما يدل على رجحان مذهب الحنابلة: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحمل منفردًا. وتقدم معنا بالأمس قاعدة وهي أنه: (لا يصح استثناء إلا ما يجوز بيعه منفردًا) وتقدم في نص المؤلف - ﵀ - أنه لا يجوز بيع الحمل منفردًا.
إذًا: هذا مما يؤيد مذهب الحنابلة - ﵏ -.
والشيء الثالث: إن قيل أن استثناء الحمل هو: عبارة عن استبقاء وليس بيعًا جديدًا فلا يأخذ هذه الأحكام إنما هو استبقاء للحمل على ملك البائع.
فالجواب: أن كلمة استبقاء تعني: الاستثناء واختلاف العبارة لا يعني اختلاف المعنى والنبي - ﷺ - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم فالاستبقاء هو استثناء.
فإذًا: إذا اعتبرنه عقدًا جديدًا فهو محرم وإذا اعتبرناه استثنائي واستبقاء فهو أيضًا محرم ولذلك لا أرى ي وجه لتصحيح استثناء الحمل. فهو باطل ومجهول وربما كان الحمل واحد أو اثنان أو ربما كان أنثى أو ذكر أو ربما كان حي أو ميت وربما كان بصحة جيدة أو ربما كان بصحة سيئة وهذه كلها أشياء موغلة في الجهالة وتقدم معنا حكم بيع الحمل وما قيل فيه من نصوص وآثار فهو كذلك ينطبق على هذه المسألة.
فاستثناء الحمل الذي قد يمارسه بعض الناس اليوم في بيع بهيمة الأنعام: لا يجوز. ويجب أن يبطل العقد وأن يقال: إما أن تشتريها بالحمل أو أن تنتظر إلى أن تلد ثم تشتري الشاة حائلًا ليست حاملًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويصح بيع ما مأكوله في جوفه: كرمان وبطيخ.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
بيع ما مأكوله في جوفه: جائز بالإجماع. ولا مجال للخلاف في هذه المسألة بسبب أن إخراج هذا المأكول من جوف القشر إفساد للسلعة. وهل يتصور أحد أن يبيع البيض بلا قشره؟ هل هو ممكن؟. لا يمكن أبدًا.
إذًا: ما مأكوله في جوفه يجوز أن يباع في جوفه بالإجماع لأنه إذا أخرج فسد فلا إشكال في هذه المسألة.
-
ثم قال - ﵀ -:
- وبيع الباقلاء ونحوه في قشره والحب المشتد في سنبله.
يعني: صحيح.
الباقلاء هو: الفول.
فبيع الباقلاء والجوز واللوز والحب داخل السنبل وكل ما شابه هذه الأعيان: جائز وصحيح.
لدليلين:
- الأول: أنه مستتر في قشره الأصلي.
- والثاني: أن هذه الأعيان تقاس على ما مأكوله في جوفه.
- الثالث - وينبغي أن يكون الأول -: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحب حتى يشتد. ومفهوم الحديث أنه إذا اشتد الحب: جاز بيعه ولو في سنبله. فمفهوم الحديث يدل على الجواز.
= والقول الثاني: أن هذه الأشياء لا يجوز أن تباع لا الجوز ولا اللوز ولا الحب في سنبله ولا الفول قبل أن يقشر وكل ما شابه هذه الأمور.
- لأن هذه الأعيان مستتره وهذا الاستتار يؤدي إلى الجهالة والجهالة تمنع من صحة البيع.
وكأن هذا القول نظري ولا أظن أنه عمل بهذا القول من بداية الناس بالبيع والشراء لأننا ما علمنا أن الجوز واللوز يباع بدون قشره.
فيبدو لي أن الجوز واللوز والفستق والفول: ما زال الناس يبيعونه بقشره الأصلي.
فالراجح والذي عليه العمل هو القول الأول ولا أظن القول الثاني كما قلت إلا قول نظري لا يمكن تطبيقه.
- ثم قال - ﵀ -:
- وأن يكون الثمن معلومًا.
يشترط أن يكون الثمن معلومًا:
- من جهة القدر.
- ومن جهة الصفة.
- ومن جهة النوع.
والمقصود بكونه معلومًا: أن يعرف البائع كل ما يتعلق بالثمن.
والدليل:
- أن الثمن أحد طرفي العوض فوجب أن يبين.
ـ وأما كيفية معرفة الثمن: فالتفصيل الذي قيل في معرفة السلعة يأتي معنا هنا تمامًا في معرفة الثمن من حيث الرؤية ومن حيث الوصف وكل ما قيل من مسائل تتعلق بمعرفة المبيع تأتي في معرفة الثمن تمامًا ولا فرق لأن العقد اشتمل على سلعة وثمن فالكلام فيهما واحد.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
ولو أن الفقهاء - ﵏ - جعلوا هذا الشرط شرطًا واحدًا فقالوا: يشترط معرفة السلعة والثمن. كان أوضح. لكن هم - ﵏ - رأوا التفصيل لزيادة التوضيح وللتأكيد على كل شرط بحد ذاته ليعلم أن الثمن لابد أن يعرف والسلعة لابد أن تعرف.
إذًا: لا نحتاج إلى إعادة الكلام فيما يتعلق بكيفية معرفة الثمن لأنه يكون بالرؤية والوصف على ما تقدم.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن باعه برقمه.
المرقوم هو: المكتوب.
يعني: فإن باع السلعة بثمنها المكتوب عليها. ومقصود الفقهاء: يعني وجهلاه.
أما الثمن المكتوب عليه والذي قرأ وعرف فهذا غير داخل في مسألتنا.
إذًا: هم يريدون المرقوم الذي جهله البائع والمشتري. فهذا لا يجوز العقد عليه: لأن الثمن مجهول. ومعرفة الثمن شرط لصحة العقد.
صورة المسألة: أن يقول زيد لعمرو: بعت عليك هذه السيارة فيقول: عمرو بكم؟ فيقول: بالسعر المكتوب عليها وهو لا يعرف السعر المكتوب عليها. بأن تكون السيارة غائبة أو بعيدة أو مستترة.
فهذه الصورة لا تجوز.
= القول الثاني: أن بيع الشيء بسعره المرقوم عليه جائز.
- لأنه إن لم يعرف الآن عرف إذا رأي الرقم.
وإلى ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد.
والأقرب والله أعلم: المنع. لأنه تقدم معنا مرارًا أنه لابد من معرفة السعر ومعرفة المبيع في الحال لا في المآل لأن الشقاق إنما يحصل عند المعرفة بعد مجلس العقد.
فلابد قبل أن يتم العقد أن يعرف الثمن ولا نكتفي بقوله: بسعرها المكتوب عليها. بل إني أقول: أنه غالبًا لا يقول البائع مثل هذا اللفظ يعني: ولا يصرح بالسعر إلا ويريد إخفاء شيء على المشتري وإلا لو كان الأمر على ظاهره لقال: بكذا ولم يقل: بالمكتوب عليه.
وعلى كل حال: الأمر سهل ومذهب الحنابلة أوضح. نقول: إذا أردت أن تبيع فصرح بالثمن ولا تقول بالمكتوب ولو كان المكتوب سيتضح عند الوصول إلى السيارة أو إلى السلعة أيًا كانت فنقول: صرح بالمكتوب بسعره في مجلس العقد ليدخل البائع على بينة وليكون أيضًا المشتري على بينة.
فالصواب إن شاء الله مع الحنابلة وأنه لا يجوز البيع بالرقم إلا أن يعلم للمشتري والبائع.
وغالبًا سيكون معلومًا للبائع والجاهل هو المشتري.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وقد يحصل أن البائع والمشتري يجهلان وذلك بأن يضع السعر على السلعة من وقت طويل ثم لا يذكر كم السعر الآن فيقول: مثلًا: بعت هذه السلعة عليك بالسعر المكتوب ولا أذكر الآن كم وضعنا سعر هذه السلعة لكن ننظر إذا وصلنا إلى السلعة.
فعلى كل حال: إن كان السعر مجهولًا للبائع أو المشتري أو لأحدهما فإنه لا يجوز.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو بألف درهم ذهبًا وفضة.
يعني: لا يجوز أن يكون الثمن ألف درهم: بعضه ذهب وبعضه فضة ولم يبين البائع مقدار الذهب ومقدار الفضة.
وعلة المنع: أن مقدار الذهب والفضة من مجموع القيمة مجهول، والجهالة تمنع صحة البيع.
= القول الثاني: أنه إذا قال: بعت عليك هذه السلعة بألف درهم ذهبًا وفضة فإن الثمن يكون مناصفة: نصفها ذهب ونصفها فضة.
- لأن الإطلاق هذا يفهم منه المناصفة.
= والقول الثالث: أنه إذا قال: بعت عليك بألف درهم ذهبًا وفضة: صح مطلقًا. علمنا مقدار الذهب والفضة من مجموع الثمن أو لم نعلم.
واستدل هذا القائل:
- بأن السعر الآن معلوم وهو: ألف درهم. فحيثما سدد المشتري ألف درهم: جاز. مهما سدد فالسعر في الأخير معلوم سواء سدد بثلاثة أرباعه فضة وربعه ذهب أو بالعكس أو بالمناصفة ففي الأخير والمآل سيكون الثمن: ألف درهم. فإذًا العقد جائز.
وهذا القول: وجيه جدًا وصحيح وراجح. بشرط: أن لا يكون للناس نظرة وتفريق بين الذهب والفضة. فإذا كان للناس رغبة زائدة في الدنانير أو رغبة زائدة في الدراهم في وقت من الأوقات أو في ملابسات معينة فإنه يجب وجوبًا أن يبين مقدار الدراهم ومقدار الدنانير. يعني: مقدار الذهب ومقدار الفضة، فهذا يجب وجوبًا.
وأما في وقتنا هذا الآن فيتعين البيان فلو قال: بعت عليك بألف ريال دنانير وأريل. فالبيع لا يجوز لأن الدينار الآن عملة موجودة في بلد وفي بلد آخر وفي ثالث. فهو مسمى لعملة في أكثر من بلد والدينار في البلد الفلاني يختلف تمامًا قوة ومقدارًا وقوة في الشراء عن الدينار في البلد الآخر.
فإذًا: نقول في وقتنا هذا لا يصلح أن يقول: بعت عليك بألف ريال ونقول الألف ريال معروفة ولكن تحضر قيمة الألف ريال بعضها من الأريل وبعضها من الدنانير.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
كذلك لا يصلح أن يقول: بعت عليك بألف ريال: أريل ودولارات مثلًا. فهذا لا يصلح لأن الناس يفرقون اليوم بين الدولار ويرون أن له قيمة أكثر مثلًا من معادلة من بعض العملات الأخرى ولو كانت تعادله في القيمة إلا أنهم يرغبون في الدولار أكثر لرواجه وقوته ولأنه يباع في أي سوق أو لأي سبب آخر.
الخلاصة: أنه إذا جمع بين نوعين من النقد فيشترط لصحة العقد أن لا يكون عند الناس عرف ورغبة في أحد النوعين أكثر من الآخر فحينئذ لابد من البيان وإلا إذا لم يكن هذا واقعًا بين الناس فإن القول الثالث الذي يقول: أن الألف درهم معروفة كيفما سددت هذه الألف: جاز. فهذا قول وجيه وهو من حيث المعنى قوي.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو بما ينقطع به السعر.
إذا باع عليه بما ينقطع به السعر. أي: بالمبلغ الذي يقف عليه السعر بلا زيادة فإنه جائز.
لكن في الحقيقة بعد التأمل والنظر وجدنا أنه فيه اختلاف في تعريف ما ينقطع به السعر.
ـ فالمعنى المتبادر: أن البيع يكون بما ينقطع عليه السعر أثناء البيع مزايدة. فيقول: بع هذا مزايدة وما ينقطع عليه السعر فهو لي بكذا.
هذه الصورة هي المتبادرة للذهن وكثير من الشراح يفرع على هذه الصورة.
ـ الصورة الثانية: أن يقول الرجل لبائع السلع قبل أن يبدأ بالبيع: اشتريت منك هذه السلعة بمثل ما تبيع به نظيرها. وهذا يكون غالبًا في افتتاح السوق قبل أن يبدأ بالبيع ولا يدري بكم سيبيع فهنا لا يوجد حراج ولا مزايدة لكن لا يدري هو بكم سيبيع فيقول: أنا شتري منك بما ينقطع به السعر كيفما بعت هذه السلعة فأنا أريد التي نشبهها بنفس الثمن.
ـ الصورة الثالث: وهي الصورة التي: ذكرها ابن القيم وشيخ الإسلام أن يأخذ الإنسان من البقال تباعًا كل مثلًا - كيلو بكذا. والذي ينقطع به السعر هو في النهاية عند المحاسبة.
هذه ثلاث صور: تختلف تمامًا في الحقيقة إذا تأملت ذلك.
- فالصورة الأولى: وهو البيع مزايدة: الأقرب أنه لا يصح. إذ ربما يرتفع الثمن بسبب ملابسات المزايدة ارتفاعًا لا يرضاه المشتري مطلقًا ثم يحصل بعد ذلك الشقاق والنزاع بقوله: ما كنت أظن أن يبلغ السعر هذا المبلغ.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
- والصورة الثانية: الأقرب فيها الصحة. لأن السعر سيكون متصورًا ومعروفًا ومحدودًا بين سعرين متقاربين وليس هناك مزايدة تخرج عن الظن أحيانًا وإنما تحديد متقارب بين سعرين متقاربين فهذا لا إشكال فيه وغالبًا ما يقع في السلع اليسيرة الرخيصة.
- الصورة الثالثة: هذه الصورة لا بأس بها. بل إن شيخ الإسلام وابن القيم يزعمون أن هذه الصورة بالناس إليها ضرورة ون أكثر معاش الناس لعله في زمنهم يكون على وفق هذه الصورة ولا يمكن أن يمنع الشارع صورة الناس بحاجة إليها حاجة ماسة أو ضرورة.
وعلى كل حال: سواء كانت حاجة الناس لمثل هذه الصورة ماسة أو ليست بماسة ضرورية أو ليست بضرورية فهي جائزة ولا محظور فيها.
وبهذا كمل صور البيع بما ينقطع عليه السعر.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو بما باع زيد وجهلاه أو أحدهما: لم يصح.
إذا قال: بعت عليك بما باع به زيد: فإنه لا يصح.
- لأن ما باع به زيد: مجهول، وجهالة السعر تبطل العقد.
= والقول الثاني: أنه إذا باع بما باع به زيد: فهو صحيح وجائز.
- لأن الناس غالبًا لا يستعملون هذه الصيغة إلا بتعليق السعر على رجل له خبرة بأسعار مثل هذه السلع.
- ولأن عمل الناس فيما يجهلون من أسعار السلع يكون غالبًا كذلك. فيقول: أبيع عليك بمثل ما باع فلان سيارته أو بيته أو غلته أو ثماره .. إلى أخره.
والأقرب والله أعلم أنه لا يجوز كما قال الحنابلة. لأن حاجة الناس في مثل هذه الصور تندفع بأن يعرف ما باع به زيد ثم يتم العقد ولا حرج في ذلك. إما بأن يعده أن لا يبيع السلعة أو بأخذ عربون أما إتمام الصفقة تمامًا والعقد وإنهاء الأمر على أساس أن سعر السلعة هو بمثل ما باع به زيد. فهذه جهالة واضحة جدًا لأن السعر مجهول تمامًا إلى أن يبيع زيد فإن باع زيد ربما رضي المشتري أو البائع بما باع به زيد وربما سخط ما باع به زيد ثم وقع بينهما الشقاق والنزاع.
وهذه الصورة ما تمس الحاجة إليها ولا يوجد معنى لتصحيحها. يعني: لا يوجد مقصد شرعي يجعل الفقيه يصحح مثل هذه الصورة لأن الحاجة تندفع كما قلت لكم بأن يؤجل إتمام الصفقة إلى ما بعد معرفة السعر الذي باع به زيد.
-
ثم قال - ﵀ -:
[ ٣ / ٣٥٨ ]
- وإن باع ثوبًا أو صبرة أو قطيعًا كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح.
يعني: نلاحظ أن المؤلف - ﵀ - يأتي بصور ممنوعة ثم يأتي بصور جائزة ثم يرجع للصورة الممنوعة ثم يتكلم عن الصور الجائزة.
فبدأ: ولا يصح بيع الملابسة والمنابذة.
ثم: ويصح ما مأكوله في جوفه. إذًا انتقل إلى العيان التي تصح.
ثم رجع فقال: فإنه باعه برقمه إلى آخره. قال: لم يصح.
ثم رجع مرة أخرى وقال: وإن باع ثوبًا أو صبرة صح.
فهذا في الحقيقة يخالف الترتيب المنطقي والمتبادر للذهن أن يجعل العقود الصحيحة جملة واحدة ثم يجعل العقود الغير الصحيحة جملة واحدة لكن المؤلف - ﵀ - إنما فرق هذا التفريق ليبين المسائل المتشابهة التي بعضها يصح وبعضها لا يصح.
فيجعل المسائل المتشابهة جميعًا في مكان واحد التي تصح والتي لا تصح.
فمثلًا: يبين مسائل الثنيا في مكان واحد فيذكر ما يصح من الثنيا وما يحرم من الثنيا ثم ينتقل لمسائل المستتر فيبين ما يصح وما لا يصح ثم الآن انتقل إلى مسائل بيع الصبرة غير معروفة العدد وسيبين ما يصح وما لا يصح وهو بدأ الآن بالأشياء التي تصح:
- فيقول - ﵀ -:
- وإن باع ثوبًا أو صبرة أو قطيعًا كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح.
= ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يجوز أن يبيع الإنسان الثوب: كل ذراع بكذا والصبرة كل قفيز بكذا والقطيع كل شاة بكذا. ولو جهل مقدار الصبرة ومقدار الثوب وعدد الشياه.
واستدلوا على هذا:
- بأن الصبرة مشاهدة معلومة والقطيع مشاهد معلوم فهو تحت نظر المشتري. وما الثمن فهو يعلم بمعرفة عدد الأذرع والأقفزة وعدد الشياه، فصار كل من المبيع السلعة والثمن معلومًا معروفًا وليس بمجهول.
ولذلك ذهب الجمهور إلى تصحيح هذا العقد.
وهذا صحيح فإذا قال: بعت عليك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم فلا إشكال لأنه لن يسلم الدراهم إلا بعد معرفة كم قفيز في هذه الصبرة.
فإذًا تم معرفة الثمن بمعرفة عدد الأقفزة في هذه الصبرة ولا إشكال إن شاء الله في هذه المسألة.
ثم انتقل المؤلف إلى ما لا يجوز:
- فقال - ﵀ -:
- وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح.
إذا باع الصبرة كل قفيز بدرهم: صح.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
وإذا باع من الصبرة كل قفيز بدرهم: لم يصح.
لماذا؟
لأن من هذه للتبعيض وهو يقول: كل قفيز من هذه الصبرة بدرهم ونحن لا نعلم هذا المبعض ما مقداره. فهذا وجه الجهالة الذي أبطل العقد لأن هذا المستثنى والمبعض غير معلوم.
فإذا قال البائع للمشتري: هذه صبرة طعام لك منها: كأنه قال: لك بعضها كل قفيز بدرهم. كم المبيع الآن؟ لا يمكن أن يعلم. لماذا؟
لأنه ليست هذه الصبرة المشاهدة كلها مبيعة وإلا لدخلت في المسألة الأولى ولكن بعض هذه الصبرة هو المبيع وهذا البعض مجهول.
= والقول الثاني: أن هذا البيع صحيح وجائز.
- لأن قيمة كل جزء من هذه الصبرة معلوم وبقدر ما يأخذ من الأجزاء ينعقد البيع. والقفيز معلوم. فالمشتري يأخذ من هذه كل قفيز بدرهم فالآن سعر القفيز معلوم وهو الدرهم والكمية معلومة وهي أنه: كل قفيز قل أو كثر.
والذي يظهر والله أعلم: أن هذا صحيح وأن القول الثاني أقوى. لأن الجهالة غير موجودة الآن. فإن كلًا من العوض والمعوض معلوم ويتبين بمجرد الاستلام يعني بمجرد الوزن.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو بمائة درهم إلاّ دينارًا وعكسه.
إذا قال: بعت عليك بمائة دينار إلا درهم. فإن العقد باطل.
أو قال: بعت عليك بمائة درهم إلا دينارًا: فإن العقد باطل.
لأن قيمة الدينار مجهولة واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولًا. لأنه كما تقدم لا يمكن أن يعلم المستثنى منه إلا بمعرفة المستثنى والمستثنى مجهول فصار كل من المستثنى والمستثنى منه مجهول.
=والقول الثاني: أن البيع صحيح ويخصم من المائة درهم قيمة الدينار الواحد وقيمة الدينار ليست بمجهولة بل هي معلومة لغالب الناس وإذا كان المستثنى معلوم صار الثمن كله معلوم.
فإذا باع عليه مائة درهم إلا دينارًا وقيمة الدينار عشرة دراهم فالثمن: تسعين. إذًا ليس بمجهول.
والقول الثاني: هو الصواب. ولا شك أن طالب العلم إذا قرأ القول الثاني وتعليل القول الثاني علم أنه إذا قال: بعت عليك بمائة ريال إلا دولار وأنت ما تعرف قيمة الدولار فإن هذا العقد باطل حتى على القول الثاني.
لأن هذا معلوم من التعليل فإذًا إذا كانت العملة المستثناة مجهولة المقدار للبائع أو المشتري فإن الثمن مجهول والعقد باطل.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
فإذًا طالب العلم ما يأخذ الأقوال جامدة وإنما يأخذ القول ويعلم متى يخرج من هذا القول إذا لم تتحقق فيه الشروط.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو.
هذه زائدة أيضًا تشطب لأنها ليست في النسخ.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا: لم يصح.
في هذا الموضع من أصل المتن وهو المقنع قال ابن قدامة - ﵀ -: (فصل في تفريق الصفقة) فإذًا المؤلف - ﵀ - الآن بدأ في مسائل تفريق الصفقة وكأن الماتن - ﵀ - ما أراد أن يكثر من الفصول فلم يعقد لهذه المسائل فصلًا خاصًا لكنه في المقنع فصل.
فإذًا بدأ المؤلف - ﵀ - بالكلام عن مسائل تفريق الصفقة.
والعقد الذي فيه تفريق الصفقة تعريفه هو: بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه بعقد واحد بثمن واحد.
فإذا باع على هذه الصفة فهي من مسائل تفريق الصفقة.
فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة وهذه السيارة بمائة ألف فليست من مسائل تفريق الصفقة لأنه لم يجمع بين ما يجوز وبين ما لا وإنما جمع بين ما يجوز وما يجوز.
ومسائل تفريق الصفقة لها ثلاث صور: بدأ بالصورة الأولى:
-
بقوله - ﵀ -:
- أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا: لم يصح.
إذا جمع في الصفقة الواحدة بالسعر الواحد بين: معلوم ومجهول. فالعقد: باطل.
مثاله: أن يقول: بعت عليك هذه السيارة التي تراها أمامك وسيارة أخرى. سعر السيارتين: مائة ألف. والسيارة الأخرى مجهولة تمامًا.
= فعند الحنابلة: هذا العقد لا يصح.
تعليل البطلان:
- أنه في مثل هذه الصورة لا يمكن تقسيط الثمن على السلعتين لأن تقسيط الثمن يشترط له معرفة قيمة السلعة المجهولة لإمكانية التقسيط فإذا جهلت قيمة السلعة المجهولة لم يمكن مع ذلك التقسيط. فبطل العقد لأن الثمن مجهول.
وهذا صحيح بلا إشكال.
إذًا: تعليل المنع: أن تقسيط الثمن على السلعتين لا يمكن إلا بمعرفة قيمة السلعة المجهولة. وإذا لم يعرف الإنسان قيمة السلعة المجهولة لم يمكن تقسيط الثمن وإذا لم يمكن تقسيط الثمن صار مجهولًا والثمن المجهول يبطل العقد.
فهذا الحكم صحيح وثابت والجهالة بهذه الكيفية تؤدي إلى إفساد البيع.
[ ٣ / ٣٦١ ]
والمثال المشهور الذي يذكره الفقهاء أن يقول: بعت عليك هذه الشاة وما في بطن الأخرى. فالشاة هذه معلومة لكن ما في بطن الأخرى مجهول الثمن والصفة والكيفية والحياة والممات كما تقدم معنا.
ويستثنى من هذه الصورة الأولى:
ما ذكره المؤلف - ﵀ - بقوله:
فإن لم يتعذر: صح في المعلوم بقسطه.
يستثنى في هذه المسألة: صورتين:
- الصورة الأولى: إذا حدد قيمة كل من السلعتين. فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة والسيارة الأخرى بمائة ألف. قيمة هذه السيارة سبعين وقيمة تلك ثلاثين.
إذًا بين سعر كل واحدة من السلعتين وإن كان الثمن واحد والعقد واحد. ففي هذه الصورة يصح العقد.
- الصورة الثانية: أن لا يتعذر علم المجهول بأن قال: بعت عليك هذه السيارة المشاهدة المعلومة وسيارة أخرى مجهولة ثم أمكن معرفة هذه المجهولة فالبيع: صحيح. لأنه ما دام أمكن معرفة السيارة المجهولة فيمكن تبعًا لذلك أن نعرف سعر السيارة المجهولة ثم ننسب القيمة إلى مجموع قيمة السيارتين.
فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة والسيارة الأخرى وعلمنا صفة السيارة التي كانت مجهولة ثم تبين أن قيمة السيارة المعلومة مائة وقيمة السيارة المجهولة خمسين صار مجموع القيمتين: مائة وخمسين. فإذا نسبنا قيمة المعلومة إلى المجهولة تبين أنه بنسبة الثلثين إلى الثلث.
فتبين الآن أن قيمة السيارة المعلومة هي: سبعين ألف.
إذًا أمكن التقسيط: وقاعدة الفقهاء أنه متى أمكن التقسيط في تفريق الصفقة: صحت. صحت فيما يصح وبطلت فيما يبطل.
فإن قلت: أنه ما دام علمت السيارة المجهولة فلماذا نبطل العقد؟
فالجواب: أن العقد تم ووقع والسيارة مجهولة. فالعقد حين تم هو باطل في هذه السيارة المجهولة صحيح في السيارة المعلومة. وإنما صححنا العقد في المعلومة بعد أن علمنا قيمة المجهولة.
إذًا هذه هي الصورة الأولى من مسائل تفريق الصفقة وعلمنا متى تصح ومتى تبطل وأن الأصل أنها باطلة إلا في صورتين.
ثم بدأ بالصورة الثانية:
- فقال - ﵀ -:
- وإن باع مشاعًا بينه وبين غيره كعبد، أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء: صح في نصيبه بقسطه.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
إذا باع مشتركًا بينه وبين غيره: يعني ولم يستأذن هذا الغير. أو باع مشاعًا لكن معلوم المقدار بأن كانت هذه الصبرة مشتركة بين زيد وعمرو لكن من المعلوم أن نصفها لزيد ونصفها لعمرو.
فالعقد صحيح. لأنه يمكن تقسيط الثمن بوضوح وسهولة.
فإذًا لا جهالة في الثمن ثم إذا قسط الثمن صح في نصيبه وبطل العقد في نصيب شريكه.
فإذا قال: بعت عليك هذه الصبرة بمائة ريال ومن المعلوم أن نصفها له ونصفها لشريكه فصار نصف الصبرة صح العقد فيها بخمسين ريال والنصف الآخر الذي للشريك بطل فيه العقد وإنما صحح العقد في هذه الصورة لأنه يمكن تقسيط الثمن.
والقاعدة كما تقدم: أنه متى أمكن تقسيط الثمن في تفريق الصفقة فإنه يصحح فيما صح ويبطل فيما ما بطل.
ثم بدأ بالصورة الثالثة:
- فقال - ﵀ -:
- وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبدًا وحرًا، أو خلًا وخمرًا صفقة واحدة: صح في عبده وفي الخل بقسطه.
ما هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة؟ إذا باع عبدًا مشتركًا بينه وبين آخر أو باع عبده وعبد غيره؟
الفرق: أنه في الصورة الأولى: الملك مشترك. وفي الصورة الثانية: الملك منفرد. لا اشتراك.
فهذا هو الفرق فقط بين الصورتين.
فإذًا في الصورة الأولى: مشاع ومشترك وفي الصورة الثانية منفرد.
فإذا باع عبده وعبد غيره. أو عبدًا وحرًا أو خلًا وخمرًا صفقة واحدة: صح ىفيما يصح فيه وهو العبد والخل وبطل فيما يبطل فيه وهو العبد ملك للغير والخمر.
= هذا هو مذهب الحنابلة. أن هذا العقد صحيح.
تعليل الحنابلة:
- أن لكل من أجزاء العقد قيمة تخصه معلومة فصح العقد في ما يملك الإنسان لاستيفاء شروط البيع وبطل في الآخر لعدم استيفاء شروط البيع.
ففي عبد غيره سقط شرط: الملك. وفي الخمر سقط شرط: المالية التي تقدمت معنا.
إذًا هذا هو مذهب الحنابلة: الصحة والتعليل هو ما سمعت.
= والقول الثاني: أنه إذا باع عبده وعبد غيره فالعقد: باطل.
- لأنه جمع في عقد واحد بين الحلال والحرام فنغلب جانب الحرام.
«الأذان».
نتم الفصل.
إذًا ذكرنا القول الثاني: وهو: أن العقد لا يصح لأنه جمع بين الحلال والحرام فغلب الحرام.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
= والقول الثالث: أن العقد صحيح ما لم يكن طرفي الصفقة محرم بالنص أو الإجماع.
ـ فإذا باع عليه خلًا وخمرًا فإن العقد: باطل.
ـ وإذا باع حرًا وعبدًا فإن العقد: صحيح.
- لأن الخمر يحرم بيعه بانص والإجماع.
والصواب مذهب الحنابلة وهو أنه يجوز تفريق الصفقة في هذا العقد ويقسط الثمن.
ـ فإذا باع حرًا وعبدًا: نقدر الحر عبد وننظر كم قيمته لو كان عبدًا ثم نقسط الثمن على وفق ذلك كما تقدم معنا.
ـ وفي مسألة الخمر: نقدر الخمر خلًا ثم نقسط القيمة على وفق ذلك.
وقال بعض الفقهاء: بل ننظر إلى قيمة الخمر عند أهل الكتاب ونقسط الثمن على وفق قيمة الخمر عند أهل الكتاب.
وهذا القول ضعيف جدًا فإن الخمر لا قيمة له شرعًا ولا ينظر لقيمه عند مستحليه بل المتعين إن شاء الله أنا ننظر إلى الخمر كأنه خل ونقيمه على هذا الأساس ونقسط القيمة حسب قيمة هذا الخمر لو كان خلًا.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٥)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا من الكلام عن مسائل تفريق الصفقة وصور تفريق الصفقة وحكم كل صورة، وبقي علينا مسألة أخيرة وهي:
- قول المؤلف - ﵀ -:
- وللمشتري الخيار: إن جهل الحال.
للمشتري الخيار إذا جهل أنها فرقت عليه الصفقة. وهذا الحكم راجع للصور التي يصح في تفريق الصفقة، وأما الصور التي لا يصح فيها تفريق الصفقة فهي باطلة ليس لأحد منهم الخيار.
وثبت الخيار للمشتري: لأنه فرقت عليه الصفقة.
وغالبًا ما يشتري الإنسان بصفقة واحدة وله قصد في السلعتين، وأمثلة هذا كثيرة جدًا. مثاله: إذا قال: بعت عليك عبدي والعبد الآخر والآخر ليس ملكًا له، وأحدهما بناء والآخر نجار، وعمل أحدهما لا يتم إلا بالآخر، فهنا: إذا فرقنا على المشتري الصفقة تضرر ودخل عليه النقص فنقول: له الخيار إن شاء أمضاه فيما يصح من الصفقة وإن شاء رد العقد جملة.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
* * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - ﵀ - أن البائع لا خيار له وإنما الخيار فقط للمشتري:
= وهذا مذهب الجمهور. أنه لا خيار للبائع: - لأنه دخل على علم.
= والقول الثاني: أنه يثبت الخيار أيضًا للبائع. وهذا اختيار شيخ الإسلام - ﵀ -.
والصحيح إن شاء الله: أنه لا يثبت للبائع الخيار إلا إذا ظن أن العقد صحيح، بأن جهل أنه لا يجوز أن يبيع على هذه الكيفية فحينئذ يثبت له الخيار.
أما إن باع على علم ومعرفة فإنه لا يثبت له الخيار، بل ينبغي أن يؤدب إذا يعلم أن مثل هذا البيع لا يجوز ولا ينعقد ثم باع بيعًا يعلم أنه لا ينعقد فإنه ينبغي أن يؤدب فضلًا عن أن يعطى الخيار.
فصل
[فيما نهي عنه من البيوع ونحوها]
- ثم قال - ﵀:
- فصل.
أراد المؤلف - ﵀ - أن يبين في هذا الفصل جملة من البيوع التي لا تصح، وهذه البيوع التي لا تصح مختلفة المآخذ:
- فبعضها مأخذه الربا.
- وبعضها مأخذه تعطيل الواجبات.
- وبعضها له مأخذ آخر.
المهم: أن الفصل معقود لبيان جملة من البيوع المنهي عنها.
- قال - ﵀ -:
- ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، ويصح النكاح وسائر العقود. ولا يصح بيع عصير إلى آخره؟
القاعدة العامة لهذه البيوع: - البيع الأول والثاني:
«أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو إلى ترك واجب: صار محرمًا».
إذًا قاعدة هذه المسائل: وهي المسألة الأولى والثانية: «أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو أفضى إلى ترك واجب فإنه يكون بذلك محرمًا». وهذه القاعدة: يمكن أن تدرج تحتها جملة كبيرة من المسائل التي تختلف باختلاف الناس وباختلاف العادات.
إذًا: نأخذ المسألة وهي كما قلت: إنما ذكرت وخصها المؤلف - ﵀ - لسببين:
- السبب الأول: أن فيها نصًا من كتاب الله.
- والسبب الثاني: أن تكون كالتمثيل للقاعدة المذكورة.
- قوله - ﵀ -:
- ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني.
البيع بعد النداء الثاني: والمقصود بالنداء الثاني هنا: النداء الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر فالبيع بعد هذا النداء: محرم. والعاقدان آثمان.
والدليل على ذلك:
[ ٣ / ٣٦٦ ]
- قوله ﷾: - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ..) -[الجمعة/٩]. فالآية صريحة ونص في مسألة ترك البيع.
* * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف - ﵀ -: (ولا يصح البيع) أن الشراء جائز كما يقوله بعض الشراح.
والصواب: أن هذا ليس بظاهر لكلام المؤلف - ﵀ - وليس بمقصود. لماذا؟ لأنه جرى العرف أنه إذا أطلق البيع دخل فيه الشراء. ولأنه تقدم معنا في أول كتاب البيع أن البيع من الأضداد الذي يطلق على البيع والشراء. فمن التكلف أن نقول: أن اقتصار المؤلف - ﵀ - على البيع تقصير. وهذا ذكره عدد من الشراح وأشار إليه أيضًا الشيخ منصور في الروض باعتبار أنه كأنه يستدرك ويقول: (والشراء).
على كل حال أريد أن أقول: أنه لا يستدرك على المؤلف - ﵀ - مثل هذا لوضوحه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ممن تلزمه الجمعة إلى آخره.
ظاهر كلام المؤلف - ﵀ -: أن التحريم يختص بالذين تلزمهم الجمعة. أما الذين لا تلزمهم الجمعة كالنساء والصبيان والمرضى ومن لا يسمع النداء وكل من لا تلزمه الجمعة أنه لا يحرم في حقهم عقد البيع.
والدليل على ذلك:
- أن الله تعالى إنما منع من عقد البيع من أوجب عليه السعي وهؤلاء لا يجب عليهم السعي فلا يحرم عليهم البيع.
- ولأن الله تعالى إنما حرم البيع لأن لا ينشغل به الإنسان عن الصلاة وسماع الخطبة وهؤلاء لا حرج في انشغالهم لأنه لا تجب عليهم أصلًا.
* * مسألة/ يستوي في هذا الحكم مع من تلزمه الجمعة من يجب عليه السعي قبل سماع النداء لإدراك الخطبة، فإذا قدرنا أن زيدًا من الناس يحتاج ليصل إلى المسجد ويسمع الخطبة إلى مدة نصف ساعة من مكانه الذي هو فيه.
فمن نصف ساعة قبل الآذان لا يجوز له أن يبيع ولا أن يشتري، وهذا المعنى أخذ من روح النص ومفهومه، لأن الله إنما نهى عن البيع لنسعى إلى سماع الخطبة، فإذا جلس الإنسان يشتري ويبيع وهو يحتاج ليصل إلى المسجد إلى نصف ساعة وجلس إلى ما قبل ربع ساعة فهذا قطعًا سيضيع الحكمة التي من أجلها نهى الله عن البيع.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
إذًا: هذه الصورة داخلة في المعنى المقصود من النهي ولا يجوز - بناء عليه - أن يعقد البيع.
* * مسألة/ إذا كان أحد العاقدين ممن تلزمه الجمعة والآخر لا تلزمه الجمعة.
فهذه الصورة فيها خلاف بين العلماء - ﵏ -:
= منهم من قال: أن هذا العقد يحرم على من تلزمه الجمعة، ويكره فقط على من لا تلزمه الجمعة، فإذا قدرنا أن امرأة تملك أرضًا وعقدت البيع مع رجل تلزمه الجمعة فإنه يحرم على الرجل أن يعقد البيع، وأما بالنسبة للمرأة: فيكره فقط.
= والقول الثاني: أنه يحرم عقد مثل هذا البيع: - على من تلزمه. - وعلى الطرف الآخر الذي لا تلزمه. فالجميع وقع في المحرم.
- لقوله تعالى: - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ..) -[المائدة/٢].
وهذا القول الثاني: هو الصواب إن شاء الله، لأنه كيف نسوغ لمن لا تلزمه الجمعة أن يكون سببًا في ضياع الجمعة على من تلزمه، إذًا: الصواب أنه محرم على الطرفين.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويصح النكاح وسائر العقود.
أي: أن المحرم فقط هو عقد البيع، أما ما عداه من العقود فإنها لا تحرم.
واستدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن الله تعالى نص على البيع. - (وَذَرُوا الْبَيْعَ ..) -[الجمعة/٩] فما عدا البيع لا يدخل في النهي.
- الدليل الثاني: أن البيوع هي التي تكثر ويكثر الانشغال بها عن الجمعة بخلاف النكاح فإنه نادرًا ما يقع ولا يؤدي تجويزه إلى الانشغال عن الجمعة.
= والقول الثاني - في هذه المسألة -: أن جميع العقود سواء كانت عقود تبرعات أو معاوضات بل جميع الأعمال حتى المباحات لا تجوز إذا أدت إلى ضياع الجمعة أو إلى تفويت سماع الخطبة، وهي محرمة.
وهذا القول هو القول الصواب، كيف نمنع الإنسان أن يشتري قلمًا بريال ونجوز له أن يعقد النكاح على امرأة بمائة ألف؟
وكيف نمنعه أن يشتري قلمًا مع أن هذا الشراء لا يشغل الذهن ولا يحتاج إلى تأمل ونجيز له أن يعقد النكاح الذي يشغل الذهن أكثر بأضعاف مضاعفة من شراء هذه السلع اليسيرة؟ فلا شك أن الشارع لا يأتي بمثل هذا وأن الشرع لا يفرق بين مثل هذه المسائل، فمذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف.
-
ثم قال - ﵀ -:
[ ٣ / ٣٦٨ ]
- ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا، ولا سلاح في فتنة.
القاعدة العامة لهذه المسائل: مسائل بيع السلاح في الفتنة وبيع العصير لمن يتخذه خمرًا:
«أن العقد المباح إذا أدى إلى محرم صار محرمًا وإن كان هو في نفسه مباحًا».
وهذه قاعدة عظيمة: ما أشد حاجة طالب العلم إلى فهمها وتطبيقها.
الدليل على هذه القاعدة: من الكتاب والسنة والأثر والمعنى الصحيح.
- فمن الكتاب: - قوله ﷾: - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ..) -[المائدة/٢].
ـ وقوله: - (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا ..) -[الأنعام/١٠٨].
- وأما من السنة: - فما جاء في السنن أن النبي - ﷺ: نهى عن بيع السلاح في الفتنة
ـ والدليل الثاني من السنة: أن النبي - ﷺ - لعن في الخمر عشرة: أحدهم عاصرها. مع أن العاصر إنما يعصر العنب لينتج منه عصير لكن لما كان هذا العصير يقصد منه أن يتحول إلى خمر لعن العاصر بسبب ذلك.
- وأما من الآثار: - فما روي عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أن عامله على بستانه قال: إن ثمرة العنب لا تصلح زبيبًا ولا تصلح إلا عصيرًا. فقال - ﵁: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر. ومن المعلوم أنه لن يبيع الخمر وإنما سيبيع عنبًا لا يصلح إلا عصيرًا، فلن يبيع حتى العصير وإنما سيبيع عنبًا لكن هذا العنب لا يصلح إلا عصيرًا.
- وأما من المعنى: فإن ما أدى إلى النتيجة المحرمة أخذ حكمها، وإلا لانفتح من إباحة مثل هذه الأعمال بابًا عظيمًا من الشرور.
إذًا هذه القاعدة المهمة تدل عليها النصوص المتكاثرة والآثار والمعنى الصحيح وإنما ذكر المؤلف - ﵀ - لها أمثلة.
إذًا: ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا ولا سلاح في فتنة.
* * مسألة/ = ذهب الحنابلة إلى أن تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرًا يشترط له أن يتحقق أنه سيتخذه خمرًا، أما إن ظن أو غلب على ظنه فإنه يجوز له أن يبيع العصير لمن يتخذه خمرًا.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يتحقق أن المشتري سيتخذه خمرًا بل لو غلب على ظنه ذلك لكفى في التحريم.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وهذا القول الثاني: اختيار شيخ الإسلام - ﵀ - وهو الصحيح إن شاء الله: - لأن البائع قد يتعذر عليه في صور كثيرة أن يتحقق ويعلم يقينًا أن هذه السلعة ستستخدم في المحرم وإنما الواقع غالبًا أن يغلب على ظنه باعتبار القرائن وحال المشتري أنه سيستخدم هذه السلعة فيما حرم الله.
فإذا غلب على ظنه فهذا يكتفى به ولا يشترط أن يتحقق العلم، لا سيما في الأمور التي ستستقبل.
مثال ذلك: إذا استأجر مجموعة من الناس استراحة فإن اتخاذ هذه الاستراحة لما حرم الله أمر في المستقبل ويصعب أن يتحقق منه الإنسان الآن لكن قد يغلب على ظنه من النظر إلى طبيعة المستأجر والقرائن المحتفة بالمستأجر أنه سيستخدم هذا المكان في معصية الله فحينئذ يحرم عليه أن يؤجر إذا غلب على ظنه أن هؤلاء سيستخدمون هذا المكان في ما حرم الله.
وفي الحقيقة مذهب الحنابلة وهو اشتراط التحقق قد - ما أقول يلغي هذه القاعدة - لكن يقلل من فائدة هذه القاعدة، لأنه في غالب الصور إذا تأملت فستجد أن الواقع هو غلبة الظن لا العلم اليقيني.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا عبد مسلم لكافر.
يعني: ولا يجوز أن يبيع عبدًا مسلمًا لكافر.
استدل الحنابلة على هذا الحكم بدليلين:
- الأول: أن في هذا صغارًا على المسلم ولا يجوز إيقاع الصغار على المسلم.
- الثاني: أن استدامة يد الكافر على العبد المسلم ممنوعة فكيف بالابتداء؟.
= والقول الثاني: أنه إذا اشترى الذمي عبدًا مسلمًا صح العقد وتم ولكن يلزم الذمي ببيعه فورًا.
وهذا مذهب الأحناف، وهو مذهب ضعيف جدًا ما الفائدة أن نصحح العقد ثم نقول للكافر الذمي بع العبد فورًا إذًا لماذا هو اشترى العيد ليبيعه فورًا وهذا غريب على مذهب الأحناف لأنهم أناس يعتنون بالعلل وتحكيم العقل وهذا عقلًا غير مقبول.
-
ثم قال - ﵀ -:
- إذا لم يعتق عليه.
أي: إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا يعتق عليه: صح الشراء.
والعبد إنما يعتق على الإنسان إذا اشتراه في صورتين:
ـ الصورة الأولى: إذا كان ذا رحم محرم منه. كما إذا اشترى الإنسان عبدًا مسلمًا وهذا العبد أخوه: فيصح العقد.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
ـ الصورة الثانية - فيما يعتق على الإنسان إذا اشتراه -: أن يكون معلق العتق على الشراء: فحينئذ أيضًا يصح الشراء.
إذًا: القاعدة العامة بغض النظر عن الصور ولا يوجد إلا هاتين الصورتين: التعليق، وأن يكون ذا رحم. لكن القاعدة العامة أنه إذا اشترى من يعتق عليه: صح العقد.
والتعليل: - أن في هذا الشراء تخليصًا للعبد المسلم من الرق، ففيه نفع للمسلم، ولذلك صحح الفقهاء - ﵏ - هذا العقد.
وما ذكرنا من أدلة وشواهد تنطبق على بيع العصير لمن يتخذه خمرًا أو السلاح في فتنة.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن أسلم في يده: أُجبر على إزالة ملكه.
يعني: إذا كان العبد الذي تحت ملك الكافر من الكفار ثم أسلم فإنا نلزم السيد الكافر بأن يخرج هذا العبد من ملكه.
ولم يتطرق المؤلف - ﵀ - إلى كيفية الإخراج. والسبب في ذلك: أن كيفية الإخراج راجعة إلى المالك الكافر: فإن شاء باعه وإن شاء وهبة وإن شاء أعتقه وإن شاء جعله ثمنًا في سلعة، فالمقصود أن يخرج هذا العبد من تحت ملكه بأي طريقة كانت.
والدليل هو:
- قوله تعالى: - (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) -[النساء/١٤١].
- ولأن في بقاء العبد بعد إسلامه خطر على دينه.
- ولما فيه من الإذلال.
ولذلك هذه المسألة محل إجماع: وهو أنه يجب عليه أن يخرج هذا العبد إذا أسلم من ملكه.
-
ثم قال - ﵀ -:
- ولا تكفي مكاتبته.
المكاتبة: هو أن يشتري العبد نفسه من سيده.
فالمكاتبة لا تكفي إذا أسلم العبد تحت السيد الكافر.
- لأن هذا العبد في مدة المكاتبة تحت ملك وتصرف السيد، وهذا ما لا يقره الإسلام ولذلك لا نكتفي بالمكاتبة بل نأمره بإخراج العبد عن يده بأي طريقة من الطرق التي أشرت إليها قريبًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن جمع بين بيع وكتابة .. إلى قوله: ويقسط العوض عليهما.
[ ٣ / ٣٧١ ]
هذه المسألة من مسائل تفريق الصفقة، ولا أدري لماذا المؤلف - ﵀ - أخر هذه المسألة إلى هذا الموضع؟ وهو بذلك خالف كثيرًا من فقهاء الحنابلة بل الغريب أنه خالف الأصل وهو المقنع فإن المقنع جعل هذه المسألة مع مسائل تفريق الصفقة التي ذكرت آخر الفصل السابق، ففي الحقيقة ذكر المؤلف - ﵀ - لها هنا غير مناسب بل موضعها مع مسائل تفريق الصفقة، ولذلك إذا قرأت المتن فستشعر أن إدخال هذه المسألة ضمن المسائل لا مكان له وأنه فيه شيء من التكلف.
- قال - ﵀ -:
- وإن جمع بين بيع وكتابة.
إذا جمع الإنسان بين بيع وكتابة في تعامله مع العبد: صحت الكتابة وبطل البيع.
صورة هذه المسألة: أن يقول الإنسان لعبده: بعت عليك عبدي فلان وكاتبتك. فهو الآن جمع بين بيع وكتابة.
فإذا جمع بين بيع وكتابة وقال: بعت عليك عبدي فلان وكاتبتك: بطل البيع.
- لأنه في الحقيقة باع ماله على ماله. ولا يستقيم أن يبيع الإنسان ماله على ماله.
- ثانيًا: لأنه باع على العبد والعبد لا يملك.
فعقد البيع: باطل.
أما عقد المكاتبة: فهو صحيح. لأنها مكاتبة اكتملت فيها الشروط ولا يقدح في صحتها أنها قرنت بعقد آخر باطل هذا أولًا وثانيًا: لأن الشارع متشوف لإعتاق العبيد فهو يصحح العقود التي فيها اعتاق العبيد.
إذًا: عرفنا الآن الحكم إذا جمع بين بيع وكتابة. وما هو مقصودهم؟ وأن مقصود الحنابلة بذلك أن يجمع بين بيع ومكاتبة يعني لنفس العبد المكاتب كما بينه المثال الذي ذكرت لك.
-
ثم قال - ﵀ -:
- أو بيع وصرف.
قوله: (أو بيع وصرف) هذا ذكر على سبيل التمثيل، وقاعدة هذه المسائل: قاعدة مسائل بيع وصرف هي: «أن يجمع في عوض واحد - (ولاحظ أني لم أقل في عقد) - أقول في عوض واحد بين عقدين مختلفي الحد والأحكام» كأن يقول: بعت عليك وصارفتك، أو يقول: بعت عليك وأجرتك. لكن بثمن واحد - كما قلت لك في التعريف: بعوض واحد.
فإذا قال: بعت عليك هذا البيت وأجرتك هذه المزرعة بمائة ألف. صارت من هذه المسائل.
إذًا: عرفنا الآن القاعدة في المسائل التي ذكرها المؤلف - ﵀ -.
- يقول - ﵀ -:
- صح في غير الكتابة.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
مقصود المؤلف - ﵀ - بقوله: (صح في غير الكتابة). يعني: صحت العقود إلا في مسألة البيع والكتابة فإن البيع يبطل والكتابة تصح. خلافًا لظاهر كلام المؤلف - ﵀ - فإن المتبادر إلى الذهن إذا قرأ الإنسان هذا أن الكتابة هي التي لا تصح وهو لا يريد هذا وإنما يريد أن العقدين يصحان إلا في صورة البيع والكتابة، فالذي يصح فقط الكتابة دون البيع.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويقسط العوض عليهما.
عندنا الآن: مسألتان:
ـ المسألة الأولى: حكم العقد الذي جمع فيه بين عقدين مختلفي الحد في عوض واحد.
حكمه:
= أنه جائز عند الحنابلة، وصحيح ونافذ.
- لأنه لا محذور فيه.
- ولأنه لا يشتمل لا على غرر ولا على شبهة الربا.
= القول الثاني: أن مثل هذه العقود لا تصح.
- لأنه لا يمكن الجمع بين عقدين وأحكام كل عقد تختلف عن الآخر. فالصرف يشترط له التقابض ولا يشترط هذا في البيع. فكيف نجمع بين عقدين وأحكامهما تختلف؟
أجاب الحنابلة عن هذا: بأن اختلاف حقيقة وأحكام كل عقد لا تمنع من تصحيح العقد. وأي ضرر في اختلاف الأحكام. وما ذكره الحنابلة صحيح ووجيه وقوي، فإنه لا يوجد أي معنى لإبطال مثل هذا العقد ولو اتحد الثمن.
لكن تبقى معنا مشكلة أن الثمن الواحد أطلق على عقدين، فهذه المسألة:
حلها الحنابلة - ﵏ - بقولهم هنا:
- ويقسط العوض عليهما.
طريقة التقسيط هنا كطريقته فيما سبق في مسائل تفريق الصفقة.
فإذا اشترى الإنسان بيتًا واستأجر مزرعة بعوض واحد مثلًا: بمائة وخمسين ألف. ثم لما قدرنا قيمة البيت وجدنا أن قيمة البيت ثمانين ألف وقيمة إيجار المزرعة أربعين ألفًا فإذا جمعنا الثمانين مع الأربعين صارت النتيجة مائة وعشرين. وإذا نسبنا قيمة البيت إلى مجموع القيمتين صارت: الثلثان. وقيمة إيجار المزرعة: الثلث. فإذا رجعنا للثمن الذي وقع عليه العقد نقول: ثلثاه للبيت وثلثه للمزرعة، فمائة ألف قيمة بيع البيت وأربعون ألفًا قيمة إيجار المزرعة. وهذا التقسيط بهذه الكيفية فيه عدل وإنصاف وتقسيم للثمن على مقتضى قيمة السلعتين في السوق.
وهذا القول كما قلت لك: هو الراجح. وهذه الطريقة في التقسيم تؤدي إلى وقوع العدل في العقد إن شاء الله.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
- ثم قال - ﵀ -:
- ويحرم بيعه على بيع أخيه.
ويحرم بيعه على بيع أخيه ويحرم شراؤه على شراء أخيه وسيأتينا صورة ذلك في كلام المؤلف - ﵀ -.
ـ البيع على بيع أخيه، والشراء على شراء أخيه: محرم. وفاعله آثم.
- لقول النبي - ﷺ -: (لا يبع أحكم على بيع أخيه) وهذا الحديث في الصحيحين وهو نص في تحريم هذه الصورة.
- وأما دليل تحريم الشراء فهو نفس الحديث لما تقدم معنا أن الشراء يدخل في مفهوم البيع في الشرع واللغة. فنحن لسنا بحاجة إلى تكرار أحكام الشراء عند الكلام عند أحكام البيع.
ولذلك الدليل هنا على تحريم البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه هو نفس الدليل.
- الدليل الثاني على تحريم هذين العقدين: قوله - ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) والبيع على بيع أخيه إضرار بأخيه وهو واضح الإضرار لأن البيع على البيع يؤدي إلى فسخ العقد الأول، وفي هذا ما فيه من الإضرار على البائع الأول.
- الدليل الثالث: أن الشارع الحكيم من قواعده الكبار العامة: النهي عن كل ما يسبب البغضاء والتشاحن، وهذا العمل من الأعمال التي تسبب التفرقة والبغضاء بين المسلمين.
فإذًا: دل على تحريم البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه هذه النصوص والعلل المذكورة.
- ثم قال - ﵀ -: - مبينًا صورة بيع الإنسان على بيع أخيه -:
- كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: «أَنَا أُعْطِيْكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ».
إذًا إذا اشترى سلعة بعشرة قال له الآخر: أنا أعطيك يعني: أبيع عليك نفس هذه السلعة بأقل منها ثمنًا بتسعة. فهذا لا شك أنه من البيع على بيع أخيه.
وكذلك لو قال: أنا أبيع عليك بعشرة نفس الثمن لكن سلعة أجود من سلعة البائع الأول فهو نفس الصورة.
ففي الصورتين عمل الثاني: محرم.
فهذه هي صورة بيع الإنسان على بيع أخيه.
أما الشراء:
- فقال - ﵀ -:
- كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: «عِنْدِي فِيْهَا عَشَرَةٌ».
يعني: أنا أشتريها منك: بعشرة.
فهذا أيضًا من الشراء على شراء أخيه.
وكذلك لو قال: استأجرت منك هذه الشقة بعشرة فقال له الآخر: أنا أستأجرها منك بعشرين. فهذا من الشراء على شراء أخيه.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
- لأن عقد الإيجار هو عقد بيع تمامًا إلا أن السلعة فيه المنافع وليست الأعيان. فهذا أيضًا مما يدخل ضمن الشراء على شراء أخيه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ليفسخ ويعقد معه.
ظاهر هذه العبارة: أن النهي إنما يكون إذا أدى إلى فسخ العقد الأول وإجراء العقد مرة أخرى مع البائع على بيع أخيه أو الشاري على شراء أخيه.
أما إذا كان لإجراء أو لإتمام صفقة جديدة على سلعة جديدة فهذا لا يدخل في النهي.
= هذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.
وهذا هو الصحيح: أن النهي يتعلق بالسلعة التي تم عليها العقد. أما العقود المستأنفة التي ستأتي في المستقبل على سلع أخرى فإنها لا تدخل في هذا النهي لأن النهي إنما هو عن صورة واحدة فقط وهي: محاولة ثني البائع عن البيع في هذا العقد المعين.
وهذا المفهوم الذي ذكره المؤلف - ﵀ - صرح به جملة من الشراح، بل لم أر أحدًا من الشراح صرح بخلاف هذا المفهوم من شراح الأحاديث لا من الفقهاء.
فاتفق الحنابلة مع شراح الأحاديث على هذا المعنى. وهو أن النهي إنما يتعلق بما إذا أدى البيع إلى فسخ العقد.
* * مسألة/ مفهوم كلام المؤلف - ﵀ - أن النهي إنما هو فيما إذا كان البيع على بيع أخيه في مدة الخيار. أما بعد مدة الخيار ولزوم العقد فلا بأس ببيع الإنسان على بيع أخيه.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأنه بعد انتهاء مدة الخيار لن يدخل الضرر على البائع لأنه لن يستطيع المشتري إنهاء العقد.
= والقول الثاني: أن النهي عن البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه يشمل أيضًا ما يكون بعد انتها زمن الخيار وثبوت العقد ولزومه.
- لأن المشتري إذا علم بأنه ربما حصل على سلعة نظيرة لسلعته بثمن أقل ربما يسعى في إنها العقد بطريقة غير شرعية، وربما أدى هذا إلى أن يقع الشجار بينه وبين البائع الأول حيث يظن أنه غلب أو مكر به في العقد الأول.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وفي هذه المسألة عندي تردد كثير جدًا وتوقف. وسبب التوقف: أنا نلمس من كلام كثير من أهل العلم عدم توسيع مفهوم البيع على بيع أخيه، لا يريدون توسيع هذا المعنى وإدخال صور كثيرة وإنما مقصود النبي - ﷺ - في هذا: العقد المعين، أما ما بعد انتهاء العقد فلا يدخل في هذا الحديث النبوي وقلة من أهل العلم من يوسع مفهوم هذا الحديث وهذا البيع المنهي عنه.
فلهذا وقع عندي في هذه المسألة - في الحقيقة - تردد. لأن القول الثاني أيضًا وجيه لأنه في الغالب سيكون بين البائع والمشتري الأول شقاق ونزاع ومحاولة لإنهاء العقد ومحاولة لفسخ العقد ودخول في متاهات الشعور بأنه غلب في العقد الأول.
فبين المعنيين يقع الإنسان في تردد في الحقيقة وإشكال. فليس عندي فيها قولًا راجحًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويبطل العقد فيهما.
يعني: أنه مع كون بيع الإنسان على بيع أخيه محرم، أيضًا العقد باطل.
والمقصود ببطلان العقد هنا في كلام المؤلف - ﵀ - يعني: العقد الثاني. أما العقد الأول فلا إشكال فيه.
إذًا: مقصودهم بالبطلان ينصرف إلى العقد الثاني.
دليل البطلان:
- أن هذا العقد الثاني: منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد.
- ولأن في تصحيح العقد إمرار وتسويغ لبيع الإنسان على بيع أخيه.
= القول الثاني: أن العقد في بيع الإنسان على بيع أخيه: صحيح ونافذ مع التحريم والإثم، إلا أن العقد صحيح.
واستدل هؤلاء:
- بأن النهي لا ينصرف إلى العقد وإنما يقصد بالنهي أن يبيع على بيع أخيه يعني: أن يعرض على عرض أخيه وهذا الأمر إنما هو قبل وقوع العقد، فوقوع العقد صار بعد العمل منهي عنه. فالنهي ينصرف إلى هذا العرض لا إلى ذات العقد ولذلك فليس عندنا الآن عقد منهي عنه حتى يؤدي النهي إلى الفساد.
والصواب: أن العقد الثاني باطل. لأن أدلة القول الأول قوية ولأن قاعدة الشارع أن ما أدى إلى محرم فهو محرم.
وكيف نمنع ونحرم أن يبيع على بيع أخيه ثم نصحح العقد فبين تصحيح العقد والتحريم مناقضة ومنافاة.
فإذًا: مذهب الحنابلة في هذه المسألة هو الصحيح إن شاء الله.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن باع ربويًا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
نعم. هذه مسألة: يقول - ﵀ -:
ومن باع ربويًا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة لم يجز. وبطل العقد.
صورة هذه المسألة: أن يبيع الإنسان مائة كيلو قمح بعشرة آلاف ريال مؤجلة: عكس السلم.
والمهم عندنا الآن: أن يبيع مائة كيلوا قمح بعشرة آلاف ريال مؤجلة ثم إذا حل الأجل أعطاه بدل العشرة آلاف مائة كيلو رز فصار الرز عوض عن القمح في الصورة الأولى.
فهذه الصورة:
= محرمة عند الحنابلة. لماذا؟
- لأنها تؤدي إلى بيع ربوي نسيئة بما لا يجوز أن يباع به نسيئة. لأنه لا يجوز للإنسان أن يبيع الرز بالقمح نسيئة وإن جاز التفاضل إلا أنه لا يجوز نسيئة. فصار هذا العقد حيلة على بيع ربوي بجنسه الذي لا يباع به نسيئة.
هذه وجهة نظر الحنابلة.
= والقول الثاني: الذي تبناه ونصره ابن قدامة - ﵀ -: أن هذا العقد صحيح: بشرط أن لا يكون حيلة على الربا.
دليل ابن قدامة:
- يقول - ﵀ -: أن تسليم الأرز - في المثال - بعد انقضاء الأجل هو في الحقيقة بيع لما في الذمة من النقد كأنه اشترى بما في ذمته من النقد هذا الأرز وليس في الحقيقة بيعًا للأرز بالقمح .. (الأذان).
نتم هذه المسألة:
إذًا هذه وجهة نظر الشيخ الفقيه ابن قدامة - ﵀ - أن هذا العقد جائز وأن حقيقة هذا العقد هو شراء للمال الذي في الذمة لهذا الجنس الربوي الذي سلم في الأخير وهو الأرز في المثال.
= القول الثالث: أن هذه الصورة تجوز للحاجة وتحرم لغيرها.
وهذا القول اختاره شيخ الإسلام بن تيمية - ﵀ -.
ومثال الحاجة: أن لا يجد من في ذمته المال النقد لا يجد هذا النقد عند حلول الأجل ويجد مالًا ربويًا آخر كالأرز في المثال فهنا احتاج أن يسدد لعدم وجود النقد أن يسدد بهذا المال الربوي للدين الذي في ذمته.
فهذا مثال للحاجة التي يريد شيخ الإسلام - ﵀ -.
الراجح: يبدو لي أن:
- أضعف الأقوال القول الثالث.
- وأصح الأقوال: اختيار ابن قدامة - ﵀ -.
والسبب: أنه:
ـ إما أن نحكم على هذا العقد أنه عقد ربوي وأنه حيلة على الربا فيكون محرمًا للحاجة ولغير الحاجة لأن الربا لا يجوز مطلقًا.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
ـ أو أن نحكم عليه: بأنه ليس بعقد ربوي كما يقول ابن قدامة فنصححه للحاجة ولغير الحاجة.
أما أن نقول: أنه يصح للحاجة ونعلل بشبهة الربا فهذا غير مستقيم مطلقًا.
فمن وجهة نظري أن اختيار الشيخ - ﵀ - هنا ضعيف وأن كلام الشيخ ابن قدامة في هذه المسألة أقوى وأوجه.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٦)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- مسألة: قول الماتن - ﵀ -:
- ومن باع ربويًا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة لم يجز.
ذكرنا صورة المسألة والخلاف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: وأن القول الأقرب لمقاصد الشرع - والله أعلم - هو اختيار ابن قدامة - ﵀ - في هذه المسألة.
نستكمل الكلام عن هذه المسألة بأمرين:
ـ الأمر الأول: شرحُ عبارة المؤلف - ﵀ - لأنها أشكلت على بعض الإخوان:
يقول المؤلف - ﵀: (ومن باع ربويًا) يعني: من باع أحد الأموال الربوية - وستأتي في باب الربا مفصلة - ولنمثل لها: بالقمح (بنسيئة) يعني: باعه بثمن من النقد مؤجل، (واعتاض) عن هذا الثمن المؤجل (ما لا يباع به نسيئة) يعني: ما لا يباع به الربوي قوله (به) يعني الربوي الأول وهو القمح في المثال (نسيئة) يعني اعتاض عنه بمال لا يجوز أن يباع به نسيئة كأن يبادل القمح بالأرز لأن القمح بالأرز يشترط فيه التقابض.
إذًا هذا معنى كلام المؤلف - ﵀ - وإذا قرأت المثال بتأني استطعت أن تنزل عبارات المؤلف - ﵀ - على المثال بوضوح إن شاء الله.
* * مسألة/ إذا باع الإنسان ربويًا بثمن مؤجل، ولنقل باع رزًا حال بمائة ألف مؤجلة، ثم هذا البائع اشترى بالمائة ألف التي له في ذمة المشتري مائة صاع من القمح، ثم تصارفا، فهذه الصورة تجوز عند الحنابلة ما لم تكن حيلة على الربا، فإذا كان قد عقد هذا العقد حيلة على الربا فإنه لا يجوز.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
فمثلًا: إذا اشتريتُ منك مائة صاع قمح بألف ريال مؤجلة ثم اشتريتَ مني مائة صاع أرز بألف ريال مؤجلة: جاز أن نتصارف فيسقط ما في ذمتك ويسقط ما في ذمتي ولا يعتبر من هذه المسألة حتى عند الحنابلة بشرط: أن لا يكون ذلك على سبيل الاحتيال بيني وبينك، أن لا يكون حيلة لبيع القمح بالأرز مع النسيئة، فإذا لم يكن حيلة فلا بأس لأنهما عقدان منفصلان.
-
ثم قال - ﵀ -:
- أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة.
هذه المسألة: هي المسألة التي تسمى: العينة.
فالمؤلف - ﵀ - يفسر العينة هنا بقوله: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة.)، فالمؤلف - ﵀ - بدأ بالعقد الثاني وهذا من فقهه وسيتبين معنا ما هو العقد الأول وما هو العقد الثاني.
فالعينة هي: بيع الشيء بالشيء مع النسيئة.
وفي الاصطلاح: ما ذكره المؤلف - ﵀ -.
وصورته: أن يبيع التاجر سلعة بثمن مؤجل ثم يشتري هذه السلعة بثمن حال أقل منه مؤجلًا، هذه هي الصورة المعروفة المشهورة للعينة.
فالمؤلف - ﵀ - يقول: (اشترى شيئًا نقدًا) فبدأ بالعقد الثاني ومن المعلوم أن المسألة ستبدأ من العقد الأول وهو البيع المؤجل لكنه بدأ بالبيع الثاني لأن البيع الثاني هو محل الخلاف، أما أن يبيع الإنسان شيئًا مؤجلًا فهذا لا إشكال فيه.
= ذهب الحنابلة والجماهير من أهل العلم من السلف والخلف: إلى أن هذه الصورة التي ذكرت لك وهي: العينة: أنها محرمة وهي من العقود الربوية بل هي عند هؤلاء أقبح من الربا الصريح، لأن قاعدة شيخ الإسلام أن الحيل لا تزيد العقود إلا تحريمًا، يعني: لا تزيد العقود المحرمة إلا تحريمًا وإيغالًا في معصية الله.
واستدل الجمهور على هذا الحكم بأدلة كثيرة:
- منها: قوله - ﷺ -: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر واشتغلتم بالزرع .. سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا).
وهذا الحديث له طرق كثيرة لا يخلو شيء منها عن ضعف لكن مجموع الطرق في مثل هذا الحديث تنقله من الضعف إلى أن يكون حسنًا لذاته أو صحيحًا لغيره.
المهم أنه مما يحتج به، لا سيما وأنه يؤيد بالمقاصد العامة للشرع.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
- الدليل الثاني: أن هذا البيع من الحيل، ونصوص الشرع متكاثرة في تحريم الحيلة وذم فاعلها.
- الدليل الثالث: أن أم ولد زيد بن أرقم - ﵁ - باعته عبدًا بثمانمائة درهم إلى العطاء - يعني: مؤجلة - ثم اشترته منه بستمائة درهم نقدًا - يعني: حالة - فسألت عائشة - ﵂ - عن حكم هذا العمل، فقالت عائشة - ﵂ -: (بئس ما اشتريتي وبئس ما شريتي، أبلغي زيدًا أنه أبطل جهاده مع النبي - ﷺ - إلا أن يتوب).
قال الحنابلة: وهذا الحكم لا يصدر من عائشة إلا توقيفًا، وليس لها أن تقول هذا من قبل الرأي، وهذا الأثر إسناده صحيح إن شاء الله وممن صححه ابن عبد الهادي.
فهذه ثلاثة أدلة تدل على أن عقد العينة محرم.
= القول الثاني: أن عقد العينة جائز. وهو مذهب الإمام الشافعي.
واستدل على هذا:
- بأن العقد الأول عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان، والعقد الثاني: كذلك عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان فهذه المعاملة من حيث الظاهر جائزة، وليس لنا أن نتدخل في مقاصد الناس من البيع والشراء.
وتقدم معنا التعليق على هذا الأصل للشافعي - ﵀ - وهو: أنه ينظر لظواهر العقود ولا ينظر لحقيقة العقد وبناء على ذلك يصحح - ﵀ - ما لا يصححه الجمهور من العقود ومنها: عقد العينة، ولذلك نجد أن بعض الشافعية يقول: نحن لا نتابع الشافعي على هذا الحكم لأنه - ﵁ - نص على أنه إذا وجد دليل على خلاف قوله فهو مذهبه، والآن وجد الدليل وهو: (إذا تبايعتم بالعينة).
وعلى كل حال القول الراجح - إن شاء الله - هو مذهب الجمهور وهو أي: عقد العينة واضح الحيلة على الربا وهو من أكل أموال الناس بالباطل وهو أقبح من الربا الصريح الذي يأخذ زيادة صريحة منصوص عليها في العقد لأن هذا لا يخادع الله والمتعاملون بالعينة يخادعون الله.
إذًا: هذا هو حكم مسألة العينة وهي كثيرة الوقوع في عصرنا وقبل ذلك ومن أزمان وهي تتخذ وسيلة لأكل الربا بعقود ظاهرة الصحة وهي عقود ربوية.
- ثم قال - ﵀ -:
- لا بالعكس.
قوله (بالعكس) أي: فإن عكس: جازت. ومقصوده بالعكس هنا: أن يشتري بأكثر أو بمثل ما باع به مؤجلًا.
[ ٣ / ٣٨١ ]
مثاله: إذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف:
فإن اشتراها بمائة ألف أو بأكثر: جاز، وهي العكس.
وإن اشتراها بأقل: حرم وهي العينة.
فإذا اشترى من باع مؤجلًا بمثل أو بأكثر من الثمن: جاز، ومعلوم أن هذا جائز وهو من الإرفاق ولا حرج فيه ولا يثرب على فاعله، لكن لا يخفى عليكم أن هذه الصورة لا تقع، لأن الإنسان إذا أراد أن يبر أخاه فإن له أن يقرضه إقراضًا مباشرًا بلا دخول في قضية البيع والشراء عن طريق السلعة، لكن على كل حال: إن فعل فإنه لا بأس وليست من العينة.
* * مسألة/ أما عكس العينة فلها صورة أخرى:
وصورتها أن يبيع الإنسان السلعة بثمن حال على شخص ثم يشتري السلعة بثمن مؤجل أكثر منه، ولتسهيل قضية العينة وعكس العينة الفرق بسيط جدًا:
العينة: تكون السلعة عند آكل الربا.
وعكس العينة تكون السلعة عند معطي الربا.
فقط هذا الفرق، أما الصورة فهي هي.
فإن كانت السلعة عند آكل الربا: فهي العينة التي سبق، فيبيعه مؤجلًا بثمن ثم يشتريه حالًا بثمن أقل، أو العكس: تكون السلعة عند معطي الربا فيبيعها بثمن حال ثم يشتريها بثمن أكثر مؤجلًا.
فإذا أردت أن تفهم العينة وعكس العينة فالفارق بينهما بسيط: إن كانت السلعة التي هي محل الحيلة عند آكل الربا فهي العينة وإن كانت السلعة عند معطي الربا فهي عكس العينة. فقط هذا هو الفارق بينهما.
ـ حكم (عكس العينة): حكمه ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول:
- إذا كان المقصود من عكس العينة الحيلة على الربا: فهي محرمة بالاتفاق.
- وإذا لم يكن المقصود الحيلة على الربا فإن عكس العينة: فيه خلاف داخل مذهب الحنابلة:
= فمنهم من قال: هي جائزة.
= ومنهم من قال: هي محرمة.
والصواب أن حكم عكس العينة حكم العينة تمامًا، وهي حيلة على الربا مكشوفة ولا فرق بين أن يبدأ العقد من عند معطي الربا أو أن يبدأ العقد من عند آكل الربا فالأمر واحد وليس لهذا الأمر أي أثر على الحكم، فهي حيلة على قرض جر نفعًا فلا فرق بينهما.
* * مسألة/ إذا تبين أن العينة من العقود الربوية المحرمة فالمقصود بالعينة في هذا الكلام أي: العقد الثاني. أما العقد الأول ففيه خلاف:
[ ٣ / ٣٨٢ ]
= فمن الفقهاء من قال: العقد الأول جائز لكن يحرم أن يعقدوا العقد الثاني ليتحيلوا به على الربا.
= ومن الفقهاء من قال: بل العقد الأول محرم من الأصل لأن المقصود به التوصل إلى هذه الحيلة.
= ومن الفقهاء من قال: إن كان المقصود بالعقد الأول الحيلة على الربا فهو محرم وإن كان المقصود من العقد الأول إجرائه على ظاهره فهو جائز، وهذا اختيار شيخ الإسلام - ﵀ -.
وإذا تأملت فستجد أن مرد اختيار شيخ الإسلام للقول المانع لأن غالب من يوقعون عقود الربا لا يقصدون من العقد الأول إلا التوصل للعقد الثاني للتوصل للقرض الذي جر نفعًا.
فغالب عقود العينة يقصد من العقد الأول فيها هذا الأمر، فدائمًا يتحقق شرط شيخ الإسلام وهو أن يكون حيلة على الربا فيكون القول الثالث والأول (يعني القول الذي فيه تفصيل والقول الذي فيه المنع مطلقًا) قولان متقاربان ومن حيث الواقع والتطبيق هما قول واحد في الحقيقة. إذًا: هذا ما تقدم، معنى قول المؤلف - ﵀ -: (أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس: لم يجز). فالآن عرفنا معنى هذا الكلام وصورة العينة وصورة عكس العينة ومقصود المؤلف - ﵀ - بقوله - هنا - (لا بالعكس).
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن اشتراه بغير جنسه، أو بعد قبض ثمنه، أو بعد تغير صفته، أو من غير مشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه: جاز.
قوله: (وإن اشتراه) يعني: من باعه بأقساط مؤجله أكثر مما اشتراه به نقدًا.
وقوله - ﵀ -: (وإن اشتراه بغير جنسه) يعني: باعه بالدراهم واشترى بالدنانير. فإن باعه بالدراهم واشترى بالدنانير: جاز.
مثال المسألة: زيد باع على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف درهم، ثم اشتراها منه بخمسين ألف دينار حالة، صورة عقد الربا والذي اختلف الآن: أن الثمن في البيع يختلف عن الثمن في الشراء. فحينئذ:
= يقول الحنابلة: هذه الصورة جائزة وليست من الربا.
- لأن التفاضل بين الثمنين جائز، فلم يوقع هذا العقد في الربا.
= والقول الثاني: أنه إذا اشتراه بثمن آخر فلا يجوز أيضًا.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
- لأن كلًا من الدراهم والدنانير في المثال، كلًا منها يشتركان في معنى الثمنية، وفي تحقيق الربا، فاختلافهما لايؤثر على حقيقة العقد.
وهذا القول هو الصواب، ولو قيل بما ذهب إليه الحنابلة لكانت من الحيل الباردة على الربا: بأن يبيع السيارة بالريالات ويشتريها بالدنانير أو بالدولارات أو بأي عملة أخرى وهذا لا يخرج بالعقد عن صورة الربا مطلقًا.
إذًا: عرفنا الآن معنى قول المؤلف - ﵀ -: (بغير جنسه) وأن الحنابلة يرون إذا اختلف الثمن الذي اشترى به عن الثمن الذي باع به فإنه لا ربا وأن الصواب أن هذا العقد ربا وإن اختلف الجنس وعرفتَ تعليل ذلك.
- وقوله - ﵀ - (أو بعد قبض ثمنه).
إذا اشتراه من باعه بأقساط مؤجلة بعد قبض ثمنه: جاز: بأقل أو بأكثر أو بمثل. - لأنه لا شبهة للربا هنا.
مثاله: رجل باع سيارة بسبعين ألف ريال مؤجلة لمدة سنة ثم بعد تماما السنة انتهى سداد جميع الأقساط واستلم جميع الثمن فحينئذ له أن يشتري هذه السيارة بمثل الثمن أو بأكثر أو بأقل وليس من الربا في شيء وذلك بعد استلامه جميع الثمن.
وهذا صحيح. لأنه لا ربا هنا مطلقًا، ليس هناك أي نوع من أنواع الربا لأن الثمن المؤجل تم استلامه كاملًا فإذًا لم يثبت في ذمة المشتري أكثر مما أعطى في هذه الصورة لأنه انتهى العقد الأول تمامًا وبدأنا بعقد جديد آخر وهذا واضح. لكن ما أقل ما تقع هذه الصورة، قد تقع لكن لا فائدة منها بالنسبة للمتحيلين على الربا لأنه بعد السداد ليس له أي مصلوح في شراء السلعة، اللهم إلا أن لا يكون حيلة على الربا ويريد أن يشتري السلعة شراءً جديدًا فحينئذٍ لا يوجد هناك أي نوع من أنواع الربا ولا شبهة الربا.
إذًا: كما قلت لك: إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف ريال لمدة سنة فإنه بعد تمام السداد وانتهاء السنة فلزيد أن يشتري السيارة بمبلغ كاش مثل أو أقل أو أكثر وبمقسط وبأكثر وبأقل فهو عقد جديد ليس له علاقة بالعقد الأول لأن العقد الأول تم بأقساطه واستلام سلعته.
- قوله - ﵀ -: (أو بعد تغير صفته).
إذا اشتراه بعد تغير صفته بثمن أقل فإنه لا بأس. والمقصود بتغير الصفة هنا يعني: إلى النقص لا إلى الزيادة.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
مثاله/ إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف مؤجلة لمدة سنة وبعد مضي ستة أشهر حصل على السيارة حادث وأثر هذا الحادث بنقص قيمة السيارة ثم اشترى هذا الذي باع مؤجلًا اشترى هذه السيارة بقيمة أقل مما باع به لكن هذا النقص سببه نقص الصفة وليس الحيلة على الربا: فحينئذ لا بأس لأن النقص الآن ليس تحيلًا على الربا وإنما بسبب النقص الذي طرأ على العين. فهذا لا بأس به. بشرط أن يكون النقص:
متناسبًا مع نقص الثمن. ومتناسبًا مع نقص صفة المبيع.
فمثلًا: إذا حصل في – المثال - على السيارة حادث فصارت بدل ما تكون قيمتها سبعين ألفا صارت بسبب الحادث قيمتها ستين ألفًا فإذا دفع فيها ستين ألفًا فلا حرج لكن إن دفع فيها خمسين أو أقل فإنه من عقود الربا.
فإذًا: يجب أن يكون هناك تناسبًا بين النقص في القيمة والنقص في الصفة حتى نأمن الحيل الربوية.
- قوله - ﵀ -: (أو من غير مشتريه).
إذا اشتراه من غير مشتريه فلا بأس فإذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة ثم باع عمرو على خالد السيارة ثم اشترى زيد السيارة من خالد فلا حرج ولا ننظر للسعر سواء كان أقل أو أكثر لأن هذا يبعد أن يكون من حيل الربا ولأن العقد الثاني الذي بين البائع الأول والمشتري الثاني عقد جديد لا علاقة له بالعقد الأول إلا: إذا كانت حيلة ثلاثية بأن يتفق الثلاثة على هذا العقد بأن يقول: كل من بعت عليه أنا أقساط فاشتري أنت منه هذه السلعة وأشتريها أنا منك. فتجد أن هذه السيارة تدور بين ثلاثة: اثنين ثابتين والثالث هو المعطي للربا في كل عقد جديد. فتجد أن السيارة تدور بين هؤلاء الثلاثة وهذا من عقود الربا إذا كان تم بالاتفاق بين الثلاثة. أما إذا تم مصادفة بدون أي اتفاق بأن ذهب الذي اشترى السلعة وباعها في السوق على شخص ثالث ثم جاء الذي باع بأقساط مؤجلة واشترى من هذا الشخص الثالث فإنه لا حرج وليس هناك أي شبهة للربا لبعد ما بين الأطراف.
- وقوله - ﵀: (أو اشتراه أبوه أو ابنه).
الضمير في قوله: (أبوه أو ابنه) يعود على البائع أقساط أو الذي نسميه نحن هنا: آكل الربا.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
فإذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف لمدة سنة ثم اشترى هذه السيارة أبو زيد أو أخوه أو ابنه أو عمه أو خاله فإنه لا حرج. بشرط: كما تقدم: أن لا تكون هذه المعاملة حيلة على الربا بأن يتفقوا على إجراء هذه المعاملة الصورية.
فإن كانت حيلة على الربا فهي محرمة. (١).
وهذه المعاملة ربما تكون حيلة على الربا وربما لا تكون حيلة على الربا.
فإذا باع زيد سيارته بثمن مؤجل وأخوه يعرف أن هذه السيارة نظيفة وليس بينه وبين أخيه أي اتفاق ثم ذهب إلى المشتري واشترى منه السيارة بقصد الحصول على هذه السيارة التي يعرف هو أنها نظيفة وأنها بحالة جيدة فهذا ليس من الربا في شيء لأنه ليس هناك أي تواطؤ على العقد، والعقد الثاني لا حرج فيه وليس له أي علاقة بالعقد الأول الذي هو البيع أقساط.
إذاَ: إذا اشترى السيارة أبوه أو أخوه أو ابنه فإنه لا حرج وإن اشترى السيارة رجل أجنبي لا أبوه ولا أخوه فيجوز من باب أولى ولذلك لم يذكرها المؤلف - ﵀ - لأن الحيلة تتصور من أبيه وأخيه ولا تتصور من رجل أجنبي ليس بينهما معرفة. إنما نص على الأب والأخ للحذر من أن يكون هناك حيلة فإذا لم يكن هناك حيلة فإنه يجوز عند الحنابلة وهو قول صحيح لأنه ليس هناك محذورًا من هذه المعاملة.