كتاب المناسك
- قال - ﵀ -:
كتاب المناسك.
جعل المؤلف - ﵀ - المناسك في آخر العبادات:
- لتتوافق مع حديث: "بني الإسلام على خمس" فإنه جعل الحج آخر الأركان. هذا من جهة.
- ومن جهة أخرى: أن الأركان الأخرى تتكرر في كل سنة بينما الحج فيجب في العمر مرة واحدة فناسب أن يؤخر.
- وقوله - ﵀ -:
كتاب المناسك.
المناسك: جمع منسك. والمنسك ينطق: بالفتح وبالكسر.
- فإن نطقته بالفتح: فالمقصود المصدر أي التعبد لله.
- وإن نطقته بالكسر: فالمقصود مكان العبادة.
والمناسك مأخوذة من: الذبيحة. ويقصد بالذبيحة: النسيكة - يقصد بها هنا -: التي تذبح تقربًا إلى الله.
ثم توسع مدلول هذا اللفظ ليشمل جميع العبادات، ولذلك يسمى العابد ناسكًا، ثم أصبح هذا الاسم علمًا على الحج:
- لكثرة الأعمال والعبادات فيه.
- ولكثرة ما يراق فيه من الدماء.
فإذًا: هذا هو معنى المناسك.
• وأما الحج فهو:
- في اللغة: قصد ما يعظم.
وإنما عرفنا الحج:
- لأن بعض أهل العلم يقول: كتاب الحج.
- وبعض أهل العلم يقول: كتاب المناسك.
- وبعض أهل العلم - وكلهم من الحنابلة - يقول: كتاب الحج والمناسك.
والأمر واحد لكن لما اختلف التعبير رأيت أن أذكر تعريفًا لكل منهما، فالحج هو: قصد ما يعظم.
ومن القصور أن نقول: الحج هو القصد فقط، فإن القصد المطلق لا يسمى حجًا فلابد أن يقصد الإنسان شيئًا معظمًا، بل إن بعضهم قال لا يسمي الحج حجًا إلا إذا قصدت شيئًا معظمًا مكررًا، يعني إذا صار يعتاد المجيء إلى هذا المعظم سمي حجًا، وهذا في اللغة.
- أما في الاصطلاح:
فهو: قصد مكة لأداء المناسك في وقت مخصوص.
- ثم قال - ﵀ -:
الحج والعمرة واجبان.
الحج واجب في: الكتاب والسنة والإجماع.
- أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾
- وأما السنة فقوله - ﷺ -: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. إلى أن قال .. وحج بيت الله الحرام).
[ ٣ / ٤٠ ]
- وأما الإجماع فحكاه عدد من أهل العلم بأن الحج واجب.
والحج أعظم وأكبر من أن يكون واجبًا بل هو ركن من أركان الإسلام.
والحج مفروض في السنة التاسعة. والقول بأنه مفروض في السنة التاسعة هو مذهب الجمهور واختاره من المحققين ابن القيم - ﵀ -.
والدليل على ذلك:
- أن الآية الدالة على وجوب الحج نزلت في صدر سورة آل عمران. وصدر سورة آل عمران أيضًا جاء فيها إيجاب الجزية وهي متوافقة مع الوفود الذين وفدوا على النبي - ﷺ - وكل ذلك كان في السنة التاسعة.
- ثم قال - ﵀ -:
والعمرة: واجبان.
= ذهب الحنابلة إلى أن العمرة أيضًا واجبة.
واستدلوا بأدلة:
- الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
والجواب عليه: أن الآية أمرت بالإتمام ولم تأمر بأصل الفعل. فهناك فرق بين إتمام الفعل بعد الشروع وبين إيجاب الشروع به.
- الدليل الثاني: قوله - ﷺ - لما سأله النساء هل على النساء من جهاد؟ فقال - ﷺ -: (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة). وجه الاستدلال: أن على - كما قال الأصوليون - تأتي للوجوب - وهو يقول: (عليهن).
والجواب عليه: أن لفظة: (والعمرة) شاذة ولذلك أخرج البخاري - ﵀ - هذا الحديث بدون قوله: (والعمرة)، وإنما قال: (عليهن جهاد لا قتال فيه: حج مبرور). ولم يذكر العمرة.
- والدليل الثالث: قوله - ﷺ -: (العمرة حج أصغر أو الحج الأصغر). وهو لفظ جاء في كتاب عمرو بن حزم وهو كتاب تلقته الأمة بالقبول.
- والدليل الأخير: قوله - ﷺ - لأبي رزين: (حج عن أبيك واعتمر).
= القول الثاني: أن العمرة واجبة على الآفاقي ولا تشرع للمكي.
ومنهم من قال: واجبة على الآفاقي وليست بواجبة على المكي.
واستدلوا على هذا:
- بأن ابن عباس كان يرى وجوب العمرة وكان يقول لأهل مكة ليس عليكم عمرة.
- والدليل الثاني: أن الركن الأعظم للعمرة هو الطواف وأهل مكة يكثرون من الطواف.
= والقول الثالث: أن العمرة ليست بواجبة بل مندوبة.
واستدل هؤلاء بأدلة:
[ ٣ / ٤١ ]
- الدليل الأول: أن الله ﷾ لما ذكر وجوب الحج لم يذكر معه وجوب العمرة فقال: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾. ولم يذكر العمرة بينما لما كان إتمام العمرة واجبة ذكرها فقال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. فكونه تعالى يذكر العمرة في الإتمام دون الوجوب دليل على أنها لا تجب.
- الدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - حج وحج معه أمم لا يحصون كلهم لأداء الفريضة: ومنهم المفرد. ومع ذلك لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أمر المفردين:
- لا بأن يعتمروا بعد الحج.
- ولا بأن يرجعوا بعد ذلك ليؤدوا العمرة وقد انصرفوا وهم يرون أنهم قد أدوا فرض الله فهذا دليل على أن العمرة ليست بواجبة.
- الدليل الأخير: أن النبي - ﷺ - ذكر وجوب الحج ولم يذكر وجوب العمرة كما في حديث: (بني الإسلام على خمس).
وأوضح منه في الدلالة:
- الرجل الذي جاء يسأله - ﷺ - عن شعائر الإسلام فأمره بالصلاة والزكاة والحج فقال الأعرابي: لا أزيد على ذلك. ولم يأمره بالعمرة.
بناء على هذه الأدلة التي أرى أنها قوية جدًا وواضحة وهي تنصرف للأصول:
أرى أن القول بعدم الوجوب هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام بن تيمية وذلك:
- لوضوح الأدلة الدالة على عدم الوجوب.
- وأن الأصل براءة الذمة.
- ثم قال - ﵀ -:
على المسلم الحر المكلف القادر.
يريد المؤلف - ﵀ – أن يبين شروط الوجوب، فإنه لما بين أن الحج واجب أراد أن يبين: شروط الوجوب.
- فقال - ﵀ -:
على المسلم.
يشترط لوجوب الحج أن يكون: الشخص مسلمًا.
- لأن العبادة لا تقبل من غير المسلم.
- ولقوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾.
فدلت الآية على: أن المانع من قبول النفقة وهو نوع من العبادة: الكفر. والحج عبادة بدنية مالية.
وشرط الإسلام:
- شرط وجوب وصحة.
وتقدم معنا المقصود بقول الفقهاء - ﵏ -: أنه لا يجب على الكافر العبادة الفلانية أو العبادة الأخرى.
وأن المقصود ليس عدم المؤاخذة أو عدم التأثيم أو عدم المحاسبة يوم القيامة، وإنما المقصود عدم المطالبة بالأداء أو القضاء.
[ ٣ / ٤٢ ]
- ثم قال - ﵀ -:
الحر.
الحرية شرط لوجوب الحج وإجزائه وليست شرطًا لصحته.
الدليل على اشتراط هذا الشرط:
- - أن العبد منافعه مملوكة لسيده فالزمن ليس له وإنما لسيده.
- - ولقول النبي - ﷺ - فيما يرويه ابن عباس: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام).
واختلفوا في هذا الحديث:
= فمنهم من حكم عليه: بالوقف.
= ومنهم من حكم عليه: بالرفع.
وبكل حال هو حجة لأنا لو حكمنا عليه بالوقف فهو فتوى صحابي ليس لها مخالف وتحتمل بقوة حكم الرفع.
بناء على هذا: نقول إذا حج العبد ثم عتق: فيجب عليه أن يحج حجة الإسلام، وكذلك الصبي.
- ثم قال - ﵀ -:
المكلف.
المكلف هو: البالغ العاقل، فهذا لا يجب عليه أن يحج.
والتكليف: شرط وجوب وإجزاء دون الصحة.
والدليل على اشتراط هذا الشرط:
- قوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة: - وذكر منهم - المجنون حتى يفيق والصغير حتى يبلغ).
بناء عليه:
• إذا أفاق المجنون وقد حج فنقول له: عليك حجة الإسلام.
• وإذا بلغ الصبي وقد حج فنقول له: عليك حجة الإسلام.
وهذا مبني على تصحيح حج المجنون:
= فمن الفقهاء من قال: المجنون لا يصح منه الحج. لا منه ولا من وليه فلا يصح منه مطلقًا.
= ومنهم من قال: المجنون يشبه تمامًا الصبي غير المميز. فإذا صح حج الصبي غير المميز فيصح أن يحج المجنون وينوي عنه وليه، وهذا القياس جلي وواضح.
والراجح إن شاء الله: أن حج وعمرة المجنون إذا تولاه الولي صحيح وله الأجر يوم القيامة أي: للمجنون. كما أن الصبي غير المميز له الأجر يوم القيامة.
- ثم قال - ﵀ -:
القادر.
من شروط وجوب الحج: القدرة.
وشرط القدرة من الشروط الذي سيفصل فيه المؤلف - ﵀ - تفصيلًا طويلًا لكن اشتراط القدرة من حيث هو: مجمع عليه.
- لقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾.
فإذا لم يستطع لأي سبب مما سنذكره إذا تعرض المؤلف - ﵀ - لتفصيل هذا الشرط فإنه لا إثم عليه إن شاء الله.
- ثم قال - ﵀ -:
في عمره مرة.
اتفق الفقهاء: على أن وجوب الحج في العمر مرة وأن من أدى فرضه فلا يجب عليه أن يحج مرة أخرى.
[ ٣ / ٤٣ ]
- لأن النبي - ﷺ - لما خطب الناس وبين وجوب الحج قال له رجل: أفي كل عام هي يا رسول؟ الله فقال رسول الله - ﷺ -: (لا. ولو قلت نعم لما استطعتم).
فهذا الدليل نص على: أن الحج يجب في العمر مرة واحدة.
- ولقوله فيما يروى عنه - ﷺ -: (من حج مرة فما زاد فهو تطوع).
وعلى كل حال كون الحج يجب في العمر مرة واحدة: محل إجماع. ودل عليه الحديث الصحيح الذي ذكرت.
-
ثم قال - ﵀ -:
على الفور.
يعني: أن من استطاع أن يحج ولم يحج فهو آثم لأن الحج يجب على الفور.
والدليل على أن الحج يجب على الفور من وجهين:
- الوجه الأول: أن الصواب في مسألة الأوامر أنها على الفور.
وهي مسألة أصولية ستأتيكم مطولة وهي مهمة جدًا، فالأصل: أنه إذا أمر الإنسان بأمر فإن المقصود به أن يأتي به على الفور.
- الوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (من وجد يسرًا ثم لم يحج فلا عليه إن شاء أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا).
وفي الباب آثار كثيرة عن أصحاب النبي - ﷺ - تدل على أن الحج واجب على الفور.
- ثم قال - ﵀ -:
فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة صح فرضًا
إذا زال المانع في عرفة صح حجه فرضًا.
والدليل على صحة حج الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق [والعبد إذا أعتق] من وجهين:
- الوجه الأول: أنه أتى بالمناسك وبركن الحج وهو عرفة وهو على صفة الكمال. وصفة الكمال هنا البلوغ والحرية.
- الوجه الثاني: أن ابن عباس أفتى من بلغ أو أفاق من الجنون أنه إن أفاق بعرفة صح حجه فرضًا وإن أفاق ليلة جمع بقي نفلًا.
فإذًا الدليل: أثر عن ابن عباس والتعليل الذي ذكرت.
ويلحق بما «انقطاع في التسجيل».
لأنه تبين أن إحرامه كان على جهة الفريضة وهذا الخلاف لا أثر له على صحة النسك وأنه يجزئ عنه فريضة، إنما الخلاف فيما قبل يوم عرفة هل يبقى نفلًا؟ أو ينقلب إلى فرض، والأمر يسير.
وثمرة الخلاف أكثر ما تكون في الأجر فإن ثواب الفرض أعظم من ثواب النفل.
انتهى التسجيل
[ ٣ / ٤٤ ]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٢)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في درس الأمس الكلام عن: إذا زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة والأحكام التي تتعلق بهذه المسألة.
- ثم قال - ﵀ -: في المسألة التالية:
وفي العمرة قبل طوافها: صح فرضًا.
أي إن زالت هذه الموانع بعد الإحرام بالعمرة وقبل الشروع في الطواف أيضًا: صحت فرضًاَ، فإن شرع في الطواف أو طاف وانتهى: ثبتت نفلًا ولم تنقلب فرضًا، فيشترط لصحة وقوع العمرة فرضًا أن يزول المانع قبل البدء بالطواف.
- لأن طواف العمرة هو الركن الأكبر فيها وغالب أعمالها كما تقدم معنا في الدرس السابق.
- وقوله - ﵀ -:
صح فرضًا.
هذا بناء على المسألة السابقة وهي: أن العمرة واجبة.
- ثم قال - ﵀ -:
وفعلهما من الصبي والعبد: نفلًا.
قوله: وفعلهما من الصبي : نفلًا.
يعني: ويصح حج الصبي وأن يعتمر ويصبح نفلًا.
والصبي ينقسم إلى قسمين:
١ - مميز. ٢ - وغير مميز.
- فالمميز ينوي هو بنفسه. ويأتي بما يستطع من واجبات وأركان الحج.
وما لا يستطيع منها يؤديه عنه وليه.
- وأما: غير المميز: فغير المميز: لا نية له ويؤدي النية عنه الولي. ثم يؤدي الصبي ما استطاع من الأعمال ويقوم الولي بما لم يستطع من الأعمال.
* * مسألة/ وهي مهمة وتكثر الحاجة إليها:
* إذا كان الصبي غير المميز لا يستطيع أن يطوف *
- فالحكم: أن يطوف به وليه. فإن كان الولي محرمًا أيضًا: فإن الولي سيحمل الطفل ويطوف به. ونحن نتكلم عن الطفل غير المميز لأنا انتهينا من الكلام عن الطفل المميز.
* فإذا حمل الولي الطفل غير المميز وطاف به:
فاختلف أهل العلم في هذا الطواف هل يكون للحامل؟ أو للمحمول؟ أو لهما؟
= فالقول الأول: أن هذا الطواف: لهما. فيجزئ عن الولي الحامل وعن الصبي المحمول.
واستدل هؤلاء:
- بأن المرأة التي رفعت صبيًا وسألت النبي - ﷺ - ألهذا حج؟ فقال النبي - ﷺ -: (نعم ولك أجر).
[ ٣ / ٤٥ ]
ولم يبين أنها إذا حملته وهي محرمة فإنه لابد أن تأتي بطواف لها وبطواف له. فإن هذا القدر لم يذكر في الحديث.
=والقول الثاني: أنه يكون للحامل دون المحمول. يعني: للولي دون الصبي.
واستدلوا على هذا:
- بأن العمل الواحد لا يكفي عن واجبين إذا كان بنية واحدة.
فالآن الناوي والطائف هو: الولي. وليس من الصبي: عمل ولا نية ولا يمكن أن يكون العمل الواحد يكفي عن فرضين بنية واحدة.
= والقول الثالث: أنه يصح عن الصبي - عن المحمول دون الحامل وهو الولي.
- وقالوا: أنه في هذه الصورة صار الحامل كالآلة والحكم للمحمول.
والقول الصواب إن شاء الله: أن الطواف عن الصبي غير المميز إذا نوى عنه الولي يصح عنه وعن الولي. يعني: الراجح القول الأول.
وسبب الترجيح:
- أن المسلمين ما زالوا يطوفون بأطفالهم وبصبيانهم ولم يأت في الشرع قط ما يدل على أن الولي يحتاج أن يطوف أولًا عن نفسه ثم عن الصبي أو يطوف عن الصبي أولًا ثم عن نفسه بل ما زال الناس يطوفون طوافًا واحدًا وهم يحملون الأطفال.
وهذا التعليل يتوافق مع عموم حديث المرأة التي استأذنت النبي - ﷺ - في حج الصبي.
وممن رجح هذا القول: أنه يجزئ عنهما:
- الشيخ الفقيه ابن المنذر - ﵀ -.
- وأيضًا الفقيه الحافظ ابن حزم - ﵀ -.
- وأيضًا مال إليه ابن قدامة - ﵀ -.
وما ذهب إليه هؤلاء في الحقيقة قوي جدًا وواضح.
- ويضاف إلى الأسباب التي ذكرت: ما في هذا القول من التيسير على كثير من الناس الذين يحتاجون أن يطوفوا بأبنائهم وهم محرمون.
- ثم قال - ﵀ -:
والعبد.
يعني: ويصح حج العبد وعمرته. وتكون كما تقدم معنا نفلًا ويحتاج إذا عتق أن يأتي بحجة الإسلام.
والدليل على صحة حج العبد:
- أنه أهل للعبادة ويخلو من الموانع. فصحت عبادته.
ولكن يشترط بالنسبة للعبد: أن يأذن السيد. لأنه تقدم معنا أن منافع العبد مستحقه للسيد.
- ثم قال - ﵀ -:
والقادر: من أمكنه الركوب ووجد زادًا ومركوبًا صالحين لمثله.
بدأ المؤلف - ﵀ - بتفصيل الشرط الخامس الذي تقدم معنا وهو: القدرة على الحج.
- فبدأ بقوله - ﵀ -:
والقادر: من أمكنه الركوب.
[ ٣ / ٤٦ ]
من أمكنه الركوب هو: القادر.
- ومن لم يستطع الركوب لأي سبب من الأسباب: سواء كان لمرض عارض أو لصفة جسدية دائمة إذا كان لا يستطيع أن يركب: فإنه لا يجب عليه أن يحج: لأنه لن يستطيع أن يصل إلى المشاعر إلا بالركوب.
وهذا الشرط:
• يتعلق بالشخص البعيد عن مكة.
• أما بالنسبة للقريب الذي يستطيع أن يصل عادة وهو ما كان دون مسافة القصر فإنه لا يشترط له ذلك إذا كان يستطيع أن يمشي إلى مكة.
ثم بين الشرط:
- فقال - ﵀ -:
ووجد زادًا ومركوبًا.
= ذهب الحنابلة والجماهير إلى أن الاستطاعة تحصل بملك الزاد والراحلة.
الحنابلة والشافعية والأحناف وجماعة كبيرة من السلف ذهبوا إلى أن الاستطاعة المذكورة في الآية هي: أن يجد الزاد والراحلة.
بناء على هذا:
مناط الوجوب عند هؤلاء أن يجد مالًا. وهو ما صرح به الإمام أحمد - ﵀ -، فإن لم يجد مالًا يشتري به الزاد والراحلة أو لم يوجد عنده أصلًا الزاد والراحلة فإنه لا يجب عليه أن يحج ولو كان قادرًا ببدنه.
إذًا: يجب أن تفهم أن مناط الوجوب عند هؤلاء وجود المال الذي يستطيع به أن يحج بواسطة الزاد والراحلة.
الدليل على هذا:
- أن النبي - ﷺ - فَسَّرَ قوله تعالى ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾. فقال: (السبيل: الزاد والراحلة).
وهذا الحديث جاء عن جماعة من الصحابة بطرق كثيرة موصولة، ومرسلة مرفوعة وموقوفة ضعيفة وضعيفة جدًا وجاء من طرق كثيرة جدًا وأفتى به الحسن البصري ناسبًا إياه إلى النبي - ﷺ - واحتج به الإمام أحمد.
فالأقرب والله أعلم أن أحاديث الزاد والراحلة: تصلح للاحتجاج بمجموعها وبكثرتها واختلاف المخارج وإفتاء السلف بها فكل هذه الأمور تدعم وتقوي أن حديث الزاد والراحلة يصلح للاحتجاج.
بناءً على هذا:
• من ملك زادًا وراحلة وجب عليه أن يحج.
• ومن لم يملك الزاد والراحلة فإنه لا يجب عليه أن يحج ولا يأثم بذلك.
= القول الثاني: وهو للمالكية فقط قالوا - ﵏ - أن الاستطاعة هي أن يتمكن من الوصول إلى الحرم بلا مشقة زائدة عن السفر المعتاد ولو مشيًا.
• فلا يشترط الراحلة إذا كان يستطيع أن يصل ببدنه.
[ ٣ / ٤٧ ]
• ولا يشترط الزاد إذا كان يستطيع أن يتكسب أثناء الطريق وفي مكة بأي وسيلة كان التكسب.
واستدلوا على هذا:
- بأن هذا الشخص يصدق عليه أنه مستطيع.
- وأن أحاديث الزاد والراحلة ليست صحيحة.
والصواب إن شاء الله وبوضوح مع الجمهور.
سبب الترجيح: أن الله ﷾ في الحج خاصة اشترط الاستطاعة: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/٩٧]. ولم نجد أن الله ﷾ اشترط الاستطاعة في الزكاة أو في الصيام أو في الصلاة أو في سائر العبادات. مع العلم أن شرط الاستطاعة موجود في كل العبادات.
ولذلك النبي - ﷺ - يقول: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا).
فإذا وجدنا أن الله ﷾ نص على اشتراط الاستطاعة في الحج دون سائر العبادات عرفنا أن هذا الشرط هو قدر زائد عن المشترط في العبادات الأخرى ولا يكون إلا بالمال.
بالإضافة كما لا يخفاكم إلى حديث: الزاد والراحلة وأنه يصلح للاحتجاج وأفتى به جماعة من الفقهاء.
بناءً على هذا: من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه أن يحج. ففي وقتنا هذا إذا لم يتمكن من الحصول على وسيلة نقل يصل من خلالها إلى مكة أو لم يجد مالًا يكفيه للأكل والشرب من خروجه من بيته إلى رجوعه فإنه لا يجب عليه أن يحج وقد سقط عنه الفرض ويصدق عليه أنه لا يستطيع.
- ثم قال - ﵀ -:
صالحين لمثله.
يعني: يجب أن تكون:
- الراحلة صالحة لمثله.
- والزاد صالحًا لمثله.
والراحلة التي تصلح لمثله: يتحقق هذا بوجهين:
- الوجه الأول: أن يكون الشخص لا يستطيع أن يركب على الراحلة إلا بوجود المحمل فإن ركب في غير محمل سقط. فالراحلة التي ليست لها محمل لا تصلح لمثله.
- الوجه الثاني: أن يكون نوع المركوب لا يصلح لمثله لكونه كان من الشرفاء أو من الأغنياء أو من الوجهاء ممن لا يناسب معه أن يركب هذا المركوب.
إذًا: فسرت مسألة أن يكون المركوب صالحًا لمثله بهذين الأمرين.
بالنسبة للزاد: فكذلك:
- الأمر الأول: أن لا يجد زادًا يصلح لمثله مما اعتاد على أكله وهو مناسب لمستواه المادي.
[ ٣ / ٤٨ ]
- الأمر الثاني: أن لا يجد زادًا يصلح لمثله من حيث مرضه. يعني: لا يجد - مثلًا لو افترضنا أنه لا يجد - في الحج أكلًا يناسب واقعه الصحي ولا يجد إلا أكلًا لو أكله لتضرر به كمرضى السكر والضغط على سبيل المثال.
فهذا لم يجد زادًا يصلح لمثله.
= القول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون الراحلة والزاد تصلح لمثله بل متى وجد أي راحله أو أي زاد وجب عليه أن يحج سواء كانت من المستوى المناسب لحاله أو من المستوى الذي لا يناسب حاله.
والراجح والله أعلم. أنه يشترط أن تكون الراحلة والزاد مناسبة لحاله بالمعنى الأول دون المعنى الثاني.
يعني:
• يشترط في الأكل أن يناسبه من حيث المرض والصحة.
• ويشترط في الراحلة أن يستطيع أن يركبها بأن لا يسقط أو يتضرر.
أما المعنى الثاني: وهي أن تكون مناسبة لمثله من حيث الشرف والغنى والوجاهة فهذا غير معتبر.
- ثم قال - ﵀ -:
بعد قضاء الواجبات.
= يعني: أن الشرط يتحقق: إذا وجد المال الزائد عن قضاء الواجبات فإن كان لا يملك إلا مالًا يقضي به الواجبات فليس بمستطيع للحج.
ويقصد بالواجبات هنا: الديون الحالة أوالمؤجلة التي لله أو للآدمي. ويقصد بها الزكاة التي لم تخرج من ذمته ويقصد بها الكفارات مهما كان نوع الكفارة.
فهذه ثلاثة أنواع: - الديون. - والزكوات. - والكفارات.
- فمن كان عليه دين يستغرق ما بيده من المال لم يجب عليه الحج.
= والقول الثاني: أن الدين إذا كان مؤجلًا ويتمكن من أداء الدين بعد رجوعه من الحج من تكسبه بصنعة معينة أو بوجود راتب وظيفة يأتي منتظمًا فإنه يجب عليه أن يحج ويعتبر مستطيعًا.
- لأن هذا الدين لا يطالب به حالًا وهو يتمكن من الأداء بعد الحج.
ولعل هذا القول أقرب والله أعلم.
بناء عليه: الذين عليهم أقساط سواء كانت هذه الأقساط للسيارات أو للبيوت، والذين عليهم أقساط للبنك العقاري والذين عليهم ديون لأناس يمهلونهم ويقبلون بالسداد المقسط فكل هؤلاء يجب عليهم أن يحجوا إذا وجدوا مالًا يكفي لحج هذه السنة، بشرط كما تقدم: أن يكونوا من الذين يستطيعون قضاء الديون إذا رجعوا.
- ثم قال - ﵀ -:
والنفقات الشرعية.
[ ٣ / ٤٩ ]
يشترط في المال الذي يجب أن يحج الإنسان إذا وجد عنده: أن يكون زائدًا عن النفقات الشرعية.
- لقول النبي - ﷺ -: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول).
ويقصد بالنفقات: نفقة الرجل ونفقة جميع من يعول. أي نفقة الرجل ومن يجب عليه أن ينفق عليه.
* * مسألة/ هل يشترط أن توجد النفقة من ذهابه إلى رجوعه فقط؟ أو يجب أن توجد النفقة على الدوام؟
= من الفقهاء من قال: يجب أن توجد النفقة على الدوام.
فلا يجب عليه أن يحج إلا وقد أمن نفقته ونفقت أولاده على الدوام. إما بصنعة أو بإيجار أو بأي طريقة.
= والقول الثاني: أن الواجب أن يؤمن نفقته ونفقة من يعول إلى أن يرجع من الحج فقط. ثم إذا رجع سعى في تحصيل النفقة.
وهذا القول الثاني: هو الأقرب والله أعلم. أنه لا يجب عليه تحصيل النفقة على الدوام.
وقال بعض المحققين أن هذا القول: (يشترط النفقة على الدوام)، يؤدي إلى عدم وجوب الحج على عامة الناس لأن كثيرًا من الناس لا يملك النفقة على الدوام - يعني: نفقته لمدة سنين - فكثير من الناس لا يملكها في هذا الوقت الحاضر، وهذا يؤدي إلى عدم وجوب الحج على كثير من الناس وهذا من أوجه ضعف هذا القول.
- ثم قال - ﵀ -:
والحوائج الأصلية.
أي: يجب أن يكون المال الذي يحج به زائدًا عن الحاجات الأصلية وإلا لم يجب عليه الحج.
والحاجات الأصلية هي: التي لا يستغني عنها الإنسان ويحتاج إليها ولو لم تكن من الضروريات: كالمسكن والملبس والمركب والخادم وآلة العمل والكتاب الذي يقرأ فيه ونحو هذه الأمور التي يحتاج الإنسان إليها حاجة ملحة ولو لم تكن ضرورية.
فإن كان عند الإنسان متاعًا زائدًا عن حاجته الأصلية وجب عليه أن يبيعه وأن يحج به، مثل: أن يكون عند الإنسان أكثر من بيت أو أكثر من سيارة أو أكثر من أرض أو أن يكون عنده داخل البيت أغراض كثيرة لا تمس الحاجة إليها.
بل إن الفقهاء - ﵏ - مثلوا بمن يجد أو بمن يوجد عنده كتابان - يعني: نسختين من كتاب واحد - فيجب أن يبيع إحدى النسختين ليحج.
وهذا تدقيق منهم - ﵏ - أن الإنسان لا يجوز له أن يترك الحج وهو يملك من المتاع ما يستطيع أن يبيعه ويؤدي به فريضة الحج.
[ ٣ / ٥٠ ]
- ثم قال - ﵀ -:
وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه: لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا.
معنى هذه العبارة: أن الإنسان إذا اكتملت فيه جميع شروط الوجوب السابقة - وهي خمسة إلا أنه لا يستطيع لكونه مريضًا أو لكونه شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يحج ففي هذه الحالة يجب عليه وجوبًا أن ينيب من يحج عنه الفريضة.
وهذا الذي يسميه الفقهاء: المستطيع بغيره، فهو لا يستطيع بنفسه لكنه يستطيع بغيره.
ويشترط لوجوب الإنابة على هذا الشخص: أن يجد مالًا ونائبًا وإلا لم يجب عليه أن ينيب.
• فإن وجد نائبًا ولم يجد مالًا: لم يجب عليه الحج بالإجماع.
• وإن وجد مالًا ولم يجد نائبًا: لم يجب عليه الحج.
لكن اختلفوا في هذه المسألة:
هل إذا وجد المال ولم يجد النائب تخلف في حقه شرط الوجوب أو شرط الأداء؟
والفرق بينهما:
- أن شرط الوجوب إذا تخلف لم يجب في ذمته شيء أصلًا.
- بينما شرط الأداء تكون العبادة واجبة في ذمته لكن لا يجب عليه أن يؤديها الآن، فإن مات وجب على الورثة أن يخرجوا من ماله من يحج عنه. يعني تبقى في ذمته.
والصواب إن شاء الله: أن تخلف النائب أو عدم وجود النائب يعتبر إخلال بشرط الوجوب لا بشرط الأداء: لأنه يصدق عليه أنه لا يستطيع.
بناء عليه: من مات وهذه حاله فلا يجب على الورثة أن يخرجوا من التركة من يحج عنه لأنه لم يجب عليه أصلًا.
وعلى القول الثاني: يثبت في ذمته وجوب الحج فإن مات قبل أن يتمكن من وجود النائب وجب على الورثة أن يقيموا من يحج عنه.
= القول الثاني: - في أصل المسألة - أن من لم يستطع بنفسه واستطاع بماله لا يجب عليه أن ينيب ولو ملك مالًا كثيرًا. وإلى هذا ذهب الإمام مالك - ﵀ -.
واستدل:
- بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران/٩٧]. وهذا لا يستطيع إليه سبيلًا. فهو بنفسه لا يستطيع إليه سبيلًا فسقط الوجوب.
والراجح والله أعلم مع الجمهور وهو القول الأول:
- لما ثبت في الصحيح أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - فقال: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع الثبوت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: (حج عنه).
[ ٣ / ٥١ ]
فدل هذا الحديث على: أن هذا الشيخ الكبير الذي يجد المال لكنه لا يستطيع أن يثبت على الراحلة يجب أن يقيم الابن من يحج عن أبيه بمال أبيه.
- ولحديث أبي رزين أنه سأل النبي - ﷺ - عن أبيه وأنه لم يستطع الحج فقال له النبي - ﷺ -: (حج عن أبيك واعتمر).
فهذه الأحاديث صريحة وواضحة في وجوب إقامة النائب لمن كان مستطيعًا بماله دون بدنه.
- قوله - ﵀ -:
من حيث وجبا.
يعني يجب إنابة النائب من حيث وجب الحج على هذا الذي لا يستطيع ببدنه ويستطيع بماله.
ولم يقل المؤلف - ﵀ -: (من بلده). لأن مكان الوجوب قد يكون البلد وقد يكون مكان «الإيسار».
فمثلًا: لو كان الإنسان فقيرًا لا يستطيع الحج وهو من سكان الكوفة ثم سافر إلى المدينة وفي المدينة وجد مالًا كسبه وأصبح يستطيع الحج.
فهو الآن وجب عليه الحج في الكوفة أو في المدينة؟ في المدينة: فيجب أن ينيب عنه من يحج من المدينة لا من مدينته الأصلية وهي الكوفة، ولهذا قال المؤلف - ﵀ -: (من حيث وجبا). ولم يقل: (من مدينته أو من بلدته) فيجب أن يقيم النائب أو أن يكلف النائب من حيث وجب عليه الحج.
واستدلوا على هذا:
- بأن المنيب إنما وجب عليه الحج من مكان الوجوب فكذلك النائب.
- وبأن القضاء يحكي الأداء.
- وببعض ظواهر الآثار عن الصحابة. فقد روي عن بعض الصحابة آثار ظاهرها وجوب الحج من البلد.
= والقول الثاني: وهو مذهب الشافعي: أن الواجب الإنابة من من ميقات هذا المنيب.
واستدل الشافعي على هذا القول:
- بأن الإحرام إنما يجب من الميقات ولا يجب قبل الميقات بل لا يشرع. فإذا كان الإحرام وهو النسك يجب من الميقات فيجب أن نقيم النائب من الميقات لا من البلده، لأن المسافة بين بلدة المنيب والميقات لا دليل على وجوب قطعها.
والراجح والله أعلم القول الثاني: لأن قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب لغيره لا لذاته. يعني: مطلوب لأن يصل الإنسان إلى مكة وليس هو بنفسه مطلوبًا.
[ ٣ / ٥٢ ]
على أن بعض العلماء قال: بل قطع المسافة من البلد إلى مكة مطلوب بذاته لأن النبي - ﷺ - سمى الحج جهادًا بالنسبة للنساء وكذلك الرجال والجهاد من المقصود فيه قطع المسافات.
لكن الأقرب قول الشافعي لعدم وجود دليل واضح على وجوب إقامة النائب من بلد الذي لا يستطيع الحج ببدنه ويستطيع بماله.
علم مما تقدم من الخلاف:
أنه لم يقل أحد من الفقهاء فيما أعلم أن يكون النائب من مكة، يعني: جواز إنابة الشخص من مكة، فبعد البحث حسب ما تيسر لي لم أجد من صرح بجواز إقامة النائب من مكة وإنما قالوا: إما من بلده أو من الميقات. اختلفوا على هذين القولين.
لكن لعله يلتمس قول ثالث ويبحث ويتأكد من عدم وجود قول ثالث: أنه يجوز إقامة النائب من داخل مكة.
أما الآن فلم أجد من صرح على الأقل بجواز إقامة النائب من مكة.
- ثم قال - ﵀ -:
ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام.
إذا أنا الإنسان شخصًا يحج مكانه فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول: أن يعافى المنيب قبل أن يشرع النائب بأعمال الحج، ففي هذه الحال لا يجزئ حج النائب عن فريضة الإسلام قولًا واحدًا.
ـ القسم الثاني: أن يشفى ويعافى الذي لا يستطيع ببدنه بعد أن يأتي النائب بجميع مناسك الحج.
ففي هذه الصورة خلاف:
= فالمذهب أنه يجزئه.
- لأن الذي أناب قد أتى بما أمر الله به ورسوله - ﷺ - على الوجه الشرعي فبرئت ذمته.
= والقول الثاني: أنه لا يجزئه.
- لأنه تبين أنه ليس من أهل الإنابة فقد برئ.
والصواب مع الحنابلة.
ـ القسم الثالث: أن يعافى ويشفى أثناء أداء الحج.
فأيضًا في هذه الصورة خلاف:
= فالحنابلة يجزئه.
- لأنه شرع في العبادة. قياسًا على من شرع في خصلة من خصال الكفارة ثم قدر على التي أعلى منها.
= والقول الثاني: أنه لا يجزئه، بل يكون حج النائب نفلًا، وإلى هذا مال ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -.
- - قياسًا على من صلى بالتيمم ثم حضر الماء أثناء الصلاة. فتقدم معنا أن الأقرب في هذه المسألة أنه يستأنف بعد الوضوء.
وكذلك هنا الراجح أنه لا يجزئه إن عوفي في أثناء الحج بل تكون نفلًا له. ويلزم بحجة الإسلام من العام القادم.
[ ٣ / ٥٣ ]
- ثم قال - ﵀ -:
ويشترط لوجوبه على المرأة: وجود محرمها.
يشترط في المرأة خاصة وجود المحرم:
= وهذا مذهب الحنابلة.
والعلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
= القول الأول: أن وجود المحرم بالنسبة شرط وجوب.
فإن لم تجد محرمًا ولو كانت غنية فلا يجب عليها الحج وإن ماتت لا يجب على الورثة أن ينيبوا من يحج عنها.
واستدل هؤلاء:
- بالأحاديث الصحيحة الصريحة المشهورة المتواترة التي جاءت عن النبي - ﷺ - من أكثر من وجه أنه قال: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) فقال رجل يا رسول: إن امرأتي انطلقت حاجة وقد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي - ﷺ -: (انطلق فحج مع امرأتك).
فهذا الحديث فيه وجوب المحرم في الحج خاصة، وهو في الصحيح.
- وروي عنه - ﷺ - من الأحاديث التي لم تنص على الذهاب مع المرأة في الحج أحاديث كثيرة جدًا تشترط المحرم ومخارجها متعددة، ومنها ما قيد بثلاثة أيام ومنها ما قيد بيوم وليلة ومنا ما قيد ببريد وحمل الفقهاء - ﵏ - هذه الاختلافات عن النبي - ﷺ - أنها ترجع إلى اختلاف السائل - بحسب اختلاف السائل.
= القول الثاني: أن شرط المحرم شرط أداء لا وجوب.
يعني: يشترط لوجوب الحج وجود المحرم لكنه شرط أداء لا وجوب فلا يجب على المرأة إذا لم تجد المحرم أن تحج في وقتها هذا لكنها إن ماتت قبل أن تحصل المحرم وجب على ورثتها أن يخرجوا من يحج عنها من تركتها.
= القول الثالث: أن المحرم بالنسبة للمرأة إذا أرادت أن تحج لا يشترط مطلقًا.
ويجب أن تفهم: أننا نتحدث عن المحرم في الحج لا المحرم في سائر الأسفار، وهذا القول الثالث الذي لا يشترط المحرم مطلقًا هو مذهب مالك والشافعي.
واستدلوا على هذا:
- بأن المرأة إذا وجدت فيها جميع الشروط وهي قادرة ببدنها وتجد الزاد والراحلة والمال فهذه مستطيعة ولو تخلف المحرم فيجب عليها أن تحج.
ولكن مع ذلك اشترطوا:
- أن تحج مع رفقة مأمونة. فهذا من شروط المالكية والشافعية. أن تحج مع رفقة مأمونة: إما مع جماعة النساء أو مع امرأة مأمونة مسلمة ثقة.
[ ٣ / ٥٤ ]
ولذلك شيخ الإسلام - ﵀ - يقول: أجمع العلماء على أن المرأة إذا أرادت أن تحج يجب أن توجد سبل الأمان لها لكن اختلفوا: فمنهم من قال المحرم، ومنهم من قال جماعة النساء، ومنهم من قال امرأة ثقة.
إذًا القول بأنه يجوز أن تحج بدون محرم مطلقًا هذا يخالف كلام الأئمة الذين لم يشترطوا المحرم، فإنهم اشترطوا أن تكون في سفر مأمون، ونصوا على: إما أن تكون مع مجموعة من النساء الثقات أو على الأقل امرأة واحدة ثقة تباشر حاجات هذه المرأة.
واستدل هؤلاء:
- بما تقدم.
- وبقول النبي - ﷺ -: (يوشك أن تخرج الضعينة من الكوفة إلى مكة ليس معها أحد).
فدل الدليل على أن المرأة - الضعينة - يمكن أن تخرج وتسافر بلا محرم.
والجواب على الاستدلال بهذا الحديث: من وجهين:
- أولًا: أن هذا الحديث ليس خاصًا في المحرم والاستدلال بالخاص مقدم على الاستدلال بالعام.
- ثانيًا: أن هذا الحديث ليس من مقصوده بيان حكم سفر المرأة بدون محرم وإنما سيق لبيان أو لضرب المثل على وجود الأمن في آخر الوقت.
والراجح والله أعلم القول الأول وهو أنه شرط وجوب.
ومن العجب أن يترك الإمام الشافعي والإمام مالك الأحاديث الصحيحة الصريحة المصرحة بجواز اشتراط المحرم للمرأة في الحج خاصة. وأيضًا الأحاديث الأخرى التي اشترطت وجود المحرم للمرأة في السفر لم تفرق بين سفر وسفر.
ومن المعلوم أن سفر المرأة لا سيما في القديم للحج لأنه ليس من شأنها التجارة فغالب أسفارها ستكون في الحج فسفر الحج من أوائل ما يدخل في السفر الذي نهى النبي - ﷺ - أن تسافره إلا مع محرم.
وأما شيخ الإسلام - ﵀ - فجاء عنه قولان في هذه المسألة:
= القول الأول: أنه يشترط فقط وجود صحبة من النساء الثقات.
= والقول الثاني: أنه يشترط محرم. وبهذا أفتى لما كان بمصر - ﵀ -.
وعلى كل حال سواء كان اختيار شيخ الإسلام أنه يجب أو لا يجب الراجح بلا شك وبوضوح أنه يجب على المرأة أن لا تسافر إلا مع محرم وأنها إن سافرت ولو لقربة كالحج بلا محرم فقد ارتكبت إثمًا وعرضت نفسها للانتهاك.
* * مسألة / فإن سافرت بلا محرم وحجت: فهي آثمة والحج صحيح.
-
ثم قال - ﵀ -:
[ ٣ / ٥٥ ]
وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد: بنسب أو سبب مباح.
يريد المؤلف - ﵀ - أن يبين بهذه العبارة من هو المحرم؟
والمحرم على ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: الزوج.
- النوع الثاني: من يحرم على التأبيد بنسب.
- النوع الثالث: من يحرم على التأبيد بسبب مباح.
وجميع الأنواع الثلاثة ذكرها المؤلف - ﵀ -. فالزوج واضح.
- الثاني: من يحرم على التأبيد بنسب: وهم الأب والابن والأخ وابن الأخ وابن الأخت والخال والعم. فهؤلاء سبعة.
- الثالث: من يحرم على التأبيد بسبب مباح: وهو ينقسم إلى قسمين:
ـ الأول: الرضاع.
ـ والثاني: المصاهرة.
- فالذين يحرمون بالرضاع هم: نفس السبعة الذين يحرمون بالنسب.
- لقول النبي - ﷺ -: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). فصار سبعة بالنسب وسبعة بالرضاع.
- من يحرم بالمصاهرة أربعة:
١ - أبو الزوج.
٢ - وابن الزوج.
٣ - وزوج الأم.
٤ - وزوج البنت، فهؤلاء الأربعة يجوز للمرأة أن تحج معهم وهم يحرمون: بالمصاهرة.
وعلم من كلام المؤلف - ﵀ -
- وهو من قوله: (بنسب أو بسبب مباح) أن السبب المحرم لا يجوز معه السفر ولا يعتبر محرمًا.
السبب المحرم كالزنا: فأم المزني بها وابنة المزني بها لا يعتبر الزاني محرمًا لهما ولا يجوز أن يسافروا معه لأن هذا سبب محرم.
- وكذلك قول المؤلف - ﵀ - هنا -: (من تحرم عليه على التأبيد). أما من تحرم عليه لكن ليس على التأبيد فليس بمحرم في السفر.
ومثال من تحرم عليه - ليس على التأبيد أخت زوجته فإنها تحرم على الزوج لكن ليس على التأبيد. فهو ليس محرمًا لها وإن كانت تحرم عليه.
-
ثم قال - ﵀ -:
وإن مات من لزماه: أُخرجا من تركته.
يعني: وإن مات من استوفى شروط الحج والعمرة ولم يحج فهو آثم إذا كان بغير عذر ويجب أن يُخرج من تركته من أصل المال - من رأس المال - من يحج عنه.
وسواء في هذا أوصى هذا الميت أو لم يوص، فهي دين في ذمته وهي دين لله فيجب أن يخرج الورثة من تركته من يحج عنه.
وبهذا انتهينا من الباب الأول من كتاب المناسك ونقف عند هذا الحد سائلين المولى أن يعين على باقيه.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
[ ٣ / ٥٦ ]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (٣)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
في السنة السابقة انتهينا من الباب الأول من كتاب الحج وتوقفنا على باب المواقيت، فنبدأ إن شاء الله ومستعينين به تعالى.