قوله ﵀: [باب إزالة] الإزالة: المحو، وزوال الشيء: ذهابه.
والنجاسة مأخوذة من النجس، وهو الشيء المستقذر، والمراد بها النجاسة الشرعية أي: التي حكم الشرع بقذارتها، ووجوب إزالتها لعبادة صلاة، ونحوها كالطواف بالبيت.
[باب إزالة النجاسة]: أولًا: ما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله؟
والجواب: أن المصنف ﵀ شرع في هذا الباب في بيان النوع الثاني من أنواع الطهارة، وهو طهارة الخبث بعد بيانه للنوع الأول منهما، وهو طهارة الحدث، وطهارة الحدث السابقة بيّن فيها الوضوء، ونواقضه، والغسل، وموجباته، والبدل عنهما، وهو التّيمم، وبعد الفراغ من بيان جميع ذلك ناسب أن يعتني ببيان النوع الثاني من الطهارة، وهو طهارة الخبث، وهذا النوع يتحقق بإزالة النجاسة عن الثوب، والبدن، والمكان، وهو ما سيبينه ﵀.
ثم إنّ الشرع قد أمر بإزالة النجاسة عن بدن المصلي، وثوبه، والمكان الذي يصلي فيه.
أما أمره بإزالة النجاسة عن البدن فيدل عليه قوله ﵊ كما في الصحيح: [إِغْسِلي عَنْكِ الدمَ، وصلّ] فأمرها بطهارة بدنها من نجاسة الدم، وكذلك قوله كما في الصحيح: [إِذَا إسْتَيقظَ أحدُكمْ منْ نومِه
[ ٣٤٥ ]
فليغسلْ يدَيه ثَلاثًا قبلَ أنْ يُدخلَهما في الإِناءِ] وغير ذلك من النصوص الواردة.
وأما طهارة الثوب فقد أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فأمر بطهارة الثوب للصلاة، وأما طهارة المكان فقد أمر بها النبي ﷺ كما في الصحيح في قصّة بول الأعرابي لما بال على أرض المسجد حيث قال ﷺ: [أَرِيقُوا عليه سَجْلًا مِنْ مَاءٍ] وكذلك أمر المصلي في نعليه إذا وجد فيهما الأذى أن يدلكهما.
فهذه النصوص تدل على وجوب إزالة النجاسة في الثلاثة المواضع في: البدن، والثوب، والمكان، ثم إزالة النجاسة إما أن تكون بالماء، وإما أن تكون بما في حكم الماء في صور مخصوصة، فإزالة النجاسة بالماء هي الأصل؛ لأن الله -تعالى- بيّن في كتابه، وعلى لسان رسوله -ﷺ- أن الماء أصل المطهرات؛ فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) أي: طاهرًا في نفسه مُطهرًا لغيره، وقال ﵊ في ماء البحر: [هُو الطَهُور مَاؤُه] فدلّ هذا على أن الماء هو الأصل في التطهير، وقد يكون التطهير بشيء في حكم الماء في صور مخصوصة، مثال ذلك: طهارة الخارج من السبيلين تكون بكل طاهر كالتراب، والحصى، والمنديل.
قوله ﵀: [يُجْزِئُ في غَسْل النّجاساتِ كلّها إِذا كانتْ عَلى الأرضِ غسلةٌ واحدةٌ]: يجزئ: أي يكفي، وقوله: [في غَسْلِ النّجاساتِ] أي:
_________________
(١) الفرقان، آية: ٤٨.
[ ٣٤٦ ]
في تطهير النجاسة إذا كانت على الأرض، مثال ذلك: لو وقع بول على أرض مسجد، وكانت من تراب، يجزئ في طهارتها أن يَصبّ المكلفُ صبّةً من ماء تكون أكثر من البول، أما إذا كانت مثله، أو أقل، فإنها لا تُجزئ، إنما تكون مجزئة إذا كانت أكثر من النجاسة، ولذلك قال -ﷺ-: [أَريقُوا عليه سجلًا منْ ماءٍ] وذلك في تطهير موضع بول الأعرابي، وفي رواية: " دلوًا مِنْ مَاءٍ " ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي -ﷺ- لم يقل: أريقوا عليه ماءً، ولكن قال: " سجلًا " فدل على أن المكاثرة مطلوبة، وأنه لا يكفي أن تَصُبّ أيُّ ماء، بل لا بد من أن يكون أكثر من النجاسة المصبوب عليها، وجه ذلك في قوله: " سجلًا " فإن السجل كما هو معلوم الدّلو، بل قال بعض شراح الحديث: هو الدلو الكبير، وإن كان ظاهر الحديث السجل العرفي، وهو الدلو المعتاد، فإن الدلو إذا نظرت إليه قرابة السطل، وقرابة السطل إذا صببته على بول فإنه أضعاف البول، وهذا يدل على أن النجاسة تطهر بالمكاثرة، وعليه فيكون قول المصنف: [غَسْلةٌ واحدة] ليس هو على إطلاقه بحيث يشمل أيّ صبة، بل لا بد من أن تكون أكثر من النجاسة بحيث يغلب على ظنك أنها تزيلها، وهذا ما أكده بقوله بعد ذلك: [تذهب بعين النجاسة]، وهذا الحكم من سماحة الشريعة، ويسرها، ورحمة الله -﷿- بالعباد، فإنك إذا نظرت إلى النجاسة إذا أصابت الأرض الترابية في مسجد، أو غرفة فإنه لا يمكن للمكلف أن يقلع التراب ويغسله مثل ما يفعل بثوبه، ولو أمر بذلك لكان فيه حرج، ومشقّة، فقال عليه
[ ٣٤٧ ]
الصلاة والسلام: [أَرِيقُوا عليْه سَجْلًا منْ ماءٍ] فدلّ على سماحة الشريعة، ويسرها، فإنّ صَبَّ الماء على هذا الوجه أرفق بالناس.
وقوله ﵀: [غسلة واحدة]؛ لقوله ﵊: [أَرِيقُوا عليْه سَجْلًا منْ ماءٍ] فلم يشترط سجلين، أو ثلاثة، فدلّ على أنّ الواجب، والمجزئ صبّةٌ واحدةٌ بشرط ما قدمنا، وهو أن تكون أكثر من النجاسة بحيث يحصل بها التطهير، وهذا الشرط أشار إليه المصنف ﵀ بقوله:
[تَذْهَبُ بِعَيْنِ النّجاسةِ]: فلا بد من كونها تذهب بالنجاسة فلا يجزئ ما كان أقل من النجاسة، أو مثلها بحيث لا يغلب على الظن زوالها به، فيلزمه أن يزيد عليها فتكون أكثر من صبة إذا لم تزل؛ لأن الشرع قصد إزالة النجاسة، فإذا بقي أثرها كان صب الماء وجوده، وعدمه على حدٍّ سواء في إزالتها، ولذلك لا بد من أن يكون الماء المصبوب أكثر من النجاسة حتى تحصل غلبة الظن بزوالها، هذا كله إذا كانت الأرض ترابية، أما إذا كان ما على الأرض من القماش، ونحوه مما يُمكن رفعُه، وغسله، وتطهيره فإنه حينئذ يُرفع، ويُغسل؛ كالثوب؛ ولذلك يرفع القدر الذي أصابته النجاسة، ويصب عليه الماء هذه طريقة، أو يعصره إذا أمكن عصره، وأما إذا لم يمكن عصره مثل ما هو موجود الآن من السجاد البساط الموكيت، ونحوه مما يشقُّ فيه العصر فإنه يكفيه صب الماء، ثم يسحبُ، ويُشْفَط، أو يُنْصَبُ، ويجفّفُ حتى يغلب على ظنك أن النجاسة قد زالت، لأن مكاثرة الصبّ تُذهب عينَ النجاسة، وأثرها، ولا يشترط أمر زائد على ذلك.
[ ٣٤٨ ]
قوله ﵀: [وعَلى غَيْرِها سَبعٌ، إحداها بترابٍ في: نجاسَةِ كلبٍ، وخنزيرٍ]: عندنا النجاسات إما مخصوصة، وإما عامة، فالنجاسة التي تقع على أرض المسجد صورة مخصوصة قلنا يكفى فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، ولا يشترط العصر في ذلك كما ذكرناه.
ثم يليها من المخصوصات نجاسة الكلب، والخنزير: أما نجاسة الكلب؛ فورد فيها حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مُغفلٍ ﵄ الثابتان في الصحيح أنّ النبي -ﷺ- قال: [طُهُورُ إِناءِ أحدِكُمْ إِذا ولغَ فِيه الكلبُ أنْ يَغسِلَه سبعَ مَرّاتٍ] في رواية " إِحدَاهُنّ "، وفي رواية " أولاهُنّ بالتّرابِ " وفي رواية " وعَفّروهُ الثامِنَة بِالتُّرابِ " هذا الحديث دل على مسائل:
المسألة الأولى: أنه إذا ولغ الكلب في الإناء، والولوغ أن يُدخل رأسه فيشرب من الإناء، أو يلحسه بلسانه، فإنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وفي التراب ثلاث روايات رواية: " أولاهُنَّ " وصورتها أن تأخذ كفًا من تراب، وترميه في السطل، أو الماعون الذي ولغ الكلب فيه، ثم إذا رميت هذا الكفّ من التراب صببت الصبة الأولى من الماء، ثم الثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، ويطهر الإناء بذلك، هذا إذا كانت غسلة التراب الأولى.
وأما رواية: " إحداهُن " فهي مطلقة، إن شئت في الأولى كما ذكرنا، وإن شئت صببت الماء وغسلت الإناء الغسلة الأولى، ثم ترمي التراب بعد الغسلة الأولى، ثم تصب الماء للغسلة الثانية، فيكون التراب في الثانية،
[ ٣٤٩ ]
وهكذا بقية الغسلات بشرط أن لا تتأخر عن الغسلة السابعة من الماء لأنها إذا تأخرت بعد السابعة إحتاج إلى غسلة ماء ثامنة، وهي زائدة على النصِّ.
أما رواية: " عَفّروه الثامنة " فهي محل إشكال؛ لأنّ الظّاهر أنّ معناه أنْ يكون بعد غسله سبع مرات يصبّ التراب، ثم يحتاج إلى ماء بعد التراب، وهو قول شاذٌ قال به بعض السلف، والصحيح أن قول: " عَفّروهُ الثامنة بالترابِ " أنها ليست غسلة ثامنة في الترتيب، وإنما هي ثامنة من حيث العدد، فتشمل جميع الصور السابقة في رواية " أولاهُنَّ "، و" إِحْدَاهُنَّ "، ولا تشمل الصورة الشاذّة التي تفهم من ظاهرها، وبهذا يكون معناها أن يكون التراب في إِحدى الغسلات فيما قبل الغسلة الأخيرة، فهو غسلة ثامنة من حيث العدد، والحساب لا أنه يكون غسلة ثامنة ترتيبًا، وبهذا يزول الإشكال، وتتفق الروايات، ولا تتعارض.
وتلخص مما سبق: أن الحديث دلّ على وجوب غسل الإناء سبعًا، وتعفيره الثامنة بالتراب على الصّفة التي ذكرناها، متى؟ إذا حصل الولوغ، وينبني عليه: أنه لو أدخل رأسه، ولم يصب لسانه الماء، أو الإناء، فإنه لا يجب الغسل، ويبقى الإناءُ على أصله من كونه طاهرًا، بمعنى أنه لا يكفى أن يدخل رأسه فقط، بل لا بد أن يلغ وهذا هو مفهوم الشرط في قوله ﵊: " إِذا وَلَغَ " فقيّد الحكم بوجود الولوغ.
إذا ثبت أن الكلب يجب غسل ما ولغ فيه سبعًا، والثامنة بالتراب؛ فإنه يرد السؤال: هل الحكم مخصوص بالكلب؟ أو يُقاسُ عليه غيرُه؟
[ ٣٥٠ ]
قال بعض العلماء: يُقاس على الكلب غيره، فلو أن خنزيرًا أدخل رأسه، وولغ في الإناء يغسل سبعًا والثامنة بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة كما نصّ عليه المصنف ﵀، وهو قول مرجوح، والصحيح أن الحكم يختص بالكلب، وأما الخنزير فإنه لا يأخذ هذا الحكم.
والدليل على ذلك: أن النبي -ﷺ- نصّ على الكلب وحده، وكان الخنزير موجودًا في زمانه، فلو كان يأخذ حكم الكلب لنصّ على ذلك ﵊ ولقال: (والخنزير)، فاقتصاره على الكلب يدل على أن الحكم مختص به، وأنه لا يقاس عليه غيره.
قال ﵀: [ويُجْزِئُ عَنِ التُّرابِ أشْنانٌ، ونَحوُهُ]: لا زال المصنف -﵀- يتكلم عن طهارة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، وقد ذكرنا في المجلس الماضي أنّ النبي -ﷺ- أمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعًا، وأن يكون ضمن غسلات الماء غسلةٌ بالتراب، فقال -ﷺ-: [طُهُور إِناءِ أحدِكمْ إذا وَلغ فيهِ الكلبُ أنْ يَغْسلَه سبعَ مراتٍ أُولاهُنَّ -وفي رواية- إِحداهُنَّ بالتُّرابِ] وإذا ثبت أن الكلب إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبعًا، والثامنة بالتراب.
فإنه يرد السؤال: هل التراب مُتعينٌ، فلا يُجزئ عنه غيره، أم أنه غير متعين؟
في مذهب الشافعية، والحنابلة ﵏، وهم الذين يقولون بالتسبيع، والتتريب ثلاثة أوجه:
[ ٣٥١ ]
الأول: أنه متعيّن؛ إلا إذا لم يجد غيره، فيحل محله الأشْنانُ، ونحوه.
والثاني: أنه غير متعيّن فيحل محله الأشنان، فالمكلف مخيّر إن شاء وضع التراب، وإن شاء وضع غيرَه.
والثالث: أنه متعيّن، ولا يحل غيرُه محله، سواء وجد التراب، أو لم يجده.
وأقوى هذه الأوجه الأول، فإذا لم يجد ترابًا نظر إلى ما هو أقرب إليه، وهو الأُشنان، والصابون، ونحوه، ومشى المصنف ﵀ على القول بعدم التّعيين، وينبني عليه أنّ المكلف إِنْ شاء غسله بالتّراب، وإن شاء غسله بالأشنان، فهو مخيّر، ولا يتعيّن عليه التراب.
قوله ﵀: [وفِي نجاسَةِ غَيْرِهِمَا سَبْعٌ بِلا تُرابٍ]: قوله: [وفي نجاسَةِ غيرهما]: أي غير الكلب والخنزير تغسل النجاسة سبع مرات بلا تراب، وللعلماء ﵏ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجزي أقل من ثلاث غسلات، وهذا القول وجه عند الحنابلة، واختاره الإمام الموفق ابن قدامة كما هو ظاهرُ العمدة.
القول الثاني: جميع النجاسات من غير الكلب، والخنزير يجزيء أن تَصبَّ عليها صبةً واحدةً تُذْهِبُ عينَ النجاسة، وأثرَها، وهذا القول مذهب جمهورِ العلماء، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله على الجميع-.
القول الثالث: لا بد في التطهير بسبع غسلات، فلو غسلت بأقل لا زال المحل نجسًا، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀، وهي التي مشى عليها المصنف ﵀ هنا في اختصاره.
وعند النظر في أدلة هذه الأقوال الثلاثة يتخلص ما يلي:
[ ٣٥٢ ]
أن أصحاب القول الأول إستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: [إِذَا استيقظَ أحدُكمْ مِنْ نَومِه؛ فَليغسِلْ يَديْهِ ثلاثًا قبلَ أَنْ يُدْخِلَهُما في الإِنَاءِ]، قالوا: إن النبي -ﷺ- أمر بغسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء؛ فدلّ على أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث غسلات تزول بها النجاسة.
والحق أنك إذا غسلت ثلاثًا فإنك ترى أن النجاسة قد زالت في غالب الأحوال، والحكم في الشرع إنما يُنَاط بالغَالبِ.
واستدل أصحاب القول الثاني: بأن الصبّةَ الواحدةَ التي تذهبُ بعين النجاسة مجزئة بدليل السنة في حديث أنس بن مالك ﵁ في الصحيحين في قصة بول الأعرابي، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: [صُبوا عليْهِ ذَنوبًا منْ مَاءٍ] ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ اعتبر الصبة الواحدة مجزئة فدل على أن غسل النجاسة مرة واحدة يعتبر كافيًا إذا أذهب عينها.
واستدل الذين قالوا: بالسبع بحديث أيوب بن جابر، وهو حديث ضعيف: [أنّ النبي -ﷺ- أمرَ بغسْلِ النجاسةِ سَبْعًا].
والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول الأول، وذلك لما يلي:
أولًا: لظاهر حديث أبي هريرة -﵁-، فإنك إذا نظرت في حديث أبي هريرة ﵁ مع أن النجاسة مشكوك فيها، يقول ﵊: [فَلْيغسِلْ يديْهِ ثلاثًا قبلَ أَنْ يُدخِلهُما فِي الإِناءِ].
[ ٣٥٣ ]
ثانيًا: أما حديث الأعرابي الذي فيه صبّة واحدة، فمحمول على الخصوص لأن الأرض لا يمكن عصر النجاسة التي عليها كما تقدم معنا في شرح الحديث، فنقول: الأصل التثليث إلا إذا كانت النجاسة على الأرض فصبّة واحدة تذهب بعينها، فنستثني هذا الخاصَّ من العامِّ.
ومما يقوي دليل التثليث: أنّ النبي -ﷺ- أمر من ذهب إلى الغائط أن يأخذ ثلاثة أحجار، وهذا يقوي الأصل الذي ذكرناه من التثليث.
ثم إن شاهد الحس أن الغالب في الثلاث أنها تزيل النجاسة فصار الإعتداد بها لأن الحكم للغالب.
تنبيه: محلُّ الخلافِ: إذا زالت النجاسة في كل قول بحسبه، أما إذا لم تزل النجاسة بثلاث، فإنه بالإجماع يطالب بالزيادة عليها حتى تزول، فهو مطالب بإزالة النجاسة حتى ولو وصل إلى عشر غسلات عند الجميع.
قوله ﵀: [ولا يَطْهُر متنَجّسٌ بِشمسٍ، ولا بِريحٍ، ولا دَلْكٍ] مراده ﵀: أن إزالة النجاسة تكون بالماء على الأصل، ولا يحصل إزالتها بالتبخر بالشمس أو بالريِح، أو بالدّلك، ومن أمثلة ذلك: لو أنك رأيت النجاسة قد أصابت طرفًا من الأرض تصلي عليه، ثم هذا الموضع أصابته الشمس أيامًا، ثم إنك وقفت عليه بعد ذلك فلم ترَ أثرًا للنجاسة فقد زال أثر النجاسة عنه بالشمس فهل نحكم بطهارته، إختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن النجاسة لا تطهر بالشمس، بل لا بد من الغسل، وبه قال جمهور العلماء ﵏.
[ ٣٥٤ ]
القول الثاني: أن النجاسة تطهر بالشمس، وبه قال الإمام أبو حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ﵀.
إستدل أصحاب القول الأول بما ثبت في الصحيح في قصة الأعرابي أنه لما بال في المسجد قال ﵊: [أَرِيقُوا عَلى بَوْلِهِ سَجْلًا منْ ماءٍ] قالوا: لو كانت الأرض تَطْهُر بالشمس لما أمر النبي -ﷺ- الصحابة بأن يتكلفوا بصبّ الماء على الموضع، ولترك الموضع حتى يطهر بالشمس خاصة، وأن أكثر مسجده ﵊ لم يكن مسقوفًا، والغالب أن البول يكون في غير المسقوف، لأن الغالب في الأعرابي في مثل هذه الحالة أن يقصد الموضع المكشوف من المسجد، دون المسقوف.
واستدل أصحاب القول الثاني بأن الشّمس تُطهّر كالماء بدليل العقل، وقالوا: " إِنّ الحُكْمَ يدورُ مع علتهِ وجُودًا، وعَدما " فلما كان حكمنا بنجاسة الثوب مبنيًا على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فنرجع إلى الأصل الموجب لطهارة الموضع.
والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول بعدم التّطهير بالشمس، وذلك لما يلي:
أولًا: أنّ الأصل في الطهارة أن تكون بالماء، وهو الذي دلت عليه نصوص الشريعة: ففي الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي: مطهرًا، وفهم منه بعض العلماء ﵏: أن التطهير لا يكون بغيره؛ إلا ما استثناه الشرع، ولم يرد في الشمس إستثناء فبقيت على الأصل.
[ ٣٥٥ ]
ثانيًا: قوة ما ذكره أصحاب هذا القول من دليل السنة.
قوله ﵀: [ولا رِيحٍ] أي لا يطهر الموضع المتنجس بالرّيح إذا أذهبت الريح النجاسة، مثال ذلك: لو أن إنسانًا أصابت ثوبه نجاسةٌ، فنشره، فجاءت الريح وعبثت بالثوب حتى لم يبق للنجاسة أثر في الثوب؛ فحينئذٍ نقول: إن جريان الريح لا يوجب زوال الوصف المستيقن من كونه نجسًا، بل لا بد من الغسل.
قوله ﵀: [ولا دَلكٍ] مراده أن الدّلك لا يُزيل النجاسة، وهذا هو الأصل فيه: أنه لا يزيل النجاسة إلا أن الشرع استثنى بعض الأحوال، فاعتبره مزيلًا فيها، ومن هنا فإن للدّلك حالتين:
الحالة الأولى: ثبت الشرع باعتبارها مُطَهِّرةً.
والحالة الثانية: بقيت على الأصل من كون الموضع لا يطهر إلا بالغسل.
أما الحالة التي ثبت الشرع باعتبار الدّلك فيها مطهرًا فهي في نجاسة الحذاء، وثوب المرأة؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه أمر بالصلاة بالنعال، ومخالفة اليهود فقال: [صَلُّوا في نِعَالِكُمْ] ثم قال: [فإِنْ وجَدَ أحَدكُم فِيهما أذَىً فليدْلكهما بالأرض، ثم ليُصلِّ فِيهِما]، فدل هذا على أن النجاسة تطهر بالدّلك، لعموم الأذى.
ولما سُئل -﵊- عن ثوب المرأة يصيب النجاسة عند جرّها له؛ لأن السُّنة في المرأة إذا لبست العباءة أن تكون سابغة بحيث تزيد إلى شبر، أو ذراع، وهذا أبلغ في السّتر، وهذه سنّة أضاعها كثير من نساء المؤمنين خاصةً في هذا الزمان، فلما سُئلَ عما يُصيبهُ ذلك الثوب من النجاسة فقال:
[ ٣٥٦ ]
[يُطَهّرهُ ما بَعْده] يعني: لو مرّت المرأة بعباءتها على نجاسة، ثم مرّت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفًا له، كما لو صبّ الماء عليه، ولما كان الصحابة ﵃ يعلمون أنه سيمر على تراب، واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمرُّ على تراب دلّ هذا على أن الأصل في النجاسات أنها تغسل، إِذْ لو كانت بكل طاهر تزول لما استشكل الصحابة ﵃ كون المرأة تمرُّ بعباءتها، وتجرها على الأرض اليابسة.
إذا ثبت هذا؛ فإن الدّلك في الأصل غير مزيل للنجاسة إلا ما ورد الشرع باعتباره فيه مزيلًا كما في مسألة الحذاء، وثوب المرأة.
قوله ﵀: [ولا استحالة غير الخمرة]: الإستحالة: إستفعال من التحوّل، وهو الانتقال، والتبدل، والإستحالة تكون بنفس الشيء فتتحول المادة النجسة مع مرور الزمن إلى طاهرة، وقد تتحول بفعل فاعل.
فأما ما كان من الإستحالة ناشئًا من نفس الشيء فالأصل أنه متنجس لا يحكم بطهارته إلا بالغسل إعمالًا للأدلة الشرعية التي أمرت بغسل النّجس، إلا أن الشرع استثنى الخمر إذا تخلّلت بنفسها كما سيأتي بإذن الله.
وأما ما كان من الإستحالة ناشئًا من فعل المكلف؛ فإنْ كان بصبّ الماء الطهور، أو الطاهر على الماء المتنجس بأكثر منه حتى يغلب على الظن تغيّره به، فإن كان طهورًا صار الماء المتنجس طهورًا بالمكاثرة، وإن كان طاهرًا صار طاهرًا كذلك، وهذا النوع راجع إلى تطهير النجاسة بالماء، ولا إشكال فيه، وقد ثبتت السنة باعتبار أصله، كما في حديث أنس رضي الله
[ ٣٥٧ ]
عنه في الصحيحين في قصّة بول الأعرابي حيث إن النبي ﷺ إعتبر التطهير بالمكاثرة، فصب الطهور على النجس، وكان الطهور أكثر فاعتبره مطهرًا، فدلّ على اعتبار المكاثرة مؤثرة في الحكم بالطهارة وزوال النجاسة.
قوله ﵀: [غير الخمرة] غير: استثناء، الخَمْرةُ: والخَمرُ مأخوذ من قولهم: خمّر الشيء: إذا غطاه وستره، ومنه الخمار، إذا غطى الوجه، وسميت الخمر خمرًا، لأنها -والعياذ بالله- تغطي عقل الإنسان، وتذهب إدراكه، وشعوره، والخمرة تكون مائعة في الأصل، ولكن العلماء إذا أطلقوا الخمر، فإن مرادهم بها الشراب المائع، الذي يكون من العنب، والتمر، والزبيب، وغيره من سائر الثمار، فهذه الخمرة محكوم بنجاستها، وقد تكلمنا على هذه المسألة، وفصلنا القول فيها في شرح بلوغ المرام، فإن الذين قالوا بنجاستها، وهم جماهير العلماء حكموا بالنجاسة لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ (١) والرِّجْس: هو القذر في أصل اللغة، والقذر في الشرع أصله النّجس، وقالوا خرجت الأزلام، والأنصاب، فأما الأنصاب فإنها نجسة، لأنها كانت حجارة يذبح عليها كما قال تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، فيكون الدم المسفوح النجس قد أصابها فهي نجسة، والميسر، والأزلام خرجا من وصف النجاسة الحسّية بدلالة الحسِّ، وأما بالنسبة للخمر
_________________
(١) المائدة، آية:٩٠.
[ ٣٥٨ ]
فليس هناك دلالة تخرجها فبقيت على الأصل، وهي مستقذرة فتبقى على وصف الرّجس في الشرع، والشرع قد خصّ الرجس بالنّجس، فخَصّص الحقيقة اللغوية به.
واستدل من قال بطهارة الخمر: بأمر النبي -ﷺ- بإراقة مزادتي الخمر فإنه أمر الصحابي أن يُريقَ الخمرَ من المزادتين، قالوا: ولم يأمره بغسلهما، وهذا استدلال ضعيف كما نبّه عليه غير واحد من أهل العلم، فإن سكوت النبي -ﷺ- عن أمره بغسل مزادة الخمر؛ إنما سكت للعلم به بداهة، فإنك إذا وضعت في هذه المزادة لبنًا، وأرقت اللبن ماذا تفعل؟ معلوم بداهة أنك ستغسلها، فسكت -﵊- عن الأمر بالغسل لكونه واقعًا لا محالة.
وقال بعض العلماء في جوابه: لو قيل بظاهر سكوت النبي -ﷺ- أنه يدل على خلوها لاحتج بذلك محتج، وقال: يجوز لمن أخذ مزادة الخمر بعد تفريغها، وصبَّ فيها لبنًا قبل غسلها؛ فإنه لا ينكر عليه؛ لأن النبي -ﷺ- لم يأمر بغسلها، فيكون الجواب: بأنه سكت عن الأمر بغسلها للعلم به بداهة، فكما أنه في المشروبات المباحة نأمر بالغسل، ونقول سكت عنه للعلم به بداهة، كذلك هنا نقول: سكت عن الأمر بغسل نجاسة الخمر للعلم به بداهة، فهو يعلم ﵊ أن صاحبها سيغسلها لا محالة، فلم يأمره بالغسل، ولم يصحّ الإستدلال بسكوته عن أمره بذلك على طهارة الخمر.
[ ٣٥٩ ]
وأما صبّها في سكك المدينة فقد بيّن العلماء أن هذا لا يدل على طهارتها؛ وذلك لأنّ الصحابة ﵃ إذا صبّوها في سكك المدينة فإن الغالب فيهم أنهم يتقونها، ولو فرض أنهم مشوا عليها بالنعال، فإن المشي على الأرض اليابسة بعد ذلك يطهّر النِّعال، ولو أن امرأة جرّت ثوبها على خمرة مُرَاقةٍ، ثم مضت بعد ذلك إلى أرض يبسة؛ فإنها تطهره بذلك الجرِّ، وبناءً على ذلك لا يعتبر هذا دليلًا قويًا كما نبّه عليه الشيخ الأمين -رحمة الله عليه- وله فيه بحث نفيس في تفسير آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ وبيّن أن قول الصحابي: [جَرتْ بِها سِكَكُ المدينةِ] وصف فيه مبالغة، وليس على ظاهره، فأقوى الأقوال القول بنجاستها، وهو مذهب جماهير السلف، والخلف، حتى قال شيخ الإسلام ﵀: (الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة) ولم يحك قولًا مخالفًا في نجاستها.
وقال بعض العلماء: في إِستدلالهم على طهارة الخمر بدليل غريب حيث قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (١) فوصف الخمر بكونها طهورًا، وقد فاته أن الله -﷿- حكم بأن خمر الآخرة لا غولٌ فيها، والغَول، والكحول هو أساس نجاسة الخمر في الدنيا، فإذًا نجاسة الخمر في الدنيا مبنيّة على وجود هذه المادة التي تستحيل إذا صارت الخمر خلًا، ويُحكم بطهارته، ولما كانت خمر الآخرة طاهرة من جهة عدم وجود الغول فيها قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ وقلب بعض العلماء هذا
_________________
(١) الإنسان، آية: ٢١.
[ ٣٦٠ ]
الإستدلال فقال: بل هو دليل على نجاستها؛ لأنه لو كانت خمر الدنيا، والآخرة متساويتين لما قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ فلما كانت خمرة الدنيا نجسة وصف خمر الآخرة بعكسها، كما أنه لما كانت خمرة الدنيا تصدّع الرأسَ، وصف خمرة الآخرة بضدّها فقال سبحانه: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ فصار الإستدلال بهذه الآية مقلوبًا، حيث دلَّ على نجاسة الخمر، لا على طهارتها.
وإذا ثبت أن الخمر نجسة فإنها إذا إِستحالت، وصارت خَلًا فلا تخلو تلك الإستحالة من حالتين:
الحالة الأولى: أن تتخلّل بنفسها.
الحالة الثانية: أن تتخلّل بفعل المكلّف.
فإن تخلّلت بنفسها؛ فإنها تطهر؛ لدليل الشرع كما في الصحيح من حديث مسلم أن النبي -ﷺ- قال: [نِعْمَ الإِدَامُ الخلُّ] فأثنى عليه، والثناء يدلُّ على الإباحة، فأجاز لك أن تأتدم بالخل، والخل: أصله خمر، إذا ثبت هذا، فإنها إذا تخلّلت بنفسها طَهُرَتْ على ظاهر هذا الحديث.
فقد يقول قائل: إن النبي -ﷺ- أثنى على الخلّ مطلقًا، سواء تخلّل بنفسه، أو تخلّل بفعل المكلف؛ فجوابه ما رواه أحمد، وأبو داود أنّ النبي -ﷺ-: [نهى عَن تَخلِيلِ الخمْرِ]، وذلك لما سئل عن تخليلها، وقال: " لا " وأمر أبا طلحة في خمر الأيتام أن يُريقَ الخمر، ويَكْسِر الدِّنَّان وهي أوعية الخمر، ومعلوم أن هذا مال أيتام، فلو كانت الخمر تتخلّل بفعل المكلف لقال له: خَلّلْهَا؛ لأنه مال يتيم يُحفظ، ولا يُراق إذا أمكن استصلاحه، وبهذا يزول
[ ٣٦١ ]
الإشكال، ويتبيّن أن الحديث الدّال على حلِّ الخل، وإباحته شرطه أن تكون الخمرة قد تخلّلت بنفسها، لا بفعل الغير.
قوله ﵀: [أو تَنجّس دهنٌ مائعٌ؛ لم يَطْهُرْ] الدهن مثل: السمن، والزيت، والسّمنُ من أمثلته: ما يُستخلص من الشحوم من بهيمة الأنعام، والزيت مثاله: ما يُستخلص من النباتات، مثل زيت الزيتون، والسِّمْسِم، واللّوز، ونحوه، فالدهن إذا كان سمنًا جامدًا، ووقعت فيه نجاسة، فالحكم أنك تأخذ النجاسة وما حولها، لظاهر حديث الفأرة إذا ماتت في السمن الجامد، فإن النبي -ﷺ- أمر بإلقائها، وما حولها، فدلّ هذا على أنّ الدهن إذا كان جامدًا طَهُر بزوال عين النجاسة بإلقائها، وما حولها.
وأما إذا كان مائعًا، ووقعت فيه النجاسة فإنّ المصنف ﵀ نصّ على أنه متنجس لا يَطْهُر، وهذا مبني على القول بأن نجاسة الدهن نجاسة ممازجة، وقد بيّنا هذه المسألة في الشروح في دروس الجامعة وأن للعلماء ﵏ قولين مشهورين فيها: هل نجاسة الدهن نجاسة عين، أو نجاسة مجاورة؟ فعلى القول الأول لا يمكن تطهيره، وهو مبنيّ على حديث الفأرة في روايته الضعيفة أنه إذا كان الدهن مائعًا لا يُقْرب، وهو قولٌ عند المالكية، والشافعية، والحنابلة ﵏، ونصّ عليه المصنف ﵀، بقوله: [دُهنٌ مائعٌ].
والقول الثاني عندهم جميعًا يقول: نجاسة الدهون نجاسة مجاورة، لا نجاسة عين، لأن النجاسة إذا وقعت في السمن انحازت، وتميزت عنه، فلو وقعت في زيت وجدتها تَنْحازُ، ولا تختلط به، قالوا: فنجاسته نجاسة مجاورة،
[ ٣٦٢ ]
ونجاسة المجاروة ليست كنجاسة العين التي تحصل بها الممازجة بين النجس والطاهر كما نشاهده في البول، حينما يقع في الماء، فإنه يتحلّل فيه ويمتزجا كالشيء الواحد، ففرّق العلماء بين النجاسة بالمجاورة وهي التي يكون فيها جرم النّجس منفصلًا عن الطاهر، وبين النجاسة التي تمازج الطاهر.
إذا علمنا أن عندنا قولين فما هو أقواهما؟ الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بأن نجاسة الزيوت، والدهون نجاسة مجاورة، وليست ممازجة، فإن دليل الحس ظاهر في قوة هذا القول حيث يشاهد عدم اختلاط النجس بالزيت، وعدم ممازجته له مما يدل على ضعف تأثيره عن الممازج المخالط، فنجاسة هذه المائعات، والدهون نجاسة مجاورة، وليست بنجاسة ممازجة.
قوله ﵀: [وإِنْ خَفِي موضعُ نجاسةٍ غَسلَ حَتّى يَجزمَ بِزَوالهِ]: مراده ﵀ أن يجزم بإصابة النجاسة، ووقوعها على الطّاهر، ولكنه لا يستطيع أن يحدّد موضعها حتى يزيلها.
مثال ذلك: لو أن إنسانًا مرّ على موضع، فتطاير من ذلك الموضع النّجس ذرّاتٌ من نجاسة، وتحقّق أنها أصابت ثوبه، ولكن لا يعلم أين المكان الذي أصابته النجاسة من الثوب؟ وحكمه حينئذ: أنه يجب عليه أن يغسل من ثوبه الموضع الذي أصابته النجاسة بقدر ما يجزم معه أنه قد أصاب فيه موضعها.
فلو جزم أن النجاسة أصابت أسفل ثوبه بحدود الربع، ولكن لا يدري: هل هي في الجانب الأيمن من الثوب، أو الأيسر فإننا نقول له: إغسل ربع الثوب
[ ٣٦٣ ]
السُّفلي كلّه حتى يَجزم، ويَستيقنَ أنّ ثوبه طاهر، وهكذا بقية الصور والمسائل.
قوله ﵀: [ويَطْهُر بَولُ غلامٍ لَمْ يَأكُلِ الطعامَ بِنَضْحِهِ] أي أن الشرع خفّف في نجاسة الغلام الذي لم يأكل الطعام، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنّ أمّ قيسٍ بنتَ مِحْصَنٍ ﵂ أَتت بِصبِّيها إلى النبي -ﷺ- فأجْلَسه في حِجْرِه، وكان -صلوات الله وسلامه عليه- يؤتى له بالولود فيحنّكه، ويدعو له بالخير -صلوات الله وسلامه عليه-، وهذا من مكارم خلقه -صلوات الله وسلامه عليه-، فأجلسه في حِجْره، فلما أجلسه بالَ عليه؛ قالت أم المؤمنين ﵂: " فأخَذَ مَاءً فَرشَّه " وفي رواية " فَنَضَحَه بماءٍ، ولم يَغْسِلْه " كما هي رواية السنن، هذا الحديث دلّ على أن بول الغلام يُنضح، والنضح: أن تأخذ كفًّا من ماءٍ، وتَرشُّه به، وأما الغسل: فإنك تصبّ الماء على الموضع، وتُعمّمه به، فالرّشُ، والنّضْحُ أخفّ من الغسل، فخُفف في نجاسة الغلام، وأكد هذا حديث علي -﵁- أن النبي ﷺ قال: [يُغسلُ منْ بولِ الجاريةِ، ويُنضحُ منْ بولِ الغُلامِ] هذا القول هو قول الجمهور من العلماء ﵏: إن بول الغلام يُرشُّ، ولا يُغسلُ، وبول الجارية يغسل، وهنا مسائل:
المسألة الأولى: أن الحكم يختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام أي مدة رضاعه، فإن فُطِمَ فإنه يجب غسله؛ قالوا: إن الحديث الوارد في المسألة نصّ على ذلك بالمنطوق في الذي لم يأكل، ومفهومه: وجوب الغسل في
[ ٣٦٤ ]
الذي فُطِمَ، وأكل، وذلك في قولها في الرواية الصحيحة: [لمْ يَأكُلِ الطعامَ]، ولذلك يقولون: إنه إذا فطم يجب غسل بوله كالجارية سواءً بسواء، ثم يرد السؤال عن مسألة وهي: لماذا فُرقَ بين الغلام، وبين الجارية؟
والجواب:
أولًا: ينبغي على المكلف أن يسلِّم بالشَّرع، وأن لا يتكلّف البحثَ عن العلل، وأن يتعبّد الله -﷿- بما ثبت به دليل الكتاب، والسُّنة؛ قال بعض السلف ﵀: على الله الأمر، وعلى الرسول -ﷺ- البلاغ، وعلينا الرضا، والتسليم، فمن الإيمان بالله أن المكلف إذا جاءه الحكم قال: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا، وإليك المصير، وأثنى الله على هؤلاء الذين يُسلِّمون، ولا يتكلّفون في بحث العلل، والتّقصي فيها.
لكن إذا وجدت الحاجة للبحث عن العلّة، كما يفعل العلماء ﵏ في النصوص التي تحتمل التَّعليلَ فلا حرج، أما الأصل فهو التّسليم، والرِّضا بحكم الله سواء علمنا العلّة، أو لم نعلمها، ثم إنهم إِختلفوا فيما يظهر لهم في العلّة:
فقال بعض العلماء: خُفّف في بول الغلام، وشُدّد في بول الجارية لسبب موجود في ذات البول، فإن بول الجارية أثقل من بول الغلام، فخُفف في بول الغلام دون بولها قبل الفطام، لضعف مادته.
والوجه الثاني: أنه خفف لصورة بول الغلام، وذلك أنه لا ينتشر، وبول الجارية ينتشر.
وهاتان العلتان ضعيفتان.
[ ٣٦٥ ]
أما علة من قال: إن بول الجارية أثقل من بول الغلام فهذا لم يسلّم به حتى إن بعض الأطباء أكدّ ردّه وعدم صحّته.
وأما التعليل بالإنتشار، وعدمه، فضعيف لأنه لا فرق في النّجس بين كونه منتشرًا، أو غير منتشر فالقطرة من البول منجّسة، سواء انحصرت، أو انتشرت، فالحكم واحد، ثم إن كلا البولين سينتشر بالسّريان فاستوى أن يكون في حاله الأول منتشرًا، أو غير منتشر.
وأقوى العلل هي قولهم: إن الشرع خفف في بول الغلام أكثر من الجارية؛ لأنهم كانوا يحملون الغلمان أكثر من الجواري في محضر الناس، فتجدهم يحملون الغلمان، لأنهم يستحيون وكانوا يتعاطون الكمال في إخفاء المرأة حتى في حال الصّغر، فكانوا يحملون الصبيان، ويحضرونهم المجالس أكثر، وقد يحضرون الصبية كما في حديث أُمامة لما حملَها النبي -ﷺ- ولكنّه نادر، والحمل أكثر ما يكون للذكور بالنسبة لمجامع الناس، فخُفّف من أجل المشقة في الصبيان أكثر من الجواري غالبًا.
هذا بالنسبة لقضية بول الغلام، وبول الجارية.
وإذا قلنا إن الحكم يختص بالبول، فإنه لا يسري إلى غيره كالدّم مثلًا؛ لأن الحكم جاء على سبيل الإستثناء فانحصر في الوارد، ولم يلتحق به غيره.
قوله ﵀: [ويُعْفَى في غيرِ مَائعٍ، ومطْعومٍ عنْ يَسيرِ دَمٍ نَجِسٍ منْ حَيوانٍ طَاهرٍ]: بيّن المصنف ﵀ في هذه العبارة بعض المستثنيات في باب إزالة النجاسة، وهو يسير الدم، وأن محلّ الإستثناء ألا يكون في مائع، ومطعوم، والدّم نجس، وهو قول جاهير العلماء -رحمة الله عليهم-
[ ٣٦٦ ]
لقوله ﵊: [إِغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ]، وكذلك قوله في دم المرأة المستحاضة: [إِنما ذَلكِ عِرْق] قالوا: فكما أن دم المستحاضة خرج من عرق فسائر دم الإنسان في أصله خارج من عرق، وظاهر القرآن دال على نجاسته كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١) والدم المسفوح يكون من البهيمة عند قتلها، وتذكيتها، ويكون من الآدمي فهو الدم الذي يخرج من الجسد في حال الحياة، ولذلك أجمعوا على أن الدم الذي يخرج عند ذبح الشاة، أو نحر البعير أنه نجس هذا بالإجماع كما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع فقال: " أجمع العلماء على أن الدم المسفوح عند التذكية أنه نجس "، وذلك لظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ فالجماهير لما قالوا بنجاسة الدم قالوا: إن القرآن أطلق فوصف كل دمٍ مسفوح بكونه رجسًا، والدم المسفوح: هو الخارج في الحياة؛ لأن الذي عند الذكاة خرج والبهيمة حية، ولذلك إذا سكنت، وماتت بالتذكية؛ فسائر الدم الذي في أجزائها يعتبر طاهرًا.
والذين قالوا بطهارة الدم إحتجوا بأنه -﵊- نحر الجزور، ثم سلخه، وصلّى، ولم يغسل أثر الدم، وهذا مردود بأن الدم الذي يكون عند السلخ طاهر، ولا يعتبر نجسًا حتى يكاد يكون عليه الإجماع، ألا ترى أنه يؤخذ كتف البهيمة، ويُطبخ، ويُشوى، ويؤكل مع أن فيه الدم لكنه
_________________
(١) الأنعام، آية: ١٤٥.
[ ٣٦٧ ]
يعتبر طاهرًا لأنه خارج بعد الذكاة من غير موضعها، فالإستدلال بهذا الحديث استدلال بما هو خارج عن موضع النزاع.
واستدلوا بحديث عبّاد بن بشر ﵁ لما أصابه السهم وهو قائم يصلي في حراسته، فنزعه فنزف قالوا لو كان نجسًا لقطع صلاته، وهذا يعارض المنطوق الذي ذكرناه في قوله ﷺ: [إغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ]، وجوابه كما نبّه عليه شراح الحديث في غير ما موضع أن حديث الصحابي ﵁ في النزف، والنزيف سواءً كان بسهم، أو باستحاضة متفق على أنه يُعتبر رخْصَة يعني يصلي الإنسان، ولو جرى معه الدم، كما صلّى عمرُ -﵁- وجُرحه يَثْعُب؛ لأنه لا يستطيع إيقافه غالبًا؛ وإنما يستقيم الإستدلال بهذه الأدلة أن لو كان الدم فيها من غير نزف بمعنى أنه يمكنه إيقافه، فلو كان كذلك لعارض ظاهر ما ذكرناه من النصوص، ولكنه ليس كذلك، ولذلك لا تعتبر هذه الأدلة حجة على الجمهور؛ لأن الجمهور يقولون: إن المرأة المستحاضة إذا غلبها الدم تُصلي على حالتها، وكذلك الذي معه رعاف لو غلبه الرعاف يُصلي على حالته ولو كان الدم على ثوبه، أو بدنه إذا غلبه، وكان كثيرًا؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، فليس هذا الدليل في موضع النزاع، وكذلك الإستدلال بما ورد في قصة عمر ﵁ لأنها بصورة النزيف الموجب للرّخصة.
ولذلك قال جمهور العلماء: إنّ الدمَ نَجِسٌ، وهو الراجح لدلالة النّصوص القويّة على رجحانه كما قدمنا، ولم يُخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر، وبعض أهل الحديث ﵏.
[ ٣٦٨ ]
وإذا قلنا بمذهب الجماهير بنجاسة الدم، فإنه يُفرّق بين كثيره، وقليله، فقد أجمع العلماء على أن يسير الدم معفو عنه، وفيه حديث ضعيف، وهو حديث الدّرهم البَغْلِي، والصحيح أنه لا يثبت عن النبي -ﷺ- إستثناء هذا القدر؛ وإنما اُستثني بدليل الكتاب، والإجماع أما دليل الكتاب فقوله سبحانه: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ فلما حكم بنجاسة الدم، وصفه بكونه مسفوحًا، والمسفوح: هو الكثير، ومفهوم ذلك أن اليسير لا يأخذ حكم الكثير المسفوح فاستثني، وتأيد هذا بفعل الصحابة ﵃ كما صحّ عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ﵃ أنهما لم يريا في البثرة شيئًا بل كان أحدهم يعصرها فيخرج منها الدم، ويصلي، ولا يغسلها، وأما الإجماع: فلأن جميع من قال بنجاسة الدم إستثنى اليسير، وإن كانوا قد اختلفوا فيما بينهم في حدِّ اليسير كما تقدم معنا، فهم بهذا متفقون على أن اليسير معفو عنه.
ونظرًا لدلالة الكتاب، والإجماع إستثنى العلماء ﵏ يسير الدم، ولم يحكموا فيه بالأصل، لأنه محلّ العفو من الشرع.
ويستوي عند العلماء ﵏ في هذا الإستثناء أن يكون قدر الدرهم منحصرًا في موضع معين، أو متفرقًا في مواضع، فما دام أنه بمجموعه لا يبلغ قدر الدرهم، فهو يسير، وعفو.
ثم إذا قلنا على القول المرجوح في مسألة القُلتين إن التّحديد بهما معتبر، فإن يسير الدم لو وقع في إناء دون القلتين حكمنا بنجاسته، ولا تدخل هذه المسألة معنا، وهذا هو ما أشار إليه المصنف ﵀ بالتّعبير بالقيد في قوله
[ ٣٦٩ ]
[في غيرِ مائع، ومطعومٍ]، وأما على مذهب المالكية، والظاهرية الذي قدمنا رجحانه فإن العبرة بالتغيّر، فإن حصل تغيّر لم يُعفَ، وإلا كان عفوًا، والمائع طاهر، وطهور بحسبه.
وإذا قلنا: إن يسير الدم معفو عنه؛ فإنه يرد السؤال هل يلتحقُ بغيرِ الدّم غيرُه؟ فمن العلماء من قال: أقْصُر الرّخصةَ على محلّها، فأعفو عن الدم وحدَه، لأنه هو الذي دل عليه دليل الكتاب، وهو الذي فعله الصحابة -رضوان الله عليهم- فيبقى غيره على الأصل.
وقال بعض العلماء: ما دامت العلّة التخفيف، وأن اليسير لا يأخذ حكم الكثير، فنطرد ذلك في كل نجاسة، فنقول: يسير النجاسة معفو عنه سواء كان دمًا، أو غيره، والمذهب الأول: أرجح، لإعماله لدليل الأصل، وقصر الرخصة على محلِّها، وعليه فإن الحكم باستثناء اليسير يختصّ بالدم وحده، ولا يلتحقُ به غيره من النّجاسات؛ كيسير المَذْي، والودْي، والبول، والغائط، فكلُّها باقيةٌ على الأصل لضعف دليل الإستثناء.
قوله ﵀: [وعن أَثَرِ استجمارٍ بمَحَلِّهِ]: أي: يُعفى عن أثر استجمار في محلِّه، والمحلُّ المراد به: مخرج البول، والغائط، ومن المعلوم أن الإنسان إذا قضى حاجته؛ فإنه ربما غسل بالماء، وربما استجمر بالحجارة، أما لو غسل بالماء؛ فبالإجماع: أنه يجب عليه غسل الموضع، وإنقاؤه هذا إذا كان بالماء.
أما إذا تطهّر بالحجارة فمن المعلوم أن إنقاء الحجارة للموضع ليس كإنقاء الماء، بل لا بد من بقاء أثر للنجاسة في الموضع فخفّف الشرع في هذا الأثر اليسير
[ ٣٧٠ ]
ولكن بشرط أن يكون في موضعه فلا يتجاوزه وهذا ما عبّر عند المصنف ﵀ بقوله: [بِمَحلّهِ]، ومن أمثلته أيضًا: الجروح يُعفَى عن الدّم النّجِسِ الموجود في فتحاتها، ولا يجب غسله لوجود الضرر، والحرج، فكلّها من اليسير المعفو عنه.
قوله ﵀: [ولا يَنْجُسُ الآدميُّ بالموتِ]: قوله: [لا يَنْجُسُ]: أي: لا يُحكم بكونه نجسًا، فلو سئلت عن آدمي مات؟ تقول: هو طاهر، هذا هو أحد قولي العلماء -رحمة الله عليهم- أن الآدمي لا ينجس بالموت.
وقال بعض العلماء: الأصل في الميتة أنها نجسة، واُستثْني الآدمي المسلمَ؛ لقوله ﵊: [المؤْمنُ لا يَنْجُس] وأُبْقِيتْ ميتة المشرك على الأصل، وأكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، قالوا: لما كانت الميتة في أصل حكم الشّرع نجسة كما نصّ الله -﷿- في غير موضع؛ فإننا نقول: إنّ كل ميتةٍ نجسةٍ، إلا ما ورد الشرع بإستثنائه، فلما قال النبي -ﷺ-: [إن المؤمنَ لا يَنجُسُ] وجدنا قوله " المؤمن " مطلقًا في حال الحياة، والموت فلا نحكم بنجاسته لا حيًا، ولا ميتًا وكما استثنى الشّرع المؤمنَ من الحكم بنجاسة الميتة بقوله ﵊: [إنّ المؤمنَ لا ينجُسُ] كذلك إستثنى ميتة البحر بقوله ﵊: [هُو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلّ مَيتتُهُ] فلم نحكم بنجاسة ميتة البحر، وبقي ما عدا ذلك على الأصل، ومنهم الكافر، والمشرك، هذا بالنسبة للمذهب الثاني.
[ ٣٧١ ]
وهناك مذهب ثالث: أن المشرك نجس حيًا، وميتًا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ولقول النبي -ﷺ-: [إِنّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ] ومفهومه: إن الكافر نجس حيًا، وميتًا.
اعترض عليهم باعتراضات وجيهة منها: إن نساء أهل الكتاب يحل لنا نكاحهنَّ، وإذا جاز لنا نكاحَهنَّ فإنه لا بد من مخالطة، فكيف نخالط النجس؟!
كذلك اُعترضَ عليهم بقصة ثُمامةَ بنِ أثالٍ الحنفىّ ﵁، فإنه -﵁- أخذتهُ خَيلُ النبي -ﷺ- وهو ماضٍ إلى العُمرة فأَمر النبي -ﷺ- بِربطهِ في المسجدِ، قالوا: ولو كان نَجِسًا لما أدخله النبي -ﷺ- المسجد، هذا بالنسبة للاعتراضات التي اُعترض بها عليهم.
وأجيب عنها: بأنّ النّص بالنجاسة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) ورد في المشركين ولم يرد في عموم الكفار، إذ لو كان أهل الكتاب داخلين فيها لقال: إنما الكفار نجس، لكنه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾ َ، ووجدنا أن القرآن يفرق بين المشركين، وأهل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٢) فلما فرق بينهم علمنا أن قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، المراد به عبدة الأوثان والذين لا دين لهم سماوي.
_________________
(١) التوبة، آية: ٢٨.
(٢) البينة، آية: ١.
[ ٣٧٢ ]
وأما حديث ثمامة بن أثال ﵁ فأجيب عنه: بأنه خارج عن الأصل لمكان الحاجة؛ لأن المقصود دلالته على الإسلام، وتعريفه به فاغتُفِرَ ما يحصل من المفاسد في جنب ما يحصل من المصلحة العظمى وهي إسلامه؛ كما اغتفر النظر إلى المخطوبة، وهو محرم في الأصل في جنب ما يقصد من حصول المصلحة من الزواج، وقد مشى المصنف ﵀ على مذهب من يقول بعدم نجاسة الكافر حيًا كان، أو ميتًا.
قوله ﵀: [وما لا نفْسَ لهُ سائلةٌ مُتَولِّدٍ مِنْ طَاهِر]: النّفْسُ: تطلق ويراد بها الدّمُ، وسمي الحيض نفاسًا لمكان الدم الخارج، كما في الصحيحين من قول النبي -ﷺ- لعائشة: [مالَكِ أَنفِسْتِ؟]، وسُمِّيَ النِّفاس نِفاسًا لوجود الدّم فيه، ومن هذا الإستعمال قول الفقهاء ﵏ في وصف بعض الحشرات ما لا نَفْس له سائلة، ويعنون به الحشرات من غير ذوات الدّماء؟ كبنات وردان، والصراصير، والبعوض، والبراغيث، ونحوها، وهكذا دود السُّوسِ في التمر، والدقيق، والحبّ كلُّه طاهرٌ، والدليل على طهارته ما ثبت في الحديث عنه ﵊ أنه قال: [أُحلّتْ لنا مَيْتتانِ، ودَمانِ، أمّا المَيْتَتَانِ فَالجَرادُ، والحوت، وأمّا الدّمان فالكبدُ، والطُّحالُ] ولأنه ﵊ لم يكن من هديه أنه حرّم سوسَ التّمرِ، أو أمر الصحابة ﵃ بإخراجه، وإنقائه.
فلهذا نصّ جماهير العلماء ﵏، والأئمة على طهارة ما لا نَفْسَ له سائلة.
[ ٣٧٣ ]
ثم إن ما لا نفس له سائلة يكون في بعض الأحوال متولدًا من غيره، وحينئذ لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون متولدًا من شيءٍ طاهر؛ مثل: التَّمر، والحبِّ، والدقيق، والأجبان، ونحو ذلك، فهو طاهر وهذا هو الذي قصده المصنف ﵀، وأشار إليه بقوله: [مُتَولِّدٍ منْ طَاهرٍ].
الثَانية: أن يكون مُتولِّدًا من نجس مثل: الدودِ المتولّدِ من عذرة الآدمي، ونحوها من النجاسات، فهو نجس لأن الفرع تابعٌ لأصله.
فبيّن المصنف ﵀ أنه يُستثنى من الحكم بطهارة ما لا نفس له سائلة ما كان متولدًا من النجاسة، وهذا هو ما يدل عليه مفهوم قوله [من طاهرٍ].
قال ﵀: [وبَوْلُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ، ورَوْثه]: التقدير طاهر، ومراده ﵀ أن الحيوانات التي أذن الشرع بأكل لحمها، مثل الإبل، والبقَر، والغنم، والحمام، والدجاج، ونحوها كلها طاهرة الفضلة سواء كانت بولًا، أو روثًا.
وقد دلّ على طهارتها ما ثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: [قدم على النبي ﷺ أقوامٌ منْ عُكلٍ، أو عُريْنة، واجْتَوَوْا المَدِينَة] أي: أصابهم الجَوى، والجوى: نوع من الأمراض، لأن أهل البادية تكون مناطقهم نقيّة، ونافهة، فإذا دخلوا المدن يصيبهم هذا النوع من المرض، ويُسمّى الجوى، وسببه كما ذكر الإمام النووي، وغيره: إختلاف الموضع، والطعام عليهم؛ لأنهم ألفوا طلاقة الجوِّ، ونظافة ما يؤكل ويشرب، بخلاف المدن التي تكون وخيمة، ووبيئة عادة؛
[ ٣٧٤ ]
بسبب كثرة الناس بها، وضيق أماكنها، فأمرهم النبي -ﷺ- أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وهذا من طبِّ النبي -ﷺ- عالج المريض بمألوفه، والأطباء يعتبرون هذا، وهو أن بعض الأمراض يكون علاجها بِرَد الإنسان إلى مكانه الذي ألِفَه، وإعتاد عليه، حتى قالوا: إنه يتأثر بأرضه، وهوائها، ومائها، وكان بعض الأطباء يُداوي بالماء الذي يكون في الموضع الذي وُلِدَ فيه الإنسان، وما فيه من مأكل، ومشرب، كما بيّنَهُ الإمام ابن القيم ﵀ في الطبِّ النّبوي، ووجه دلالة هذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه: أن النبي ﷺ أذنَ لهم بشرب البول، فلو كان نجسًا لما أذن لهم بذلك؛ لأنّ النجس محرّمٌ شربه والله لم يجعل شفاء الأمّةِ فيما حرمه عليها كما ثبت عنه ﵊ أنه قال: [إِنّ الله لمْ يجعلْ شِفاءكمْ فِيمَا حَرمَ عَليكمْ] فأَمَرُهُ ﵊ بالإستشفاء ببول الإبل يدلُّ على طهارته، وأكّد ذلك طوافه ﵊ على بعيره، وصلاته النّافلة عليه في السفر كما ثبت في الصحيحين، ومن المعلوم أن البعير لا يسلم غالبًا من طشاش بوله، وروثه على فخذيه، وما قارب مخرج البول، والروث، ومع ذلك كان ﵊ يُصلي، ويطوف وهو راكب عليه فدلّ على طهارة روثه وبوله.
ولما جاءت السنة أيضًا بالإذن بالصلاة في مرابض الغنم؛ دلّ ذلك على: أن العلّة هي كون الإبل، والغنم من الحيوانات التي أذن الشرع بأكل لحمها.
فصح القول بطهارة فضلة مأكول اللحم سواء كانت بولًا، أو روثًا، كما نصَّ عليه المصنف ﵀ في هذه العبارة، وقد قوى هذا المعنى المستنبط مما
[ ٣٧٥ ]
ذكرنا من الأحاديث السابقة أن النبي ﷺ لما حُرّمَتْ لُحومُ الحُمُرِ الأهليةِ حكم بنجاستها، فقال كما في الصحيح: [إِنها رِجْسٌ] فدلّ على أن تحريم الأكل يوجب الحكم بالنجاسة، وعكسه يدل على الطهارة، ولذلك وصف الله مباح الأكل بالطيب فقال سبحانه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ولا طيب لنجسٍ.
قوله ﵀: [ومنيّه، ومنيّ الآدمي]: قوله: [ومنيّه]: أىِ: منيُّ ما يؤكل لحمه، فإنه يُعتبر طاهرًا، لأنه فضلة، وقد تقدم بيان الدليل على ذلك، ولأنه إذا كان روثه، وبوله طاهر، فمن باب أولى المني؛ لأن فضلة البول، والروث أشدّ في حكم النجاسة من المنيّ، أصله الآدمي.
وأما منيُّ الآدمي فقد تقدم وصفه، وضبطه في باب الغسل.
وهو طاهر في أصحِّ قولي العلماء ﵏ كما بيّناه في شرح البلوغ حيث ذكرنا فيه قولي العلماء ﵏ بالنجاسة والطهارهَ، وهل نجاسته مخففة، أو باقية على الأصل؟
وقد دلّ على طهارته دليل السنة، كما بيّنا في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في الصحيح، وأن النبي ﷺ كان يُصلي بثوبه، وأثر الجنابةِ فيه.
وقد أنكرت ﵂ على ضيفها حينما غسل الثوب من المنيّ، وجاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄ عند البيهقي، وغيره أنّ النبي ﷺ قال: [إنّما هو بمنْزِلةِ المُخَاطِ يَكْفِيكَ أَن تَحُتّه عَنْكَ بإِذْخِرَةٍ] فأكّد القول بطهارته.
[ ٣٧٦ ]
وظاهر قول المصنف ﵀: [الآدميّ] العموم في الرجال، والنساء. قوله ﵀: [ورُطوبةُ فَرْجِ المَرأة]: الرطوبة: (سائل يخرج من رحم المرأة في حال الجماع، وغيره) فيخرج تارة بشهوة، وتارة بدونها، هذا السائل نصّ المصنف ﵀ على طهارته، وهو رواية عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية رحمة الله على الجميع، وقد بنوا مذهبهم على أن الأصل الطهارة، ولا دليل يخالفها، فوجب البقاء على الأصل الموجب للحكم بالطهارة.
وذهب طائفة من العلماء ﵏ إلى القول بنجاسته وهو الرواية الثانية عند الحنابلة، والوجه الثاني عند الشافعية رحمة الله على الجميع.
واستدلوا على نجاسته بدليل النّقل، والعقل: أما دليلهم من النّقل فما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [لِيَغْسِلْ مَا أَصابه مِنْها] وهذا الحديث وارد فيمن جامع زوجته، ولم يُترل حيث كان في أول الإسلام لا يلزمه غسلٌ للجنابة، ولكن يُؤمر بغسل فرجه، وما أصابه من رطوبة فرج المرأة، وهذا النصّ واضح في دلالته على نجاسة رطوبة فرج المرأة، ووجه الدلالة: أنّ النبي ﷺ أمر بغسل الذكر مما أصابه، والذي أصابه أثناء الجماع إذا وقع بدون إنزال للمني إنما هو رطوبة الفرج، فدلّ هذا على نجاستها، ووجوب غسل ما أصابته.
وأما دليل العقل؛ فهو القياس: حيث إن رطوبة فرج المرأة تخرج عند شهوتها، فهي كالمذي في الرجل؛ فتكون نجسة.
وإذا ثبت أن رطوبة فرج المرأة نجسة فإنه يرد الإشكال، والسؤال: بأنه قد
[ ٣٧٧ ]
تعم البلوى بهذه الرطوبة ومن النساء من تجلس ساعاتٍ مبتلاةً بهذه الرطوبة؛ فهل نحكم بالنجاسة أيضًا، وكيف تكون طهارتها؟ نقول: إنها كالمستحاضة، فكما أن المرأة يصيبها دم الإستحاضة، ويستمر معها أحيانًا شهورًا، والشريعة تحكم بكون هذا الدم نجسًا، كما بين ذلك ﵊ وذلك حينما أمر بغسله، ويكاد يكون بالإجماع: أن دم الإستحاضة نجس، ولم تَمْنَعْ كثرةُ دم الإستحاضة الحكمَ بنجاسته شرعًا؛ كذلك كثرةُ رطوبةِ الفرج لا تمنع الحكم بالأصل، لكن إذا كثرت على المرأة فإنّها تترخص برخص المستحاضة فيما تشبهها به، فتضع قطنة تشدُّ بها الموضع، فإن غلبها الدم فإنها تصلي على حالتها، وتتوضأ لدخول كل وقت، فالمرأة التي تغلبها الرطوبة، وتصل بها إلى درجة المشقة حكمها حكم الإستحاضة سواء بسواء على التفصيل الذي سنذكره فيها -بإذن الله تعالى- في كتاب الحيض، وهذا لا حرج فيه، ولا مشقة؛ لأن القاعدة في الشريعة: " أَنَّ الأمرَ إِذَا ضاقَ إِتَّسَعَ "، فما دام أنه يضيق على المرأة، ويحرجها؛ فإنّها تتعبد الله -﷿- على قدر وسعها، وطاقتها كما قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
وقوله: [رُطُوبةُ]: فيه تخصيص، حيث دلّ على أن غير الرطوبة من فضلات بدن المرأة الأخرى تُعتبر طاهرة، ولا يُحكم بنجاستها مثل العرق والبصاق والريق واللعاب.
_________________
(١) البقرة، آية: ٢٨٦.
[ ٣٧٨ ]
قوله ﵀: [وسؤرُ الهِرّةِ، وما دُونَها فِي الخلْقَةِ طَاهِرٌ]: قوله: [وسؤرُ الهِرّةِ]: السؤر: الفضلة من الشراب، واحد الآسَار، وصورة المسألة: أن تشرب الهرة من إناء، ثم تُبْقِي فضلةً بعد شربها فهذه الفضلة باقية على الأصل، ولا يُحكم بنجاستها لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي قتادةَ ﵁ أنه كانَ يتوضّأ من إناء، فجاءت هرة فَأصْغَى لها الاناءَ حتّى شربتْ، ثُمّ أتم وضُوءَه من سؤرها، وكبشةُ بنتُ كعبِ بنِ مالكٍ تنظرُ إليه فقال: أتَعْجبينَ يا إِبنَة أخي؟ فقالت: نعمْ، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: [إِنها ليستْ بِنَجسٍ إنها من الطّوافينَ عليكُمْ، والطَّوافاتِ]، فدلّ هذا الحديث على طهارة الهرة حيث صرّح ﵊ بعدم نجاستها، وفي هذا الحكم تيسير، ورحمة بالناس؛ لأن الهرة تخالطهم، وتكون معهم، وقد قال -﵊- مشيرًا إلى هذه العلّة: [إنها منَ الطوافينَ عَليْكُمْ، والطوافَاتِ] ومن أهل العلم من قال: هي نجسة، ولكن خُففَ في حكمها لمكان المشقة؛ وذلك بقوله ﵊: [إِنها منَ الطّوافينَ عَليكمْ، والطّوافَاتِ] قالوا: إذ لو كانت طاهرة في الأصل لقال: إنها طاهرة، لكن كونه يقول: [إنها من الطّوافينَ عليكمْ، والطّوافاتِ] كأنه يقول: إن فيها من الحرج، والمشقة ما يوجب التخفيف في نجاستها وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ ولكنّ قوله ﵊: [إِنّها ليستْ بِنَجَسْ] صريح في الدلالة على نفي نجاسة الهرة، فترجّح به مذهب الجمهور ﵏.
قوله ﵀: [وما دُونها في الخِلْقَةِ] الضمير عائد إلى الهرة، ودون
[ ٣٧٩ ]
الشيء: أقلّ منه؛ ضدّ الأعلى، وظاهر كلام المصنف ﵀ العموم أي: أن كل ما كان من السباع دون الهرة في الخِلْقَة فهو طاهر مثل: النِّمْسِ، والنّسْناسِ، والقُنْفذِ، وابنِ عُرْسٍ، والفَأرِ.
وأما ما كان فوق الهرة في الخِلقة من السباع فنَجِسٌ، ومثاله: الأسدُ، والنّمرُ، والذِّئبُ، والفَهْدُ، والكَلْبُ، وكذلك سباع الطير مثل: النّسرِ، والصّقرِ، والبَازِ.
ويدخل في ذلك ما لا يؤكل لحمه فيلتحق بالسباع كما نصَّ عليه بعض فقهاء الحنابلة ﵏، ومثاله: الفيل، والحمار.
وكذلك ما توالد من مأكول اللحم، وغيره كالسِّمع ولد الضَّبع من الذِّئب.
فأصبح القدر المعتبر عندهم بالهرّة فما كان مثلها، أو زاد عليها من السباع، أو كان محرم الأكل فإنه نجس وسؤره كذلك، وما كان دونها فإنه طاهر، وسؤره طاهر، وهذا القول مرجوح لأنّ النبي ﷺ إستثنى الهِرَّة من أصل عام، فبقي ما عداها على الأصل؛ لكننا لا نحكم بنجاسة سؤره إلا إذا تغيّر كما تقدم معنا في مسألة القُلّتين، والحنابلة إحتاجوا إلى هذا لأن مذهبهم: أن ما دون القُلّتين ينجُس بمباشرة النجاسة سواء تغيّر، أو لم يتغيّر، وأما الحكم بطهارة الحيوان، ونجاسته فهذا راجع إلى حِلِّ أكله، وحرمته على تفصيل سيأتي -بإذن الله تعالى- في محله في كتاب الأطعمة.
وإذا تبيّن أن الهرة طاهرة، وأن سؤرها طاهر، فإن هنا مسألة ينبغي التّنبيه عليها، وتُعتبر مستثناةً من هذا الحكم، وهي: أن تراها قد أصابت نجاسة ورأيتها على فمها، فإن سؤرها نجس إذا تغيّر بذلك النجس.
[ ٣٨٠ ]
صورة ذلك: لو رأيتها إِغتذت بميتةٍ، فنهَشَتْ من لحمها، ورأيت فضلة اللحم الذي نهشته على فمها، وشَرِبَتْ من إِناءٍ بعد ذلك، وأفضلت السؤر متغيّرًا لونه، أو طعمه، أو رائحته بتلك النجاسة؛ حكمنا بكون الماء متنجسًا؛ لكن هذا في بعض الأحوال؛ لا في كلّها فيقتصر الحكم بنجاسة السؤر عليها، وعلى أمثالها من الصُّور مما يتغير فيها الماء بعد شرب الهِرّة منه، وهذا معنى قول الإمام خليل بن إسحاق في مختصره [وإِنْ رِيئَتْ على فَمِهِ عُمِل عَليْها] فقوله: [وإن رِيئَتْ] يعني: رُئيت النجاسة، وقوله: [على فَمِه] يعني فَمَ الهِرِّ عُمِل عليها يعني حُكِمَ بِحُكْمِها إن أثّرت في الماء فالماء نجس، وإن لم تؤثر فالماء طهور.
قوله ﵀: [وسباعُ البهائمِ، والطّيرِ، والحمارُ الأهليُّ، والبغلُ مِنْه نجسة] أي: أن جميع هذه الحيوانات محكوم بنجاستها فيدخل في قوله: [سِباعُ البَهائمِ] الأسد، والنّمر، والفَهْد، والذِّئب، ونحوها، وقوله: [والطّيرِ] أي: سباعُ الطّير، وهي الطيور الجارحة كالصّقر، والبَاز، والنّسر، والعُقَاب، والشَّاهين، ونحوها كلُّها نجسة.
وقوله: [والحمارُ الأهليُّ] أي: أنه نجس، ومفهوم قوله: [الأهْلِيُّ] أن الحكم خاص به، فلا يشمل حمار الوحش لأنه مباح الأكل طاهر، كما دلّت السّنة على ذلك في حديث أبي قتادة ﵁ في الصحيح.
وقوله: [والبَغْلُ] هو الحيوان المعروف، وهو متولد من طاهر مباح الأكل، وهو الخيل، ونجس محرم الأكل وهو الحمار الأهلي، ولذلك أشار إلى تولّده من الحمار الأهلي بقوله: [والبغلُ مِنْه] فالضمير عائد إلى الحمار، دون ما
[ ٣٨١ ]
تولد من الخيل.
أما الدليل على تحريم هذه الأشياء، ونجاستها فهو مبني على أنّ السنة دلّت على أن محرَّم الأكل نجسٌ في الأصل، وذلك لما ثبت في الصحيح عنه ﵊ أنه لما نزلَ تحريم الحمُرِ الأهليّةِ أمر بإِكْفاءِ القدور، وإراقتها وقال: [إِنها رِجْسٌ]، وفي هذا دليل على أن المطعوم إذا صار حرامًا حُكِمَ بنجاسته فصار كالميتة التي لا تَعْملُ فيها الذكاة، فلا يَطْهُر حيًا، ولا ميتًا، وأما الدليل على تحريم أكل هذه الحيوانات فسيأتي بيانه بإذن الله تعالى في كتاب الأطعمة، وتفصيل أحكامه، والله تعالى أعلم.
[ ٣٨٢ ]