التيمُّمُ مأخوذ من قولهم: أمَّ الشيءَ؛ إذا قصده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي لا تقصدوا رديء التمر، والخارج من الأرض لتنفقوا منه زكاة أموالكم، ومن ذلك قول الشاعر:
تَيمَّمتُها مِنْ أَذرِعاتٍ وأهلُها بِيَثْرِبَ أدْنى دَارَها نظَرٌ عَالِي
أي: قَصَدتها. فالتيمم: القصد.
أما في الإصطلاح فإنه: (القصدُ إلى الصّعيدِ الطّيبِ بضَربِ اليدين بصِفةٍ مخصوصةٍ، ونيّة مخصوصة) فالمراد بالصّعيد: كل ما صعد على وجه الأرض، وأصل الصعود: علوّ الشّيءِ، وارتفاعه، فلما كان محل التيمم بما على ظاهر الأرض وُصِفَ ذلك الظاهر بكونه صعيدًا.
وقولهم: [الطَيّب]: المراد به الطاهر، فلا يجوز التيمم بالأرض المتنجسة، وقولهم: [الصَّعيد] عامٌّ شاملٌ لكل ما على وجه الأرض من الحجارة، والتراب، والغبار لعموم النصِّ كما سيأتي إن شاء الله بيانه.
وقولهم: [بصِفةٍ مَخْصُوصةٍ]: هي التي ورد النصّ بها في قوله سبحانه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فتكون بمسح الوجه، والكفّين، وقد بيّنها ﵊ بفعله حينما قال لعمار ﵁ كما في الصحيحين: [إنما كانَ يَكْفِيكَ هكذا قال: وضَرَبَ النبيُ ﷺ بكَفّيه الأرضَ، ونَفَخَ فيها، ثُمّ مَسَح بِهما وجْهَهُ، وكَفيْهِ]،
[ ٣٠٩ ]
وقولهم: [بنِيّةٍ مَخْصُوصَةٍ] وهي: استباحة الصّلاة والطّواف، ومسّ المصحف، ونحوه مما تُشترط له الطّهارة، والنّية واجبة في التيمم بلا خلاف.
والتعبير بالإستباحة لأن التيمم مبيح، وليس برافع للحدث لقوله ﵊: [الصعيدُ الطّيبُ طُهورُ المسْلمِ، ولو لَمْ يَجِدَ الماءَ عَشرَ سِنينَ، فإذا وجَد الماءَ فليتّقِ الله، وليُمِسَّه بَشَرَته] فلو كان رافعًا للحدث لا وجبت عليه طهارة الغسل بعد وجود الماء.
شرع الله التيمم في كتابه: بقوله -﷾-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ في آيتي النساء والمائدة.
وشرعه سبحانه، وتعالى بهدي رسوله -ﷺ-، وذلك في قوله ﵊ لعمار ﵁: [إِنما كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقولَ بِيديْكَ هَكَذا، ثُمّ ضَربَ بِكَفيه الأَرْضَ، ثم مَسَح بِهما وَجْهَه، وكَفّيهِ]، وكذلك -أيضًا- ثبت في الصحيحين من حديث عمران ابن حصين -﵁- أنّ النبي -ﷺ- مرّ على رجل لم يصلِّ في القوم فقال: [يا فُلانُ مَا مَنعكَ أَنْ تُصَلّي فِي القَوْم؟] قال: أَصابتْني جَنابةٌ، ولا ماء، فقال ﵊: [عَليكَ بالصّعيدِ الطيبِ فإنه يَكْفِيكَ] وفي حديث أبي ذر ﵁ الصحيح عند أحمد، والترمذي أنه ﵊ قال: [الصعيدُ الطّيبُ طُهُورُ المسْلمِ ولَوْ لَمْ يَجِدَ الماءَ عَشرَ سِنينَ]، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁ قوله ﵊: [أُعْطِيتُ خَمْسًا لمْ
[ ٣١٠ ]
يُعْطَهُنَّ أحدٌ قَبْلِي]، ومنها قوله: [وجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًَا] فدلّت هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي -ﷺ- على أنّ التيمم مشروع.
وأجمع العلماء -﵏- على مشروعية التيمم على تفصيل سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.
أما بالنسبة لمناسبة هذا الباب لما قبله فهي: أنه لما فرغ من بيان الطهارة المائية بالغسل شرع في بيان الطهارة البدلية عنها وهي التيمم؛ فكان حديثه عن الطهارة بالماء التي هي أصل، ثم هنا شرع في طهارة التراب التي هي بدل عن الأصل، والكلام عن البدل يكون بعد الكلام عن المُبْدَل منه، فبعد أن بيّن -﵀- حكم الطهارة بالأصل، وهو الماء شرع في بيان حكم الطهارة بالبدل، وهو التراب.
قوله ﵀: [وهو بَدلُ طهارةِ الماءِ إذا دَخَلَ وقْتُ فَريضةٍ]: قوله: [وهو] أي: التيمُّمُ [بَدلُ طهارةِ الماءِ إذَا دَخلَ وقْتُ فريضةٍ] بدل طهارة الماء: أي أنه ليس بأصل، وإنما شُرِعَ على صورة مخصوصة، وفي أحوال مخصوصة، ولذلك يمكن للفقيه أن يقول للمكلف: تيمّم إذا وجد مُوجبات الرخصة، ويمكن أن يقول له: لا تتيمّمْ إذا لم تتوفر تلك المُوجبات، ولذلك قال: وهو بدل، والبدل يحتاج أن تعرف شروطه، والقيود التي نصّبها الشرع لقيامه مقام المُبْدل منه، ثم هذه البدلية تشمل الطهارة الصغرى، وهي: الوضوء، والكبرى، وهي: الغسل، فيقع التيمم بدلًا عن الوضوء. والغسل، وللمكلف إذا تيمم أن يستبيح الصلاة
[ ٣١١ ]
مباشرة، ومذهب بعض العلماء ﵏ أن هذه الطهارة تقع بدلًا عن طهارة الخبث، فقالوا فيمن وقعت عليه نجاسة، وليس عنده ماء يغسل به تلك النجاسة: إنه يتيمَّمُ، فجعلوا التّيممَ بدلًا عن الطهارة بنوعيها: طهارة الحدث، والخبث.
فإذًا بدليته عن ثلاثة: عن الوضوء، والغسل بالإجماع، وعن طهارة الخبث على أحد قولي العلماء ﵏.
قوله ﵀: [إذا دَخلَ] هذا شرط، والشروط في المتون الفقهية تعتبر مفاهيمها، ويقيّد ذلك بالتزام صاحب المتن، أو باستقراء منهجه.
وقوله ﵀: [إذا دخلَ وقتُ فريضةٍ] مفهومه: أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة أنه لا يتيمَّمُ للفريضة، لكن لو تيممَ لغير الفريضة؛ كأن تكون عليه جنابة، وتيمم للمسِ مصحفٍ، أو للطواف بالبيت، فلا حرج عليه، سواء كان ذلك في وقت الفريضة، أو في غيره؛ لأن النافلة، ومسّ المصحف ليس لهما ميقات كالفريضة، أما الفريضة فلا يصح التيمم لها إلا بعد دخول وقتها، فلو أن إنسانًا سألك وقال: لم أجد الماء فتيممت قبل أذان الظهر، ثم دخل وقت الظهر، فصليتها؟ تقول: إن شرط صحة التيمم للفريضة أن يكون بعد دخول وقتها، فإذا تيمم قبل دخول الوقت بطل تيممه بدخول الوقت بعد ذلك لأنه يُحْتَسبُ للفريضة السابقة، ويبطل بدخول وقت الفريضة اللاحقة، فلا يصح تيمُّمُك قبل الظهر للظهر، وهكذا بقية الفرائض.
[ ٣١٢ ]
أما الدليل على اشتراط التيمم لدخول الوقت؛ فقالوا: إنه الأصل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وجه دلالتها على اشتراط دخول الوقت: أنه كان في أول الإسلام يجب على المكلف إذا دخل وقت الفريضة أن يتوضَّأ، حتى ولو كان متوضِّئًا، وكانوا يتوضَّؤون عند دخول وقت كل صلاة، ولو كانوا متوضئين؛ كما في حديث عبد الله بن حَنْظلةٍ ﵁ أن النبي ﷺ: [أَمَر بالوضُوءِ لكلّ صلاةٍ طَاهرًا كانَ، أوْ غَيرَ طَاهرٍ]، ثم نُسِخَ ذلك بفعل النبي -ﷺ- في غزوة الخندق؛ كما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵄ أنّ عُمَرَ جاء إلى النبي -ﷺ- وقال: " -يا رسول الله -، والله ما كِدْتُ أصلي العصرَ حتّى كادتِ الشّمسُ تغربُ " فقال -﵊-: " واللهِ، مَا صَليْتُها " قال: " فتوضّأ، ثمّ صلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى المغرب، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند أحمد، والنسائي بسند صححه غير واحد أنه قال: [حُبِسْنَا يومَ الخندقِ عنِ الصّلاةِ حتى كَان بعدَ المغربِ بهويٍ من اللّيلِ كُفِينا، وذلك قول الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ قال: فَدَعا رسولُ الله ﷺ بلالًا فأقامَ الظُّهرَ، فصلاها؛ فأحسَنَ صَلاتها كما كان يصليها في وَقْتِها، ثُمّ أمرَه
_________________
(١) المائدة، آية: ٦.
[ ٣١٣ ]
فأقامَ العصرَ فصلاّها فأحسَنَ صلاَتها كما كَان يُصلِّيها في وقْتِها، ثم أمره فأقَامَ المغربَ فَصلاّها كذلك] قالوا: هذا نسخٌ لوجوب الوضوء عند دخول الوقت، ودلّ على أنه يُشْرع للمكلف أن يجمع بوضوء واحد بين صلوات، ولا حرج عليه في ذلك، فأصبح الوضوء رافعًا للحدث، وبناءً على ذلك قالوا: نُسخ الحكم في الوضوء، وبقي التّيَمُّمُ على الأصل من كونه مطلوبًا عند دخول الوقت؛ لأنه ورد النصّ على العموم في الطهارة، وأنها مقيّدة بدخول الوقت، وذلك في قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ولا يقام لفعل الصلاة المفروضة إلا بعد دخول وقتها، فلما جاء الناسخ في الوضوء بَقِيَ غيرُه على الأصل، قالوا: فبقي التيمم على الأصل، ومن هنا لا يُتَيَمَّمُ إلا عند دخول وقت الفريضة.
قوله ﵀: [أَوْ أبِيحَتْ نَافلةٌ]: عندنا صلاتان: المفروضة، والنافلة، فإن قلت: إن التيمم لا يكون إلا عند دخول وقت الصلاة، وقيّدته بالصلاة تقيده في الفريضة بوقتها، فتقول: يَتيمم لصلاة الظهر بعد زوال الشمس، ويَتيمم لصلاة المغرب بعد غروب الشمس، وهكذا.
وإذا كانت الصلاة نافلة: إِعْتبرتَ فيها الأوقات المنهيّ عنها، فتقول: يَتيمَّمُ في وقتٍ تُباح فيه النافلة، فلو أنه تيمّم بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة الفجر، وقبل طلوع الشمس لِفِعْلِ نافلة مطلقة؛ فإنه لا يصحُّ تيمُّمُه؛ لوقوعه في غير الوقت المعتبر لإجزاء التيمم للصلاة، فيجوز له أن يتيمم لفعل النافلة المطلقة في جميع الأوقات، إلا الأوقات التي نُهي عن صلاة النافلة فيها، وأما ذوات الأسباب فعلى القول بجواز فعلها في أوقات النهي
[ ٣١٤ ]
يصحّ التيممُ لها فيها، وعلى القول بالمنع يُمنع من التيمم للنوافل جميعها في الأوقات المنهي عنها، وأما لمس المصحف، وحمله، أو قراءته للجنب؛ فيتيمم له في كل وقت؛ لأن الشرع لم يحظره في وقت من الأوقات.
قوله ﵀: [وعَدِمَ الماء]: وعدم الماء: هذا شرط؛ دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فنصّ سبحانه على إشتراط عدم وجود الماء، فدلّ ذلك على أَن التيمم رخصة عند فَقْدِ الماء، وعَدمِه وفي الصحيح عنه ﵊ أنه رخّص لمن فقد الماء أن يتيمم كما في حديث عمران ﵁ أنّ الرجل حينما قال للنبي ﷺ: [أصابَتْني جنابةٌ، ولا مَاء] قال ﵊: [عَليْكَ بالصّعيدِ الطَّيبِ فإنه يَكْفِيكَ] فأمره بالتيمم لما أخبره أنه لا يجد الماء، كذلك جاءت السُّنة في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إِنّ الصَّعيدَ الطيّبَ طَهُور المسلم ولو لم يَجِدَ الماءَ عَشْرَ سِنينَ، فإذَا وجدَ الماءَ فليُمِسّهُ بشَرته] صححه الإمام الترمذي، والحاكم وابن حبان، وأبو حاتم، والذهبي، والنووي، وغيرهم ﵏، فنصّ ﵊ على رخصة التيمم بشرط عدم وجود الماء، ولو طالت المدة فدلّ على أن فقد الماء موجب للإذن برخصة التيمم، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ولذلك أجمع العلماء ﵏ على أن فقد الماء موجب لرخصة التيمم من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فمنهم من يقول: عدم الماء سواء كان في سفر، أو في حضر، فكلّ من لم يجد الماء في سفر، أو حضر أبيح له أن يتيمم.
[ ٣١٥ ]
ومنهم من قيّده بالسفر.
والصحيح أن الحكم عام يشمل السفر، والحضر لعموم النصِّ.
ثم إنّ عَدَمَ الماء يتحقق بأمرين:
الأمر الأول: بيقينٍ يُقْطَع به بعدم وجودِ الماء، وهذا بلا إشكال أنه يُعتبر مبيحًا للتيمم، مثالَّ ذَلك: أن يكون الإنسان في مكان يعلم أنه لا يوجد فيه ماء أصلًا، ويكون على يقينٍ بذلك؛ فحكمه: أنه يجوز له التيمم لظاهر النصوص في الكتاب، والسُّنة.
الأمر الثاني: أن يغلبَ على ظنّه الفقد، بمعنى: أن يكون إحتمال وجود الماء ضئيلًا، فإذا كان احتمال وجود الماء ضئيلًا؛ فإن العبرة بغالبِ ظنِّهِ لا بِنادرهِ " لأنّ الشريعة مبينة أحكامها على الغالب، لا على النادر، ومن قواعدها: " النادِرُ لا حُكْمَ له ". ومن قواعدها أيضًا: " الغَالبُ كَالْمُحقَّقِ " فلما كان غالب ظنِّك أنّ الماء غير موجود في هذا الموضع، أو في هذا المكان؛ فإنه يُعتبر كأنك قطعت بعدم وجوده، فيُنزَّل غالبُ ظنِّك منزلةَ اليقين بعدمِ الوجود.
وبناءً على ذلك تستبِيح التيمم باليقين، وبغلبة الظن، وتبقى عندنا حالتان:
الحاله الأولى: أن تَشكّ في وجوده، يعني: يستوي عندك هل هو موجود، أو غير موجود، مثال ذلك: من نزل في موضع، وهو مسافر، ولا يدري هل فيه ماء، أو لا ماء فيه.
[ ٣١٦ ]
ففي هذه الحالة يطالب بالبحث، والتّحري حتى يصل إلى غالب الظنِّ بأحد الإحتمالين؛ فإذا غلب على ظنه وجود الماء عَمِل به فلم يحلّ له أن يتيمم، وإن ترجّح ظنه بالفقد، أو قطع به، فحينئذٍ يترخّصُ بالتيمُّمِ.
الحالة الثانية: أن تتوهم عدم وجوده، ويغلب على ظنّك وجوده، فهذه الحالة لا إشكال في أنه لا يجوز فيها التيمم، إلا إذا تغيّر هذا الظن، وصار لعكسه.
وهذه الحالة هي الغالب في المدن، والقرى، فلا يجوز لصاحبها أن يتيمّم مباشرة ما دام أنّ الماء يغلب على الظّنِ وجوده.
وإذا لم يجد الماء؛ فقولٌ واحد عند العلماء أنه: يتيمم؛ إلا ما قدمنا من خلاف بعضهم في الحضر وهو ضعيف، والجماهير على أنّ التيمم رخصة في الحضر، والسفر، دون فرق بينهما، ما دام أنه لم يجد الماء.
قوله ﵀: [أو زادَ على ثمنِه كَثيرًا، أو ثمنٍ يُعْجِزهُ]: المراد به أن لا يجد الماء إلا بثمن زائد عن قيمته زيادة ذات بال، وهو ما أشار إليه بوصفه لها بقوله: [كثيرًا] ومفهوم ذلك أنه إذا وجد الماء زائدًا على قيمته زيادة قليلة لزمه أن يشتريه، وأما إذا كانت كثيرة كان غبنًا عليه.
وهذه الحالة وهي زيادة ثمن الماء كثيرًا، وما بعدها وهي قوله: [أو ثَمنٍ يُعْجِزُه] رُخِّصَ فيها بالتيمم عند من يعتبر الرخصة فيها بناءً على أن الماء، وإن كان موجودًا حقيقة لكنّه بالزيادة عن ثمنه، والعجز عنه صار مفقودًا حكمًا، فأصبحت هذه الحالة بمثابة حالة الفَقْدِ الحقيقةِ للماء، وفي الحقيقة بالنسبة لمن لم يجد الماء إلا بثمن ليس عنده؛ فلا إشكال أنه في حكم فاقد
[ ٣١٧ ]
الماء، لأنه ليس بإمكانه أن يشتريه، لأنه بعجزه عن ثمنه صار كالعاجز عن العين نفسها، فَرُخّص له، وصار الماء غير موجود في حقِّه حُكْمًا.
وأما إذا كان يجد الماء زائدًا على ثمنه كثيرًا فقد رخص فيها بعض الفقهاء ﵏ بناء على ما قدمنا أن الزيادة الكثيرة ضررٌ عليه في ماله، ومن ثم قالوا: لا يلزمه أن يتحمل الضّرر في ماله على هذا الوجه كما لا يلزمه تحمل الضّرر في نفسه، فقاسوا ضرر المال هنا على ضرر النفس، فكما يُرخَّص للمكلف أن يتيمّم عند خوفه الضّرر عن نفسه بالإغتسال كذلك يُرخَّص له أن يتيمم ويترك الماء الزائد على ثمن مثله كثيرًا دفعًا للضرر الذي سيلحقه في ماله، وعلى هذا القول الذي مشى عليه المصنف ﵀ فإن هذه الزيادة تتقيد بالمكان الذي فيه الماء، فتكون زيادة كثيرة على ثمن مثله في ذلك المكان الذي هو فيه.
قوله ﵀: [أوْ خَافَ باسْتعمالِه، أَوْ طَلبِه ضَررُ بَدنِه]: صورة ذلك أن يكون الإنسان مريضًا، وإذا اغتسل هلك، أو زاد عليه مرضه، وكذلك إذا كان في زمانٍ شديد البردِ؛ فلو اغتسل خاف على نفسه المرض أو الموت، ففي هذه الحالة يُرخّص له أن يعدل من الغسل إلى التيمم، وهكذا لو كان الوضوء يُضِرُّ به، وينتهي به إلى تلف نفسه، أو حصول ضرر بجسمه؛ جاز له أن يعدل إلى التيمم، وهذا اختيار بعض العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد اختار ﵀ أنه لو خاف باستعمال الماء زيادة مرضه، كالزُكام، ونحوه أنّ من حقِّه أن يعدل إلى التيمم؛ لما فيه من وجود الضرر، والله -﷿- كلف
[ ٣١٨ ]
العباد بما لا ضرر فيه على أنفسهم، وأجسادهم، ولذلك قالوا: إذا كان استعماله للماء يُفضي إلى تلف النفس، أو حصول ضرر بها، أو زيادة سُقْمٍ، ومرض؛ جاز له أن يعدل إلى الرُّخصة، ويتيمّم.
أما الدليل على أن من خاف باستعمال الماء الضرر من مرض، وغيره أن يتيمم فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فبيّن سبحانه عذر المرض بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فدلّ على أن من كان مريضًا، وخاف باستعمال الماء أن يهلك، أو يستضر جاز له أن يتيمم، وأما خوف الإستعمال المفضي إلى الهلاك، والموت فقد جاء اعتباره موجبًا للرخصة في حديث عمروِ بنِ العَاصِ ﵁ أنه لمّا بَعَثه النبيُ ﷺ في غزوة ذاتِ السّلاسِلِ، واحتلم في ليلة باردةٍ شديدةِ البرد قال: [فأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ فَتيمّمْتُ ثُمّ صَلّيْتُ بِأَصْحَابِي فَلمّا بَلَغَ النبي ﷺ قال له: [يا عَمْرُو صلّيتَ بِأَصْحَابِكَ، وأَنتَ جُنُب!؟] فقلت: ذكَرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيمّمتُ، ثم صلّيتُ، قال: فَضحِكَ النبي ﷺ، ولمْ يَقُلْ شَيئًا] فترخّص عمرو ﵁ بسبب خوفه الهلاك، وهذا يُقوي ما تقدم، ويدل أيضًا على أن من خاف أن يُصاب بالضّرر بسبب الغسل، أو الوضوء، وغلب على ظنّه ذلك فإنّ له أن يترخّص بالتيمم.
[ ٣١٩ ]
وقد ذكر المصنف ﵀ في هذه العبارة أن سبب الخوف بحصول الضرر من إحدى حالتين:
الأولى: الإستعمال بمعنى أنه لو اغتسل، أو توضأ حصل له الضّرر.
والثانية: الطلب بمعنى أن حصول الضّرر، أو خوف حصوله ناشئ من طلبه للماء، مثل: أن يخاف لو ذهب يبحث عن الماء يقتل كما يحصل ذلك في الأرض المُسْبِعَةِ، وهي: التي فيها السباع، أو يكون هناك عدو يتربّص به، فإذا خرج لطلب الماء قتله، أو يوجد ضرر في نفس المكان الذي يأخذ منه الماء، كالحيّة، ونحوها، فإذا خاف الضرر بسبب الإستعمال، أو الطلب فالحكم واحد.
قوله ﵀: [أَوْ عَلَى رَفِيقِهِ]: أي: خاف على رفيقه من إستعماله، أو طلبه، مثال ذلك: أن يكون الإنسان عنده ماء، وهو محدث، وهذا الماء لو توضّأ به إحتاج إليه رفيقه لشرب؛ فحينئذٍ قالوا: لو قلنا له: توضأ بهذا الماء، أو اغْتَسِلْ به هَلك رفيقُه، فقالوا: حَلّ له التيمّم، وهذا يسمى بالفَقْد الحُكمي، فإن الماء موجود حقيقة، ولكنه في حكم المفقود؛ نظرًا لما يترتب على استعماله من وجود الضّرر بالنفس المحرّمة.
كذلك -أيضًا- لو خاف على رفقته، كأن يكون معه جماعة من باب أولى وأحرى.
قوله ﵀: [أو حرمته] والحرمة مثل زوجته ونسائه ومحارمه، والمراد: أن يخاف باستعماله، أو طلبه الضّرر على هؤلاء كما قدمنا في الخوف على رفيقه، فيكون معه أهله ونساؤه محتاجين إلى الماء فإذا استعمله تضرروا
[ ٣٢٠ ]
أو يكونوا معه ولا ماء عندهم فإذا طلب الماء لهم خاف عليهم الهلاك، أو الإعتداء على عرضهم، فجميع هذه الحالات موجبة للرخصة إذا تحقق فيها الضّرر، أو غلب على ظنّ المكلف حصوله.
وقوله ﵀: [أو مَالِهِ] أي خاف إن استعمل الماء، أو طلبه أن يحصل الضّرر في ماله، مثل راعي الغنم في البادية، إن ترك غنمه، وذهب يطلب الماء غلب على ظنّه أنها تُسرق، أو يُعتدى عليها، أو يكون معه مال لا يستطيع حمله عند الطلب، ولا تركه خشية سرقته، فهذه الحالات، وأمثالها كلها مُوجبة للرخصة، ثم بيّن صور الضرر، وذلك بقوله ﵀: [بعَطَشٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء في الغسل، أو الوضوء عطش هو، أو رفيقه، أو حُرمته، أو دابته فهلكوا، أو تضرّروا.
وقوله ﵀: [أو مَرَضٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء في جسده حصل له الضّرر بالمرض، أو زيادته كما قدمنا.
وقوله ﵀: [أو هَلاكٍ] أي: أنه إذا استعمل الماء، أو طلبه هلك هو، أو رفيقه، أو حُرمته، أو تلف ماله.
فكلها أضرار مؤثرة إذا غلب على الظنّ حصولها أوجبت الرخصة؛ لأنها إما أن يصل المكلف فيها إلى مقام الإضطرار، كما في حال الخوف على نفسه، وغيره، وإما أن يصل فيها إلى مقام الحاجة المنزلة منزلَة الضرورة، وهي تُوجب الحرجَ الذي دلّ دليل الشرع على أنه لا يُكَلّف به كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
[ ٣٢١ ]
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وذلك في حالة هلاك المال، وزيادة المرض ونحوها.
قوله ﵀: [ونَحْوِه شُرِعَ التَّيَمُّمُ]: أي نحو هذه الصور، والأمثلة، فالفقهاء -رحمة الله عليهم- بيّنوا لك الأصل الذي هو خوف الضرر على النفس، أو الرفقة، أو المال، وبناءً على ذلك يجوز للإنسان أن يعدل إلى رخصة التيمم بوجود هذه الأعذار؛ سواءً كانت بالصّور الموجودة في زمانهم، أو بصور جديدة في زماننا يصل فيها المكلف إلى مقام الإضطرار، أو الحاجة.
قوله ﵀: [ومَنْ وَجد َماءً يَكْفِي بعضَ طُهْرِه تَيممَ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ]: هذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء -﵏- فيها، وصورتها: أن يكون عندك ماء لا يكفي لغسل جميع البدن في طهارة الغسل، أو لا يكفي لغسل جميع أعضاء الوضوء في طهارة الوضوء، فالماء موجود، ولكنه غير كافٍ لاستيعاب الفروض، فقال بعض العلماء: يَعْدل إلى التيمم مباشرة.
وقال بعض العلماء: من كان عنده ماء يكفي لبعض الأعضاء دون بعضها؛ غسل البعض، ثم تيمم بنية ما بقي، وهذان قولان مشهوران عند أهل العلم، فالمصنف ﵀ مشى على مذهب الجمع، فبين أن عليه أن يستعمل الماء، فيغسل به الأعضاء، ثم يتيمّم لما بقي، والذين قالوا بهذا القول إستدلوا بدليل الكتاب، والسنة.
[ ٣٢٢ ]
أما الكتاب فآية الوضوء، والغسل، وآية التيمم، فأما آية الوضوء، والغسل فقالوا: إنّ الله أمر فيها المكلف باستعمال الماء، فيستعمله، ولو لبعض أعضائه؛ لأنه قادر على ذلك، وأمكن تحقيق أمر الله تعالى فوجب عليه إعمال الأصل على هذا الوجه، فإذا استهلك الماء، وبَقِيَ ما بقي من الأعضاء تحقّق فيه الشرط الشرعي المنصوص عليه في آية التيمم في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وحينئذ يُرخص له بالتيمم للباقي لأن هذا الشرط لا يتحقق إلا باستهلاك الماء على الوجه الشرعي بغسل ما يستطيع غسله من أعضاء الوضوء والغسل.
وأما دليلهم من السنة فحديث جابر ﵁ قال: [خَرجْنَا في سفَر فأصابَ رجلًا منّا حجرٌ في رَأسِه، ثمّ احْتَلَم، فسأَلَ أصحابَه: هل تجدون لي رخصةً في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء؛ فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أُخْبِر بذلك فقال: قَتلُوه قَتلَهم الله أَلا سَألُوا إذا لم يَعْلموا فإنما شِفَاءُ العِيِّ السؤالُ إِنما كانَ يَكْفيه أنْ يتَيمّمَ، ويَعْصرَ، أو يَعْصُبَ على جُرحِه، ثم يمسحُ عليهِ، ويغسلُ سائرَ جَسدِهِ] ووجه الدلالة: ظاهر حيث أمره بالجمع بين التيمم، والغسل.
ومذهب القائلين بعدم الجمع أقوى حيث إن الماء الموجود لما كان غير كاف لجميع الطهارة صار في حكم المفقود، فتحقّق الشرط الموجب لرخصة التيمم، وقد عَمِلَ بهذا الأصل الجميع فنزلوا الموجود منزلة المفقود في مسائل التيمم، فكذلك هنا لأنه ماء غير كاف لجميع الأعضاء، والشَّرع لم يُجَزّئ
[ ٣٢٣ ]
أعضاءَ الوضوءِ، والغسل بل أمر بغسلها جميعها، فكما أن من عجز عن الماء لمرض نقول: الماء في حقّه مفقود حكمًا؛ كذلك من وجد ماءً لا يكفي لجميع الأعضاء، فإن هذا الماء مفقود بحكم الشرع، لأن الشرع لم يعتبر في طهارة الغسل بعض أعضاء البدن، دون البعض، بل أمر بغسلها جميعًا، وبهذا لا يقوى الإحتجاج بآية الوضوء، والغسل على وجوب غسل الأعضاء.
وأما الإستدلال بالسُّنة فإن الحديث لم يصحَّ، وهو ضعيف، كما نصّ عليه الأئمة ﵏، والعمل على عدم ثبوته.
قوله ﵀: [ومَنْ جُرِحَ تَيمّم له، وغَسَلَ الباقِي]: الضمير في قوله: [له] عائد إلى الجرح، وقوله: [وغَسَلَ الباقِي] أي: باقي جسده، ووجه ذلك: أنه يستطيع غسل باقي جسده؛ فبقي على الأصل، والجرح لا يمكنه أن يغسله فرُخّصَ له بالتيمم من أجله. وهذه المسألة يعبر عنها العلماء بالجمع بين البَدلِ، والمُبْدل، ويقول بها فقهاء الحنابلة، والشافعية، وغيرهم في مسائل.
والأصل في البدل، والمبدل أن لا يجتمعا؛ لأنهما ضِدّان والضِّدان لا يجتمعان، فأنت لا تستطيع أن تقول: هذا حلو، مرّ؛ وتقصد في آنٍ واحدٍ، ولكن إما أن تقول: هذا حلو، وإما أن تقول: هذا مر، وإذا ثبت أنه لا يجمع بين البدل، والمُبدل فإن هذه المسألة مستثناة على هذا القول المرجوح.
[ ٣٢٤ ]
وقال بعض العلماء: إنه إذا أمكنه أن يبلّ يده، ويُمرّها على الجرح مبلولة؛ فإنه يجزيه ذلك، ولا يطلب منه أن يتيمم للجرح.
قوله ﵀: [ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ فِي رَحْلِه، وقُربِه]: أي يَلزم المكلّفَ عند دخول الوقت طلبُ الماءِ، وهذا بناءً على الأصل، لأن " ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ ".
قوله ﵀: [في رَحْلِه، وقُرْبِهِ] الرّحل: المتاع، والمراد: أن يبحث عن الماء في متاعه، فإذا كان في منزله، وحضرته الصلاة بحث في المنزل، وإن كان في فلاة، أو خارج المدينة بسيارته بحث أولًا في سيارته، وأمتعته هل يوجد فيها ماء هذا هو الأصل، وقوله [قُرْبِهِ] أي: قريبًا من متاعه، أو من موضع نزوله، فإذا لم يجد عنده بحث عند رفاقه، وزملائه، والمسافرين معه، وسألهم، ويشمل قوله: [قُرْبِهِ] المواضع القريبة من مكان نزوله، وإذا كان مقيمًا ولم يجد الماء بحث عند الجيران القريبين منه بسؤالهم: هل عندهم ماء، فلما كان مطالبًا أن يبحث في رحله، وفي جماعته، والمكان الذي هو نازل فيه فإنّ ما قرب منه كذلك داخل في حكم الأصل من وجوب الطّلب، فيلزمه أن يبحث فيه، لكن لو كان بعيدًا عنه؛ فإن البعيد فيه تفصيل: فإن كان الوقت يسع بحيث يستطيع الحصول على الماء، والتطهر به قبل خروج وقت الفريضة، فحينئذ يجب عليه الطلب إذا ظن وجوده، وإلا فلا.
قوله ﵀: [وبِدِلالةٍ]: يعني: أن يسأل الناس عن مكان وجود الماء فإذا كان في قرية سأل أهلها، ولذلك يقولون من آداب السفر أن الإنسان
[ ٣٢٥ ]
إذا نزل في موضع أن يسأل عن مكان الماء حتى يتوضّأ ويغتسل، وأن يسأل عن القبلة، وأن يسأل عن موضع قضاء حاجته، قالوا هذه من الأمور التي يراعيها المسافر، وكانوا يستحبون للضيف إذا نزل أن يَدُلّه مضيفُه على هذه الأمور قبل أن يبتدئه بالسؤال عنها، فكانوا يَعدُّونه من إكرام الضيف فيقول له: القبلة كذا، وقضاء الحاجة هنا، والماء إذا أردته هنا.
و" الدِلالةُ " مأخوذة من الدليل، والمراد بها هنا الأمارة، والعلامة التي يُستدل بها، فيطلبها بالسؤال والبحث، والدلالة: أن يسأل الناس أن يَدَلُّوه: أين مكان الماء، وإذا ثبت أنه يجب عليه أن يطلب الماء، ويجب عليه أن يبحث فإنه إذا سألك سائل وقال: نزلت بقرية، ثم لم يكن عندي ماء، ثم جلست أنتظر لعل الماء يأتيني حتى خرج الوقت، أو تيممت قبل خروج الوقت، وصليت؛ فما الحكم؟ تقول له: هل طلبت الماء؟ قال: لا لم أطلبه، تقول: إذًا أنت آثم، قد كان ينبغي عليك أن تطلب الماء، لأن الله -﷿- أوجب عليك أن تتطهر بالماء أصلًا، وتطهرك بالماء يفتقر إلى وجوده، ووجوده يفتقر إلى طلبه؛ إذًا فأنت مأمور بطلبه، وبناءً على ذلك أنت آثم بتفريطك في السؤال، فقد كان المنبغي عليك أن تسأل، ولذلك قالوا: لو أنه صلّى في قرية، وكان بإمكانه أن يسأل عن جهة القبلة، ولم يسأل، واجتهد من عند نفسه، وصلّى، ثمّ تبين أنه على غير القبلة لزمه أن يُعيدَ؛ لماذا؟ لأنه بإمكانه أن يعرف القبلة بالسؤال ولما لم يسأل فرّط فألزم بالإعادة كذلك هنا في مسألة طلب الماء، ولا يقال إنه جاهل لهذا الحكم؛ لأنه معلوم بأصل الفطرة، والشّرع أن الجاهل يسأل فإذا جهل مكان الماء، أو
[ ٣٢٦ ]
جهة القبلة، ولم يسأل، وعنده من يدلُّه عليها لم يكن جهله على هذا الوجه عذرًا.
قوله ﵀: [فإِنْ نَسِيَ قُدْرَتَه عَليْهِ، وتَيممَ أَعَادَ] مراده: أن الشخص إذا كان قادرًا على أن يحصل على الماء مثل: أن يكون قريبًا منه، ثم نَسي، واعتقد أنه لا يستطيع أن يحصل عليه قبل خروج الوقت فإنه إذا تيمّم، ثم تذكر بعد ذلك، وتبيّن له خطَؤُه لزمته الإعادة للصلاة، وهذه المسألة نصَّ عليها الإمام أحمد ﵀، ودليلها: أنها طهارة تجب مع الذكر، فلم تسقط بالنسيان كما لو صلّى ناسيًا حدثَه، ثم تذكّر لزمته الإعادة.
فالطهارة بالماء في حقه لازمة لأن الماء قريب منه وبإمكانه أن يتحصل عليه ويتطهر كما أمره الله، فإذا نسي قدرته على ذلك، وتبين أنه مخطئ سقط هذا الظن، ولم يُعْتبر، ومن قواعد الفقه: [لا عِبْرَةَ بالظّنِ البيّنِ خَطؤُه] أي: لا عبرة بالظنّ الذي بان خطؤُه.
قوله ﵀: [وإِنْ نوى بِتيمّمه أحْداثًا]: هذا كما تقدم معنا جوازه في طهارة الماء، فيجمع بين حدثين في طهارة واحدة كالبول، والغائط، والجنابة، والحيض، فإنه يُجزيه، وقد قال ﵊: [إِنما الأَعْمَالُ بالنّياتِ، وإنما لِكُلِّ امْرِئ مَا نوَى] فبَيّن -ﷺ- أنّ من نوى شيئًا كان له، فإذا نوى أكثر من حدثٍ أجزأته نيته عما نواه.
قوله ﵀: [أو نَجاسةً عَلى بَدَنِه تَضرُّهُ إِزَالتُها] ِ: أي: أن إزالته للنجاسة بغسلها يترتب عليه ضرر في بدنه، فإنه لا تلزمه إزالتها، ولكن يتيمم عنها، ومن أمثلتها عند العلماء: الدّم إذا تجلّط، وتخثّر على موضع
[ ٣٢٧ ]
الجرح فإنك لو قلت أزلْهُ فإنه سوف يتضرّر بإزالته، كما في بعض الجراحات التي يصعب فيها إزالة هذا الدم المتجلط قبل إستواء الجرح، فعلى قول الجماهير بنجاسة الدم فإن هذا الدم لا يمكن أن يغسله، فطهارة الماء شبه متعذرة فيه، وبناءً على ذلك قالوا: يَنْتقل إلى التيمم، وتُنزّلُ طهارةُ الخبثِ منزلةَ طهارةِ الحدثِ، فيتيمم من أجل هذه النجاسة، وذهب الجمهور إلى أنه لا تلزمه إزالتها أصلًا فلا يلزمه تيمم، وهو الصحيح؛ لأنه سقط التكليف بما فيه حرج فلم يلزمه البدل، وهو التيمم، لأنّ أصله وهو الماء لم يكلف به.
قوله ﵀: [أو عَدِمَ ما يُزِيلهَا]: الضمير عائد إلى النجاسة والمراد أن لا يجد الماء الذي يزيل النجاسة.
قوله ﵀: [أو خَافَ بَرْدًا]: أو خاف بردًا، أي: خاف إذا إغتسل أن يهلك بسبب البرد، أو يحصل له ضررٌ.
قوله ﵀: [أو حُبِسَ في مِصْرٍ]: أي حبس في موضع داخل مدينة، ومنع من إيصال الماء إليه، مثل: أن يوضع في غرفة، أو نحوها، وليس فيها ماء فتيمّم؛ فإنه يصح منه ذلك، لقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وهو لم يجد الماء فتحقق فيه الشرط المعتبر، ولقوله ﵊: [الصَّعيدُ الطَّيبُ طَهُورُ المسلم، ولو لَمْ يجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنينَ] وهذا لم يجد الماء فصار تيممه صحيحًا، فتصح صلاته ولا تلزمه الإعادة؛ خلافًا لمن قال: إن هذه الأعذار نادرة، فلا تتعلق بها الرخص.
قوله ﵀: [أوْ عَدِمَ الماءَ، والتُّراب صَلّى، وَلمْ يُعِدْ] مراده: أن من
[ ٣٢٨ ]
لم يجد ماءً، ولا ترابًا؛ فإنه يُصلّي على حالته، ولا تلزمه الإعادة بعد ذلك، وتُعْرف هذه المسألة بمسألة [فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ] وقد إختلف العلماء ﵏ فيها على أربعة أقوال:
القول الأول: يصلي، ولا يعيد.
القول الثاني: لا يصلي، ويعيد.
القول الثالث: يصلي، ويعيد.
القول الرابع: لا يصلي، ولا يعيد.
وقد مشى المصنف ﵀ على القول الأول، وهو أرجحها في نظري والعلم عند الله، وقد بينت ذلك في شرح البلوغ وعمدة الأحكام، ودلّ على رجحانه ما ثبت في الحديث الصحيح في قصة نزول آية التيمم حينما ضاعَ عِقْدُ عائشة ﵂ وإلتمسَه الصَّحابةُ ﵃، وحضرتِ الصّلاةُ بعضَهم، وليس عنده ماء، فصلّى، ثمّ لما رجعوا إلى رسول الله ﷺ أخبروه؛ فصوّب فعلهم، ولم يأمرهم بالإعادة، وقد صلّوا بدون وضوء، ولا تيمم؛ لأن التيمّم لم يُشرع بعدُ، فدل على أن من فقد الطهورين صلى، ولا تلزمه إعادةٌ.
قال ﵀: [ويَجبُ التيمّم بترابٍ طَهُورٍ لَهُ غُبَارٌ] هذه العبارة قصد المصنف -﵀- أن يبيّن بها الشيء الذي يَتَيمَّمُ به المكلف، وهذا مناسب لما قبله؛ لأنك إذا بيّنت الحالات التي يجوز فيها التيمّم والحالات التي لا يجوز فيها؛ سيسألك السائل إن كان من أهل التيمم بأيّ شيءٍ يكون التيمّم؟
[ ٣٢٩ ]
قال ﵀: [ويَجِبُ التَّيَمُّمُ بِتُرابٍ لهُ غُبارٌ]: خصّ المصنف -﵀- التيمم بالتُّراب على ظاهر ما ثبت عن النبي -ﷺ- بقوله: [جُعِلتْ لي الأرضُ مَسْجدًا، وتُربَتُها طَهُورًا] أي: جعلت التربة لأمة محمد -ﷺ- طَهورًا. قالوا: فدلّ هذا الحديث على أنّ التراب يُتيمم به، وهذا مستفاد من ظاهر آيتي النساء، والمائدة في قوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
إذا ثبت أنّ التراب يُتيمم به بدلالة نصّ الكتاب، والسُّنة؛ فإنّ العمل عند أهل العلم على ذلك، وليس هناك خلاف بين أهل العلم -﵏- أنّ التراب يُجزئ في التيمم.
ولكن الخلاف بينهم: هل يشترط أن يكون له غبار؟ هذه المسألة الأولى.
والمسألة الثانية: هل ينحصر التيمم في التراب، أو يشمله، وغيره مما صَعَدَ على وجه الأرض؟
فأما بالنسبة للتراب الذي له غبار، فإنه لا خلاف فيه بين أهل العلم -رحمة الله عليهم- أنه لو حصل به التيمم يُجزيه، وذلك لظاهر نصّ الكتاب، والسُّنة، وأجمع عليه العلماء رحمة الله عليهم كما ذكرنا.
وأما اشتراط أن يكون له غبار؛ فهي مسألة خلافية بين أهل العلم -﵏-: أصحها: أنه لا يشترط أن يكون له غبار، وذلك لظاهر الكتاب، والسنة، فأما الكتاب فقوله ﷾: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ووجه الدلالة: أن ظاهر قوله: ﴿صَعِيدًا﴾ العموم، فيشمل جميع ما صَعَدَ على وجه الأرض من التراب، ولم يخصّه سبحانه بكونه له غبار.
[ ٣٣٠ ]
وأما السُّنة: فما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال للرجل الذي لم يجد الماء: [عَليْكَ بالصَّعيدِ فإِنه يَكْفِيكَ]، وهو عامُّ أيضًا كالآية الكريمة، ومن هنا اجتمعت دلالة الكتاب، والسُّنة على أنّ التيمم يَصِحُ بكل ما على وجه الأرض من تُراب له غُبار، أو لا غُبار له.
وقد مشى المصنف ﵀ على قول من يقول باشتراط أن يكون للتراب غبار، واستدل أصحاب هذا القول بقوله سبحانه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقالوا: إن الوصف بالطِّيب يَقْتضي أَنْ يكون له غبار، وهذا مردود، فإن الوصف بالطّيب المراد به: طهارته من النجاسة، والمراد به: أن لا يتيمم بتراب نَجِسٍ.
ثم إننا نقول: إنه لو خُص التراب بما له غبار لخالف ذلك مقتضى الرُّخصة، فإننا نعلم أن كثيرًا من الأرض في بعض الأماكن رمال لا غبار لها، فلو قلنا: إن التيمم لا يحصل إلا بتراب له غبار لأجحف بالناس ففي بعض الصحاري ربما تسير يومًا كاملًا، ولا ترى أرضًا لها غبار، وكذلك المناطق الجبلية والحِرَارِ.
وأما المسألة الثانية وهي حصر التيمم في التراب، فأصحّ الأقوال كما سبقت الإشارة إليه أنه يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض سواء كان ترابًا، أو غيره؛ وذلك لظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والصّعيدُ كلُّ ما صعدَ على وجْهِ الأرض، والنبي -ﷺ- وصف المدينة بكونها طيبة مع أنّ أَكْثرها حِرَار، وهذا الدليل إنتزعه الٍإمام ابن خزيمة -﵀- كما أشار إليه في صحيحه
[ ٣٣١ ]
من ظاهر السُّنة أن الله وصف المُتَيمم به بكونه صعيدًا طيبًا، والنبي -ﷺ- وصف المدينة بكونها طيبة مع أن أكثر أرضها حرار؛ فدل على أن وصف الطّيب ليس منحصرًا بالتراب الذي له غبار، وأن المراد به: الطهارة وتكون في كل شيءٍ بحسبه.
إذا ثبت هذا فيجوز لك أن تتيمم بالتراب، وبغير التراب مما صعد على وجه الأرض، لكن يشترط أن يكون طاهرا، فلا يُتيمم بنجس.
والمصنف ﵀ مشى على مذهب الذين قالوا: بتخصيص التيمم بالتراب؛ وقد استدلوا على مذهبهم بتخصيص التيمم بالتراب بقوله ﵊: [جُعِلتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًَا، وتُرْبَتُها لَنا طَهُورًا] ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ نصّ على أن التراب يُتيمم به، ومفهوم ذلك أن غيره لا يتيمم به.
وهذا الإستدلال يجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنه إستدلال بمفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف على القول الراجح عند الأصوليين.
الوجه الثاني: أنّ النصّ الوارد في إباحة التيمم في دليل الكتاب عامُّ، وهو قوله ﷾: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والحديث الذي استدلوا به ذكر فردًا من أفراد هذا العامِّ، وهو التراب، فلم يقتض هذا الذكر لهذا الفرد أن يكون العامُّ مخصصًا به، بل نقول إنه لا تعارض بينهما، فالآية تبقى على عمومها، وكون السنة وردت بفرد من أفراد ذلك العام يكون بمثابة التمثيل
[ ٣٣٢ ]
لا من باب إلغاء غيره، والقاعدة: " أن ذِكرَ الفَرْد مِنْ أَفْراد العَامّ لا يَقْتضي تَخصيصَ الحُكمِ بهِ ".
كذلك من أدلتهم على تخصيص التيمم بالتراب [أنّ النبي ﷺ ضَربَ بيديْه الأرضَ ومسحَ بِهما وجْهَه، وكفّيهِ]، ولا معنى للضرب إلا طلبُ الغبار، وهذا كما قلنا أن النبي -ﷺ- فعل ذلك في بعض ما يجزئ التطهر به، وهو التراب، ومن طبيعته إذا تيمم به الإنسان أن يضرب بكفّيه عليه كما أن من طبيعته إذا تيمّم بالحجر أن يمسح عليه، فكلُّ فرد من أفراد العام يُراعي المتيممُ طبيعَتَه عند التيمم به، ثمّ إننا نقول: لا نسلم ما ذكرتم من أن المقصود بالضرب طلب الغبار على وجه يصير مخصصًا للرخصة، لأنه ثبت عنه ﵊: أنه نَفخَ في يَديْه بعد ضَرْبهما على الأرض، والنّفخ يزيل الغبار، فبطل ما ذكروه.
قوله ﵀: [وفُروضُه مَسْحُ وجْهِهِ، ويَديْه إِلى كُوعَيهِ]: بعد أن بيّن ﵀: متى يجوز التيمم وما الذي يتيمم به شرع في بيان صفة التيمم، والمناسبة على هذا الترتيب واضحة، وقوله ﵀: [وفُروضُه] الضمير عائد إلى التيمم، وتقدم معنا بيان معنى الفرض لغة، واصطلاحًا، والتعبير بقوله: [وفُروضُه] دالّ على أن المراد: بيان صفة الإجزاء التي لا يصحّ التيمم بدونها.
قوله ﵀: [مَسْحُ وجْهِهِ]: الوجه: ما تحصل به المواجهة، وقد تقدم ضابط الوجه في صفة الوضوء، وأنه من منابت الشعر عند ناصيته إلى ما انحدر من الذقن، واللّحيين طولًا، وأما عرضًا، فمن الأذن إلى الأذن.
[ ٣٣٣ ]
وقوله ﵀: [مَسْحُ وَجْهِهِ]: المراد به: أنه بعد أن يضرب بيديه الأرض يمسح بهما وجهه؛ لظاهر التنزيل في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وظاهر السُّنة في حديث عمّار ﵁ قال: [فَمَسحَ بِهِمَا وَجْهَه] والمسح بالوجه يقع بالكفّين تأسيًا بالنبي ﷺ، ويُستثنى من ذلك أن يكون أقطع يد، أو مشلولها فحينئذ يمسح بيدهِ السّليمة الأخرى.
قوله ﵀: [ويَديهِ إلى كُوعَيْهِ]: أي: ويمسح يديه إلى كوعيه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ واليد: الأصل فيها أنها تطلق من أطراف الأصابع إلى المنكب، فكلّه يدٌ إلاّ ما خُص، فتُخصُّ بالكفين بالدليل كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) فجاءت السُّنة وبينت محلّ القطع، فخصّصتْ اليدَ بالكفِّ، ولذلك قالوا إنما خصّصنا الكفين بالمسح؛ لظاهر حديث عمّارٍ ﵁ قال: [فَمَسحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، وكفّيْهِ].
فدل على أن المراد باليدين في آية التيمم: الكفّان، فتكون السُّنة مبيّنةً للقرآن، ويكون الكفّان: هما قدر الإجزاء، وما زاد على الكفين ليس بواجب، وما ورد من الأحاديث بالزيادة إن صحّ حُمِلَ على الكمال، لا على الفرض.
_________________
(١) المائدة، آية: ٣٨.
[ ٣٣٤ ]
قوله ﵀: [وكَذَا التّرتِيبُ]: مراده: أن ترتيب أعضاء التيمم واجب، ولازم على سبيل الشرطية، وليس بتخييري، فلزومه في التيمّم، كلزومه في الوضوء، وعليه فيبدأ بمسح وجهه أولًا، ثم يمسح كفيه، فالواو في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تحمل على الترتيب كما في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وقالوا -أيضًا-: إن البدل يأخذ حكم مُبْدله، فلما وقعت عبادة التيمم بدلًا عن الوضوء، والترتيب شرط في الوضوء، كذلك هو شرط في التيمم.
قوله ﵀: [والمُوالاةُ في حدثٍ أَصغَر]: والموالاة أي: تجب الموالاة، فبمجرد أن ينتهي من مسح وجهه يمسح كفّيه فلا يقع الفاصل بين مسح العضوين، فإذا وقع الفاصل أثّر كما يُؤثر في الوضوء، ودليل الموالاة في التيمّم قياسه على الوضوء لأنه بدله، والبدلُ يأخذ حكم مُبْدله.
قوله ﵀: [في حدثٍ أصغَر]: في: للظرفيّة أي أن التيمم يكون في حدث أصغر، وهو الوضوء فلو: أن إنسانًا إنتقض وضوءه ببول، أو غائط، أو ريح؛ فإنه يُجزيه أن يتيمم إذا استوفى شروط الرّخصة.
فالتيمم يشمل الحدث الأصغر والأكبر فلك أن تتيمم لحدث أصغر، وأكبر؛ وذلك لأن الله -جل وعلا- جعل التيمم بدلًا عن الطهارتين فقال بعد ذكره طهارة الحدث الأصغر في قوله -﷾-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾
_________________
(١) المائدة، آية: ٦.
[ ٣٣٥ ]
فبين طهارة الحدث الأكبر ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فدلّ على أن التيمم بدل عن الطهارتين الصغرى، والكبرى؛ لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ راجع إلى الطهارتين المائيتين اللتين تقدمتا.
قوله ﵀: [وتُشْترطُ النّيةُ لِما يَتَيممُ لهُ مِنْ حَدثٍ، أوْ غَيْرِه]: تشترط النية لصحة التيمم، وهذا يكاد يكون بالاتفاق حتى إن الحنفية سبق معنا في الوضوء، والغسل لا يرون النية فيهما، ويقولون: يصحّ الوضوء، والغسل بدون نية، لكن في التيمم قالوا: لا بد فيه من النية.
والدليل على اشتراط النية: أن التيمم عبادة، والأصل في العبادة النّية تمييزًا لها عن العادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
والدليل من السُّنة: قوله ﵊ كما في الصحيحين من حديث عُمَرَ ﵁: [إِنما الأَعمالُ بالنياتِ] والوضوء، والتيمم عمل فدخل في هذا العموم، والنية شرط لصحته.
قوله ﵀: [مِنْ حدثٍ]: عامّ أي: سواء كان ذلك في حدث أيًا كان أصغر، أو أكبر، فإذا وجدت هذه النية فيه صح تيممه، وأجزأه، أما لو عزبت عنه وضرب يديه بالأرض، ويتيمم دون أن يستحضرها؛ فإنه لا يجزيه ذلك.
وقوله ﵀: [أوْ غَيْره] يشمل طهارة الخبث بإزالة النجاسة كما تقدم معنا عند من يقول بالتيمم لها إذا لم يجد ماءً يُزِيلُها به، والأصل في طهارة
[ ٣٣٦ ]
الخبث أنها لا تُشترط لها النيّة، ولكن مشى المصنف ﵀ على القول المرجوح.
قوله ﵀: [فإِنْ نَوى أَحدَها لم يُجْزِئْه عَنِ الآخرِ]: فإن نوى أحدها أي: إذا كان عليه أكثر من حدث، أو مع الحدث خبث، فإنه لا يُجزيه تيمّم واحد فلا تداخل فلو نوى الجنابة، لم يجزه تيممه عن الوضوء، قالوا: فيلزمه أن يتيمم له.
والذي يترجح في نظري أن المنبغي على المكلف إذا أراد أن يتيمم أن يقصد استباحة الصلاة المفروضة، أو النافلة، إن كانت مفروضة تقيّد بالفرض حتى يخرج وقته، وصلّى بذلك التيمم الذي قصد به الإستباحة، وإن كانت نافلة نوى إستباحة النّفل مطلقًا، ثمّ صلى به جميع النوافل، وإن كان ما نواه إستباحة غير فرض، ونافلة مثل الطواف بالبيت، أو لمس المصحف؛ فإنه يتقيد به في نيّته، ويجزيه تيمم واحد على ظاهر حديث عمّار، وعمرو بن العاص ﵄، خاصّة على القول الذي رجحناه، وهو اعتبار التيمم مبيحًا، لا رافعًا.
قوله ﵀: [وإِنْ نوى نَفْلًا، أو أَطْلَقَ لَمْ يصلّ بهِ فَرْضًَا]: مراده ﵀ بهذه العبارة ما تقدم معنا في نية الوضوء أن نية الأدنى لا تُجزئ لاستباحة الأعلى، كما هو الحال في الفرض، والنفل، وعليه فإنه إذا نوى نفلًا لم يصل به فرضًا؛ لأن نيّة الأدنى، لا تُبيح الأعلى، فكما أنه إذا توضأ لنفل لا يُصلي فريضة كذلك في التيمم؛ الدليل على هذا: ما ثبت في الصحيح عنه -﵊- من قوله: [إنما لِكُلّ امرئ مَا نوى]
[ ٣٣٧ ]
فإنه يقتضي بمنطوقه: أن من نوى شيئًا كان له، وبمفهومه: أن من لم ينو شيئًا لم يكن له فما دام أنه نوى النفل، لا يستبيح الفرض.
ودلّ العقل على ذلك أيضًا، وذلك في دليل القياس على الصلاة، ولذلك: لو أن إنسانًا أحرم بالصلاة ناويًا النافلة، وأراد أن يقلبها إلى الفرض لم يصحّ إجماعًا، كذلك لو تيمم ناويًا النافلة لم يصحّ منه أن يستبيح الفريضة.
قوله ﵀: [وإِنْ نَواهُ صَلّى كُل وَقْتِه فُرُوضًا، ونوافِلَ]: وإن نوى الفرض صلى كل وقته أي: وقت الفرض، فروضًا، ونوافل: يشمل ذلك الفروض إذا كان الوقت يسع فرضين، كما في الجمع بين الصلاتين جمع تأخير، ويشمل أيضًا الفرض إذا كان مقضيًا ففي الجمع لو كنت مسافرًا فأخّرت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر، ولم تجد ماءً، وأردت أن تجمع بين الظهر، والعصر صليتهما بتيمّم واحد، وهكذا لو أخّرت المغرب إلى صلاة العشاء، هذا بالنسبة للفروض المتعددة، إذا كانت في حال الجمع بين الصلاتين، وأما إذا كانت الفروض في الأداء، والقضاء فمثاله: أن يتيمم في وقت صلاة الظهر، وقد فاتته صلاة الفجر، أو أكثر من صلاة فله أن يصليها بتيمم واحد، فيجمع بين فرضين، وأكثر على هذا الوجه.
قوله ﵀: [ويَبْطُلُ التيمُّمُ بِخروج الوَقْتِ]: بيّنا هذا فيما تقدم، وذكرنا أنه مبنيُّ على ظاهر آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فإن الله -﷾- فرض على المكلفين الوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على الأصل؛ لعدم ورود الدليل عن النبي -ﷺ- أنه تيمم، وصلى أكثر من صلاة، ثم وجدنا هذا الحكم، وهو أن
[ ٣٣٨ ]
التيمم يبطل بخروج الوقت قد أفتى به أصحاب النبي -ﷺ-، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه، رضي الله عن الجميع أفتوا بأنه إذا خرج وقت الفريضة يتيمم لما بعدها من فريضة، فلو تيمم لصلاة الظهر وخرج وقتها وأراد أن يصلي العصر؛ استأنف تيممه، ويكون التيمم الأول باطلًا بمجرد انتهاء وقت صلاة الظهر.
قوله ﵀: [وبِمُبْطِلاتِ الوُضُوءِ]: يعني يبطل التيمم بمبطلات الوضوء كأن يخرج منه ريح، أو بول، أو غائط؛ لأن النبي -ﷺ- قال: [لا يَقْبلُ الله صلاةَ أَحدِكمْ إِذَا أَحْدثَ حتّى يتوضأَ] فجعل الحدث في الوضوء ناقضًا، كذلك التيمم يعتبر الحدث ناقضًا فيه؛ لأنّ البدل يأخذ حكم مُبْدله.
قوله ﵀: [وبوُجودِ الماءِ] قوله [وبوجود] الباء سببية أي: ويبطل التيمم بسبب وجود الماء وعليه فإن التيمم ينتقض بما ينتقض به الوضوء، والغسل ويزيد عليهما بأمرين:
أحدهما: خروج الوقت.
والثاني: وجود الماء.
أما وجود الماء فلأنّ ما شُرع معلّلًا بعلّة يزول بزوالها، فقد شَرع الله التيممَ مُعلّلًا بعلة فَقْدِ الماء كما هو ظاهر القرآن، والسنة، أو عدم القدرة عليه كما هو ظاهر السُّنة في حديث عمّارٍ، وعمرو بن العاص ﵄، فلما أمكن المكلف أن يستعمل الماء، أو وجَدَه؛ زال الحكم بزوال علّته،
[ ٣٣٩ ]
ولذلك يقولون: إنه إذا وجد الماءُ بطل تَيمّمه، ولزمه أن يغتسل، ويتوضأ؛ دلّ على هذا الحكم دليل الكتاب والسُّنة:
أما دليل الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فجعل التيمم معلقًا على عدم وجود الماء فدلّ على عدم جواز التيمم عند وجوده، وأنه يلزمه الرجوع إلى الماء، وهو الأصل عند وجوده.
أكد هذا دليل السُّنة في حديث عمران ﵁ في الصحيح عنه -﵊- أنه صلى بالنّاس الفجرَ، فلما صلّى -﵊- رأى رجلًا لم يُصَلِّ في الناس قال: عليَّ به، فلما أُتي به قال: [مَا مَنَعكَ أَنْ تُصلّي في القومِ] قال: -يا رسول الله- أصابتني جنابة، ولا ماء، فقال ﵊: [عليكَ بالصّعيدِ؛ فإنَّه يَكْفِيكَ] ففي رواية: فلما مضى -﵊- وجد الماء بعث به إليه. وجه الدلالة: أنه جعل الحكم بتيممه موقوفًا على عدم وجود الماء، فدلّ على أنه إذا وجد الماء تُفقد الرخصة باستباحة الصلاة، ولذلك ألزمه بالماء عند وجوده.
الدليل الثاني من السُّنة ما ثبت في الحديث الصحيح عنه -﵊- من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: [الصّعيدُ الطّيبُ طَهُورُ المسلمِ، ولو لمْ يجدِ الماءَ عشرَ سنينَ، فإذا وجَدَ الماءَ فليتّقِ الله، وليُمِسّه بشرَته].
ووجه دلالته في قوله: [فإذَا وجَد الماءَ فَليتّقِ الله، وليُمِسَّه بَشَرتَه] فدل على أن التيمم أولًا لا يرفع الحدث، وإنما يُبيح فعل الصلاة، وأنه إذا وجد الماء لزم على المكلف أن يُمسَّه بشرتَه، فيزول موجب الرخصة؛ وحينئذ
[ ٣٤٠ ]
نحكم ببطلان تيممه، ووجوب الوضوء، والغسل عليه، فالحدث باقٍ على الأصل والتيمم غير رافع له، فإذا وجد الماء تعيّن عليه، ولزمه فبطل موجب التيمم من حصول الإستباحة، ولذلك قوله ﵊: [فإذا وجدَ الماءَ فليُمِسّه بشرَتَه] دال على أن الحدث لا زال باقيًا، وأن التيمم يبطل بسبب وجود الماء.
قوله ﵀: [والتّيمُّمُ آخرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أوْلى]: إذا دخل وقت الفريضة على المكلف، فإن غلب على ظَنّه أنه سيجد الماءَ فحينئذٍ ينتظر وجوده، وهكذا أيضًا إن كان لا يدري: هل يمكنه أن يجده، أو لا يمكنه؟ بحيث لم يكن هناك غالب ظنِّ، وهي حالة الشكِّ؛ فحينئذٍ قالوا: إنه ينتظر من باب الاستحباب، وهو ما أشار إليه بقوله [أولى]، ولكن لو إستعجل، وتيمم، وصلى أجزأه ذلك ولا تلزمه الإعادة على ما ذكرنا فيمن وجد الماء قبل خروج الوقت، لكن هنا الأقوى إذا رجى أنه ينتظر لا على سبيل الأولوية بل إلزامًا.
قوله ﵀: [ولَوْ في الصّلاةِ، لا بَعْدَها] أي: أن وجود الماء يوجب بطلان التيمم، ولو كان المتيمم وحده، أو علم بوجوده أثناء صلاته، فيحكم ببطلان الصلاة، ويجب عليه أن يتطهر بالماء، ودليل ذلك قوله ﵊: [الصّعيدُ الطّيبُ طَهُورُ المسلمِ، ولو لمْ يجدِ الماءَ عشرَ سنينَ فإذا وجدَ الماءَ فليُمسّهُ بَشَرته] فقوله: [فإذا وجدَ الماءَ فليُمسّه بشَرتَه] عام شامل لجميع الأحوال أي: سواء وجده أثناء الصلاة أو قبلها، فدل على أنه إذا وجد الماء بطلت طهارة التيمم ولذلك أمره بطهارة الماء في
[ ٣٤١ ]
قوله: [فليُمِسّهُ] أي: الماء، وإذا بطل التيمم بطلت الصلاة، وإذا حكمنا ببطلان التيمم إذا وجد الماء أثناء الصلاة فمن باب أولى أن نحكم ببطلان التيمم إذا وجده قبل الصلاة، وصلى بتيممه لخالفته النصوص السابقة ومنها قوله ﵊: [فإذا وجدَ الماءَ فليتّق الله، وليُمسّه بَشَرتَهُ].
وقوله ﵀: [لا بَعْدَها] أي: أنه لا تبطل صلاته إذا صلى متيممًا، ثم وجد الماء بعد فراغه منها لأنه قد فعلها على الوجه المعتبر شرعًا فبرئت ذمته منها بفعلها، فلم يُطالب بالإعادة، وقال بعض العلماء لكن يستحب له أن يعيدها ما دام في وقتها على سبيل الإستحباب، لا على سبيل الحتم والإيجاب، لكن تستثنى المسألة السابقة إذا غلب على ظنّه وجود الماء قبل نهاية الوقت كما قدمنا فإن الإعادة لازمة؛ للتفريط.
قوله ﵀: [وصِفَتُه]: صفة الشيء: حليته، والأمور التي يتميز بها عن غيره، فإذا وصفت شيئًا فقد ميّزته عن غيره.
وقوله ﵀: [وصِفَتُه]: الضمير عائد إلى التيمم، أي صفة التَّيمُّمِ الشرعية، وهي صفة الكمال لأن صفة الإجزاء تقدم بيانها في قوله: [وفُروضُه].
قوله ﵀: [أنْ يَنوي]: كما ذكرنا، النية شرط في صحة التيمم، والنية: تكون بقصد إستباحة الصلاة، وغيرها مما تشترط له الطهارة بحسبه.
قوله ﵀: [ثمّ يُسمّي]: أي يقول: بسم الله، ولا تجب عليه.
قوله ﵀: [ويَضْربُ الترابَ بيَديْهِ] لأنّ عمارًا ﵁ وصفَ تيمّم النبي -ﷺ- فقال: [ثم ضربَ بِهما]-أي ضرب بيديه الأرض- وهذه
[ ٣٤٢ ]
هي السُّنة: أنه يضرب على الأرض، فإن كانت الأرض صلبة كالحجر، ونحوه فإنه يمسح عليه، ولا يضرب.
قوله ﵀: [مُفرّجَتيْ الأصَابِع]: قالوا: لأن النبي -ﷺ- وصف عمار ﵁ تيمّمه بقوله: [ضرب] والضرب لا يكون إلا في الأرض التي لها غبار، فدلّ على أنه قاصدْ للغبار، وإذا قصد الغبار فإنه يفرج بين أصابعه حتى يتخلل ما بينها، وقد تقدم الجواب عن هذا.
قوله ﵀: [يَمْسَحُ وجْهَهَ بِباطِنها]: أي: باطن الكفين.
قوله ﵀: [وكفيه بِراحَتَيْهِ] أي: ويمسح كفّيه براحتيه، والراحتان: مثنى راحة، وراحة الكفِّ بطنه من مجمع الأصابع عند باطن الكفِّ إلى الزندين، فيكون المسح بباطنِ الكفّين لظاهرهما.
قوله ﵀: [ويُخلّلُ أصَابِعَه]: تقدم معنا معنى التخليل في الوضوء، والمراد هنا: أنه يستوعب كفيه بالمسح والله تعالى أعلى، وأعلم.
[ ٣٤٣ ]