قال الصنف ﵀: [باب الحيض]: الحيض باب عظيم، تتفرّع عليه مسائل مهمّة تتعلق بعبادات الناس، ومعاملاتهم، ولذلك إعتنى به المحدثون، والفقهاء -رحمة الله عليهم-، وما من كتاب يتكلم عن أحكام الشريعة في العبادات؛ إلا عقد له بابًا خاصًا أورد فيه أحاديثه إن كان من كتب الحديث، أو أحكامه إن كان من كتب الفقه، وإتقانه ليس من السهولة بمكان بل هو عسير؛ إلا على من يسره الله عليه، ولذلك بين الإمام النووي -﵀-: " أنه منْ عويصِ الأَبوابِ "، ولا شك أن الذي يتقنه يسدُّ ثغرًا عظيمًا من ثغور الإسلام.
والسبب في ذلك أن المرأة تلتبس عليها صلاتها، وصيامها، وعمرتها، وحجها، وغير ذلك من عباداتها التي تشترط لها طهارتها، ويلتبس على الرجل إباحة جماعها، وجواز تطليقه لها، وانقضاء العدة، وعدم انقضائها، كل هذه المسائل تحتاج معرفة جوابها إلى الإلمام بالأحكام التي بينها العلماء ﵏ في باب الحيض.
ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يعتني به.
وقد ألف العلماء -رحمة الله عليهم- فيه تآليف مفيدة، وجمعها الإمام الدارمي في كتاب مستقل، وتكلّم الإمام النووي -﵀- على مسائله فيما لا يقل عن مائتي صفحة، وقال: (إنه لم يستوعب شتاتها)، والحيض حينما يبحث، يبحث من وجهين:
[ ٣٨٣ ]
الوجه الأول: أصول باب الحيض، وهي المسائل التي تنبني عليها أحكامه في الأصل؛ كما في مسائل أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر، وأكثره، وضوابط العادة، والتمييز، وعلامة الطهر، ونحوها من المسائل.
والوجه الثاني: الفروع المتعلقة بهذه الأصول، ومسائلها مهمة جدًا، وهي تنبني على مسائل الأصول فينبغي على طالب العلم أن يعتني بضبطها، وكيفية تخريجها، وبنائها على أصولها، قال بعض أئمة الحديث: (في الحيض ما يقرب من مائة حديث، ولهذه الأحاديث ما يقرب من مائة، وخمسين طريقًا)، ولذلك قال الإمام ابن العربي المالكي ﵀: (هي مسائل تأكُلُ الكَبِدَ، وتُنْهِضُ الكَتِدَ، ولا يُتْقِنُها منكم أَحدٌ).
ومن أوضح الدلائل على أهمية مسائل الحيض، وصعوبة ضبطها ما قاله الإمام أحمد ﵀: (إنّه جلس فيه تسع سنوات حتى فهمه)، وللأسف نجد من يُثَرّب على العلماء ويقول: علماء الحيض والنفاس، ووالله الذي لا إله إلا هو لو أمست امرأته حائضًا، وهو لا يعرف أحكام الحيض، والنفاس لما أحسن جوابها، ولعرف قدر علماء الحيض، والنفاس، ولو انتصب أمام مسائل الناس، وفتاويهم وما ينزل بهم في حيض نسائهم، ونفاسهم من مسائل العبادات، والمعاملات، وما يترتب عليها من أحكام شرعية لعرف فضل علماء الحيض، والنفاس، ولذلك لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهذا الباب، والاستخفاف بعلمائه يدل على مرض في قلب صاحبه، وهذه كلمة قد ينطق بها صاحبها، ولا يعلم مقدار خطرها عليه في دينه، وعند ربّه كما
[ ٣٨٤ ]
قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (١)، ولذلك ما جاء الأمة البلاء إلا من الغلو، تجد العابد الصائم القائم يحتقر طلاب العلم، ويحسَّ أن الدين هو الصيام والقيام، وتجد طالب العلم يحتقر العابد، وهذا لا يجوز؛ وهو سبب الهلاك كما قال النبي -ﷺ-[إنما أهلكَ منْ كانَ قبلكمْ الغُلُو] فلا يجوز الغلو في الدين، فالإنسان إذا فتح الله عليه في طاعة فعليه أن لا يحتقر غيره، فكل على ثغرة، والله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٢) فأنبه على هذا؛ لأنها مسألة خطيرة جدًا أن يُستهزئَ بالعلماء، وينبغي على طلاب العلم أن يتنبهوا لهذه الآفة من آفات اللسان -نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الهوى، والردى-، المقصود أن هذا الباب باب عظيم، وينبغي على طالب العلم أن يتهيأ لضبطه، وإتقانه.
قوله ﵀: [باب الحيض]: الحيض في اللغة: السيلان. يقال: حاضَ الوادي: إذا سالَ ماؤُه، وحاضت السّمرةُ: -وهي نوع من الشجر-، إذا سال منها الصُمْغُ، والمرأة حائض، وحائضة، ونُوزع في الثاني، لأن الذي لا يشترك فيه الذكر، والأنثى لا يُؤنث بالتاء، فيقال: امرأة حائضٌ، كما يقال: امرأة طالقٌ؛ لأن الرجل لا يُطلق، وكذلك لا يحيض، ولا يقال: امرأة طالقة، أو حاملة.
_________________
(١) النور، آية: ١٥.
(٢) البقرة، آية: ١٤٨.
[ ٣٨٥ ]
واختلفت تعاريف العلماء للحيض اصطلاحًا، منها قولهم: [دمٌ يُرخِيه رحمُ المرأةِ عادة لغيرِ مرضٍ وولادة].
(يُرْخِيهِ): أي يسيل منه، وقولهم: (رحم المرأة) الرَّحم بفتح الراء، وكسر الحاء، وبكسر الراء مع سكون الحاء، هو مكان منبت الولد، ووعاؤه.
وقوله (رحم المرأة) قيد يخرج الدماء الخارجة من المواضع الأخرى من جسد المرأة.
وقولهم (لغير مرض) قيد أيضًا يخرج الدماء الخارجة من فرج المرأة بسبب المرض كدم الإستحاضة.
وقولهم (وولادة) أي لغير ولادة، وهو قيد أيضًا يخرج دم النفاس، فلا يسمى حيضًا؛ لأنه دم ولادة.
أما بالنسبة للحيض فذكره المصنف -﵀- في هذا الموضع لتعلقه بمباحث الطهارة.
وأما بالنسبة لمناسبة ذكره بعد إزالة النجاسة: فدم الحيض دم نجس بالإجماع، وهو نوع من أنواع النجاسات، ومن باب الفائدة: فإنه لو أمكن لطالب العلم أن يقرأ كلام الأطباء في هذا الدم الذي يرخيه الرحم، وينظر إلى بديع صنع الله -﷿- وعظيم حكمته، وكمال علمه -﷾-، فلو قرأت كلام الأطباء ونظرت إلى الحِكَم التي توجد في هذا الدم في كيفية خروجه، وكيف يتهيأ ذلك الرحم لإخراجه، وإفرازه، ثمّ كيف ينقبض بإذن الله -﷿- بعد الخروج، وكيف يتهيأ الحمل في الرحم، ثم كيف يتم إفرازه للهرمونات التي
[ ٣٨٦ ]
تعين على الحمل، حتى إذا شعر المبيض أنه ليست هناك ولادة إِمتنع من إفراز هرمون الحمل، فأخذت الأوعية تتقلّص، ثم أخذت تُفرز ذلك الدمَ، ثم يرسل الله -﷿- له كالخميرة تفكِّك هذا التَّجلُّطَ، سبحان الله! هذا كلُّه من الدلائل على عظمة الله -ﷻ-.
الحيض له أسماء ومنها: النفاس، والإكبار، والإعصار، والطمث، والضحك، والفراك، والدِّراس، والطمس، والعراك فهذه أسماء عشرة مع إسمه الأصلي.
قال المصنف ﵀: [لا حيض قبل تسع سنين]: أي لا حيض للمرأة إذا كان عمرها دون تسع سنين، وهذه مسألة أقل سن تحيض فيه المرأة، ويستفاد منه أننا لا نحكم بكون الدم حيضًا إلا إذا بلغت هذا السن، فإذا جرى معها الدم، وهي أصغر منه؛ فليس بحيض، وإنما هو إستحاضة، وأما إذا بلغت السن المعتبر للحيض، وهو تسع سنين، ثم جرى معها الدم حكمنا بكونه حيضًا، وبكون المرأة بالغة، لأن الحيض من علامات البلوغ الخاصة بالنساء.
وإعتبار سن التسع هو أحد أقوال العلماء ﵏ في هذه المسألة، وقد تكلمنا عليها في شرح البلوغ، وهو الراجح في نظري، والعلم عند الله، وذلك لدلالة الشرع، والعادة، أما دليل الشرع: فما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه عقَدَ على عائشة ﵂، وهي بنت ستّ سنين، ودخل عليها وهي بنت تسع سنين؛ فدلّ على أن الجارية في هذا السن تتأهل للبلوغ، والحيض، وأكد هذا دليل الأثر عن أم المؤمنين
[ ٣٨٧ ]
عائشة ﵂ حيث نصّت على أن التسع سنين تتهيأ فيها الجارية للبلوغ، وأما دليل العادة، فإنه ثبت بالعادة، والتجربة أن هذه السن هي أقل ما وجد كما صرح بذلك الإمام الشافعي ﵀ حيث قال: " أعْجَلُ من رأيت في الحيضِ نساءَ تهامةَ رأيت جَدَّةً، وهي إِبنةُ إِحْدَى، وعِشْرينَ سَنةً " وهذا يدلّ على أن أقل ما وجد من سن تحيض فيه المرأة هو سن التسع، فصارت حدًّا معتبرًا لأقل الحيض.
إذا تقرر أن بداية الحيض بالتسع: يرد السؤال عن نهاية الحيض، والسبب الذي جعل العلماء يذكرون مسألة بداية الحيض، ونهايته: دلالة الكتاب، فإن الله -﷿- قال: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١) فأثبت أن الحيض لا يكون لكل صبية، وأن هناك من النساء من تحيض لأنها بلغت سن الحيض، ومنهن من لا تحيض لأنها لم تبلغ ذلك السن، فعلمنا أن للحيض بداية، وأنه لا يكون من كلّ صبية، ولما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ علمنا أيضًا أن هناك نهاية للحيض؛ ولذلك اعتنى العلماء ﵏ ببيان بداية الحيض، ونهايته، وقد بينا متى تكون البداية، أما النهاية فإنها تُسمّى عندهم بسنّ اليَأْسِ، وهي: السن التي إذا وصلت إليها المرأة يئست من جريان دم الحيض معها لكونه ينقطع في مثل تلك السن غالبًا، وقد إختلف العلماء ﵏ في آخر سن ينقطع فيه دم الحيض، فقال بعضهم: هو خمسون عامًا على ما ذكر المصنف ﵀.
_________________
(١) الطلاق، آية: ٤.
[ ٣٨٨ ]
وقال بعض أهل العلم: ستون، وقال بعضهم وهو القول الثالث وهو الأقوى والعلم عند الله: إن هذا يختلف باختلاف البيئات، والنساء، وطبيعة الأرض التي فيها المرأة، فالبلاد الحارّة تختلف عن البلاد الباردة في طبائع النساء؛ ولذلك لا يحد فيه سن معين ويرجع في تحديده إلى غالب حال النساء في كل موضع بحسبه.
إذا تقرر أن آخر الحيض، أو نهاية سن الحيض هي الخمسون بناء على ما ذكر المصنف فإنه ينبني عليه أنها لو بلغت الخمسين، ودخلت في إحدى وخمسين ورئي معها الدّمُ؛ أنه استحاضة، فلا يُعطى حكمَ دم الحيض، ينبني عليه أيضًا أن تقول لها: إعتدِّي بالأشهر، ولا تعتدِّي بالحيض؛ لأن الدم الذي معها أُلغي، فهذه فائدة معرفة آخر زمن للحيض، أنك إذا أثبت أنه يتأقّت فببلوغ المرأة لهذا الأمد المؤقت يُحكم بكونها آيسةً منه فتعتدُّ بالأشهر، ولا يمنع دمُها ما يمنعه دمُ الحيض.
قوله ﵀: [ولا مَعَ حَمْلٍ]: لأن الله جعل عدة الحوامل وضع الحمل، فإذا ولدت خرجت من عدتها كما نصّ على ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فلو كانت الحامل تحيض لجعل عدتها بالأقراء إعمالًا للأصل؛ ولذلك قال الإمام أحمد -رحمة الله عليه-: " إنما تَعرفُ النساءُ الحملَ بانقطاعِ الدّمِ ". أي: أن الحمل من طبيعته، ومن شأنه أنه يُعرفُ بانقطاع دم الحيض، فدلّ على أنه لا يجتمع الحيض، والحمل، وهذا هو مذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد هي المذهب رحمة الله على الجميع.
[ ٣٨٩ ]
وقال طائفة من العلماء: إنه يجتمع الحيض، والحمل، وهو مذهب بعض أهل العلم منهم المالكية، وعندهم تفصيل في ضوابط الحيض في الحمل، وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد رحم الله الجميع.
فائدة الخلاف: أنه لو حملت المرأة، وجرى معها دم، فإن قلنا: إن الحامل تحيض، وجاء في أمد الحيض حكم بكونه دم حيض، ومُنعت من الصلاة، والصيام، وإن قلنا: إن الحامل لا تحيض؛ ففي هذه الحالة يُحكم بكونه دم فساد، وعلّة، وهي طاهرة.
قال ﵀: [وأَقلّهُ]: أي: أقلّ الحيض [يومٌ، وليْلَةٌ] أي: أن أقل الحيض أن يستمر جريان الدم يومًا، وليلة، ويُستفاد منه أنه إذا جرى أقلّ من ذلك فليس بحيض، وإنما هو إستحاضة، وهذا هو أحد أقوال العلماء ﵏ في هذه المسألة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة رحمة الله على الجميع.
وهذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا حدّ لأقلِّ الحيض كما هو مذهب المالكية، والظاهرية، واختيار شيخ الإسلام إِبن تيمية -رحمة الله على الجميع-.
القول الثاني: أقلّه يوم، وليلة، وهو كما تقدم مذهب الشافعية، والحنابلة -رحمة الله على الجميع-.
القول الثالث: أن أقلّه ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية ﵏.
[ ٣٩٠ ]
فائدة هذا الخلاف: أنك إذا قلت: لا حدّ لأقلّ الحيض فإنك تقول: إذا رأت المرأة دم الحيض في زمان الحيض، وإمْكَانه، وجرى معها، ولو ساعةً من نهار؛ فإنها تحكم بكونها حائضًا.
وإن قلت أقلّه يوم، وليلة؛ فإنك تقول: إن جرى الدم مع المرأة ننظر إن إستمر يومًا كاملًا أربعًا، وعشرين ساعة؛ فهو دم حيض، وإن إستمر أقل من ذلك فهو دم استحاضة، لا يمنع صومًا، ولا صلاةً.
وإن قلت: أقلّه ثلاثة أيام فكذلك.
والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول: بعدم التّحديدِ، أي: أن الحيض لا حدّ لأقله فما دام أنه جرى مع المرأة الدم في وقت الحيض، فهو حيض حتى ولو كان دفعة واحدة.
وذلك لأن اليقين أنه حيض لأنه جاء في وقته، وفي أمده، وليس في الشرع دليل قوي يدلّ على التّحديد لأن ما استدلوا به عليه إما ضعيف لضعف سنده، أو دلالته كما بيّناه في شرح البلوغ، فبقينا على الأصل.
قوله ﵀: [وأكثرُه خمسةَ عشرَ يومًا]: إذًا الآن عرفنا من هي المرأة التي تحيض؟ وعرفنا ما هو أقل الدم الذي يمكن أن نحكم بكونه حيضًا، وأنّ الصحيح لا حدّ له.
يرد سؤال بعد هذا وهو: هب أن هذه المرأة عمرها تسع سنوات، وجرى معها الدم، إن قلنا على مذهب من يقول جرى معها الدم، ولو دفعة جرى معها، واستمر، وإن قلنا على مذهب من يقول يوم وليلة جرى معها، واستمر أكثر من ثلاثة أيام، وحكمنا بأنها حائض على الأقوال كلها واستمر
[ ٣٩١ ]
حتى بلغ أيامًا، فهل نقول: إنه ما دام أننا حكمنا بكونها حائضًا تبقى حائضًا طيلة جريانه معها، أم أن دم الحيض مؤقّت، وما زاد عن تأقيته نعتبره إستحاضة؟
الجواب: أن دم الحيض بالإجماع مؤّقت؛ بدليل أن الله أخبر في كتابه عن دم الحيض أنه ينقطع عند حدِّ معين، وهو طهر المرأة كما في قوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) فأخبر أن للحيض غاية، وكذلك بين ﵊ أن للحيض أيامًا مخصوصة، وذلك في قوله: [لتَنْظُره الأيامَ التي كَانت تَحيضُهُنَّ] فبين أن الحيض مختص بأيام، وليس بمستديم، بل له غاية ونهاية، مؤقت بها، وإذا ثبت أن له نهاية، وغاية؛ فإنه يرد السؤال: ما هي هذه الغاية التي إذا بلغها الدم، وجاوزها حكمنا بكون المرأة قد إنتهى حيضها وأصبحت مستحاضة؟
والجواب أنها: خمسة عشر يومًا؛ أي أن المرأة إذا جرى معها دم الحيض، واستمر معها لأكثر من خمسة عشر يومًا جزمنا بأن ما زاد على الخمسة عشر إستحاضة؛ لأنه لا حيض بعد خمسة عشر يومًا؛ ثم يرد السؤال هل كل الخمسة عشر يومًا حيض، أو بعضها؟ فيه تفصيل سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
_________________
(١) البقرة، آية: ٢٢٢.
[ ٣٩٢ ]
وهذا على قول الجمهور؛ وفيه حديث: [تَمكُثُ إِحدَاكُنّ شَطرَ عُمْرِها لا تُصلّي]؛ ولكنه متكلّم في سنده، والعمل عند أهل العلم -رحمة الله عليهم- على أن ما جاوز الخمسة عشر ليس بحيض، وهو إجماع لأن الخمسة عشر لم يقل أحد بعدد أكثر منها فما زاد عليها متفق على عدم إعتباره حيضًا، والخلاف بين العلماء ﵏ في ما دون الخمسة عشر، وفوق الثلاثة عشر؛ فالجمهور ﵏ على التَّحديد بالخمسة عشر، والحنفية ﵏ على التَّحديد بثلاثة عشر يومًا لحديث ضعيف الإسناد، وفيه أن النبي ﷺ قال في الحيض: [أقلّه ثلاثةَ أيامٍ، وأكثرُه ثلاثةَ عشرَ يومًا] وهو حديث ضعيف الإسناد عند المحدثين، فأصبح القول بخمسة عشر محل إتفاق فكان أرجح؛ لأن ما دونها إذا شُكَّ فيه بقي على الأصل، وهو كونه حيضًا.
إذًا ففائدة معرفة أكثر الحيض: أنه إذا نزف معها الدم، واستمر حتى جاوز أكثر الحيض علمت أنها مستحاضة، هذا بالنسبة لمعرفة أكثر الحيض.
لكن يرد السؤال: إذا علمنا أنه لا حدّ لأقل الحيض، وأن أكثره خمسة عشر يومًا؛ فما هو غالب حيض النساء؟
فقال ﵀: [غالبُه ستٌ، أو سَبْعٌ]: والدليل على ذلك: قوله -﵊- في حديث حمْنةَ بنتِ جَحْشٍ ﵂: [تَحيّضي في علمِ اللهِ سِتًا، أو سَبْعًا] وقد حسّنه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي ﵏، وقد دلّ على أن الغالب في المرأة أن يجري معها دم الحيض، وتكون عادتها ستة أيام، أو سبعة، و" أو " في قوله -ﷺ-: [ستًّا، أو
[ ٣٩٣ ]
سبعًا] للتنويع في الغالب أي: أن من النساء من تحيض ستًا، ومنهم من تحيض سبعة أيام.
قوله ﵀: [وأَقلّ طُهرٍ بَيْنَ حَيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يومًا]: الطُّهر هو: النقاء من الدنس، وأصل الطهر: النظافة يقال: طَهُرَ الشيءُ إذا نظف، ومن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها دم الحيض، وينقطع عند أمد معيّن هذا على الغالب، وتكون هناك علامة على إنقطاعه، وهي ما يُسَمَّى القَصّةَ البيضاءَ، وهي: ماء كالجِيرِ يخرج من الموضع، ويعرفه النساء، وعنتها أم المؤمنين ﵂ بقولها كما في صحيح البخاري: [إِنتظرْنَ لا تَعجَلِنّ حَتّى تَرينَّ القصةَ البيضاءَ] هذه علامة الطهر الأولى.
وهناك علامة ثانية مختلف فيها وهي: الجُفوفُ، والجُفوفُ: أن تضع المرأة القطن في الموضع فيخرج نقيًا لا دم فيه، يعني يجفُّ الموضع، هذه مختلف فيها: هل هي علامة طهر، أو لا؟
فمن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها الدم، ثم ينقطع بعلامة، وهي الطهر، فتبقى طاهرًا أمدًا، هذا الأمد يقلّ، ويكثر، ولذلك يحتاج الفقيه، وطالب العلم أن يعرف ما هو أقلُّ الطُّهر بين الحيضة، والحيضة لكي يتمكن من الحُكم بدخول المرأة في الحيضة الثانية بعد مجاوزتها أقل الطهر إذا كان الدم مستمرًا معها، أو عاودها بعد إنقطاعه فبيّنه المصنف ﵀ بقوله هنا: [وأقلُّ طهرٍ بين حيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يومًا].
[ ٣٩٤ ]
قوله ﵀: [ولا حدّ لأكثره] أي: أن أكثر الطهر ليس له حدُّ فقد تطهر شهورًا، وقد ينقطع عنها الحيض، فتبقى طاهرًا بقيّة عمرها كما هو الحال في الآيسة، فلا حدّ لأكثر الطُّهر في الحيض.
[وتقضِي الحائضُ الصومَ، لا الصّلاة]: بعد أن بيّن ﵀ مقدمات كتاب الحيض شرع -﵀- في مسألة مهمة، وهي موانع الحيض، والحيض يمنع عشرة أمور، ذكر المصنف -﵀- أشهرها، وأهمها.
فقال ﵀: [وتَقْضيِ الصّومَ، لا الصّلاة]: أي: أن المرأة إذا أصابها الحيض، وحكمنا بمنعها من الصيام، والصلاة، فإنها إذا طهرت من الحيض وجب عليها قضاء الصوم، دون الصلاة.
أما الدليل على هذا الحكم؛ فحديث أم المؤمنين عائشة -﵂- سألتهاُ عمرة بنت عبد الرّحمنِ، فقالت: " ما بال الحائض تقضي الصومَ، ولا تقضي الصلاة؟ " فقالت لها أم المؤمنين عائشة ﵂: أحَرُورية أنت؟ وحروريةٌ نسبة إلى حَروراءَ، وهو موضع كان فيه الخوارج، فقالت لها أحرورية أنت؟ أي: هل أنت من الخوارج الذين يُكثرون التّشدُقَ في الدين، والتنطع فيه؟. فقالت: لا، بل سائلة، أي: أسأل، وأستشكل. فقالت -﵂ -: " كنّا نَحيضُ على عَهْدِ رسولِ الله -ﷺ- فنُؤمرُ بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضَاءِ الصلاة " فدلّ على أن الحائض لا تصوم، ولا تصلي، وأنه يلزمها قضاء الصوم، ولا يلزمها قضاء الصلاة.
قوله ﵀: [ولا يَصِحّانِ مِنْها، بلْ يَحرمانِ]: قوله: [ولا يصحان منها]:أي أن المرأة إذا حاضت فلا يجوز لها أن تصوم، وتصلي، فإذا
[ ٣٩٥ ]
صامت لم يصحّ صومها، وإذا كانت عالمة بالتحريم، وصامت؛ فهي آثمة شرعًا، لكن لو كانت لا تدري أن هذا الدم دم حيض فكانت تظنّه دمَ استحاضة، وصامت، أو صلّت ظانّة أنها طاهر، وتبيّن أن هذا الدم دم حيض؛ فإنه لا إثم عليها؛ لأنها لم تقصد المخالفة؛ ولا يحكم بصحة صومها، ولا صلاتها، فيلزمها أن تُعيد الصّوم، دون الصلاة.
قوله ﵀: [ويحرمُ وطْؤُها في الفَرجِ]: أي: يحرم على الرجل أن يجامع امرأته الحائض في فرجها؛ والدليل على ذلك قوله -﷾-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ووجه الدلالة: في قوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض﴾ فالمحيض: إِسم مكان كالمقيل، أي مكان الحيض.
فقوله: ﴿إعْتَزِلُوا﴾ أمر بالإعتزال، وقيّد المعتزل بالمكان في قوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ وهو: إِسم مكان للحيض كالمَقيلِ اسم مكانٍ للقيلولة، فدلّ على حُرمة الوطء في الفرج الذي هو مكان الحيض مدة الحيض، وخصّ الله التحريم بالوطء، وجعل الإعتزال منحصرًا فيه، ومفهوم ذلك أنها لا تُعتزلُ في غيره، ومن هنا جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بمؤاكلة الحائض، ومشاربتها، ومجالستها على خلاف ما كان يفعله أهل الكتاب من اليهود، وغيرهم من عدم مؤاكلة الحائض ومجالستها حتى ينتهي حيضها، وثبتت السنة عن رسول الله ﷺ بتحريم الوطء في الفرج بالنسبة للمرأة الحائض، كما في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه قال: [إصنَعُوا كل شيءٍ إلا النِّكاحَ]، فقوله: [إِلا
[ ٣٩٦ ]
النِّكاحَ] التقدير: فلا تصنعوه أي لا تفعلوه لأن ما بعد إلا مخالف لما قبلها في الحكم، كما هو مقرّر في علم الأصول.
وكما دلّ دليل، الكتاب، والسنة على إعتبار هذا المانع، كذلك دلَّ دليل الإجماع، فقد أجمع العلماء ﵏ على تحريم وطء الحائض كما نقله الإمام النووي ﵀، وغيره.
إذًا فالحيض يمنع الوطء في الفرج، لكن هل يجوز للزوج أن يُستمتع منها بغير الفرج؟ هذه المسألة خلافية عند العلماء: الأصل عندهم أنه يجوز له أن يستمتع بالمرأة إذا كانت حائضًا بغير الجماع، لكن يأمرها فتتّزر، فتلبس إزارها من ثوب، ونحوه ويُغَطّى الموضعُ المحرّم، وبعضهم يحدّده بما بين السُّرة، والركبة؛ " لأنّ ما قاربَ الشيءَ أَخذَ حُكْمَه "، وقد قال ﵊: [كالرّاعِي يرعَى حولَ الحِمى يُوشِكُ أَنْ يقع فيه]، وأكدوا ذلك بقولها: [كانَ يأمرُ إِحدَانا فَتتّزرَ فيباشِرُها، وهي حائضٌ] والوزرة: لا تكون إلا إذا غطّت هذا الموضع، فالإزار الغالب فيه أن يكون بهذا القدر.
وقال بعض العلماء ﵏: المحرّم عليه الفرجان، ولا مانع أن يستمتع بغير الفرجين: ولو كان بالمباشرة، يعني أن المراد بالاتزار أن تشدّ الموضع فقط، ثم لو لامس غير موضع الجماع، وإستمتع به لا حرج عليه على ظاهر القرآن في قوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
وهذا المذهب الثاني أقوى من جهة النصِّ، وهو ظاهر القرآن، والسنة.
[ ٣٩٧ ]
والمذهب الأول أحوط، وأبعد عن الشّبهة في بقائه على الأصل الموجب لتحريم الوطء، وما قارب الفرج وسيلة للمحرم.
وفرّق بعض العلماء -وهو قول ثالث- يفرق بين الذي يستطيع أن يضبط نفسه، والذي لا يستطيع أن يضبطها، فقالوا: يباشر بما دون الفرج قريبًا من الفرج إذا كان يملك نفسه، والغالب عليه السلامة وإلا فلا، وهذا القول له أصل من السنة في قبلة الصائم كما سيأتي إن شاء الله، وهو مبني على القياس ومعارَضٌ بعموم الوارد هنا.
حرم الله وطء الحائض رحمة بالعباد، حتى ذكر بعض الأطباء المعاصرين أنه في إحدى المؤتمرات الطبية، قالت طبيبة غربية متخصصة: إنها وصلت إلى أمر هام في الطب، وهو أن من يجامع المرأة، وهي حائض أنه تلتهب عنده البروستات، وهي الغُدّة المعروفة. فقال أحد الأطباء المسلمين: هذا الذي توصلت إليه اليوم عرفه المسلمون منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا؛ فإن الله -﷿- يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأخبر أنه أذى، فهو يشمل أذى الحسِّ، والمعنى، فكان هذا من إعجاز القرآن، فالمسلمون يعرفون أن هذا الشيء يفضي إلى الضرر، ويستوي في ذلك عوامهم، وعلمائهم.
فمن رحمة الله أنه حرم الجماع في هذا الوقت، وذكر بعض الأطباء أنه كما يؤدي إلى الضّرر بالرجل فإنه كذلك يؤدي إلى أضرار في نفسية المرأة.
قوله ﵀: [فإِنْ فَعَل فعليهِ دينارٌ، أو نِصْفُه كفارةً] قوله: [فإن فَعل]: أي المكلف، فجاوز حدود الله ﷿ وجامع امرأته، وهي حائض.
[ ٣٩٨ ]
قوله ﵀: [فعَليْه دينارٌ، أو نِصْفُه]: الأصل في هذا حديث عبد الله بن عباس ﵄، وقد اختلف في رفعه، ووقفه أن النبي -ﷺ- قال في الذي يأتي إمرأته، وهي حائض: [يتصدّقُ بدينار، أو نصفِ دينارٍ] رواه الخمسة، وقال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال: [بدينار، أو نصفِ دينار] وحسنه غير واحد من أهل العلم؛ قال الإمام أحمد: ما أحسنَ حديثَ عبد الحميدِ عن مِقْسم عن إبنِ عباسٍ، فقيل: تذهب إليه؟ فقال: نعم، وقد صحّح هذا الحديث الحاكم، وابن القطان، وابن دقيق العيد، وغيرهم، هذا الحديث أمر فيه النبي -ﷺ- أن يتصدق من جامع الحائض بدينار، أو نصفِ دينار، ثم اُختلف في هذه الصدقة، فقال بعض العلماء: دينار، أو نصف دينار على التخيير، أي أنه مخيّرٌ، إن شاء تصدّق بدينار، وإن شاء تصدّق بنصفه، وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه-، واستشكل بعض العلماء كيف يؤمر بالأقل، والأكثر في كفّارة واحدة، وهذا ليس بإشكال؛ فإن الله -﷿- أمر من أفطر، وكان شيخًا كبيرًا، أو لا يطيق الصوم بالفدية إطعام مسكين وهو الأقل، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (١) فبين أنّ له أن يزيد بأكثر، فدل على أنه قد ترد الكفارة بالجمع بين الأقل والأكثر، فنقول: لا مانع من أن الشرع يأمر بالدينار، ونصفه، ولا يتجه اعتراضهم بأنه جمع بين الكامل، ونصفه؛ لأنه جمع بين إِجْزاءٍ، وكمال، لا بين إجزاءين، وله نظائر منها:
_________________
(١) البقرة، آية: ١٨٤.
[ ٣٩٩ ]
أن الله أباح قصر الصلاة في السفر، وثبت في السُّنة عن النبي -ﷺ- أن الرباعية تقصر إلى ركعتين، ومع هذا فإن المسافر لو أتم صلاته فإنه لا حرج عليه، والأفضل القصر على السنة.
وقال بعض السلف، وهو فتوى ابن عباس -﵄-: إن هذا التخيير بين الدينار، ونصفه سببه: أن الجماع في الحيض يختلف، فإن كان في أول الحيض فعليه دينار، وإن كان في آخره فعليه نصفه.
وقال بعضهم -وهو قول ثان لبعض السلف- أيضًا: دينار إن كان في أول الحيض، ونصفه إن كان في أوسط الحيض، أو آخره.
وتقسيم الحيض إلى أوله، وأوسطه، وآخره يكون إما بالزمان، وإما بالتمييز، مثال ذلك بالزمان: مثاله أن تكون عادتها ستة أيام، فأوله: اليومان الأول والثاني، وأوسطه: الثالث والرابع، وآخره: الخامس والسادس.
أما تأقيته بالصفات فكأن يجري معها دم حيض الأيام الأولَ، أحمر شديد الحمرة إلى قريب السواد، فيجري بهذه الصفة لمدة يومين مثلًا، ثم يجري معها أحمر شديد الحمرة في اليومين الأوسطين، ثم يجري معها أحمر أقلّ حمرة، أو قريبًا إلى الصُّفرةِ في اليومين الأخيرين فيكون ترتيبه بأوله، وأوسطه، وآخره بصفات الدم، هذا بالنسبة للتأقيت بالزمان والصفة. فإذا وقع في زمان شدّة الدم، وحمرته في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصفه.
والحقيقة فتوى ابن عباس تقوّي التفصيلَ: وهو إنه إن كان في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف ويقَوّيها النظر، فلا يبعد أن الشرع فرَّق بين من
[ ٤٠٠ ]
جامع في أول الحيض، وآخره من جهة كون المجامع في آخر الحيض تضرّر بالمنع من الجماع أكثر ممن هو في أوله، لأنه قريب العهد بوقت الحل، فناسب أن تكون العقوبة أقوى لمن جامع في أول الحيض بخلاف من جامع في آخره.
ويكون تأقيت الأول، والآخر، بالزمان، وبالصفة في قوة الدم، وضعفه.
أما بالنسبة لقدر الدينار فإن الدينار القديم في عهده ﵊، وعهد من بعده من الخلفاء الراشدين، وبني أمية لم يكن مضروبًا من المسلمين وأول ما ضُرب الدينار في عهد عبد الملك بن مروان ﵀، وكان وزن القديم منه، والجديد واحدًا، وهو المثقال فالدينار يعادل المثقال، وهو يعادل الغرامين وربع الغرام فإذا وجب الدينار نَظرَ إلى قيمة الغرام من الذهب بالريالات فأخرجها، فلو كان الغرام يساوي أربعين ريالًا فمعناه أن الدّينار: يساوي تسعين ريالًا، ونصفُه: يساوي خمسة وأربعين ريالًا وإن وجد ذهبًا أخرج ما يعادل الغرامين، والنصف، أو نصفها وهو الغرام، والربع على التفصيل المتقدم.
قوله ﵀: [ويَسْتَمْتِعُ مِنْها بِما دُونَه]: قوله ﵀: [ويستمتع] من المتعة، وهي اللّذة.
قوله ﵀: [بما دُونَه]: أي بما دون الموضع الذي حرّم الله الجماع فيه، وظاهر كلام المصنف كما قلنا العموم أي: سواء وُجد حائل، أو لم يُوجد؛ ودليله حديث عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ قال: [إِصْنعُوا كل شيءٍ إلا النكاحَ] فقوله: [كلَّ شيءٍ] عامّ، لأن [كل]
[ ٤٠١ ]
كما يقول الأصوليون: من ألفاظ العموم، فله أن يستمتع بكل شيء، ما لم يصل إلى الحرام، وهو الوطء في الفرجين، وعمَّمَ حيث لم يذكر الحائل، والإزار، وظاهر فعله ﵊: أن تتزر المرأة.
قوله ﵀: [وإِذَا انقطعَ الدّمُ، ولم تغتسلْ لم يُبَح غيَرُ الصِّيامِ، والطلاقِ]: للحيض طُهران:
الأول: طُهرٌ للموضع بانقطاع الدم، وبدوّ علامة الطُّهر، والثاني: طهر للمرأة باغتسالها بعد ذلك، فالأول ليس بيدها، والثاني بيدها.
فإذا طَهُرتْ المرأة بانقطاع دمها، ووجود علامة الطهر، وتَطهّرت بالاغتسال بعد ذلك فإنه بالإجماع ترتفع جميع موانع الحيض، ولا إشكال، لكن الإشكال لو طهرت من حيضها، ولم تُطَهِّر نفسها بالغسل، فهل يجوز له أن يجامعها، أو لا يجوز؟ وهل يجوز لها الصيام، وغيره من الموانع؟
قال ﵀: [لم يُبَحْ]: أي أن موانع الحيض، ومنها: الجماع لا تُباح إلا بعد غُسلها، وقوله: [غَير الصّيامِ، والطّلاقِ] أي أنه يباح لها فعل الصّيام، والطّلاق فقط، وهذا مذهب جمهور العلماء ﵏.
وقال الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمة الله عليه-: إذا إنقطع دم الحيض جاز للرجل أن يجامع امرأته، ولو لم تغتسل.
فالإمام أبو حنيفة يقول: إن الغاية في التحريم في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ هي الطُّهر، فإذا طهرت المرأة بانقطاع الدم عنها إِنتهى منع الجماع؛ فإذًا الجماع مؤقت بوجود الحيض، " وما شُرِعَ لعلّةٍ يبطل بزوالها "
[ ٤٠٢ ]
كما هي القاعدة في الأصول، فلما زال دم الحيض زال المانع؛ فجاز له أن يجامع.
لكن الجمهور قالوا: إن في الآية غاية، وشرطًا، فالغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، والشرط في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
قال الإمام أبو حنيفة: العبرة بالغاية؛ لأن القاعدة في الأصول: " أنَّ ما بعدَ الغايةِ يُخالف مما قَبلَها في الحُكْمِ "، لأنه لو كان الذي بعد الغاية كالذي قبلها لم تكن هناك فائدة من ذكر الغاية، وهذا صحيح إذا كانت الغاية ليس معها شرط، أما إذا اقترنت بالشرط فلا بد من تحققه معها لإفادة الحكم وعليه؛ فإنه يترجح مذهب الجمهور ﵏ من إعتبارهما معًا، وقد جاءت في الشريعة نظائر لمسألتنا منها: قوله ﷾ في بيان رفع الحجر عن اليتامى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فهذه غاية، وهي: البلوغ، ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ وهذا شرط، فلا مانع أن تثبت الغاية مع ثبوت الشرط، فنقول: إن آية الحيض فيها غاية، وشرط، والقاعدة: " أنه إِذا تخلّف الشرطُ تخلّف المشروطُ، وإذا وجدَ الشرطُ حُكم بالمَشْروطِ ". فإذًا تقول: إذا وجد الاغتسال؛ جاز له أن يجامع، وإلا فلا.
_________________
(١) النساء، آية: ٦.
[ ٤٠٣ ]
الدليل الثاني على رجحان مذهب الجمهور: أن الله ﷿ قال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ثم عقب بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فأسند الطهر لأنفسهن بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: فعلن الطُّهر، وعلى هذه القراءة يكون الطهر الثاني هو: الغسل فالغاية الطهر الأول، والشرط: الطهر الثاني لأن الله نسبه إلى النساء فدلّ على أنه من فعلهن، فصار طُهرًا زائدًا على الطهر الأوّل لا نفسه، وهناك قراءة بالتشديد: ﴿حَتَّى يَطَّهَرْنَ﴾ بالتشديد، وهي تصلح أن تكون دليلًا لمذهب الجمهور كما أشار إليه غير واحد من أهل العلم، واختاره الإمام الماوردي في جوابه في الحاوي، فالمقصود أن أصحَّ القولين هنا: أنه لا بد في إباحة جماع المرأة بعد الحيض من أن تَطْهر، وتغتسل، فإذا طَهرتْ، ولم تغتسل لا تُجامَع، وإنما يتريث حتى يتحقق الشرط الذي أمر الله -﷿- به.
قال ﵀: [لم يُبَح غيرُ الصِّيام، والطلاقِ] معناه: أنه يجوز لها فعل الصيام قبل أن تغتسل، فلو طهرت قبل أذان الفجر ولم تغتسل، ونوت الصيام ثم أذنَ، واغتسلت بعده صحّ صومُها، وأما الطلاق فإنه محرم، فلا يجوز طلاق الحائض؛ ولذلك غضب -ﷺ- على عبد الله بن عمر ﵄ لما طلق امرأته، وهي حائض، وقال ﵊ لأبيه عمر ﵁ مبيّنًا له طلاق السنة: [مُرهُ فليراجِعْها، ثمّ ليُمْسِكْها حتى تَطْهُر، ثم تَحيض، ثم تطهر، ثم إن شاءَ طلّق، وإن شاءَ أمسكَ، فتلكَ العدةُ التي أمرَ الله أن تطلق لها النساءُ]، فدلّ على تحريم طلاق المرأة الحائض، وأجمع على ذلك العلماء ﵏ وسمّوه طلاقًا بدعيًا أي: أنه
[ ٤٠٤ ]
مخالف للشرع، فكلهم متفقون على أن الحيض يمنع الطلاق، وينتهي هذا المنع بطهر المرأة، ولا يُشترط إغتسالها كالجماع، بل يجوز أن يطلقها بعد الطهر مباشرة للحديث السابق حيث بين أن المنع من الطلاق حال الحيض ينتهي عند الطهر، ولم يشترط الإغتسال بعده، وقوله ﵀: [لم يُبَح غير الصيام، والطلاق] معناه أن بقية الموانع لا بد فيها من الطُّهرين: الطهر الأول بانقَطاع الدم، ورؤية علامة الطهر، والطّهر الثاني: بالغسل، فلا يباح لها أن تصلي، ولا أن تدخل المسجد، ولا أن تمسّ المصحفَ، ولا أن تقرأ القرآن، ولا غيرها من بقية الموانع إلا بعد حصول هذين الأمرين.
قال ﵀: [والمبتدأةُ تَجلسُ أقله، ثم تَغتسلُ، وتصلّي] شرع المصنف -﵀- بهذه العبارة في ذكر أحوال النساء، فالمرأة الحائض لا تخلو من ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون مُبتدأَةً، بمعنى أنها لأول مرة يأتيها دم الحيض.
والحالة الثانية: أن تكون مُعتادةً، بمعنى أن دم الحيض عاودها حتى ثبتت لها فيه عادة معينة.
والحالة الثالثة: أن تكون متحيِّرةً، بمعنى أنه لا يمكنها أن تعرف عادتها لأجل النسيان، سواء نسيت قدر العادة، أو مكانها من الشهر، هذه ثلاثة أحوال للمرأة.
ومن عادة أهل العلم أنهم يبدأون بالنوع الأول، وهذا فيه مراعاة لأحوال النساء. يقولون: توصف بكونها مبتدأة إذا كان الحيض قد جاءها لأول مرة، هذا أول شرط للحكم بكونها مُبْتدأَةً.
[ ٤٠٥ ]
والشرط الثاني: أن يكون سنُّها سنَّ المرأة التي تحيض، وهو التسع على أصحّ الأقوال كما قدمنا، فإذا كان سنها دون التسع؛ فإنه لا يُحكم بكون الدم الذي يجري منها دم حيض.
فالمرأة التي جاءها دم الحيض لأول مرة لا تستطيع أن تقول أردها إلى عادتها؛ لأنه ليس لها عادة، فإذًا لا بد من أن يكون لها حكم خاص، والسؤال: ما هو هذا الحكم الخاص بها؟
والجواب: أن هذه مسألة خلافية فمن أهل العلم من قال: المبتدأة حائض إذا جاءها الدم في زمان إمكان الحيض (أي بعد بلوغها تسع سنين) فنحكم بكونها حائضًا، وليس عندنا حد لأقل الدم، فإذا جرى معها الدم إمتنعت عما تمتنع عنه الحائض، فإن انقطع دون الخمسة عشر يومًا فهو حيض فتغتسل عند إنقطاعه فإن عاودها بنفس العدد ثلاثة أشهر متتابعة ثبتت عادتها، وهذا القول مبني على القول بعدم تحديد أقل الحيض.
وقال بعض العلماء: كلُّ إِمرأة مُبتدأة أردّها إلى عادة أمهاتها، وأخواتها.
وقال بعض العلماء: كل امرأة مُبتدأة أردها إلى عادة لِدَاتها، أو أتْرابها كما يُعبر العلماء، واللِّدةُ، والتِّرْب هي: التي تكون في سن المرأة.
وقال بعض العلماء: المبتدأة تجلس أقل الحيض، وتحكم بكونها حائضًا ذلك القدر الذي هو أقل الحيض، ثم تغتسل، وتصوم، وتصلي حتى يعاودها الدم ثلاث مرات على وتيرة واحدة؛ فنحكم بإنتقالها إلى كونها معتادة.
[ ٤٠٦ ]
إذًا عندنا أربعة أقوال:
الأول: يُحكم بكونها حائضًا، ولا حدَّ عنده لأقل الدم، وتنتقل لكونها معتادة بإنقطاعه دون الخمسة عشر يومًا بعدد يتكرر ثلاثة أشهر متتابعة.
والقول الثاني، والثالث يقول: أردّها إلى أترابها، وقريباتها، فهذان القولان دليلهما واضح وهو: إن الشيء إذا شابه غيره أخذ حكمه، ولذلك يقول: أنا لا أقول إن هذه المبتدأة تجلس أقل الحيض، ولكن أقول: تنظر إلى أمثالها، فإن كانت عادة أمهاتها وأمثالها في سنها ستة أيام مثلًا فهي عادتها ستة أيام حتى تثبت لها عادة جديدة.
يبقى عندنا القول الرابع: وهو قول من يقول للحيض حدٌ أقلي الذي هو يوم وليلة كما يقول الشافعية، والحنابلة أو ثلاثة أيام كما يقول الحنفية فأصحاب هذا القول يقولون: كلُّ مُبتدأة لا نحكم بكونها حائضًا إلا إذا جاوزت أقل الحيض، فالشافعية، والحنابلة يقولون: كلُّ إمرأة بلغت تسع سنوات، وجاءها الدم فإنها تجلس يومًا، وليلة حتى يثبت كونه حيضًا، فإن استمر هذا الدم معها يومًا، وليلة فهي حائض، وإن نقص عن اليوم، والليلة فهي مستحاضة، والدم دم فساد، ومرض، هذا المذهب الأول في تحديد أقل الحيض، وهو الذي درج عليه المصنف -رحمة الله عليه-.
والمذهب الثاني مذهب الحنفية يقولون: ثلاثة أيام، فهذه المبتدأة إن استمر معها الدم ثلاثة أيام حينئذٍ أَنْظُرُ في كونها حائضًا، وأما إن نقص عن الثلاثة الأيام فإنني أعتبرها مستحاضة، والدم الذي معها دم فساد، وعلِّة، وليس بدم حيض. هذا بالنسبة لقضية أقل الحيض.
[ ٤٠٧ ]
الآن عرفنا مذاهب العلماء -رحمة الله عليهم- في مسألة المرأة المبتدأة. عندنا مسلكان:
مسلك يقول: المرأة المبتدأة حائض، ولو كان الدم دفعة واحدة، وهو الذي رجحناه كما قدمنا في مسألة أقل الحيض، وقلنا: إنه مذهب المالكية، والظاهرية، واختاره شيخ الإسلام رحمة الله على الجميع.
والمسلك الثاني يقول: تجلس أقل الحيض، إما يوم وليلة على قول، أو ثلاثة أيام على القول الثاني.
الآن يا ترى إذا استمر معها يومًا، وليلة، أو استمر معها ثلاثة أيام على القول بالتثليث، فلا يخلو إما أن ينقطع لأقل الحيض، وإما أن ينقطع على أكثر الحيض، أو ينقطع بعد أكثر الحيض.
فإذا انقطع لأقل من خمسة عشر يومًا، أو على الخمسة عشر يومًا فإنه على مذهب التحديد باليوم، والليلة يقولون: نعتبر اليوم، والليلة حيضًا، والزائد استحاضة، ثم نترك المرأة ثلاثة أشهر، فإذا انقطع في الثلاثة الأشهر بعدد واحد مثل: أن يستمر معها في الشهر الأول خمسة أيام، وينقطع، والشهر الثاني، والثالث كذلك قالوا: تثبت عادتها خمسة أيام بعد الشهر الثالث، ثم نطالبها بقضاء الأربعة الأيام من الشهر الأول، والثاني، والثالث؛ لأننا تيقنا أن الأربعة الباقية حيض، وليست باستحاضة، وعلى هذا المذهب تغتسل غسلان في الأشهر الثلاثة الأول منهما بعد اليوم، والليلة؛ والثاني بعد إنقطاع الدم أي: بعد اليوم الخامس، وهو تمام العدد الذي يحتمل أن يكون عادة.
[ ٤٠٨ ]
لكن الذي يترجح كما تقدم بيانه أنه إذا انقطع دون أكثر الحيض، أنها تجلس القدر الذي جرى معها فيه الدم، فإذا إنقطع عنها لما دون خمسة عشر يومًا إغتسلت غسلًا واحدًا.
والمذهب الثاني الذي ذكره المصنف مذهب مرجوح.
وعلى قول المصنف لو استمر معها الدم، وجاوز أكثر الحيض قال: عرفنا أنه دم فساد، وعلّة فتبقى على اليقين اليوم، والليلة أنها حائض، والزائد إِستحاضة حتى تثبت لها عادة بوتيرة معينة، أو تُميّز دمها، وسنبين كيف يكون التمييز.
الآن عرفنا بالنسبة للمبتدأة أن الجميع متفقون على أنه إذا جرى معها الدم ثلاثة أيام بالإجماع أنها تعتبر حائضًا.
ولكن الخلاف إذا جرى لأقل عند من يضع للحيض " حدًا أقليًا، فإن جرى أقل من يوم، وليلة فالمالكية والظاهرية يعتبرونه حيضًا، وإن جرى يومًا، وليلة فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة يعتبرونه حيضًا، والحنفية لا يعتبرونه حيضًا حتى يبلغ ثلاثة أيام.
إذًا يشترط فيها أول شيء أن يكون سنها سن حيض.
وثانيًا: أن تجاوز أقل الحيض عند من يقول للحيض حد أقلي، ولا يشترط ذلك عند من لا يرى تحديد أقل الحيض.
[ ٤٠٩ ]
قوله ﵀: [والمبتدأةُ تجلسُ أقلّه ثم تغتسلُ، وتصلّي] قوله: [أقلَّه]: الضمير عائد إلى الحيض، وأقله هو يوم وليلة على ما سار عليه المصنف ﵀ ثم تغتسل، وتصلي، وقوله: [تجلس]: يعني تحكم بكونها حائضًا، كما قدمنا بيانه.
قوله ﵀: [فإِنْ انقطَع لأكثرِهِ، فَما دونَ اغتسلتْ عنْدَ انقطاعِهِ]: هذه مسألة ثانية، نحن قررنا أن ما دون أكثر الحيض يُعتبر فيه اليوم، والليلة، لكن عندهم أيضًا أمر آخر، حيث قالوا: إذا جرى معها الدم لأول مرة، واستمر يومًا، وليلة حكمنا بكونها حائضًا، ثم تغتسل بعد اليوم، والليلة، وتصوم، وتصلي، فإن انقطع لأقل من أكثر الحيض فإنه يلزمها أن تغتسل غُسلًا ثانيًا؛ لاحتمال أن يكون الكلُّ حيضًا، لأنها إلى الآن ما ثبتت لها عادة، فاحتاطوا في ذلك وقالوا: نرجع إلى اليقين أنها حائض في اليوم والليلة، فنأمرها بالاغتسال بعد اليوم والليلة؛ لأنه يقين أنه حيض، وما زاد عليه مشكوك فيه فنبقى على الأصل من كونها طاهرًا فتغتسل، فإذا إِنقطع دون خمسة عشر يومًا فما الحكم؟
قالوا: تغتسل غُسْلًا ثانيًا، لإحتمال أن يكون عادتها، وهكذا في الشهر الثاني، والثالث حتى تثبت عادتها.
قال ﵀: [فإنْ تَكَررَ ثلاثًا فحيضٌ، وتَقْضِي ما وَجَبَ فيه] قوله ﵀: [تكرر ثَلاثًا] أي: تكرر إتيان دم الحيض ثلاثة أشهر بعدد واحدٍ لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، وقوله: [فحيض] أي أن عادتها في الحيض تكون ذلك العدد، وتعرف هذه المسألة عند العلماء بمسألة إثبات العادة،
[ ٤١٠ ]
وقد إختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة في عدد الأشهر التي يُشترط تكرارها، وذلك على قولين:
القول الأول: وهو مذهب الجمهور، وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة ﵏: أن العادة تثبت بثلاثة أشهر تكون بعدد واحد، فإذا تكرر دم الحيض ثلاثة أشهر متتابعة بعدد واحد حكمنا بكونها معتادة بعد الشهر الثالث.
القول الثاني: أن العادة بشهرين، يتكرر فيهما الدم بعدد واحد لا يختلف، وهذا هو مذهب الحنفية ﵏.
ومذهب الجمهور ﵏ أحوط، ومذهب الحنفية أقوى لأن المعاودة تحصل بالمرتين، وقد مشى المصنف ﵀ على مذهب الجمهور في إثبات العادة، وهو إِشتراط التكرار ثلاثة أشهر، فمحل الخلاف: في اشتراط الشهر الثالث، وإذا ثبتت العادة، وجب الرجوع إليها، وقد دلّ على ذلك قول النبي -ﷺ-: [لِتنْظُر الأيامَ التي كانتْ تحيضهُنَّ قبلَ أنْ يُصيبَها الذي أَصابَها] فردّها ﵊ إلى العادة، فدلّ على إعتبارها في الحيض، فلو أن امرأة سألتك، وقالت: إن الدم استمر معي عشرين يومًا فمتى أحكم بكوني طاهرة؟
تقول: هل لك عادة؟
فإن قالت: نعم كانت عادتي من قبل خمسة أيام، فتقول: اُمكثي خمسة أيام، ثم إذا مضت الخمسة الأيام فاغتسلي، وصلّي، وصومي.
[ ٤١١ ]
إذًا تردها إلى العادة، وهذه فائدة معرفة ضابط العادة، حتى يُحتكم إليها بعد إثباتها عند اختلال دم المرأة، فإذا اختل وضع المرأة إما لجراحة، أو لمرض، أو لولادة، أو غير ذلك فإننا نردها إلى العادة، وكما قلنا العادة بإجماع العلماء معتبرة.
وقوله ﵀: [وتَقْضِي ما وجبَ فيه]: يعني في ذلك الأمد الذي ثبت أنه حيض بعد ثبوت العادة وهو الأيام الزائدة على اليوم، والليلة خلال الشهر الأول، والثاني، والثالث.
فالمبتدأة على ما مشى عليه المصنف ﵀ تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل، ثم تصوم، وتُصلي، فلو فرضنا: أن الدم كان يجري معها خمسة أيام، واستمر ثلاثة أشهر بذلك العدد، ثبتت عادتها بالخمسة، وتبين لنا بعد الشهر الثالث أن هذه المبتدأة مكثت يومًا من الشهر الأول، وأفطرت أربعة أيام، ثم مكثت يومًا من الشهر الثاني، وأفطرت أربعة أيام، ثم في الشهر الثالث كذلك تقول: تقضي ما وجب عليها فيه، ما الذي وجب؟ وجب عليها الصوم، أما الصلاة فإن الحائض لا يجب عليها أن تصلي، فتقول: الأربعة الأيام التي كانت تصومها ظانة أنها طاهر بعد اليوم والليلة خلال الثلاثة الأشهر يلزمها قضاؤها جميعها لأنه تبين أنها أيام حيض بعد ثبوت العادة، فهذا هو معنى قوله هنا: [وتقْضي ما وجب فيه] أي: تقضي الأيام الزائدة على اليوم، والليلة، والتي تبين أنها حيض بعد ثبوت العادة.
قوله ﵀: [وإِنْ عبَر أكثرَه فمستحاضةٌ]: قوله: [وإنْ عَبَر أَكثَره]: يعني عبر الدم أكثرَ الحيض فالضمير عائد إلى الدم الذى يجري مع المرأة،
[ ٤١٢ ]
وأكثره: هو خمسة عشر يومًا كما قدمنا، وقوله ﵀: [فمستحاضة]: أي: أنه يحكم بكونها مستحاضة بعد أكثر الحيض بالإجماع، وتوضيح ذلك: أن المرأة المبتدأة إما أن ينقطع الدم عنها دون خمسة عشر يومًا، أو على الخمسة عشر يومًا، أو بعد الخمسة عشر يومًا، قلنا: إذا انقطع لأقل من خمسة عشر يومًا الحكم أنها تنظر في تكراره ثلاثة أشهر على وتيرة واحدة وتحتسب يقين الحيض، وهو اليوم، والليلة قبل ثبوت العادة ثم تقضيه على ما مشى عليه المصنف، وقلنا على القول الراجح أنها تمكث كل الذي دون الخمسة عشر يومًا لا تصوم فيه، ولا تُصلي على أنها حائض حتى تثبت لها العادة، وعلى القول الذي مشى عليه تغتسل غسلين، وعلى الراجح تغتسل غسلًا واحدًا.
وأما إن عبر أكثر الحيض فقد قال ﵀: [فمستحاضة] والسؤال: هل نحكم بكونها مستحاضة بمجرد مجاوزتها للخمسة عشر يومًا، أو مستحاضة بعد اليوم والليلة؟ قال: مستحاضة بعد اليوم والليلة، فاليوم والليلة حيض، فلما استمر معها الدم أكثر من خمسة عشر يوما عرفنا أن هذا المستمر دم فساد وليس بدم حيض، إذًا نريد الآن أن نفهم كلام المصنف، ونفهم ما اخترناه على القول الراجح.
فكلام المصنف ينبني على الآتي:
أن المرأة المبتدأة إذا انقطع دمها في أقل من أكثر الحيض، أو مساويًا لأكثر الحيض الذي هو خمسة عشر يومًا فحينئذٍ يقولون: تعتبر نفسها حائضًا يومًا وليلة، في الشهر الأول، والثاني، والثالث ثم بعده تحكم بكونها معتادة إذا
[ ٤١٣ ]
جاءها على وتيرة واحدة، هذا بالنسبة لما مشى عليه المصنف -﵀-، أما لو انقطع فوقه فالحكم أن الحيض يوم وليلة، وما زاد استحاضة.
إذًا ما مشى عليه المصنف ﵀: أن الحيض يوم وليلة فتجلسه المبتدأة وتغتسل بانتهاء اليوم والليلة ولو جرى معها الدم، ثم إن انقطع الدم ثلاثة أشهر دون خمسة عشر يومًا فحينئذٍ تعتبر نفسها معتادة على ذلك القدر الذي جاءها على وتيرة واحدة، وتغتسل غُسلًا ثانيًا عند انقطاعه خلال الثلاثة الأشهر، وإن جاوز أكثر الحيض الذي هو الخمسة عشر يومًا فحينئذٍ اليوم والليلة حيض والزائد استحاضة، ولا يلزمها غسل ثانٍ.
وأما على قول من لا يقول بالتحديد، وهو القول الذي رجحناه: فإنه بمجرد أن يجري معها الدم تعتبر نفسها حائضًا، وتمتنع من الموانع؛ لأنه زمن حيض، وأمد حيض، ولا تقدير من الشرع فالأصل، واليقين أنها حائض، حتى ينقطع ذلك الدم، فإن كان دون الخمسة عشر فهو حيض كله من أول مرة، وتغتسل بعد إنقطاعه، وإن جاوز الخمسة عشر فالزائد إستحاضة، وتغتسل بعد تمام أكثره غسلًا واحدًا.
قوله ﵀: [فإن كانَ بعضُ دمِها أحمَر، وبعضُه أسودَ، ولمْ يعبرْ أكثَره، ولم يَنْقُصْ عن أقلهِ فهو حيضُها تجْلِسه في الشهر الثاني، والأحمرُ إستحاضة] هذا هو النوع الثالث من النساء: وهو المُمَيِّزةُ.
والمُميّزَةُ مأخوذهَ: من التّمييزِ، وتميز الشيء: أن تكون له حِلْيةٌ، وأوصافٌ يتميّز بها عن غيره، وهذا النوع من النساء يعتبر في الحقيقة عند بعض العلماء أقوى من العادة، يعني المرأة التي تعرف طبيعة دمها أقوى عنده من رجوعها
[ ٤١٤ ]
إلى العادة، فيردها إلى التمييز قبل أن يردّها إلى العادة، وإن كان الصحيح أن العادة أقوى من التمييز لحديث عائشة ﵂ في الصحيح لما سألتْ فاطمةُ بنتُ أبي حبيشٍ ﵂ رسولَ الله -ﷺ- عن حيضها فقال: [لتنظرِ الأيّامَ] وقال في الحديث الآخر: [دعي الصّلاةَ أيامَ أقرائِك] فردّها إلى عادتها، فدلّ على أن العادَة أقوى من التَّمييزِ.
وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه فضعّف التّمييزَ، والصحيح أن التّمييز حجةٌ، ومُعتبر.
والدليل على أن التمييز يعتبرُ في الحيض قوله ﵊: [إِنَّ دمَ الحيض دمٌ أسودُ يُعرفُ، فإذَا كانَ ذلِكِ فأمسِكي عنِ الصّلاةِ] فقوله: [إِنّ دمَ الحيضِ دَمٌ أسودُ يُعرفُ] فيه دليل على إعتبار التمييز في الحيض حيث ردّها رسول الله ﷺ إلى لونه الذي يتميّز به، وألوان دم الحيض: أقواها الأسود، ثم الأحمر شديد الحمرة كما يقول العلماء، وهو: القاني، ويختلف هذا الأحمر على مراتب، ثم بعد الأحمر الأشقرُ، وألغاه بعضُ العلماء، ثمّ الأصفرُ، ثمّ الأكدر، ثم التُّربي، فهذه ستّة ألوانٍ، أما اللون الأسود: فهو أقواها، ثم يليه الأحمر، وهو الطّبيعي في دم النساء، ولكنهم قالوا: أحمر محتدم أي: شديد الحمرة حارقٌ تعرفه النساء بوصفه، ثمّ أخف منه المُشْرق، والذي يقول بعضهم: الأشقر، أو الأشيقر، وقيل: إن الأشقر هو الصفرة التي وردت في حديث أمِّ عطيةَ ﵂، وأثرِ عائشةَ ﵂، ثمّ يليه الأصفر ثم الأكدر، والأكْدَرُ: كالماء الكَدرِ المتعكِّر ضاربًا إلى شيء من الخُضرة، ثمّ التُّربي هذا بالنسبة لألوان دم الحيض.
[ ٤١٥ ]
وكما تميّز المرأةُ دَم الحيض باللّون، كذلك تميزه بالرّائحة، وبالكثرة، والقِلة وبالألم، وبالغِلَظِ والرِّقةِ، هذه ضوابط التمييز.
فاللون تميّز المرأةُ به دم الحيض بأن تعتبر أشدّ ألوانه حيضًا، وما خفّ بعده إستحاضة على حسب الألوان فمثلًا: لو أن امرأة قالت: جرى معي دم الحيض ستة أيام أحمر شديد الحمرة، ثمّ أصبح بعدها أصفر، تقول: حيضك الستة الأيام، وما بعدها إستحاضة، وهكذا الحكم لو تخلّل الدمَ القويَّ ما هو أضعفُ، فلو قالت: إنه يجري معها ثلاثة أيام أسود، ثم ثلاثًا أحمر، ثم ثلاثًا أسود، تقول: الثلاثة الأُول: حيض، والثلاثة الحمراء: استحاضة، والتي بعدها: حيض، فأنت طاهر في الثلاث الوسطى، حائض في الأولى، والأخيرة، ويحكمُ بخروجك من الحيض في اليوم التاسع، بناء على أن عادتك ستة أيام.
هذه مسألة التمييز باللون الأسود.
وإما التمييز باللون الأحمر، فمثل أن تقول: جرى معي الدّم أحمرَ شديدَ الحُمرة لمدة يومين، ثم يومين آخرين خفيفَ الحُمرة، ثمّ يومين شديدَ الحُمرة، ثمّ يومين خفيفَ الحُمرة، تقول: اليومان الأولان حيض، واليوم الثالث، والرابع، وهما اليومان اللذان يليانها استحاضة، ثم الخامس، والسادس اللذان إِشتَدَّت فيهما حمرة الدم هما من الحيض، فتضيفين اليومين هذين إلى اليومين الأوليين، هذه أربع، ثمّ تحكمين بطهارتك بانقضاء اليوم الرابع، وتدخلين في الإستحاضة في اليوم الخامس، والسادس، ثمّ في اليوم السابع دخلت في اليوم الخامس من حيضك، واليوم الثامن هو اليوم السادس من الحيضة
[ ٤١٦ ]
فيحكم بانتهاء حيضك في اليوم الثامن، وهكذا التمييز ببقية الألوان الأخرى، فالحكم فيها كما ذكرنا هنا في اللون الأحمر.
هذا بالنسبة لمسألة اختلاف ألوان الدم التمييز لها، ولا يشترط تَخلّل اللونِ الضعيفِ بين اللونِ القويِّ كما ذكرنا في المثال بل العبرة بقوةِ اللّون بغضِّ النّظر عن مكانها.
وأما بالنسبة للتّمييز بالرائحة: فإن دم الحيض له رائحة شديدة النّتن بخلافِ دمِ الإستحاضة فإنه أخفُّ منه، فإذا استطاعت أن تعرف دم حيضها برائحته، فقالت مثلًا: جاءني دم أحمر عشرين يومًا ولكن لاحظت أن لونه واحد، لاحظ في الحالة الأولى التمييز باللون لا بد أن تختلف الألوان، ولكن التمييز بالرائحة لا يختلف اللون، وإنما تختلف الرائحة، فتقول لك: جاءني عشرين يومًا دمٌ أحمر، فهل كلّه حيض؟ تقول: لا، ليس بحيض، هل لك عادة؟ قالت: ما لي عادة، تقول: إذًا هل تستطيعين أن تميزيه بالرائحة؟ قالت: نعم رائحته في الستّة الأُول نتنةٌ شديدة، وفي الأربعة عشر الباقية ليست كذلك، فحينئذ تحكم بكونها حائضًا في الستة الأول، دون ما بقي.
أو قالت: يومين برائحته، ثم أربعًا بدون، ثم يومين برائحته، ثم أربعًا بدون، ثم يومين برائحته. فما الحكم؟
تقول: تلفقين، هذا يسمى مذهب التلفيق، اليومان اللذان فيهما رائحة دم الحيض حيضٌ، والأربع التي ليست فيها رائحة دم الحيض استحاضة، ثم بعدها دخلت في اليوم السابع وهو ثالث أيام الحيض، واليوم الثامن رابعه، وقس على هذا. هذا بالنسبة للتمييز بالرائحة.
[ ٤١٧ ]
الضابط الثالث للتمييز: التمييز بالألم، حيث جرت العادة عند النساء في دم الحيض أنه أشد ألمًا من دم الإستحاضة، وكل إمرأة تعرف طبيعة دمها في ذلك، فإذا قالت المرأة: جاءني عشرين يومًا، لكنه الستة الأيام الأول كان مؤلمًا حارقًا، تقول: كونه في هذه الأيام بهذه الصفة فهو دم حيض، والأيام الباقية دم استحاضة.
هذه ثلاث علامات للتّمييز: اللّونُ، والرّائحةُ، والألمُ.
الضابط الرابع للتمييز: الكثرةُ، والقِلّة، قالوا: إن دم الإستحاضة يكون نازفًا بخلاف دم الحيض، فإنه أقل، ولذلك لما استحيضت حمنة ﵂، وسألتْ رسولَ الله ﷺ قالت: [إنِّي أَثُجُّ ثَجًَّا] والثجُّ: السّيلانُ.
وبعضهم يضع بدل الكثرة، والقِلّة علامة أخرى، وهي: الرِّقة، والغِلظة، فالغليظ: حيض، والرقيق: إستحاضة، فلو قالت مثلًا: جاءني دم الحيض عشرين يومًا لكن ألاحظ أن الستَّةَ الأُول كان الدّم فيها ثقيلًا غليظًا، والأربعة عشر يومًا الباقية كان رقيقًا، تقول: السّت: حيض، والباقي: استحاضة.
هذه ضوابط التمييز: اللّونُ، والرِّيحُ، والأَلمُ، والكثْرةُ والقِلَّة، والغِلظُ والرِّقةُ.
[ ٤١٨ ]
وقد جمعها بعض العلماء بقوله:
باللّونِ والرِّيح وبِالتّألُمِ وَكثْرةٍ وقِلّةٍ مَيْزُ الدّمِ
هذا على المذهب الذي يقول: الكثرة، والقلة، وبعضهم يرى الغلظ، والرقة فيقول في الشطر الثاني:
وغِلَظٍ ورِقةٍ مَيْزُ الدّمِ
قوله ﵀: [وإنْ لم يكنْ دَمُها مُتَمِّيزًا جَلستْ غَالبَ الحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ] هذا هو النوع الثالث: وهي المتحيّرة التي لا عادة لها، ولا تمييز، أو نسيت عادتها.
وحكمها: إذا استمر معها الدم حتى جاوز أكثر الحيض نردُّها إلى غالب الحيض، يعنى غالب الأيام التي تجلسها النساء، والغالب: أن المرأة تحيض سِتًّا، أو سبعًا، ودليلنا على ذلك السنة: في قوله ﵊: [تَحيّضِي في علمِ اللهِ سِتًا أَوْ سَبْعًا] فردّها إلى الغالب، فقال العلماء: الستّ، والسّبع هي غالب حيض النساء، فالمرأة إذا التبس عليها، واستمر معها الدم، ولم تكن لها عادة، ولا تمييز تَردّها إلى غالب الحيض، وقد تأتيك المرأة معتادة، ولكن نسيت عادتها، ولا تستطيع أن تميّز تردُّها إلى غالب حيض النساء أيضًا على تفصيل في أحوال النسيان سيذكره المصنف ﵀.
[ ٤١٩ ]
قوله ﵀: [والمستحاضةُ المعتادةُ، ولوْ مُميّزةً تجلسُ عادَتَها]: المستحاضة: إِستفعال من الحيض، يعني: استمر معها دم الحيض، فالمرأة إذا جرى معها الدم ثلاثين يومًا كما قررنا في المجلس الماضي فإنه بالإجماع لا يقال إن الشهر كله حيض بل نقول: بعضه حيض، وباقيه إستحاضة.
والدليل على ذلك: قوله -﵊- في الصحيح لما سألته فاطمةُ بنتُ أبي حُبيشٍ ﵂ فقالت له: -يا رسولَ الله- إني أُستحاضُ، فَلا أَطهُر، أَفأدعُ الصَّلاةَ؟، فقال رسول الله ﷺ:
[إِنما ذلِكِ عِرْق، ولَيْس بالحَيْضةِ] فبيّن لها ﵊ أنّ الدم كله لا يعتبر حيضًا بل بعضه حيض، وباقيه إستحاضة، وهكذا لما سألته حمنة بنت جحش ﵂ فقالت: [يا رسولَ الله إنّي أُستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً] لم يعتبر ﵊ جميع دمها حيضًا بل قال لها ﵊: [إِنما هذه ركضةٌ من ركَضَاتِ الشّيطانِ فتحيّضِي سِتّة أيام، أو سَبعةً في علمِ اللهِ] فإذا ثبت هذا، وهو أن الدم ليس كله حيضًا بل بعضه حيض، وبعضه إستحاضة؛ فإنه يرد السؤال: إذا كانت المرأة ترجع إلى عادتها، وتمييزها، كما دلت السنة على إعتبار الأمرين فهل تقدم عادَتها، أو تمييزَها؟ فبيّن ﵀: أن العادة مُقدّمةٌ على التّمْييز، وذلك لحديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ ﵂ في الصحيحين حيث رَدّها ﵊ إلى عادتها في قوله: [دَعِي الصّلاةَ أيامَ أَقرائِكِ] ولم يستفصل، فلم يسألها هل لك تمييز، أو لا؟ بل ردّها إلى عادتها مباشرة، فدلّ على قوة العادة وأنها هي المعتبرة سواء وُجد تمييزٌ، أو لم يُوجدْ لأنّ
[ ٤٢٠ ]
القاعدة: [أَنّ تركَ الإستفصالِ في مقامِ الإحتمالِ ينزّلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ] فكأنه قال لها ﵊: إرجعي إلى عادتك؛ سواء كان لك تمييز، أو لم يكن.
فهذا الحديث أصل في تقدم العادة على التمييز، ودلالته من هذا الوجه قويّة، ومما يُرجح هذا القول أيضًا: أن الحديث الذي دلّ على إعتبار العادة أقوى سندًا من الحديث الذي دلّ على إعتبار التّمييز بل ورد في إثبات العادة أكثر من حديث، وبعضها في الصحيحين بخلاف حديث التمييز إضافة إلى أن العادة مجمع على إعتبارها، بخلاف التمييز حيث لم يُجمع عليه، وبهذه الوجوه تكون العادة مقدّمةً على التمييز، والله أعلم.
قوله ﵀: [وإن نسِيتْها عملَت بالتّمييزِ الصَّالح]: أي: نسيت عادتها، وقوله: [عملتْ بالتّمييزِ الصَّالح] أي أن التمييز محلّه أن لا تكون لها عادة مثل: المبتدأة، أو تكون لها عادة، ولكن نسيتها، فلا عمل بالتمييز مع العادة التي تتذكرها المرأة، وقوله: [الصَّالح] أي: الذي له أوصاف مؤثرة يصلح بها لتميز دم الحيض من دم الإستحاضة كما قدمنا في صفات التمييز المعتبرة.
قوله ﵀: [فإِنْ لم يكُنْ لها تَمْييزٌ فَغالبُ الحيضِ]: أي: أن هذا النوع من النساء، إذا لم يكن له تمييز صالح، فإننا نردّه إلى غالب الحيض، وهو الستّ، والسبع كما تقدم بيانه، ودليله، فرتّب المصنف ﵀ العمل بما تقدم على النحو التالي:
أولًا: العادة، ثم يليها التمييز، ثم يليها الحكم بغالب الحيض.
[ ٤٢١ ]
قوله ﵀: [كالعالم بموضعه الناسي لعدده]: إذا كانت المرأة ناسية لعدد عادتها، ولكنها تعلم موضع العادة من الشهر فإننا نقول لها: تحيّضي بغالب حيض النساء، وهو الست، والسبع كما قدمنا ولكن يلزمها أن تعتبر الموضع الذي كانت تأتيها عادتها فيه، وتوضيح ذلك: أن المرأة المعتادة إذا ثبتت عادتها إشتملت تلك العادة على أمرين:
الأول: موضع العادة، وهو زمان وقوعها من الشهر، وهو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره.
والثاني: قدر العادة، وهو عدد الأيام التي يأتيها فيها الحيض.
فإذا كانت عادتها مثلًا ستّة أيام فإما أن تكون في أول الشهر، أو تكون في وسطه، أو تكون في آخره.
فإذا نسيت عادتها فلا تخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تنسى عدد العادة دون موضعها.
الحالة الثانية: أن تنسى موضع العادة دون عددها، أي العكس.
الحالة الثالثة: أن تنسى عدد العادة، وموضعها.
فإذا نسيت العدد، وعلمت بالموضع فحينئذ يحدّد العدد لها بما ورد في السُّنة، وهو غالب حيض النساء ويصبح بديلًا عما نسيته من عادتها حتى تذكره، لأن النبي ﷺ ردّ إلى هذا العدد لكونه غالب حيض النساء، ويلزمها أن تنظر إلى الموضع الذي كانت العادة تأتيها فيه؛ سواء كان في أول الشهر، أو في أوسطه، أو في آخره، فهذا هو مراد المصنف ﵀ بقوله هنا: [كالعالم بِموضعِه النّاسِي لعدَدِه] ثم أشار إلى عكس هذه الصورة بقوله
[ ٤٢٢ ]
﵀: [وإنْ عَلمتْ عدَدَه، ونَسِيتْ مَوْضِعَه مِنَ الشّهر، ولو في نِصْفِه جلستْ مِنْ أَوّله كمنْ لا عَادَة لَها] فبيّن أنها ترجع إلى أول الشهر، ولكن يلزمها أن تعتبر عدد عادتها، فلو قالت: عادتي ستة أيام، ولكني نسيت هل هي في أول الشهر، أو في نصفه، أو في آخره فحينئذ نقول لها: إعتدي بأوله، كالحال فيمن لا عادة لها إذا تحيضت بغالب حيض النساء مكثت الست، أو السبع من بداية الشهر.
وقوله: [ولوْ فِى نِصْفِه] إشارة إلى خلاف مذهبي، وتوضيحه: أن النّاسية لموضع العادة لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تنسى موضع العادة نسيانًا تامًا فلا تدري هل هي في أول الشهر، أو في أوسطه، أو في آخره، فليس عندها أي معرفة، ويقع هذا في بعض الحوادث كما في حال إغماء المرأة، وغيبوبتها ثم إفاقتها، وقد نسيت كل شيء من عادتها.
وفي هذه الحالة لا إشكال في ردِّها إلى أَوّل الشهر.
الحالة الثانية: أن تكون ذاكرة لموضعها، وهو نصف الشهر الأول مثلًا، ثم تنسى هل الستة الأيام عادتها في أول النصف الأول من الشهر، أو في آخره، أو تكون ذاكرة لموضعه، وهو نصفه الثاني، ثم تنسى هل هي في أوله، أو في آخره.
وفي هذه الحالة إختلف العلماء ﵏ في حكمها على قولين:
القول الأول: نُلزمها بأوّل النِّصفِ الذي تذكره.
والقول الثاني: نُلزمها بأوّل الشّهر مطلقًا.
[ ٤٢٣ ]
ومحل الخلاف: إذا كان نسيانها لموضعه من النصف الثاني هل نردها إلى أول الشهر، أو إلى أول النصف الثاني؟
والذي يترجح: أننا نُلْزِمُها بأوّل النصفِ الذي تذكره، لأننا على يقين بأن النصف الأول ليس فيه حيض فنلزمها بأول النصف الثاني كما ألزمناها بأول الشهر عند نسيان الموضع.
والمصنف ﵀ مشى على القول المرجوح فردّها إلى أول الشهر في جميع الأحوال.
قوله ﵀: [ومَنْ زادتْ عادتُها، أو تَقدّمتْ، أو تأَخّرتْ، فما تكرّر ثلاثة حيض]: مراده ﵀ أن العادة تتغير بالزيادة، والنقصان بشرط أن تتكرر ثلاثة أشهر بعدد واحد من الزيادة، أو النقصان، فلو كانت عادتها ستة أيام، ثم زادت إلى ثمانية، واستمرت ثلاثة أشهر متتابعة بهذه الزيادة حكمنا بإنتقالها إلى الثمانية، ولزمها قضاء اليومين السابع، والثامن من الأشهر الثلاثة لأنه تبيّن أنها حيض، وهكذا في نقص العادة لكن في حال النقص ليس عليها قضاء كما هو معلوم.
قوله ﵀: [وما نَقصَ عَنِ العادَةِ طُهْر، وما عَادَ فِيها جَلسَتْه]: مراده ﵀: أنه إذا كان الإختلاف في العادة بالنقص فإنها تحكم بكونها طاهرًا بمجرد إنقطاع الدم عنها، ولو عاد قبل إنتهاء أقلّ الطّهر حسبته حيضًا حتى يبلغ عادتها فلو كانت عادتها، مثلًا سبعة أيام، وانقطع الدم بعد خمسة أيام فإننا نحكم بكونها طاهرًا بعد إنقطاعه ناقصًا، وهو معنى قوله هنا: [طُهْر] ثم لو عاودها بعد ثلاثة أيام فجرى معها يومًا، ثم إنقطع فإننا نحكم
[ ٤٢٤ ]
بكون هذا اليوم حيضًا، وهو معنى قوله: [وما عَادَ فِيها جَلستُه] فنضيفه إلى الخمسة السابقة، فلو عاودها يومًا آخر فإنها تضيفه إلى ما سبق فتكون حينئذ قد أتمت سِتّة أيام، وبقي لها يوم من عادتها، فإن عاودها قبل أقل الطهر أضفناه للستة فتمّت به عادتها، وإن لم يعاودها نظرنا في الشهر الثاني، والثالث، فإن عاودها بنفس العدد، وهو السِّتةُ حكمنا بنقصان عادتها، وانتقالها من سبعة أيام إلى سِتّةِ أيام.
قوله ﵀: [والصُّفرةُ، والكُدْرةُ في زمنِ العادةِ حيضٌ]: قوله: [والصفرة، والكدرة]: الصفرةُ: مأخوذة من الصفار، وهو اللّون الأصفر، قال بعض العلماء -رحمة الله عليهم-: الصفرة التي تكون من المرأة: كلون القيح تخرج من الموضع، وقد إختلف العلماء ﵏ في حكمها، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: التّفصيل، وهو مذهب الجمهور: إن كانت الصفرة، والكدرة في زمان الحيض فهي حيض، وإن كانت بعد إنقضاء الحيض فليست بحيض.
والقول الثاني: إلغاؤها مطلقًا كما هو مذهب الظاهرية، ومن وافقهم ﵏.
والقول الثالث: أنها حيض، ولو كانت بعد زمان الحيض، وهو قول للشافعي وأبي يوسف ﵏.
وترجح مذهب الجمهور ﵏ بدليل السّنة فيما ثبت من حديث أمِّ عَطّية ﵂ قالت: [كُنا لا نعدُّ الصُّفرةَ، والكدرةَ بعد الطُّهرِ
[ ٤٢٥ ]
شَيْئًا] ومفهومه: أنها في الحيض حيض، وكذلك صحّ أن أم المؤمنين عائشةَ ﵂ كُنَّ النساءُ كما في صحيح البخاري يَبْعثنَ لها بالدُّرجةِ فيها الصُّفرةُ، والكُدْرةُ من دم الحيض، فتقول: [انتظِرْنَ لا تَعْجَلِنّ حَتّى تَرينّ القَصّةَ البَيْضاءَ] " الدُرْجة " مثل: الخرقة " فيها الكرسف ": الذي هو القطن.
فقولها ﵂: [انتظِرْنَ لا تَعجَلِنَّ حتّى تَرينّ القَصّةَ البَيْضَاء] واضح في الدلالة على أنها إعتبرته حيضًا، وأمرت بالإنتظار حتى ترى السائلةُ علامةَ الطُّهر، وهي القصة البيضاء فدلّ على أنّ الصُّفرة والكُدرة حيض في زمان الحيض.
واستدل بعض العلماء ﵏ بظاهر القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
وهو عام في طهرهنّ من الدم بلونه المعتاد، أو غيره كالصّفرة، والكُدرة.
وأكدوا هذا بدليل النظر، وهو القياس على الدم، وأن الصُّفرة تنشأ من الدم كما في القيح، وتأخذ أحكامه كما في النجاسة.
فهذا كلّه يدل على رجحان مذهب الجمهور ﵏ أن الصُّفرةَ، والكُدرة في وقت الحيض حيض، وما بعده ليست بحيض لأنها كدم الإستحاضة.
قوله ﵀: [ومَنْ رَأتْ يَومًا دَمًا، ويومًا نقاءً؛ فالدّمُ حَيضٌ، والنَّقاءُ طُهْرٌ]: تعرف هذه المسألة بمسألة التّلفيق، فإذا رأت المرأة يومًا دمًا، ثمّ يومًا نقاءً، ثمّ يومًا دمًا، ثمّ يومًا نقاءً؛ فالحكم ما ذكره المصنف ﵀:
[ ٤٢٦ ]
يوم الدم يومُ حيض، ويومُ النّقاء يومُ طُهْرٍ، فتحسب عادتها في أيام الدّماء وحْدَها، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ﵏، ودليله ظاهر الكتاب، والسُّنة، وهو أن النّصوص فيهما دلّت على أن الحيض في زمانه مترتب على وجود الدم، فإذا وجد الدم حكمنا بكونها حائضًا، وإذا لم يوجد حكمنا بكونها طاهرًا، فهذا هو الأصل.
وعلى هذا المذهب فلو كانت عادتها خمسة أيام، وجاءها الدم يومًا كاملًا، ثم إنقطع يومًا كاملًا بعده واستمر بهذه الصورة، فإنه يحكم بخروجها من عادتها في تمام اليوم العاشر، فتلفّق أيام حيضها حتى تتم العدد.
قال ﵀: [ويُستَحب غسلها لكُل صَلاة]: شرع المصنف -﵀- بهذه العبارة في بيان أحكام المستحاضة، والمستحاضة: نوع من النساء تتعلق بها أحكام في صلاتها، وصيامها مفرّعة على الحكم بطهارتها.
والإستحاضة: استفعال من الحيض، أي: أنّ الدم استمر معها، فالأصل أن دم الحيض يقف عند أمد معين كما قدمنا فلما استرسل دم حيضها، وزاد قيل لها إستحاضة.
قال بعض العلماء في تعريفها: (إنها دمُ فسادٍ، وعِلّةٍ يُرخيه الرحمُ من أعلاهُ، لا منْ قَعْرِه) وهذا التعريف من أنسب التعاريف.
والإستحاضة أصلها عرق؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه لما سأَلتهُ فاطمةُ ﵂ عن استحاضتها قال ﵊: [إِنما ذلِكِ عِرقٌ]، وقال ﵊ لحمنة بنت جحش ﵂ في إستحاضتها: [إِنها رَكْضةٌ مِنْ رَكَضَاتِ
[ ٤٢٧ ]
الشّيطانِ] قال بعض العلماء: ركضة حقيقية أي: أن الشيطان يركض، ويضرب هذا الموضع ضربًا حقيقيًا كالرّكض الذي يكون من الفارس، أو من الرجل، وقال بعض العلماء: بل إنه ركض معنوي بمعنى: أن الشيطان يتذرّع بجريان الدم مع المرأة على هذه الصورة، فيلبّس عليها صلاتها، فيدخلها في متاهة، فلا تدري أهي حائض، فلا تصلي، ولا تصوم، أو ليست بحائض، فيجب عليها الصوم، والصلاة؟ قالوا: فوصف النبي -ﷺ- الإستحاضة بكونها رَكْضة لمكان هذا التلبيس الذي يكون من الشيطان هذا من جهة المعنى.
أما بالنسبة لحقيقة هذا العرق فإنه وردت له أسماء: الأول: ورد في السنن، وهو العاذل، والثاني: ورد في رواية أشار إليها الإمام ابن الأثير ﵀: وفيها إسم العاذر، فالرواية الأولى: باللام العاذل والثانية: بالراء، وذكر الإمام الحافظ العيني -﵀- أن هناك اسمًا له، وهو العادل، بدالٍ بَدَل الذَّال. هذه ثلاثة أسماء، وهناك إسم رابع رواه الإمام أحمد في مسنده أنه العاند، فهذه أربعة أسماء: العاذل، والعاذر، والعادل، والعاند، قالوا: عاذلًا وصفًا له فليس هو عرق في الجسد إِسمه عاذل؛ والسبب في ذلك أن بعض الفقهاء سأل بعض الأطباء عن عرق اسمه العاذل فلم يعرفوه، والواقع أن العلماء قالوا: إن النبي -ﷺ- وصفه بكونه عاذلًا من العذل، واللّوم؛ لأنه يوجب عَذْلَ المرأة، ولومها.
وأما تسميته بالعادل؛ فالعادل عن الشيء هو: الجائر عنه، يقال عدل عن الطريق إذا مال، وجار عنه؛ قالوا: لأنه بخروج المرأة عن عادتها بالحيض،
[ ٤٢٨ ]
ودخولها في الإستحاضة عدلت عن الدم الطبيعي لها، وهو دم الجِبلّة أي: دم الحيض، فعدلت عن الأصل؛ لأن الأصل في الدم أن يجري معها على الصّحة أيام عادتها وينقطع بعد ذلك بطهرها، فجرى معها على سبيل المرض، ولم ينقطع بعد تمام عادتها.
وأما العاذر فقالوا: لأن المرأة تعذر بوجوده، وأما العاند: فلمكان استمراره مكان الدم؛ فكان كالممتنع، والصّعب على الإنسان وهي صفة الشيء العنيد. هذا بالنسبة لأسماء دم الإستحاضة.
وهناك فوارق بين الحيض، والإستحاضة من جهة المكان فدم الحيض يخرج من قَعْر الرّحمِ، وأما دم الإستحاضة: فيخرج من أعلى الرَّحم، هذا بالنسبة لمكان الدمين.
أما بالنسبة لأوصاف الدّمينِ؛ فإنّ دم الحيض أقوى لونًا من دم الإستحاضة، فإذا كان أسود كان دم الإستحاضة أحمر، وهكذا كما تقدم معنا عند بيان التمييز باللّون.
أما بالنسبة للفارق الثالث: فوجود الألم، فإن دم الحيض تكون فيه حرارة، وألم للمرأة بخلاف دم الإستحاضة، فإنه يكون أخفَّ ألمًا، أو ينعدم فيه الألم.
وقد تقدم معنا بيان ضوابط التمييز التي هي: اللونُ، والرِّيحُ، والألمُ، والكثْرةُ، والقلّةُ، والغِلَظُ، والرِّقةُ، هذه بالنسبة للفوارق التي بين دم الحيض، والإستحاضة، والمصنف ﵀ بعد أن بيّن لنا أقل الحيض، وأكثَره، وأقلَّ الطّهر، وأكثَره، وشرحنا خلاف العلماء -رحمة الله عليهم- في تلك
[ ٤٢٩ ]
المسائل بعد بيان ذلك فإنه يرد السؤال بعد أن عرفنا من هي المرأة الحائض، والمستحاضة، فما هي الأحكام المترتبة على إستحاضة المرأة، وما الذي يلزمها من جهة الطهارة، وكيفية أداء الصلوات، وما الذي يترتب على الحكم بكونها مستحاضة من جهة وطئها؟ وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة المستحاضة؛ فشرع ﵀ في بيان هذه الأحكام بقوله: [والمُستحَاضةُ] أي: المرأة إذا حُكِمَ بكونها مستحاضة.
[ونحوها]: نحو الشيء مأخوذ من قولهم نَحا الشيءَ نَحْوًا: إذا قصده، ومال إليه، وطلبه. وقد يُطلق بمعنى الجهة، تقول: وجّهت وجهي نحو القبلة أي: جهة القبلة. وقد يطلق النحو بمعنى: المثيل، والشّبيه؛ كما في الصحيحين عن النبي -ﷺ- في حديث عثمانَ ﵁ لما توضأ، وأسبغ الوضوء ثم رفع فعله إلى النبي -صلوات الله وسلامه عليه-، وأنه قال: [من توضّأَ نحو وضُوئِي هَذا] أي مثل وشبه وضوئي هذا فهذه إطلاقات النحو فمراد المصنف هنا بقوله [ونحوها] شبهها.
أولًا: نريد أن نعرف ما هو حكم الشرع بالنّسبة للمستحاضة؟ ثم بعد ذلك نعرف من الذي يلتحق بها، ويُشْبِه حكْمُهُ حُكْمَهَا في الطهارة؟
فالمستحاضة فيها أمور:
أولًا: أجمع العلماء على أن المرأة إذا حكم بانتهاء حيضها، ودخولها في الإستحاضة أنه يجب عليها أن تغتسل، وهذا الحكم دلّ عليه ظاهر التنزيل، والنّصوص الصحيحة عن النبي -ﷺ- قال ﵊: [لتَنْظُرِ الأيامَ التي كَانتْ تَحيضُهُنّ قبلَ أَنْ يُصيبها الّذي أَصابَها فإِذا هِي خَلّفتْ
[ ٤٣٠ ]
ذَلِكَ فَلتغتسلْ ثُمّ لتُصَلِّ] فقوله ﵊: [فإِذَا هي خَلّفتْ ذَلِكَ] أي: خلفت أيام حيضها وهي أيام العادة، [فَلتَغْتَسِلْ]: وهو أمر بالغسل فدلّ على أن المستحاضة يجب عليها الغسل عند انتهاء أيام عادتها، مع جريان دم الإستحاضة معها، وهذا بالإجماع.
ثانيًا: يلزمها طهارة فرجها، وهو موضع الإستحاضة، أما لماذا تلزمها طهارة الموضع؛ فلأن دم الإستحاضة خارج نجس من الموضع المعتبر، فكما أن المرأة يجب عليها أن تغسل فرجها إذا خرج منه البول، فكذلك يجب عليها أن تغسل الفرج من دم الإستحاضة.
وقال بعض العلماء: غسل هذا الموضع أوجبناه على المستحاضة بدليل النقل؛ وهو قوله ﵊ في الصّحيح لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبيش ﵂: [فإذا أقبلتِ الحِيضةُ فاتْركِي الصّلاةَ فإذا ذهبَ قَدْرُها فاغسِلي عَنْكَ الدم، وصَلِّي] أي: كلما أردت الصلاة؛ فاغسلي عنك هذا الدم الذي سألتِ عن حكمه، وهو دم الإستحاضة، فدلّ على نجاسته، ووجوب غسله كالبول، والغائط.
ثم يرد السؤال: لو أنها غسلت الموضع، وخرج معها الدّم، فما الحكم؟
والجواب: أن المستحاضة في الأصل لها حالتان:
الحالة الأولى: إذا غسلت الموضع وسدَّت مكانه بقطن، أو بقماش إنحبس الدم، وإمتنع من الخروج، وهذه الحالة هي أخفُّ أحوال المستحاضة.
الحالة الثانية: أن يكون دمها ثجّاجًا قويًا لا يستمسك بالقطن، ولا بغيره.
[ ٤٣١ ]
فأما في الحالة الأولى فلا إشكال أنها تغسل الموضع، وتضع القطن لتمنع خروجه حال صلاتها، ولكي تبقى على طهارتها، وقد أشار النبي ﷺ على حَمْنةَ ﵂ بذلك فقال لها: [أَنعتُ لَكِ الكُرسُفَ] أي: هل أصف لك القطن، ومراده آنها تضعه في الفرج؛ ليمنع خروج الدم، فدلّ على مشروعية سدّها للفرج بقطنة، ونحوها.
وأما الحالة الثانية: أن يكون الدم شديدًا، أو ثَجّاجًَا ففي هذه الحالة تغسل الموضع كما تقدم في النّصِ، ثم تضعُ القُطنَ، وتشدُّ الموضع، أو تشدُّ الموضع دون وجود حائل من قطن، أو قماش.
وتشدُّ الموضع إما بجمع حافتي الفرج، أو وضع الحبل، أو الذي يُشدُّ على نفس الموضع على حسب ما ترى المرأة أنه يسدُّ، ويمنع خروج الدم، وهذا هو الذي عبّر عنه المصنف بقوله ﵀: [وتَعصُبُ الفَرْجَ]، والعَصْبُ، والعِصَابة مأخوذة من: الإحاطة، سُمّيت العِصَابَةُ عِصَابَة؛ لأنها تُحيط بالشيءِ، كما سُميّتْ عصبةُ الإنسان بذلك، وهم قرابته؛ لأنه إذا نزلت به ضائقة، أو شِدّة أحاطوا به بإذن الله -﷿- وكانوا معه، فالعصابة أصلها الإحاطة، وبناءً على هذا التعبير قالوا تشد طرفي الموضع.
والدليل على أنه يلزمها هذا الشد ظاهر حديث حَمْنة ﵂ فإنها لما قالت للنبي -ﷺ-: إنّي أُسْتَحَاض حَيضةً شديدةً، فلا أَطْهُر؟ قال ﵊: [أنعتُ لَكِ الكُرْسُفَ؟] قالت: هو أكثر من ذلك؛ فقال ﵊: [فاتّخِذي ثَوْبًا] قالت: هو أكثر من ذلك، قال: [فتلجّمي] والتّلجم مأخوذ من: اللجام، واللجام في الأصل يكون
[ ٤٣٢ ]
حائلًا كما في لجام الدابة؛ لأنه يلجمها فيمنعها فهو حائل، ومانع، ولذلك قوله ﵊: [تَلجّمي] معناه اُعصبي الفرج؛ لأن عصبه لجام، ومانع يَقِي من خروج الخارج، أو يحفظ الموضع من إخراج الخارج، وبناءً على ذلك أخذ العلماء ﵏ من قوله ﵊: [تَلجّمِي] أن السُّنة في المرأة المستحاضة أنها تَشدُّ الموضعَ إذا غَلبها الدمُ.
هذا بالنسبة لأحوال المستحاضة إذا حُكِمَ بانتهاء حيضها، ودخولها في الإستحاضة.
وقول المصنف ﵀: [ونَحْوِها] يعنى: نحو المستحاضة، النحو: بمعنى المثل، والشبيه كما تقدم: إما أن يكون نحوها بمعنى شبيهًا للمستحاضة من كل وجه، وهذه حالة، أو يكون شبيهًا لها من بعض الوجوه دون بعضها، وهي الحالة الثانية.
ونبدأ بالشّبيه الذي يشبه المستحاضة من كل الوجوه، وهو الذي معه سلس البول، فإذا نظرت إلى كون دم الإستحاضة دمًا نجسًا من خارج معتبر غلب بكثرة خروجه، فإن الأمر كذلك بالنسبة لمن كان معه سلس البول، فإن البول خارج يوجب انتقاض الوضوء كما توجبه الإستحاضة؛ وهو نجس، وخارج من الموضع المعتبر فهو كدم الإستحاضة سواء بسواء، إذًا من كان به سلس بول نُعْطِيه حكمَ الإستحاضة، وهكذا من به سلس المذي؛ لأن المذي نجس، وكذلك من به بواسير إذا نزفت، واستمر نزيف الدم كالإستحاضة، فإن هذه الأمثلة الثلاثة البول، والمذي، والبواسير كلّها
[ ٤٣٣ ]
ناقضة للوضوء، وهي نجسة وخارجة من الموضع فهي تشبه الإستحاضة في مسائلها، فإذا استرسلت كدم الإستحاضة أخذت حكمه، وتعرف مسألتهم بمسألة دائم الحدث. الحالة الثانية: أن يكون الشبيه للمستحاضة من بعض الوجوه، ومثاله من به نواسير، والنواسير تكون على فتحة الدبر، فهي ليست من الداخل كالبواسير بل من الخارج، ومن هنا لم تُشْبِه الإستحاضة في كونها ناقضة للطهارة، وموجبة للحدث الأصغر، وكذلك الرَّعاف، ونزيف الجروح كلّها تشبه الإستحاضة من بعض الوجوه لا من كلها فهي كالإستحاضة من جهة كونها نجسة، وقد تقدم بيان الأدلة على نجاسة الدم سواء خرج من الموضع، أو خرج من غيره، فأصبحت شبيهة بالإستحاضة من جهة الحكم بنجاستها، والتخفيف فيها إن غلبت، فإذا جرى الدم في النواسير، والرعاف ولم يرقأ فُصِّل في حكمه كالإستحاضة لكنه مخالف لها في كونه لا يوجب انتقاض طهارة الحدث على أصح قولي العلماء ﵏ كما قدمناه في النواقض، فتلخص أن هذه الثلاثة تأخذ حكم الإستحاضة في طهارة الخبث، دون طهارة الحدث، وهذا على القول بأنها لا تنقض الوضوء، وأما على القول بأنها ناقضة تكون كالبول، تشبه من كل الوجوه.
ويكون الناسور، والرعاف، ونزيف الجروح كالإستحاضة إذا استمر جريان الدم فيه، أما لو كان قطرات تنقطع فإنه لا إشكال فيه فيغسل الموضع، ثم يصلي، فإذا شابه الإستحاضة فكان نزيفه مسترسلًا، أو قطراته لا تنقطع، ولو كانت قليلة، واستمرت وقت الصلاة، فحينئذ يفصّل فيه كالإستحاضة
[ ٤٣٤ ]
فإن أمكن حبسه بوضع القطن، ونحوه، أو شدّه؛ فإنه يشدّ، ويُحبس، وأما إذا كان لا ينحبس فحكمه حكم دم الإستحاضة إذا إِسترسل تتطهر المرأة لدخول وقت كل صلاة، وهكذا من به السلس، والناسور، والجروح، والقروح السيّالة ثم يصلي في وقته حتى ينتهي وقت الصلاة فيطهّر الموضع ثانية.
والذى يُطْعن، أو يجرح فينزف جرحه له حالتان:
الحالة الأولى: أن يمكن إيقاف النزف بأن يكون خفيفًا؛ بحيث لو وضع في الموضع قطنة سكن نزيفه؛ فحينئذ يجب إيقاف الدم بوضع حائل من قطن، أو قماش، أو نحوه، ولو بالشُّدِ.
الحالة الثانية: أن يكون قويًا لا يرقأ، فإذا كان كذلك؛ صلى، ولو خرج معه ذلك الدم النجس، وتطهر لدخول وقت كل صلاة.
والدليل على ذلك: أن عمر -﵁- صلى بجراحته كما في صحيح البخاري، وكذلك -أيضًا- الصحابي ﵁ لما أصابه السهم حينما كان حارسًا على فَمِ الشّعبِ، ومع ذلك صلى، وجرحه ينزف دمًا؛ لأن نزيف السهام نزيف قوي مستحكم، فمثله لا يرقأ؛ ولذلك تكون هاتان الحالتان مستثنيتين من الأصل الذي يوجب غسل الموضع النجس.
قوله ﵀: [وتتوضأ لوقت كل صلاة]: ذكرنا الآن حكم الموضع وما يجب فيه من طهارة وهذا كله راجع إلى طهارة الخبث فبقي السؤال عن طهارة المستحاضة من الحدث، فبيّن ﵀: أنها تتوضأ لوقت كل صلاة أي عند دخول وقت كل صلاة، وهذا بعد إغتسالها عند إنتهاء عادتها،
[ ٤٣٥ ]
وهذا الغسل محل إجماع عند العلماء ﵏، وهو غسل الحيض، وأما ما بعد الغسل مما ذكره المصنف ﵀ من وضوئها لكل صلاة، فهو مسألة خلافية فيها ما يقرب من أربعة أقوال للسلف -رحمة الله عليهم-:
القول الأول: يجب عليها أن تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء -رحمة الله عليهم- من الحنفية في المشهور، والشافعية، والحنابلة.
القول الثاني: يستحب لها الوضوء عند كل صلاة، ولا يجب، وبهذا القول قال المالكية، والظاهرية، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، الذي يسمى ربيعة الرأي -رحمة الله على الجميع- قالوا لا يجب عليها، ولكن يستحب لها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة.
القول الثالث: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهو أشدّ الأقوال، ومأثور عن بعض أصحاب النبي -ﷺ- كعبد الله بن عباس -﵄- وإحدى الروايات عن علي -﵁ وأرضاه-، وأفتى به سعيد بن المسيب من فقهاء المدينة ﵀.
القول الرابع: أنه يجب عليها أن تغتسل في اليوم مرة واحد دون تعيين، وهو قول علي -﵁ وأرضاه-.
واستدل أصحاب القول الأول: بما ورد في صحيح البخاري في روايةٍ لحديث عائِشةَ ﵂ في قصة فاطمةَ بنتِ أَبي حُبيش ﵂، وفيها قوله: [وتَوضّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ] ومثله حديثها عند أحمد، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة.
[ ٤٣٦ ]
فقوله: [تَوضّئِي]: أمر يدل على وجوب الوضوء على المستحاضة عند دخول وقت كل صلاة، وهو معنى قوله: [لِكلِّ صلاةٍ].
وهذه هي أشهر الأقوال في المستحاضة.
أما الذين قالوا بغسلها لكل صلاة؛ فالروايات ضعيفة عن النبي -ﷺ- بأمره للمستحاضة بالغسل، إلا ما ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أن النبي -ﷺ- أمرها أن تغتسل قال كما في الصحيح: [وكانتْ تَغتَسلُ لكل صَلاةٍ] قالوا: هذا يدل على وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة، وهو مذهب من ذكرنا من الصحابة ﵃؛ والصحيح أنه لا يجب، وأن اغتسال فاطمة -﵂- كان اجتهادًا منها وليس بأمر النبي -ﷺ- لها لأنه ﵊: إنما أمرها أن تغتسل عند إنتهاء عادتها فقط كما هو ظاهر القرآن، والأحاديث الصحيحة عنه ﵊.
أما الذين قالوا: بأنه يجب عليها طُهرٌ في يوم واحد فهناك أحاديث ضعيفة، وآثار إستدلوا بها لا تقوى على إثبات ما ذكروه.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر ما ذكرناه من حديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ ﵂، عند أبي داود، والترمذي، وأحمد، والبيهقي، والحاكم، وصححه غير واحد، وسئل الإمام البخاري -﵀- عنه فحسّن إسناده.
هذا حاصل ما يُقال في حكم المستحاضة من جهة طُهْرها.
[ ٤٣٧ ]
وقوله ﵀: [وتُصلّي فُروضًا، ونَوافلَ]: وتصلي الفروض في الوقت، فتصلي فرض العصر، والظهر، والمغرب، والعشاء، والفجر كُلًا بحسب وقته.
فإذا توضأت لصلاة الفجر صلّت بهذا الوضوء الفرض، والنوافل، فابتدأت بركعتي الرّغيبةِ فصلّتهما، ثم ثَنّت بصلاة الفجر، ثم إذا توضأت لصلاة الظهر صَلّت الرّاتبة القبلية، والبعدية، وفرض الظّهر، والفروضَ المقْضِيّة، وسائر النوافل، والتطوع ما دام أن وقت الظهر لم ينته، وهكذا الحكم في بقية الصلوات.
قوله ﵀: [ولا تُوطَأُ إِلا مَعَ خَوْفِ العَنَتِ]: الجمهور على أنه لا حرج في وطء المرأة المستحاضة، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولم يرد دليلٌ في الكتاب، ولا في السّنة عن النبي -ﷺ- بالمنع، أو التحريم، والله -﷿- حرّم وطء المرأة الحائض، ولم يحرم وطء المستحاضة. قالوا: إن الأصل في المرأة أن يَستمتع بها الزوج، وهذا على ظاهر التنزيل في قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١) فإذا ثبت أن الأصل حل الوطء، وجاء عارضٌ، وهو دم الحيض، ونقلنا عن الأصل فإن هذا العارض الناقل يتقيّد بزمانِه، ومدة وجُودِه، فإذا زالَ، وانقطع رجعنا إلى الأصل الموجب لحلِّ الوطء، فهذا هو مسلك الجمهور أنه يجوز الوطء، وقال بعضهم: مع الكراهة.
_________________
(١) البقرة، آية: ١٨٧.
[ ٤٣٨ ]
وذهب بعض العلماء إلى أنه: يحرم عليه أن يطأها إلا إذا خشي العنت، والعنت: هو الزنا، يعنى إذا خشي الوقوع في الزنا له أن يطأ الزوجة، ولا حرج عليه في ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ واختارها جمع من أصحابه رحم الله الجميع.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فقالوا: إن المراد بالأذى وجود الدم في الفرج فيؤذي الزوج، وأجيب بأن تخصيص الآية لدم الحيض، دون غيره دليلٌ على أن المراد التحريم حال وجود الحيض، دون غيره بدليل قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فجعله أذى إلى غاية الطّهر، فلو كان دم الإستحاضة مثله لما قيّده بغاية الطهر لأن دم الإستحاضة يأتي بعد الطُّهر سواء كان الطُّهر حقيقة، أو كان حُكمًا فصارت الآية دليلًا على الحلِّ؛ لا على التحريم.
ومما يؤكد ذلك أن النبي ﷺ سُئِل عن حكم دم الإستحاضة، فلم يأمرْ مستحاضةً أن يعتزلَها زوجُها، ولا يجوز تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، فلو كان وطؤها حرامًا لا يجوز إلا عند خوف الزِّنا لبيّنه ﵊، فلما لم يأمر باجتناب المستحاضة دلّ على أنها قد حلّت لزوجها بطُهْرِها من الحيض كما يقول الجمهور ﵏.
قوله ﵀: [ويُسْتحبُّ غُسلُها لِكُلّ صَلاةٍ]: يعني إذا دخل عليها وقت كل صلاة؛ فإنها يستحب لها أن تغتسل، أي تغسل البدن، ولا يجب عليها ذلك؛ لظاهر ما ذكرناه من فعل فاطمة -﵂ وأرضاها-.
[ ٤٣٩ ]
قوله ﵀: [وأَكْثَرُ مُدّة النّفاسِ أَربعونَ يَوْمًا]: شرع المصنف ﵀ بهذه الجملة في أحكام دم النفاس، والنفاس: مأخوذ من النَّفْسِ، وتطلق النَّفْسُ في اللغة بمعان فيقال: نَفْسُ الشيء بمعنى ذاته، ومنه قولهم: رأيت محمدًا نَفْسَه أي: بذاته، وتطلق النَّفْسُ بمعنى: الرّوح على خلاف بين أهل العلم هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان، وتطلق النَّفْسُ بمعنى: الأخ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)، وتطلق النَّفْسُ: على الدّم، ومنه ما ثبت في الصحيح عنه ﵊ أنه قال لعائِشةَ ﵂ لما حاضت بسرف: [مالكِ أنُفِسْتِ] أي هل أصابك دم الحيض؟ فلما كان الدَّمُ من أسمائه النّفْسُ؛ سُمّي النِّفاسُ نِفَاسًا لذلك، من باب تسمية الشيء بسببه، والنفاس: هو (الدّم الذي يَخرجُ عَقيبَ الوِلادَةِ) فالمراد به دم الولادة، والفرق بينه، وبين دم الحيض أن دم الحيض دم مُعتاد، وهذا دم مخصوص بالولد يكون بعد خروجه من بطن أمه.
قال ﵀: [أَكثرُ النّفاسِ أربعونَ يَوْمًا]: هذه مسألة خلافية، وللعلماء فيها قولان مشهوران:
القول الأول: الجمهور على أن أكثر النفاس أربعون يومًا، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وأم سلمة ﵃؛ وإستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن أم سلمة ﵂ قالت: [كَانتِ النّفساءُ
_________________
(١) النساء، آية: ٢٩.
[ ٤٤٠ ]
تَجْلِسُ عَلى عَهْدِ رسولِ اللهِ -ﷺ- أَربعينَ يَوْمًا] فدلّ على أنّ أكثَره أربعونَ يومًا.
القول الثاني: أكثر النفاس ستون يومًا، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وقول عبد الرحمن الأوزاعي فقيه الشام -رحمة الله على الجميع-، وما جاوز الستين فهو استحاضة، وليس بدم نفاس.
وعلى مذهب الجمهور تجلس أربعين يومًا، وما زاد فهو استحاضة، وليس بدم نفاس، وهو الراجح في نظري والعلم عند الله لورود السُّنة به، وليس لأقله حدُّ معين، فلو أن امرأة ولدت ثم جرى معها الدم لحظة واحدة، فأخرجت دفعة واحدة منه ثم انقطع عنها؛ حكمنا بكونها طاهرة؛ لأنه ليس لأقل النفاس حد معتبر.
هذا بالنسبة لأقل النِّفاس، وأكثره.
قوله ﵀: [ومتى طَهُرتْ قَبْلَه تَطَهرتْ، وصَلتْ]: قوله: [ومَتى طَهُرتْ قَبْلَهُ] يعني: قبل أكثر النفاس، فالضمير عائد إلى النّفاس، وقوله: [تَطهّرتْ، وصَلّتْ] أي: أننا نحكم بطُهْرِها، ومثال ذلك: امرأة ولدت في أول الشهر، واستمر معها دمُ النّفاس عشرين يومًا، ثم طَهُرت حكمنا بطهرها، فتغتسل، وتصلّي، وتصوم.
[ ٤٤١ ]
وقوله ﵀: [طَهُرتْ]: يعني رأت علامات الطهر، وهي إحدى علامتين:
الأولى: القَصّةُ البيضاء: وهي ماء أبيض كالجير تعرفه النساء، وهو الذي قصدته عائشة ﵂ بقولها: [إِنْتَظِرْنَ لا تَعْجَلِنَّ حَتّى ترينَّ القَصّةَ البَيْضاءَ].
والثانية: الجفوف، والمراد به جفوف الفرج بحيث لو وضعت قطنة خرجت نقيّة لا دم فيها.
فإذا رأت إِحدى هاتين العلامتين قبل تمام الأربعين حكمنا بطهرها، فإذا رأت الدم كما قدمنا في المثال السابق عشرين يومًا، ثم رأت علامة الطهر حكمنا بطهرها، ثم إن لم يعاودها قبل تمام الأربعين يومًا فلا إشكال، وإن عاودها قبل تمام الأربعين فهي نفساء حتى تتم أكثر النفاس.
قوله ﵀: [ويُكْرَهُ وطْؤُها قَبلَ الأَربعين بَعْد التَّطْهِيرِ]: قال بعض العلماء: المرأة النفساء إذا طَهُرت قبل الأربعين لا تُوطأ، وهو رواية عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه- إختارها جمع من أصحابه ﵏.
ومنهم من قال إنه محمول على الكراهية، والجمهور على الجواز.
لكن ذكر بعض الأطباء فائدة، وهي أن الجماع قبل الأربعين يؤثر في الفرج، وأنه لا يرجع إلى طبيعته قبل الأربعين، ولذلك قال بعض الأطباء: الأفضل ألا يقع جماع، وذهب بعض العلماء ﵏ إلى أن العلّة هي خوف رجوع الدم، ويكون إِنقطاع الطهر عندها مؤقتًا بمعنى اليوم، واليومين، وهذا يحدث فإن المرأة تكون نفساء، ثم تطهر بعد عشرين يوم، وفي اليوم
[ ٤٤٢ ]
الحادي والعشرين لا ترى شيئًا، ثم في اليوم الثاني والعشرين يعود عليها الدم، ولذلك قالوا: لا نأمن أنها ما دامت داخل الأربعين أن الدم يعود إليها بعد أن إنقطع.
والقول بالجواز أرجح؛ لأنه هو الأصل، ولم يرد دليل في الشرع بالتّحريم كما قدمنا في وطء المستحاضة، وقد نقل عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قوله: [إِذَا صَلّتْ حَلّتْ] وهو يدلّ على أنه إذا حلّت الصلاة للمرأة حلّ وطؤها سواء كانت نفساء، أو حائضًا.
قوله ﵀: [فإِنْ عَاودَها الدّمُ فَمشكُوكٌ فيه]: يعني إذا عاود الدّمُ المرأة النفساء بعد أن طهرت وقبل تمام الأربعين فمشكوك فيه بمعنى: أنه يحتمل أنه: نِفَاسٌ إستصحابًا للأصل، ويحتمل أنه: إستحاضة، ومشى المصنف ﵀ على كونه مشكوكًا فيه، والأصل يقتضى إلحاقه بالنفاس؛ لأنه في أمده، ووقته وهو الراجح، لكن يُعتذر للقول المرجوح بأنها رأت علامة الطهر قبله فتنازعه الأصلان؛ فهذا هو وجه إعتباره مشكوكًا فيه.
قوله ﵀: [تَصُومُ، وتُصلّي، وتَقضِي الوَاجِبَ]: بناءً على الأصل، واليقين أنها طاهر، والدم مشكوك فيه فنلغي الشك، ونبقي على اليقين للقاعدة المشهورة [اليَقينُ لا يُزَالُ بِالشّك] فاليقين أنها مطالبة بفريضة الصلاة، والصيام، وشكَكْنا في سقوطهما؛ فبقينا على الأصل الموجب للمطالبة بهما، فهذا هو وجه مطالبتها بالصوم، والصلاة، وقد قدمنا أن الراجح أنه نفاس إن عاد قبل تمام أكثره.
[ ٤٤٣ ]
قوله ﵀: [وهو كالحيْضِ فِيمَا يَحِلُّ، ويَحرُمُ، ويَجِبُ]: قوله ﵀: [وهو] أي: النفاس، وقوله: [كالحيض فيما يحلُّ، ويَحرمُ، ويَجِبُ] أي: أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض، وقد تقدم بيان موانع الحيض، فالمرأة النفساء لا تصوم، ولا تصلي، ولا تدخل المسجد، ولا تلمس المصحف كما ذكرنا في الحائض، ويستثني من ذلك ما ذكره -﵀- من قوله:
قوله ﵀: [ويَسْقُط؛ غيرَ العدةِ، والبلوغِ]: قوله: [ويَسْقُطُ]؛ أي: أن النفاس كالحيض يسقط التكليف بالصلاة، والصوم، وقد سمى النبي -ﷺ- الحيض نفاسًا؛ لكن يستثنى من مساواة النفاس بالحيض العدة، والبلوغ، فإنك لا تحكم بكون المرأة تعتد بدمِ النّفاس بخلاف دم الحيض؛ فإنها تعتد به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) فردّهن إلى الدم الذي هو دم الحيض، قيل: قروء أطهار وقيل: حيضات كما سنبينه في باب الطلاق إن شاء الله تعالى، ولأن العدّة في الحامل تنتهي بوضع الحمل، لا بخروج دم النفاس، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
أما بالنسبهَ للبلوغ فقالوا: لا يثبت البلوغ بدم النفاس؛ لأنها بحملها يثبت البلوغ، ولذلك يرى العلماء أن الحمل دليل على البلوغ.
قال النّاظم ﵀:
_________________
(١) البقرة، آية: ٢٢٨.
[ ٤٤٤ ]
وكلُّ تَكْليفٍ بِشَرْطِ العَقْلِ مَعَ البُلُوغِ بِدَم أَوْ حَمْلِ
أو بمنيٍ أوْ بإنباتِ الشَّعَرْ أو بِثمَاني عَشرةٍ حَوْلًا ظَهَرْ
وإن كان الصحيح أن خمسة عشر توجب البلوغ، لظاهر حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح، كما سيأتي بيانه في علامات البلوغ.
قوله ﵀: [وإِنْ ولَدتْ تَوأَمَينِ؛ فَأوّلُ النِّفَاسِ، وآخِرهُ مِنْ أَوّلِهمَا]: أي أننا نعتد في توقيت دم النفاس بأوّل الولدين، فعلى سبيل المثال: لو أنّ إِمرأة ولدت ولدين: الولد الأول ولدته في اليوم العاشر من الشهر، والثاني ولدته في الثاني عشر فإننا نعتد باليوم العاشر؛ فإذا أتمّت به الأربعين طهُرت على مذهب القائلين بالأربعين.
وإعتبار الولد الأول هو مذهب الجمهور؛ لأنه الأصل في الولادة، والثاني تَبع له.
وقال الظاهرية ومن وافقهم العبرة بالولد الثاني، فتبدأ إحتساب مدة النفاس من الولد الثاني فبيّن ﵀ أن العبرة بأول الولدين لا بآخرهما، وهكذا الحكم عنده فيما لو كانت الولادة لتوائم أكثر، فالعبرة بالولد الأوّل لأنه حَمْل واحدٌ آخذ حكم البطن الواحد لا فرق بين أن تضع ولدًا، أو أولادًا فكلّه بطنٌ واحد كما لو ولدت واحدًا.
وآخِر دَعْوانا أنِ الحمد لله رب العَاَلميْنَ وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٤٥ ]