قوله ﵀: [الغسل] الغسل في اللغة: هو صبّ الماء على الشيء، وأما في اصطلاح الشرع: (فتعميم البدن بالماء بنية مخصوصة)، وبهذان الوصفان يتحقق الغسل المأمور به شرعًا، وقولهم: " بنيةٍ مخصوصةٍ " المراد بها نية التقرب إلى الله مع قصد رفع الحدث، وهذا هو مذهب الجمهور: أن الغسل تُشترط فيه نيّةُ رفع الحدث، وخالفهم الحنفية كما تقدم في الوضوء وزاد المالكية وصفًا ثالثًا: وهو الدَّلك، ومرادهم إمرار اليد على الجسد أثناء الغُسل، وظاهر الكتاب، والسنة يدلان على عدم إشتراطه، فقوله ﷾: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ يقتضي الحكم بالطهارة بإصابة الماء لظاهر الجسد، دون إشتراط أمر زائدٍ، وهو الدّلك وأكّدت ذلك السنة كما في حديث أم سلمة ﵂ في الصحيح أنّ النبي ﷺ قال لها: [إنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسِك ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُمَّ تُفيضينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ، فإذا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ]، فبيّن ﵊ بقوله: [تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِك] أن العبرة بوصول الماء إلى ظاهر الجسد، ولم يشترط أمرًا زائدًا عليه، وهو الدَّلك، وهذا هو الراجح.
ومحل الخلاف بين القولين: إذا أمكن وصول الماء إلى ظاهر الجسد من دون دلك، أما لو كان وصول الماء إلى ظاهر الجسد لا يتحقق إلا بالدّلكِ كما في حالة قِلّة الماء فإنه يجب الدّلكُ عند الجميع، لأن الجمهور يرونه في هذه الحالة مستثنى لتوقف الواجب عليه، وما لا يَتمُّ الواجبُ إِلا به فهو واجب.
[ ٢٦٧ ]
قوله ﵀: [باب الغُسل]: الغسل عبادة شرعية شرعها الله -جل وعلا- وأوجبها على الجنب، والحائض، والنفساء، ونحوهم ممن هو مأمور بالغسل، والعلماء -﵏- من عادتهم أنهم يذكرون باب الغسل في كتاب الطهارة؛ والسبب في ذلك: أن الغسل طهارة كُبرى فبعد أن بيّن -﵀- الوضوء، وهو الطهارة الصُغرى شرع في بيان أحكام الطهارة الكبرى، وهي الغسل.
قد يسأل سائل فيقول: إذا كان الغسل طهارة كبرى، والوضوء طهارة صغرى، فقد كان الأنسب أن يبدأ بالكبرى قبل الصغرى؛ لأن الصغرى قد تندرج تحت الكبرى؟
ويجاب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن الفقهاء، والمحدثين -رحمة الله عليهم- يقدّمون الوضوء على الغسل مراعاة لترتيب القرآن فإن الله -﷿- في آية المائدة بيّن حكم الوضوء، ثم أتبعه بالغسل.
الوجه الثاني: أنّ الوضوء أكثرُ من الغسل بمعنى: أنك تتوضأ في اليوم أكثر من مرّة، والغسل لا يقع إلا في أحوال قليلة بالنسبة للوضوء.
وقد يجلس الأعزب سنة كاملة لا يجنب، ولا يغتسل غسلًا واجبًا إلا مرة واحدة فلما كان الوضوء أكثر وقوعًا، أو كما يقول العلماء أعمّ بلوى إِبتدأ العلماء -﵏- بالوضوء، ثم ثنّوا بالغسل بعده.
وبعبارة مختصرة تقول: قُدم الوضوء لعموم البلوى به، وأُخّر الغسل لقلّة وقوعه بالنسبة للوضوء.
[ ٢٦٨ ]
قوله ﵀: [ومُوجِبهُ خُروجُ المنيّ دَفَقًا بِلَذةٍ]: وموجبه الموجب: هو المتسبّب أي: أن هذا الغسل يتسبب في لزومه على المكلف خروج المني دفقًا بلذة؛ أي: إذا خرج المني من الإنسان دفقًا، وبلذة لزمه الغسل.
أما الخروج: فهو ضدُّ الدُّخول كما هو معلوم، ومراد العلماء بخروج المني: أن يجاوز رأسَ الإحْلِيلِ، وهو نهاية مجرى البول من الذكر، فإذا بلغ المني ذلك الموضع بمعنى أنه قذفه العضو؛ وجب الغسل، فهذا هو المراد بالخروج، ولما قال المصنف: خروج فهمنا من ذلك أنه إذا لم يخرج لا يجب الغسل.
ففائدة تعبير الفقهاء بخروج أنك لو سُئلت عن رجل حصل منه تحرك الشهوة، ونزع المني من الصُّلب أثناء الصلاة، فأمسك العضو حتى سلّم فصلاته صحيحة، ولا يُحكم بوجوب الغسل عليه؛ إلا بعد الخروج وتحققه فإذًا الوصف بالخروج معتبر، فمفهومه أنه إذا لم يخرج لم يجب الغسل، وقد دلّ على ذلك قول النبي -ﷺ-: [إنما الماءُ مِنَ الماءِ] أي: إنما الماءُ، وهو الغسل " مِنْ " سببيه أي: بسبب الماء، وهو خروج المني، فإذا خرج المني وجب الغسل فإذا لم يحصل الخروج لم يجب الإغتسال بالماء، وكذلك قوله ﵊: [إذا فَضَخْتَ الماءَ، فَاغْتَسِلْ].
والمني: هو الماء الأبيض الثّخينُ بالنسبة للرجل، والأصفرُ الرّقيقُ بالنسبة للمرأة، ورائحته كطَلْع النَّخْلِ والعَجِينِ يخرج دفقًا عند وجود اللّذة الكُبرى
[ ٢٦٩ ]
قوله ﵀: [خُروجُ المنيّ دَفَقًا]: والدفق وصف معتبر اشترطه الفقهاء ﵏ لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (١) فوصف الله -جل وعلا- منيَّ الإنسان بكونِه دافقًا، ولذلك قالوا: إذا خرج المني دفقًا؛ وجب الغسل.
[بلذّة]: اللذّة: وصف معتبر، وهي اللذّة الكبرى، وخرج بقولهم اللذة الكبرى ما يخرج باللذّة الصغرى، وهو المذْيُ، وهو قطرات يسيرة لزجة تخرج عند بداية الشهوة، فمثل هذه القطرات لا تأخذ حكم المني، فلا يجب بها الغسل.
قال ﵀: [خُروجُ المنيّ دَفَقًا بِلَذّة]: أي إذا خرج المني من المكلّف بهذه الصورة الجامعة للوصفين دفقًا، وبلذّة وجب الغسل.
والدليل على هذا: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: [إِذَا فَضَخْتَ الماءَ فاغْتَسِلْ] فدلّ على وجوب الغسل بخروج المني بالصفة التي ذكرناها، وظاهر قول المصنف: [خُروجُ المني] العموم أي: سواء خرج المني في يقظة، أو منام، وفي اليقظة: سواء كان بجماع، أو بغير جماع، وإذا خرج في المنام سواء: تذكّر الاحتلام، أو لم يتذكّره.
أما الدليل على وجوب الغسل بمجرد خروجه في يقظة، أو منام: فما ثبت في الصحيح من حديث أُبيِّ بن كعب ﵁ أنّ النبي -ﷺ- قال: [إنما الماءُ مِنَ الماءِ] فقد بيّن النبي -ﷺ- أن وجوب الغسل من الجنابة مبني
_________________
(١) الطارق، آية: ٦.
[ ٢٧٠ ]
على وجود الماء، وهو المني فإذا وجدنا الماء وهو المني حكمنا بوجوب الغسل، وعلى هذا لو أن إنسانًا نام، ثم استيقظ فوجد أثر المني في ثوبه؛ فهل يجب عليه الغسل لو لم يذكر الاحتلام؟
الجواب: نعم لظاهر الحديث حيث أمر النبي -ﷺ- بالغسل، دون نظرٍ إلى كونه ذاكرًا، أو غير ذاكر، وبناءً على ذلك، فالعبرة بوجود الماء سواءً تذكّر أنه رأى شيئًا، أو لم يتذكر.
ولو استيقظ من نومه فوجد بللًا في ثوبه، ثم لم يَدْرِ هل هو منيٌّ فيغتسل، أو مذْيٌ فلا غسل عليه فما الحكم؟
والجواب: أنه إذا وجد علامة المنيِّ حكم بكونه منيًا، وإذا وجد علامة المَذْي حكم بكونه مَذْيًا نجسًا، وإن لم يستطع التمييز، وشكَّ رجع إلى اليقين من كونه مَذْيًا، فلا يجب عليه غسل، حتى يستيقن، أو يغلب على ظنّه أنه مني.
قوله ﵀: [لا بِدُونِهما مِنْ غَيْر نَائمٍ]: [لا بدونها]: اللام نافية أي: لا يجب الغسل من مني خرج بدون دفق، ولذة لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ فوصفه سبحانه بكونه دافقًا، وأما اللّذة فهي وصفه الطبعي، فاجتمع في اعتبار الوصفين الشرع، والطبع.
[مِنْ غيرِ نَائمٍ]: وهو المستيقظ، فلو أن إنسانًا كان مستيقظًا، وخرج منه المني بدون دفق، ولا لذة فما الحكم؟
والجواب: أنه لا يجب عليه الغسل لظاهر الآية السابقة كما قلنا وهو اختيار المصنف ﵀ إلا أن هذين الوصفين يعتبران في المستيقظ، دون النائم؛ لأن النائم ليس عنده شعور فسقط اعتبارهما فيه، واعتبر وجود المني بعد
[ ٢٧١ ]
إستيقاظه بغض النظر عن صفة خروجه لعموم قوله ﵊ في الصحيح: [إنما الماءُ مِنَ الماءِ] وبناءً على ذلك في حكمه أُعمل عموم النص في هذا الحديث، وحُكم بوجوب الغسل عليه، ولذلك لما سئل -﵊- عن المرأة ترى ما يرى الرجل هل عليها غسل فقال ﵊ كما في الصحيح: [نَعمْ إِذَا رأَتِ الماءَ، إنما هُنَّ شَقَائِقُ الرَجَالِ].
قوله ﵀: [وإِنْ إِنتَقلَ، ولَمْ يَخرُجْ؛ إِغْتسَلَ لَهُ]: هذا الوجه الثاني الذي أشرنا إليه في أول الباب ومراده ﵀: أنه إذا شعر بانتقاله من الصُّلب، دون أن يخرج من الذَّكر؛ فإن العبرة بالإنتقال، لا بالخروج، والصحيح ما ذكرنا سابقًا أن العبرة بالخروج؛ لقوله ﵊: [إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فاغْتَسِلْ].
قوله ﵀: [فإِنْ خَرجَ بَعْدَه؛ لم يُعِدْهُ]: أي أنه في المسألة السابقة إذا اغتسل بعد شعوره بإنتقاله وقبل خروجه، ثم خرج بعد الغسل لم تجب عليه إعادة الغسل، وقدّمنا أن الصحيح أن العبرة بالخروج.
قوله ﵀: [وتَغْييبُ حَشفةٍ أصْليّةٍ في فرج أَصْلي قُبُلًا كَانَ أو دُبُرًا]: هذا هو السبب الثاني الذي يجب به الغسل، وهو تغييب حشفة أصلية، والتغييب: هو المواراة تقول غَيَّبَ الشيء في التراب إذا واراه فيه، والغائب هو المتواري عن الأنظار، وتغييب الحشفة: الحشفة هي رأس الذكر، والمراد بالتغييب: أن يحصل الإيلاج فبعض العلماء يقول: إيلاج، وبعضهم يقول: تغييب، والمعنى واحد، فلما قال تغييب الحشفة فهمنا من ذلك: أنه
[ ٢٧٢ ]
لو أَلْزَقَ رأسَ العضو بالفرج، دون إدخال فإنه لا يجب الغسل، سواء كان من قبل، أو دبر فلا يترتب عليه الحكم الشرعي المترتب على الإيلاج، وهذا يكاد يكون بالإجماع؛ لأن التغييب شرط معتبر في إيجاب الغسل، وقد أشار إليه النبي -ﷺ- بقوله: [إِذَا إِلْتَقى الختَانان فقدْ وَجَبَ الغُسْلُ] فكنّى -صلوات ربي وسلامه عليه- عن الإيلاج بقوله: [إذا إلتقى] فإن هذا لا يحصل إلا بإيلاج رأس العضو فعندها يحاذي موضعُ ختانِ الرّجل موضعَ ختانِ المرأةِ كما ذكر أهل العلم ﵏، وبناءً على ذلك فشرط هذا الموجب الثاني أن يحصل تغييب لرأس العضو، أو قدره من مقطوعه.
قوله ﵀: [في فَرْجٍ أَصْلِيٍّ قُبلًا كَانَ، أو دُبُرًا] الفرج هنا عام يشمل الأنثى، والذكر، والحي، والميت، والحيوان، والإنسان، فإذا حصل إيلاج في هذه الصور كلها وجب الغسل، وهذا فيه أصل، وفيه مقيس على الأصل.
أما الأصل فهو إيجاب الغسل بالإيلاج، وقد دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث أم المؤمنين عائشة -﵂- في الصحيحين من قوله ﵊: [إِذَا ألزقَ الختانَ بِالخِتانِ] وقوله ﵊: [إذا مس الخِتَانُ الخِتَانَ] وقوله: [إِذا جلَسَ بين شُعَبِها الأربع، ثم جَهَدها فَقدْ وجب الغُسْل] هذه الألفاظ الصحيحة دلت على أن العبرة بإيلاج رأس العضو، وهذا منصوص جماهير السلف، والخلف من أهل العلم -رحمة الله عليهم-.
[ ٢٧٣ ]
أما بالنسبة للملحق بهذا الأصل ففرج الدبر بالنسبة للآدمي، وهو محرم وطؤه سواء كان من إمرأة، أو من رجل، وكذلك فرج البهيمة قبلًا كان، أو دبرًا فإن وطء هذه الفروج جميعها يعتبر آخذًا حكم ما ذكرناه بالقياس؛ لأن الشرع ينبّه بالنّظيرِ على نَظِيره، وهذا هو مذهب جماهير العلماء ﵏.
وخالف بعض أهل العلم، فقال: لا يجب إلا إذا حصل الإيلاج في فرج الأنثى بالجماع، وأما غيرها فلا يجب به غسل.
والصحيح ما ذكرناه، لأنه ملحق بالأصل.
قوله ﵀: [تَغْييبُ حَشَفةٍ في فرجٍ أصْلِي]: هذا التغييب ظاهره الإطلاق أي: سواء كان في يقظة، أو في منام، فإن التكليف مبني على الحكم الوضعي بمعنى أنه متى ما حصل الإيلاج حكمنا بوجوب الغسل بغضّ النّظر عن كونه حاصلًا في اليقظة، أو المنام.
قوله ﵀: [تَغييبُ حَشفةٍ في فَرْج أصْلِيٍّ]: خرج من هذا الفرج الغير الأصلي، ومثّل له العلماء بالخنثى المشكل، فقال بعض العلماء -﵏- وهو يكاد يكون مذهب الجمهور: أنه إذا جامع الخنثى، وكان مُشكلًا، فإنه لا يُحكم بوجوب الغسل عليه لأن العبرة بالفرج الأصلي، والخنثى إذا لم يتبين أنه ذكر، أو أنثى فإننا نَعْمَل بقاعدة: " اليَقينُ لا يُزالُ بِالشّكِ " فاليقين أن المجامع طاهر، وشككنا في هذا الفرج هل هو أصلي فيكون بمثابة وطء فرج أصلى فحينئذٍ يجب الغسل، أو هو غير أصلي فلا يكون جِمَاعًا مؤثرًا، فلما شككنا رجعنا إلى اليقين، هذا هو وجه إسقاط الغسل يقولون: إن المجامع الأصل فيه الطهارة، وشككنا في جماعه فرجعنا إلى الأصل من
[ ٢٧٤ ]
طهارته، ولم نوجب عليه غُسلًا، ومَنْ خالفهم فإنه يقول إن الأحكام في الخُنثى المشكل مبنيّة على أنه أنثى حتى نستيقن ذكورته فنوجب الغسل من هذا الوجه طردًا للأصل.
وعليه فكل واحد يعتبر اليقين في هذه المسألة من وجه فالمصنف ﵀، ومن يقول بقوله: يعتبرون اليقين في المجامع، وهو الرجل أنه طاهر، وأصحاب القول المخالف: يعتبرونه في المحلِّ، وهو الخنثى المشكل لأن اليقين أنه أنثى كما تقدم معنا في مسائل اللمس.
قوله ﵀: [قُبُلًا، أو دُبرًا]: هذا للتنويع سواء وقع في قبل، أو دبر يخرج من هذا الفرج غير الأصلي كما ذكرنا في الخنثى المشكل، أو يكون مصنّعًا كما يفعله بعض المصورين في زماننا والعياذ بالله، فهو فرج غير أصلي، فالإيلاج فيه لا يوجب الغسل.
وخالف في هذا بعض العلماء: فقال الإيلاج موجب للغسل للمولج فيه، سواء كان الذي ولج عضوًا، أو غيره، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، ومما يتخرج على، هذه المسألة الآن المناظير الطبية تولج من الدبر إذا احتيج إلى ذلك لكشف مرض جراحي، أو غيره، فعلى الوجه الذي مشى عليه المصنف ﵀ لا يجب الغسل، وعلى الوجه الثاني: يجب.
قوله ﵀: [ولَوْ مِنْ بَهيمةٍ، أو مَيِّتٍ]: أي: ولو وقع الإيلاج في بهيمة، أو ميت كما تقدم.
وإذا تبين لنا أن تغييب الحشفة، وإيلاجها في الفرج موجب للغسل على التفصيل الذي سبق، فإن هذا الحكم عام يستوي فيه أن يحصل به إنزال، أو
[ ٢٧٥ ]
لا يحصل، بمعنى: أن الإيلاج موجب للغسل بغضّ النّظر عن حصول الإنزال، فليس بشرط في اعتباره، وهذه المسألة كان فيها خلاف من بعض الصحابة ﵃ حيث كان يقول: إذا جامع الرجل، ولم يُنزل لا يجب عليه الغسل، أي: أنه لا يرى أن مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وذهب الجماهير من الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى أنه يجب الغسل سواء حصل الإنزال في الجماع، أو لم يحصل، وكان في أول التشريع في الإسلام إذا جامع، ولم يُنزل لا يجب عليه الغسل، وفيه أحاديث صحيحة منها: ما ثبت في الصحيح من قوله ﵊: [إنما الماءُ مِنَ الماءِ] أي إنّما الماءُ، وهو الغسل بسبب الماء، وهو: المني فإذا جامع أهله، ولم ينزل لا ماء عليه، أي: لا يجب عليه غسل، ومنها ما ثبت في الحديث الصحيح أنّ النبي -ﷺ- زارَ رجلًا من الأنصار، فقَرعَ عليه البابَ، فخرج الرجل مسرعًا؛ كأنه كان مع أهله، فقال ﵊: [لَعلَّنا أَعْجَلْنَاكَ إذا أَعْجَلتَ، أو أَقحطتَ فلا غُسلَ عَليْك].
[أَعْجَلْتَ]: بمعنى أن الإنسان نزع قبل أن يُنْزِل.
[أو أَقْحَطْتَ]: أي لم يحصل إنزال أثناء الجماع، فلا غسل عليك أي: لا يجب عليك أن تغتسل من الجنابة فظاهر هذا النص أنّ العبرة بخروج المني، وجاء في لفظ آخر -أيضًا- ما يؤكّدُ هذا في قوله ﵊: [إِذا فَضخْتَ الماءَ؛ فاغتسلْ] فكانت هذه رخصة في أول الإسلام أنه لا يجب الغسل بمجرد الجماع، ثم جاء الأمر من الله -﷿- بإيجاب الغسل بالجماع في حديث أم المؤمنين عائشة -﵂- في قوله عليه الصلاة
[ ٢٧٦ ]
والسلام: [إِذا مسَّ الختانُ الختانَ فقدْ وجبَ الغُسلُ] وفي رواية: [أَنزلَ، أو لمْ يُنْزِلْ] ولذلك لما اختلف الصحابة -رضوان الله عليهم- في عهد عمر -﵁- كان بعض الصحابة يحفظ الفتوى الأولى، والتشريع الأول، وكان بعضهم حفظ النسخ، فاختلفوا في عهد عمر -﵁-، فبعث عمر -﵁- إلى أم المؤمنين عائشة -﵂، وأرضاها-، فأخبرته بحديث النبي -ﷺ- وقوله: [إِذَا إِلْتَقَى الختانانِ فَقدْ وَجَبَ الغُسْلُ أَنزلَ، أو لَمْ يُنْزِلْ].
فقال عمر -﵁-: " من خالفَ بعد اليوم جعلتُه نَكالًا للعالمين " أي عزرته، وذلك لأن النبي -ﷺ- نسخ الحكم الذي كان في أول الإسلام بالتّخفيف فوجب الغسل سواء حصل الإنزال، أو لم يحصل، وجاء أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀ الإمام المشهور تلميذ ابن عباس إلى أم المؤمنين عائشة -﵂- لما حصل الكلام في هذه المسألة في عهد التابعين، وذكر القول الذي يقول: بإسقاط الغسل على من جامع، ولم ينزل، فقالت له ﵂: يا أبا سلمة إنّما مَثُلك مَثُل الفَرُّوج سمع الدِّيكة تصيحُ، فصاحَ بصياحها، يعني: ما أنت إلا تَبعٌ للنّاس، ثم ذكرت له الحديث، فهذا يدل على شِدِّة أم المومنين -﵂- في المسألة، وأن الأمر منسوخ، ومنتهٍ، ولذلك يقول بعض العلماء: حصل الإجماع بعد الصحابة ﵃ على أن مجرد الجماع يوجب الغسل سواء حصل الإنزال، أو لم يحصل.
[ ٢٧٧ ]
قال ﵀: [وإسلامُ كَافرٍ]: هذا هو السبب الثالث من أسباب الغسل، وهو الإسلام، فإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل، وفيه حديث قيسِ بنِ عاصمٍ ﵁ أنه: [أسلمَ فأَمرهُ النبي ﷺ أَنْ يَغتسل بماءٍ، وسِدْرٍ] رواه الخمسة إلا ابن ماجة، والقول بوجوب الغسل على الكافر إذا أسلم هو مذهب الحنابلة ﵏، وقد بينا هذه المسألة، وذكرنا الخلاف فيها في شرح البلوغ، وأن الذي يترجح في نظري والعلم عند الله: هو القول بعدم وجوب الغسل، وذلك لأن الأحاديث التي استدل بها على الوجوب ضعيفة، ولأن النبي ﷺ لم يأمر الصحابة ﵃ بذلك في حديث صحيح، وما ورد في قصة ثمامة في الصحيح أنه إغتسل في الحائط، فيجاب عنه بأنه إغتسل ثم جاء، وتشهّد، وأسلم، فوقع غسله قبل أن يسلم، وكان منه إجتهادًا لا بأمر منه ﵊ فلا حجة فيه، وأما ما ورد أن النبي ﷺ أمره بالاغتسال في بعض الروايات فأجيب عنه بضعفه، ومخالفته لما في الصحيح، وغسل الكافر عند الإسلام مستحب، فيكون الأمر فيه للإستحباب، وعليه يحمل حديث قيس بن عاصم كما أشار إليه النووي، بدليل جمعه بين الماء والسدر، والسدر لا يجب إجماعًا، فكان قرينة صارفة من الوجوب إلى الندب والإستحباب والله أعلم.
قوله ﵀: [ومَوتٌ]: أي: أنّ من موجبات الغسل الموت، وهذا هو السبب الرابع من أسباب الغسل، والوجوب هنا غير متعلق بالميت، وإنما هو متعلق بالمكلّفين الأحياء.
[ ٢٧٨ ]
والدليل على ذلك: ما ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه لما وقف بعرفةَ وأُخبِرَ بالرّجُلِ الذي وَقَصَتُه دابته، فماتَ، قال ﵊: [إِغْسلُوه بماءٍ، وسدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوبيْهِ، ولا تُحنِّطُوه، ولا تُغَطُّوا رأسَه؛ فإنه يُبْعثُ يومَ القِيَامةِ مُلَبِّيًا]، ومحل الشاهد: في قوله ﵊: [إِغْسِلُوهُ] فوجّه الخطاب بالأمر للمكلفين، فدل على وجوب غَسْلِ الميّتِ عليهم.
الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه لمّا تُوفِّيَتْ إِبنتُه زَينبُ -﵂، وأرضاها- قال ﵊: [إِغْسِلْنَها بِمَاءٍ، وسِدْرٍ] فهذا يدلُّ على وجوبه أيضًا بالنسبة للأنثى؛ لأن قوله: [إِغْسِلْنَها] أمر، وهو للوجوب، وهذان الحديثان دالان على وجوب غسل الميت الأول منهما: متعلق بالذكور، والثاني: بالإناث، وبناءً على ذلك يجب غسل الميت من المسلمين ذكرًا كان، أو أنثى.
وهنا مسائل منها: لو أن الميت مات، وليس هناك ماء فإنه يسقط الغسل، واختار بعض العلماء أن يُيمم وهذا مبني على أن الغُسلَ للتَّعبد، وليسَ بِمُعلّل.
والمسألة الثانية: هل هذا الوجوب يُستثنى منه شيءٌ؟
والجواب: أنه تستثنى منه الحالات التي تشتمل على الضرر؛ سواء كان متعلقًا بالميت مثل: أن يكون محروقًا، وتغسيله يضرُّ بجسده، أو كان الضرر لاحقًا بمن يتولى تغسيلَه كما في الأمراض الوَبائِيّة، والمُعْدِيَةِ، فإذا قرر الأطباء
[ ٢٧٩ ]
أنه إذا غُسّلَ تَضرّر مُغَسِّله فإنه حينئذ يسقط الغسل، ويُعْدَلُ إلى التيمم، وإذا كان التيمّم يُضِرُّ أيضًا سقط الغسل، والتيمّم، وكُفِّن مباشرة.
قوله ﵀: [وحَيْضٌ]: أي يوجب الغسل الحيض، وهذا هو السبب الخامس من أسباب الغسل، والأصل فيه ما ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- قال: [لِتَنْظُرِ الأيامَ الّتي كَانتْ تَحِيضهُنَّ قَبْلَ أَنْ يُصيبَهَا الّذِي أَصَابَها؛ فإذَا هِيَ خَلّفتْ ذَلك] يعني أيامَ العادةِ [فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتُصَلِّ] فقوله ﵊: [فَلْتَغتَسِلْ] أمر، فدلّ على أنّ الحيض يوجب الغسل، وقد دل دليل الكتاب على أن الأصل في الحائض أنها تغتسل بعد إنتهاء حيضها، كما يشهد لذلك قوله ﷾: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ يدلّ على أنّ الحيض له طهارة وهي: الغسل، وتفعلها المرأة بدليل نسبته إليها بعد ذلك في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: فعلن الطهارة، ودليل الكتاب يدلّ على أن الحائض تغتسل بعد حيضها، لكن دليل السنة أقوى في الدلالة على الوجوب، فصار أصلًا في الحكم به، وإِنعقد الإجماع على ذلك أعني أن الحيض يُوجِبُ الغُسْلَ.
قوله ﵀: [ونُفَاسٌ] أي: ويوجب الغسل خروج دم النّفاس، وهذا هو السبب السادس من أسباب الغسل، وحكم النّفاس؛ كالحيض، والإجماع منعقد على ذلك، وكل منهما يكون الغسل فيه بعد حصول الطهر
[ ٢٨٠ ]
فإذا رأت المرأة علامة الطهر المعتبرة، وجب عليها أن تغتسل، وسيأتي بإذن الله تعالى بيان علامة الطهر في باب الحيض.
قوله ﵀: [لا وِلادَة عَارِية عَنْ دَمٍ]: أي أن المرأة لو وضعت جنينها دون دم لم يجب عليها الغسل، لأن الشّرع رتَّب الحكم على وجود الدم، فإذا وُجد في النّفاس حكمنا بوجوب الغسل، وإذا لم يوجد لم يجب الغسل.
قوله ﵀: [ومَنْ لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عَليه قِراءةُ القُرْآنِ]: شرع ﵀ في بيان موانع الحدث الأكبر بعد بيانه لأسبابه، وموجباته فبيّن أن الحدث الأكبر، وهو ما عبر عنه بقوله: [ومَنْ لَزِمَه الغُسلُ] موجب لموانع؛ أولها: ما أشار إليه بقوله ﵀: [حَرُمَ عليه قِراءَةُ القُرآنِ] فإنه يوجب إعتبار الحدث الأكبر مانعًا من قراءة القرآن، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ﵏، واستدلوا بدليل السنة: وهو حديث علي -﵁- قال: [رأيتُ النبي ﷺ توضّأَ، ثُم قَرأَ شَيئًا مِنَ القُرْآنِ، ثم قال: هكَذا لمنْ لَيس بِجُنبٍ، فأما الجُنُب فَلا، ولا آيةٌ] وفي حديثه عند أصحاب السنن وصححه الترمذي وغيره أن النبي ﷺ [كَانَ لا يَمْنَعُه مِنَ القُرآنِ شَيءٌ ليسَ الجنَابة]، فلا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وهذا هو مذهب الجمهور ﵏، وقد إعتبروه من الأمور التي يُفرَّق فيها بين القرآن، والحديثِ القدسيِّ؛ كما أشار إلى ذلك بعض الفضلاء بقوله:
ومَنْعُه تلاوةً للجُنبِ فِي كُلِّ حَرفٍ مِنْهُ عَشْرًا أَوْجِبِ
[ ٢٨١ ]
أي أن القرآن يحرم على الجنب تلاوتُه بخلاف الحديث القدسيّ، وكذلك في كل حرف من القرآن عشر حسنات بخلاف الحديث القدسيّ.
قوله ﵀: [ويَعْبُر المسجدَ لحاجةٍ، ولا يَلْبَثُ فِيه بغيرِ وُضُوءٍ] أي: أن من موانع الحدث الأكبر اللبث في المسجد إلا إذا توضأ، أو كان مارًا به عابرًا غير جالس فيه، ولا واقف بداخله، وقد اُستدل على هذا الحكم بدليل الكتاب في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على أن التقدير: لا تقربوا مواضع الصلاة (وهي المساجد) جنبًا إلا عابري سبيل، وهذا هو أحد الأوجه في الآية الكريمة، وهذا القول يشكل عليه النهي الوارد عن إتخاذ المساجد طرقات، إلا إذا كانت الآية محمولة على أول الأمر، ثم نُسخ ذلك بعد أمره ﵊ بسدِّ خَوْخَاتِ المساجدِ، فتكون الإباحة على ظاهر الآية في أول الأمر، مع أن دلالة الآية على ما ذكر فيها خلاف، ومن هنا قَوِيَ منعُ الجنب من دخول المسجد، والمرور من خلاله، وقد دلّتِ السنةُ في حديث عائشة ﵂ في الصحيح حينما قال لها النبي ﷺ: [نَاولِيني الخُمْرَةَ] قالت: إني حائض، فاعتذرت عن إدخال يدها لكونها حائضًا، فدلّ على أن المحدث حدثًا أكبر ممنوع من دخول المسجد؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليها إعتقادها لذلك، وإنما بين لها أن دخول اليد؛ ليس كدخول الجسم كله.
قوله ﵀: [ومَنْ غسّل مَيّتًا، أَوْ أَفاقَ مِنْ جُنونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ بِلا حُلُمٍ سُنَّ له الغُسْلُ]: شرع المصنف ﵀ بهذه الجملة في بيان الإغتسالات
[ ٢٨٢ ]
المستحبة بعد بيانه لموجبات الغسل، وأسباب وجوبه فبيّن ﵀ أن من غسل ميتًا أي: قام بِتَغسيله، ويكون ذلك على صورتين:
الصورة الأولى: أن ينفرد بتغسيله.
والصورة الثانية: أن يكون مع غيره.
فأما إذا إنفرد بتغسيله فقول واحد عند من يقول بوجوب الغسل عليه، أو باستحبابه له أنه يغتسل، وأمّا اٍ ذا كان مع غيره، فإنه يأخذ حكم الأصيل؛ لأنه يصدق عليه أنه غسله بشرط: أن يكون له عمل في غسل جسد الميّت، وبناءَ على ذلك، فإنه إذا غسل منفردًا، أو مشاركًا مع غيره، فالحكم أنه يجب عليه أن يغتسل على قول من يقول بالوجوب، لكن المصنف يميل هنا إلى القول بالسُّنية، والاستحباب، وهو أصح القولين في هذه المسألة وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد رحمة الله على الجميع، ولأن من قال بالوجوب إستدل بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: [مَنْ غسّل ميّتًا فليغتَسِلْ، ومَنْ حَملَه فَلْيَتوَضأ] رواه الخمسة إلا أن ابن ماجة لم يذكر الوضوء قال الإمام أحمد، وعلي بن المديني رحمهما الله: (لا يصحُّ في البابِ شَيء)، ومثله عن الذّهلي، والحاكم، وغيرهما والحديث ضعيف، وقد تكلم عليه الإمام الدارقطني -﵀- في العِلَل، وتكلم عليه الحفاظ والصحيح عدم ثبوته، لكن على القول بثبوته، أو أنه حسن فيحمل على الاستحباب، والأفضل أي: من غسل ميتًا فإنه يغتسل استحبابًا، لا على سبيل الحتم، والإيجاب.
[ ٢٨٣ ]
قوله ﵀: [أَوْ أَفاقَ مِنْ جُنونٍ، أو إِغْماءٍ] مراده أن المجنون، والمغمى عليه يجب عليهما الغسل إذا أفاقا، دون أن يحصل منهما إنزال، وهذا هو أحد قولي العلماء في هذه المسألة، ومنهم من رأى وجوب الإغتسال مطلقًا، وهو الرّاجح لما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ: [لما قام إلى الصلاة في مَرضِ المَوْتِ، ثم غُشِيَ عليه، ثم أَفاقَ، فاغتسل صلوات الله وسلامه عليه، ثم غُشِيَ عليه، ثمَّ أَفاق، ثم إِغتسل] فهذا أصل في وجوب الغسل من الإغماء؛ والجنون أشد منه، فيكون الشّرع قد نبّه بالأدنى، وهو الإغماء على ما هو أعلى منه، وهو الجنون، فيجب الغسل بالجنون من باب أولى وأحرى هذا من جهة الأثر، أما من جهة النظر فهو أن الجُنون، والإغماءَ مظنّة الحدث الأكبر، وهو نزول المني، دون أن يعلم به حال جنونه، وإغمائه فأوجب الطهارة الكبرى، كما أن النوم مظنّة الحدث، وأوجب الشرع به الطهارة الصغرى.
فيجب الغسل بسبب الجنون، والإغماء وفي حكم المجنون، والمغمى عليه السكرانُ، والمخدَّر بالبَنْجِ، وغيره كالأفيون، والحشيش إذا غاب عنه عقله وإدراكه.
فعلى القول الذي مشى عليه المصنف ﵀ إذا أفاقا دون أن يحصل منهما إنزال، فالغسل مستحب، لا واجب، وقد أشار إلى هذا بقوله ﵀: [بِلا حُلُمٍ]: أي بلا احتلام، وقوله ﵀: [سُنَّ له الغُسْل]: أي لا يجب عليه، وهذا كما ذكرنا، وظاهر حديث عائشة ﵂ يردّه
[ ٢٨٤ ]
لأنه تأخر ﵊ عن الصلاة، وكرّر الغسل أكثر من مرّةٍ والنّاس تَنْتظِرُه، ولا معنى لذلك إلا وجوبه، ثمّ إنه لم يحصل منه إنزال صلوات الله وسلامه عليه، فدلّ على رجحان القول بالوجوب، دون تفريقٍ بين حصول الإنزال، وعدمه.
قوله ﵀: [والغُسْلُ الكاملُ] شرع المصنف ﵀ بهذه الجملة في بيان صفة الغسل بعد بيانه لموجباته، وأسبابه وقد راعى في ذلك الترتيب المنطقي، لأن الأسباب، والموجبات مقدَّمةٌ على الصِّفة، ومن هنا يرد السؤال أولًا: ما هي موجبات الغسل، ومستحباته؟ ثم بعد ذلك يرد السؤال: كيف يكون الغسل وما هي صفته؟
فقال ﵀: [والغُسلُ الكامِلُ]: والغسل له صفتان عند العلماء كالوضوء:
الصفة الأولى: الإجزاء.
الصفة الثانية: الكمال.
والفرق بين الإجزاء والكمال: أن الإجزاء: يتحقق به المأمور شرعًا بمعنى أنك إذا أوقعت الغسل عليه فقد أديت ما أوجب الله عليك، والإخلال به موجب للحكم بعدم صحة الغسل.
وأما صفة الكمال: فإن الإخلال بها فيه تفصيل فإن حصل قدر الإجزاء حُكِمَ بصحّة الغسلِ، وإجزائِه، ويحكم بكونه فاته الأفضل، والأجرُ الكامل، وإن كان الإخلال بما هو من صفة الإجزاء فحكمه حكم الإخلال بصفة الإجزاء.
[ ٢٨٥ ]
قال ﵀: [والغسل الكامل]: المصنف إبتدأ بصفة الكمال، وغيره إبتدأ بصفة الإجزاء فطريقة المصنف ﵀ حينما ابتدأ بغسل الكمال تدرّج فيها من الأعلى إلى الأدنى، وطريقة غيره ممن إِبتدأ بالاجزاء، ثم أتبعه بالكمال تدرّج من الأدنى إلى الأعلى، وكلتا الطريقتين لها وجهها.
أما طريقة المصنف أن يَبْتدئ بالكمال، ثم يبين لك غسل الإجزاء فهي أنسب؛ لأنه إذا فعل ذلك ترك التّكرار فإنك إذا ذكرت الغسل الواجب، ثم أتبعته بصفة الكمال، وذكرت ضِمْنها الواجبات حصل التّكرار فتلافاه المصنفُ ﵀ بهذه الطريقة التي سار عليها.
وصفة الكمال: ثبتت بها أحاديث صحيحة عن النبي -ﷺ- منها حديث أم المؤمنين عائشة -﵂ وأرضاها- وحديث ميمونة -﵂ وأرضاها- وكلا الحديثين ثابت في الصحيحين، فقد وصفت كل واحدة منهما غُسْلَ النبي -ﷺ- فمنهما من فصّلت في شيءٍ، وأَجْمَلت في شيءٍ آخر، وقد راعى العلماء -رحمهم الله تعالى- في صفة الكمال ما تضمنه حديثا عائشة، وميمونة -رضي الله عن الجميع-.
قال ﵀: [أَنْ يَنويَ]: أي ينوي الغسل، والنيّة بالتشديد، والتخفيف لغة: القصد، والمراد بها في الإصطلاح: (العزم على فعل الشيء تقربًا إلى الله -تعالى-) كما ذكر هذا التعريف البعلي في المطلع، ومعنى ذلك أن تعزم على عبادة، أو معاملة، وقصدك وجه الله -﷿- عبادة: مثل أن تصلي، فتفعل القيام، والركوع، والسجود، وغيرهما من أفعال الصلاة، وتريد وجه الله -جل وعلا- والتقرب إليه بذلك الفعل.
[ ٢٨٦ ]
وأما المعاملة: فمثل: أن تعطي إبنك المال، فإنها عادة، ولكنّها تنقلب عبادة إذا قصدت بها وجه الله تعالى، وبعض العلماء يقول: العزم على فعل الشيء، وبعضهم يقول: قصد فعلِ الشيء قربة لله -جل وعلا- والتعبير بالقصد أنسب من التّعبير بالعزم؛ لأنّ من العلماء من فرق بين العزم، والقصد بأنّ القصد يكون عند توجه النية، والعزم يكون متراخيًا عن ذلك التوجه، ولذلك قالوا التعبير بالقصد أدقّ.
والمراد بنية الغسل هنا: أن تجمع أمرين: قصد التقرب إلى الله، وقصد رفع الحدث الأكبر كما قدمنا في نية الوضوء.
[أن ينوي]: يعني أن ينوي بغسله رفع الحدث، وقد تقدم معنا في الوضوء بيان الدليل على إشتراطها في الطهارة، وأن مذهب الجمهور: أنها شرط لصحة الطهارة من الحدث بنوعيه الأصغر والأكبر، والمراد بالنية في الغسل أن يقصد رفع حدثه الأكبر من الجنابة، أو الحيض، أو النفاس، أو غيره فإذا حصل ذلك أجزأه الغسل، وتَمّتْ طهارته، وأما إذا لم يقصد رفع الحدث مثل: أن يقصد النظافة، أو التبرد، والإستجمام؛ فإنه لا يرتفع حدثه، وينبغي أن تكون هذه النِّية مقاربة للغسل، فإذا طال الفاصل بينها، وبين شروعه في الغسل فإنها لا تُجْزِيه.
قوله ﵀: [أَنْ يَنْويَ الغُسْلَ]: هذا هو الأصل أن الإنسان إذا أراد أن يغتسل يبتدئ بنية القلب، ثم بعد ذلك يكون منه الفعل المأمور به شرعًا.
[ ٢٨٧ ]
قوله ﵀: [ثُم يُسَمّي]: ثم للعطف، مع التراخي، وقوله: [ثم يُسمي] أي: يقول: بسم الله وهذه التَّسمية إستحبها العلماء، ومن العلماء من قال: بوجوبها في الغسل -وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله- وأن الصحيح هو القول بعدم وجوبها.
[يسمّي]: يسمي إذا كان المكان مهيأً لذكر الله كأن يكون في بِركَةٍ، أو في حمام مُعَدٍ للاغتسال لا لقضاء الحاجة، أما لو كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة، فإنه لا يذكر اسم الله -﷿- فيه ففي الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: [إِني كُنْت عَلى حَالةٍ كَرهْتُ أنْ أَذْكُرَ اسمَ اللهِ عَليهَا] والإمتناع من التلفظ بذكر اسم الله تعالى في موضع قضاء الحاجة، فيه تعظيم لشعائر الله، وهو ما ندب إليه المولى سبحانه بقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) واسم الله -﷿- لا شك أنه من شعائر الله التي أشعر الله بتعظيمها كما قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) فالإجلال لاسم الله -﷿- بعدم ذكره في مواطن قضاء الحاجة من تعظيم شعائر الله، فلا يذكر اسم الله نطقًا، ولكن يسمي في نفسه على قول بعض العلماء أي: أنه يُجْري في نفسه ذكر التسمية، دون أن يتلفظ باللسان.
_________________
(١) الحج، آية: ٣٢.
(٢) العنكبوت، آية: ٤٥.
[ ٢٨٨ ]
قوله ﵀: [ويَغْسلُ يَديْه ثَلاثًا، وما لوّثَه]: المراد به أن يغسل كفّيه ثلاث مرات.
والمصنف هنا قال: [يغسل يديه ثلاثًا] ثم أجمل، والحقيقة غسل اليدين، أو الكفين في الغسل من الجنابة له حالتان:
الحالة الأولى: أن يغسل الكفّين قبل أن يعمّم البدنَ بالماء.
الحالة الثانية: أن يغسل الكفّين بعد غَسْل الفرج تَهيُأً للوضُوءِ.
فأما الحالة الأولى: وهي أن يغسل كفيه عند إبتداء الغسل فقد ثبت في الصحيحين كما في حديث أم المؤمنين عائشة -﵂- في قولها: [بدأ فغسل يديه]، وفي رواية مسلم [يَغْسِل كَفّيه] لكن ليس فيها التصريح بالتثليث، وقد جاء في حديث ميمونة ﵂ في قولها: [فأفرغ على يديه فغسلهما مرّتين، أو ثلاثًا] والغسل للكفين في ابتداء الغسل من الجنابة مناسبته: أن اليدين ناقلتان للماء، والماء ينبغي أن يكون طهورًا، فينبغي أن تكون آلته محافظة على الطهورية، فإذا كانت اليد نظيفة، بقي الماء على أصل الطهورية، وإذا كانت اليدان ليستا بنظيفتين؛ فإن ذلك أدعى لخروج الماء عن وصفه بالطُّهورية خاصةً، وأن الكف تنقلُ ماءً يسيرًا، ولذلك أُمِرَ بغسلهما قبل الوضوء لمن استيقظ من نومه.
أما الحالة الثانية لغسل الكفين: فإنها تكون بعد غسل الفرج، والمناسبة فيها ظاهرة؛ لأنها تلوثت بالأذى وقد أشارت إليها أم المؤمنين ميمونة ﵂ بقولها: [ثمّ أَفْرغَ بِيمينِه عَلى شِمَالِه فَغَسل مَذَاكيِرَه ثم دلك يَدَه بِالأَرْضِ].
[ ٢٨٩ ]
قال ﵀: [يغسل يديه ثلاثًا، وما لوّثه]: اللّوث يطلق بمعنى التلطيخ، فالتلويث التلطيخ، يقال لوّث الماء إذا لطخه، وقد يطلق بمعنى: المرض، والعاهة في العقل ومنه قولهم: (اللّوثة) نسأل الله السلامة والعافية، وقد يطلق بمعنى: الحاجة؛ وهي حاجة الإنسان، والمقصود بالتلويث في قوله: [ما لوثه]: يعني ما أصاب يده من القذر، وهذا يدل على أن المراد بغسل الكفين ما يكون بعد إزالة الأذى عن الفرج فكان من هدي النبي -ﷺ- أنه يبتدئ فيصب الماء على كفّيه -صلوات الله وسلامه عليه-، ويغسلهما ثم يُفْرِغ بيمينه على يساره، فيغسل فرجَه -صلوات الله وسلامه عليه-، ومواضع الأذى كما تقدّم ذكره في حديث ميمونة -﵂ وأرضاها-، فيغسل الأذى الذي على الفرج، وما جاوره كالفخذين، والرُّفْغَين، ونحوهما، ولما انتهى -﵊- كما في الصحيحين من حديث ميمونة ﵂ من غسل فرجه، وإزالة الأذى دَلَكَ يديه بالأرض، ولذلك قال العلماء: يَبْتدئُ بغسل الكفّين ثمّ يُثنّي بالفرج، ثم يدلك يديه للغسلة الثانية، وهذه الغسلة الثانية آكد من الأولى، فإن الأولى قد تكون اليدان طاهرتين، ولا يحتاج فيها إلى تجديد غَسل؛ ولكن في الثانية لمكان الأذى، وتلطّخ اليدين ناسب أن يدلكهما -﵊-.
قال بعض العلماء ﵏: السُّنة لمن اغتسل في أَرضٍ تُرابيِّة أن يدْلكَ يديه بالأرض التُّرابِيِّة والتّراب ينظف، ويُنْقِي كالصابون، والمطهّرات، فناسب أن يدلك -﵊- يده بالأرض وورد في الحديث أنه
[ ٢٩٠ ]
﵊ ضرب بها الحائط، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كانت الأرض صلبة، وكان الحائط طينًا فإنه يضرب بيديه الحائط وللعلماء في ضربه -﵊- بيده على الأرض وعلى الحائط في غسله من الجنابة وجهان:
الوجه الأول: منهم من قال: عبادةٌ معلّلة تكون إذا وجدت عِلّتها، والعلّة عندهم: التنظيف، بمعنى أن الإنسان يضرب الحائط، ويدلك الأرض بقصْد التنظيف، فإذا كانت الأرض صلبة، أو كان الحائط من غير الطين، كالإسمنت، ونحوه فإنه تكون السُّنة بالغسل بالصابون، وما يحلُّ محل الطِّين لأن العِلة عندهم التنظيف، فكما أنه يحصل بالطين فعند فَقْدِه يحصل بما يناسبه، كالأُشنانَ، والصَّابون.
والوجه الثاني: قال: عبادة غير معلّلهٍ، ويُقتصر فيها على الصورة الواردة، فلا تشمل غيرها، ويكون وجود التّطهير في الطين تبعًا، لا أصلًا.
وعلى هذا القول: فإنه يُسنّ للإنسان، ولو كان الجدار، والأرض صلبةً أن يضرب بهما يده إتباعًا للسنة.
والصحيح أنه عبادة معلّلة يضرب بيديه الجدار إذا كان من طين، ويدلك بهما الأرض إذا كانت ترابيّة وإذا زال الأذى بالصابون، والمُطهّرات المعروفة في زماننا أجزأه، وحلّ ذلك محل التراب، لأن التراب هنا ليس مقصودًا على وجه التعبّد فيجزئ عنه الصابون، والمطهرات لأنها تقوم مقامه، فيحصل بها المقصود شرعًا، وهو النظافة، والنقاء، بخلاف ما إذا كان
[ ٢٩١ ]
التراب فيه معنى التعبّد، كما في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فإنّ غيره لا يقُوم مقامه.
قوله ﵀: [يتوضّأ]: إتفقت الروايات في صفة غسله ﵊ على أنه توضّأ فيه ولذلك لا خلاف بين العلماء ﵏ في أن الغسل الكامل مشتمل على الوضوء تأسيًا به ﵊.
وظاهر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في قولها: [ثم يتوضأ وضوءَه للصّلاةِ] أنّ النبي ﷺ توضّأ وضُوءًا كاملًا أوّلًا، ثم أفاض الماء بعد ذلك على رأسه، وجسده كما دلّ عليه قولها: [ثم يأخُذ الماءَ، ويدخل أصابِعَه في أصُولِ الشّعر حتى إذا رأى أنْ قَدْ إِسْتبرأ حَفَنَ على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ ثُمّ أفاضَ على سائِر جَسَدهِ، ثم غسَلَ رِجْلَيْه] وعلى هذا تكون السنة البداءة بالوضوء قبل تعميم الجسد، وأما حديث ميمونة ﵂؛ فقد دلّ على أنّ الوضوء لم يكن كاملًا حيث نصّت على أنه توضّأ، وأخّر غسل رجليه، ثمّ عمّم بدنه، ثمَّ أتمَّ الوضوء بعد ذلك بغسل رجليه كما يدلّ عليه قولها ﵂: [ثمّ مَضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ، ثم غسَلَ وجْهَه، ويَديهِ، ثم غسَلَ رَأسَه ثَلاثًا، ثم أفرغَ عَلى جَسَدِه، ثمّ تَنَحّى مِنْ مَقَامِه فغَسَل قَدَميْه] فدلّ على أنه لم يُتمّ وضوءَه أوّلًا وأنه أخّر غسل رجليه، وفي حديث عائشة ﵂ غَسَلَ الرجلين آخرَ الغُسْل لكنه زائد على الغسل الأصلي كما يفهم من ظاهره، ومن هنا إنقسم العلماء ﵏ في بيان سبب ذلك على وجهين:
[ ٢٩٢ ]
الوجه الأول: أنّ النبي ﷺ راعى إختلاف المكان، ففي حال وجود الطين أخّر غسل رجليه إلى آخر الغسل، حتى لا يتكرر غسله لها مرة ثانية، كما حدث في حديث عائشة ﵂.
الوجه الثاني: أنه فعل ذلك تعبدًا، فمنْ توضأ في غسله أخّر غسلَ رجليه حتى ولو كان المكان نظيفًا ولا يَخْشَى من تَلوّثِهما بالطِّين عند تعميم البدن بالماء.
والوجه الأول: هو الأقوى، والعلم عند الله، لأنه معلوم من حاله في زمانه ﵊، فإنه لا يمكن أن يُعَمّم بدنه بالماء إلا، وتطاير عليه رذاذ الطين، واحتاج إلى الغسل ثانية، وعليه فيؤخر إذا كان الموضع كذلك، وأما إذا كان نظيفًا كما في زماننا فإنه يتمُّ الوضوء، ولا يؤخر غسل رجليه، لأن الأصل يقتضي تقديم أعضاء الوضوء، كما دلّ عليه قوله ﵊: [إبدأن بميامِنها وبأعضاء الوضوء منها] فهذا يقتضي عدم تأخير أعضاء الوضوء، إلا إذا وجد الموجب، ويدل على أن الأصل تقديمها في الغسل.
والمسألة الثانية: هل هذا الوضوء مقصود للغسل، أو مقصود لذاته، للعلماء وجهان:
الوجه الأول: وضوؤه في الغسل إنما هو لشرف أعضاء الوضوء، أي: أنّ النبي -ﷺ- بدأ بالوضوء لفضل أعضاء الوضوء.
الوجه الثاني: هو عبادة مقصودة أي: أنه طهارة مقصودة.
[ ٢٩٣ ]
وأقوى الوجهين الوجه الأول: أنه قصد تقديم أعضاء الوضوء على سائر البدن لشرفها، ويدل على ذلك أمره ﵊ بالبداءة بغسل أعضاء الوضوء في غسل الميت؛ كما ثبت في الصحيح حيث إنه قال لأم عطية ﵂ حينما غسّلت إِبنته زينبَ ﵂: [إِبْدَأنَ بِمَيامنها وبأَعْضَاءِ الوُضُوءِ منهَا] فلمّا أمرَ بتوضئتها في الغسل دلّ على أنه راعى البداءة بالأفضل، فراعى ذلك في غسل الحي، والميت فدل على أنه لشرف أعضاء الوضوء.
قوله ﵀: [ويحثي عَلى رَأسِه ثَلاثًا تُرَوِّيه] هذه هي السنة بعد أن يغسل وجهه، ويديه يحثي على رأسه الماء، كما ثبت في حديثي أم المؤمنين عائشة، وميمونة ﵄ قالت ميمونة ﵂: [ثم غَسَلَ وَجْهَه، ويَديْه، ثمّ غَسَلَ رَأسَه ثَلاثًا]، وقول المصنف ﵀: [ترَوِّيهِ] مأخوذ من رِيِّ الماء، والمراد: أن تكون كل واحدة من الثلاث قد روّت أصول شعر الإنسان، وهذه هي السنة كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: [ثمَّ يأخذُ الماءَ، ويُدْخِل أصابعَهُ في أصُولِ الشَّعر حتّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ إِسْتَبْرأ حَفَنَ على رأسِه ثَلاثَ حَثَياتٍ]، وهذا يدل على عنايته ﷺ بوصول الماء إلى أصول الشعر؛ لأنها محل الفرض المأمور بغسله، وأما التثليث: فهو السنة من قوله وفعله ﵊ كما في حديث أم سلمة ﵂ حيث قال لها ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ] وقالت عائشة ﵂ كما في الصحيحين: [ثم يُخلّل بِيديْه شَعَره حَتّى إِذا
[ ٢٩٤ ]
ظنّ أنه قد أَرْوى بَشَرَته أَفاضَ عَليْه الماءَ ثلاثَ مرّاتٍ] فالسّنة أن يحثي على رأسه الماء ثلاثًا، ثم جاءت هذه السنة مفصِّلة في حديث عائشة ﵂ حيث بيّنت أنّ النبي ﷺ أخذ الماء بكفّه؛ فَبدأَ بِشقِّ رأسِه الأيمنِ، ثم شِقِّهِ الأيسرِ، ثمّ عَمّمَ الرَّأسَ كله بعد ذلك كما في قولها ﵂ في الصحيحين: [كان رسول الله ﷺ إذا إِغْتسَلَ مِنَ الجنابةِ دَعا بشيء نحوَ الحِلابِ فَأَخذ بِكَفّه، فبَدَأ بِشِقِّ رأسه الأيمنِ، ثمّ الأيسرِ، ثم أخذَ بِكفّيه، فَقَالَ بِهما على رَأسِه] ففصّلت ﵂ ما جاء في الروايات الأخر فذكرت أنه كان يأخذ كفًا واحدة لشق رأسه الأيمن، ثمّ مثْلها للأيسر، ولذلك عطفته بقولها: ثم الأيسر أي: أخذ كفًا أخرى للأيسر، ثم يأخذ بكفّيه في الثالثة لكل الرأس.
قوله ﵀: [ويعمُّ بَدَنه غُسْلًا ثَلاثًا، ويَدْلِكُه، ويَتَيامنُ]: قوله: [يعمُّ بدنه]: بمعنى أن يصبّ على جسده الماء صبَّةً يعمِّمُه بها، والأصل في تعميم البدن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وكذلك حديث أم سلمة ﵂ وفيه قول النبي ﷺ لها: [ثُمّ تُفِيضينَ الماءَ على جَسَدِكِ] فقوله: [تُفِيضِينَ] من الإفاضة، والمراد بها تعميم سائر البدن، وكذلك قول عائشة ﵂: [ثم أَفاضَ على سَائِر جَسَده].
لكن قال المصنف: [ثلاثًا]: أي ثلاث مرات أي: أنه يغسل جميع البدن بتعميمه ثلاث مرات، وهذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمن أهل العلم من قال: السُّنة أن يعمَّ البدنَ بغسلةٍ واحده، ولا يزيد إلى الثلاث وهو الذي يترجح في نظري والعلم عند الله، وهو قول طائفة من السلف -رحمة الله
[ ٢٩٥ ]
عليهم- وممن رُوي عنه هذا القول الإمامُ مالك، وكذلك عن الإمام أحمدَ رواية فأصحاب هذا القول شددوا في الغسلة الثانية، والثالثة لأنه يفعلها معتقدًا الفضل، ولم يفعلها رسول الله -ﷺ- مع أنه ثلّث في الأعضاء، ومن ثمّ قالوا التثليث في الغسل بدعة، وشددوا فيه بقصد العبادة؛ لكن لو أنه غسل الغسلة الأولى قاصدًا رفع الجنابة، ثم غسل المرة الثانية، والثالثة لمبالغة التنظيف كما هو الحال الآن يغسل بالصابون، ثم يحتاج إلى صبّةٍ ثانية، وصبّةٍ ثالثة، فلا حرج لأنها خرجت إلى قصد النظافة، لا إلى قصد العبادة، وفَرْقٌ بين قَصْدِ العبادةِ، وقصد النظافة.
أما لو ثلّث غسل بدنه قاصدًا العبادة فهو بدعة في قول من ذكرنا، وهذا القول هو الصحيح فإنّ النّاظر في أحاديث النبي -ﷺ- في غُسْله كلّها نصّت على أنه أفاضَ إفاضَةً واحدةً -﵊-، ولم يُثنِّ، ولم يُثلّثْ -وبأبي، وأمي ﵊- لو كان الفضل في التثنية، والتثليث لما تركه -﵊-، ولفعله في غسله، ولو مرة واحدة، أو لتكرر منه كما تكرر منه التثليث في الوضوء.
والمصنف ﵀ مشى على الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ويقول بها بعض الشافعية -رحمة الله عليهم- أنه يستحب التثليث في الغسل.
قوله ﵀: [ويَدْلِكُه، ويتيامن]: ويدلِكه أي: يدلك البدن مبالغة في الإنقاء، والتطهير، وإيصال الماء إلى البدن.
[ ٢٩٦ ]
والدلك للعلماء فيه قولان:
القول الأول: أن الدّلك مستحب، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور ﵏.
القول الثاني: أنّ الدَّلكَ واجب، ومن اغتسل، ولم يدلك بدنه لم يصحّ غسلُه، وهو مذهب المالكية ﵏.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بأن: الدّلك مستحب، وليس بواجب.
أما الدليل على عدم الوجوب فما ثبت في الصحيحين من حديث أمِّ سلمة ﵂ أنّ النبي -ﷺ- قال لها: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ] فقوله: [إنما يَكْفِيكِ] أي: يجزيك، وهذا الإجزاء لا يكون إلا في الواجبات قال ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلى رَأسكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُمَّ تُفِيضينَ الماءَ على جَسَدِكِ فإِذا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ -وفي رواية- فإذا أَنتِ تَطْهُرينَ] وجه الدلالة: أنّ النبي -ﷺ- أمرها بالتَّعميم، ولم يُبيّن لها وجوبَ الدّلك، وقال: [تُفِيضِينَ] والإفاضة: الصبّ فدلّ على أن الواجب: هو وصول الماء إلى ظاهر الجسد لقوله: [تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ]، فإذا حصلت هذه الإفاضة حكمنا بالإجزاء، دون إشتراط أمرٍ زائدٍ عليها، وهو الدَّلْكُ.
لكنّ الإمام مالك -رحمة الله عليه- انتزعَ وجوبَ الدلكِ من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: [أَنّ النّبي -ﷺ- إِغتسلَ بِالصَّاعِ] ومعلوم أنّ النبي -ﷺ- كان رَبْعَة من الرّجال ليس بالطويل البَائِن، ولا بالقصير
[ ٢٩٧ ]
فكان -﵊- وسطًا من الرجال فلا يُعْقَلُ أنّ الصّاع يغسلُ النبي ﷺ ويجزيه إلا إذا كان يدلك ﵊، وبناءً على ذلك فإنه من ناحية الاستنباط صحيح.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: أن الدّلك ليس بواجب في الأصل لصحة دلالة الكتاب والسنة على ذلك، ويحمل دليل وجوبه على حالة: ما إذا كان الماء قليلًا، وتوقّف وصول الماء لجميع البدن على الدّلك، فإنّه واجب من جهة ما لا يتمُّ الواجبُ إِلا بِه فهُو واجب، والاستثناء بالصُّور المخصوصة لا يقتضي التّعميم في جميع الأفراد، وبناءً على ذلك يُنْظر في الماء الذي يُغتسل به إن كان يستطيع إيصاله لجميع البدن، دون أن يكون دلك فإن هذا هو القدر الذي أوجبه الله على المكلف وإن كان الماء قليلًا بحيث لا يستطيع إيصاله إلى جميع البدن إلا إذا دلك فحينئذٍ يلزمه الدلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا أنه واجب أصالة.
وعلى مذهب المالكية أنه لا بد من الدّلك؛ فإنه إذا كان الموضع لا يستطيع أن يوصل إليه يده كأن يكون مثلًا وراء الظهر؛ فإنه يستخدم الواسطة كما هو معروف في زماننا باسم (اللِّيفة) يحكُّ بها ظهره، وأشار إلى هذه المسألة بعضهم بقوله:
وصِلْ لما عَسُر بالمنْدِيلِ ونحوِهِ كَالحَبْلْ والتّوكِيلِ
ومحلُّ الخلاف بين القولين: إنما هو في حالة ما إذا أمكن إيصال الماء إلى ظاهر الجسد بدون دلْكٍ، أما إذا توقف الإيصال على الدلك كما في حال
[ ٢٩٨ ]
قلة الماء فالجميع متفقون على وجوبه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كذلك كلهم متفقون على إِستحباب الدلك لما فيه من بالغ النقاء المقصود شرعًا في تطييب البدن وتنظيفه، ويختلفون في الإلزام به.
قوله ﵀: [ويَتَيامنُ]: ويتيامن: أي يبدأ باليمين قبل اليسار لقوله ﵊: [إبدأنَ بِميامِينهَا] في غسل إبنته زينبَ ﵂.
قوله ﵀: [ويَغسِلُ قَدَميْه مَكَانًا آخرَ]: هذا الذي سبقت الإشارة إليه، وأنه إنْ كان الموضع نظيفًا، فلا حاجة إلى تأخير غسل الرجلين، وإن كان غير نظيف، فإنّهُ يؤّخر غسلَ رجليه إلى آخر الغسل تأسيًا بالنبي -ﷺ- وينتقل إلى مكان آخر حتى لا تتلوث الرجلان، ويمكنه تنظيفها.
قوله ﵀: [والمجزئُ أنْ يَنويَ، ويُسَمّيَ، ويَعُمّ بدَنه بالغُسْلِ]:
هذه فائدة تقديم صفة الكمال على صفة الإجزاء أنه يأمن من التكرار لكن لو قدّم صفة الإجزاء، وأتبعها بصفة الكمال لكرّر.
وقوله ﵀: [والمجزئ أن ينوي، ويسمِّيَ]: شرع بهذه الجملة في بيان صفة الإجزاء، وصفة الإجزاء تقوم على الأركان، والواجبات، والشروط، فلا تشتمل على المستحبات، والمندوبات، وهي الصفة الثانية من صفات الغسل التي لا يصح إلا بها كما قدمنا.
[أنْ ينْويَ]: يعني النّية، وقد تقدم بيانها.
[ ٢٩٩ ]
[ويسمّيَ]: ويسمّي هذا على القول بوجوب التسمية، والصحيح أنها ليست بواجبة فليس هناك حديث صحيح أنّ النبي -ﷺ- أوجب التسمية في الغُسْلِ، وإنما أوجبها مَنْ أوجبها فيه قياسًا على الوضوء، وهذا القياس ضعيف لما يلي:
أولًا: أنه يعترض عليه بفساد الاعتبار، وهو أحد القوادح الأربعة عشر في القياس، وفساد الاعتبار: أن يكون القياس في مقابل نصِّ من الكتاب، أو السُّنة، أو في مقابل إجماع، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- النص، وهو قوله ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ]، ولم يذكر التسمية، وقال الله في كتابه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يأمر بالتسمية، وقد أمر بالتسمية في المطعوم فقال ﷾: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
ثانيًا: أن هذا القياس من باب ردِّ المُختلف فيه إلى المُخْتلف فيه، فلك أن تقول لمن يستدل بهذا القياس أنازعك في الأصل الذي تحتج به، وهو وجوب التسمية في الوضوء، فكيف تقيسُ فرعًا على أصل إختلفنا فيه يعني: أنا لا أسلّم لك أن الوضوء تجب فيه التسمية، فكيف تلزمني بالغسل قياسًا على الوضوء ومن شرط صحة القياس بالنسبة للإلزام أن يكون الخصم، أو المحتج عليه بالقياس مُسَلِّمًا بحكم الأصل فإذا كان غير مسلم بحكم الأصل، فإنه لا يُلْزم به، لكن يكون القياس من باب الالتزام، لا الإلزام يعني لمن يحتج به أن يحتجّ به لنفسه؛ لأنه يرى وجوب التسمية في الوضوء
[ ٣٠٠ ]
فيقول: أنا أوجب التسمية في الغسل كما أوجبها في الوضوء من باب إلحاق النَّظير بنظيره.
قوله ﵀: [ويَعمَّ بدَنه بالغُسْلِ مَرةً]: لأن الله تعالى أمر بتطهير البدن في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا يحصل بتعميم البدن بالماء مرة واحدة، لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وفي حديث أمِّ سلمة ﵂ صرّح ﵊ بأن العبرة بتعميم البدن، دون أن يُوجب التّكرار فقال ﵊: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُم تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ فَإذَا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ] ولم يأمرها بتكرار ذلك للبدن كلِّه فدلّ على أن التعميم لمرةٍ واحدةٍ يعتبر كافيًا، فمن دخل في بركة مثلًا، وانغمس فيها غمسةً واحدةً قاصدًا الطهارة من الجنابة، أو فَعلتْ ذلك المرأةُ ناويةً طهارتها من حيض، أو نفاس أجزأهما.
قوله ﵀: [ويَتَوضّأ بِمُدِّ]: بعد أن بيّن -﵀- صفة الغسل الكاملة، والمجزئة يسأل السائل: ما هو هدي رسول الله -ﷺ- في الماء الذي يُغتسل به؟
فقال ﵀: [ويتوضأ بمُدٍّ، ويَغْتَسِلُ بِصَاعٍ]: قوله: [يَتَوضَّأ بِمُدٍّ]، المدُّ: هو ضربٌ من المكاييل التي كانت في زمان النبي -ﷺ- كان هناك المدّ، وهو أصغرها، وضابطه عند العلماء (مِلءُ اليَدينِ المتَوسِطَتَين، لا مَقْبُوضَتَيْن، ولا مَبْسُوطَتَين) يعني أوسط الرجال لو حفن حَفْنةً ملأت هذا المدَّ وهذا المدُّ مازال موجودًا إلى الآن في المدينة، ويتوارثه الناس من زمانه ﵊ إلى يومنا هذا، ويُعْتبر حجة؛ لأنه من نقل الكافّة عن
[ ٣٠١ ]
الكافّة كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀، وبيّن أنه مما توافرت الدواعي لحفظه، وهو: ربع صاع بالنسبة لمدِّ المدينة، وعرف المدينة باقٍ على الأصل وقد حرّرت ذلك بنفسي بالنّقل عن كبار السن، وعندهم طريقة: أنه إذا صنع الصّانع المدَّ لا بد من أن يُحرّر، والتَّحْرير أنهم يأخذون صاعًا قديمًا حُرّر على أقدم منه، وهكذا حتى يضبطوه؛ ولم تكن عندهم المعايير المنضبطة مثل التي في المصانع الآن، فالصاع رُبَّما وسَّعه الصَّانع، وربما ضيَّقه ففي بعض الأحيان عند تَحْريره للمدِّ الجديد يقول لك: هذا المد مَسْح أي: إذا امتلأ الطعام إمسحه، ولا تزد، وفي بعض الأحيان يقول لك: إملأه حتى يتساقط يعني أن تحريره، وضبطه: أن تملأه حتى يتناثر، والمدُّ يعدل ربعَ الصَّاع والصاع النبوي هو: صاع النبي -ﷺ- وهو أربعة امداد يعني من كل مدّ الذي هو ملءُ اليدين المتوسطتين لو ملأت بها أربع مرات، أو حثوت بها أربع مرات طعامًا، أو ترابًا ملأت الصّاع، وهذا الصّاع كما قلنا وِحْدَة من الكيل فوق المدّ تارة يقولون للمد الصغير: هذا صاع نبوي، ولكن المشهور الصاع الكبير، ويسمونه ربع صاع.
وكذلك -أيضًا- هناك وحدة ثالثة مشهورة في زماننا وهي المدّ الكبير، والمدُّ الكبر ثلاثةُ أضعاف الصّاع يعني: ثلاثة آصع تملأ المد الكبير، وهو الذي يُسَمى في زمان النبي ﷺ بـ[الفَرَقْ] وهو الوارد في حديث كعب بن عجرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال له في فدية الأذى في النُّسك: [أَطْعِمْ فرَقًا بَيْنَ سِتّةِ مسَاكينَ] فالفرق: المدُّ الكبيرُ، وعليه إذا كان يسع الثلاثة آصع فمعناه: أنه إِثنا عَشَر مدًا صغيرًا،
[ ٣٠٢ ]
والمراد بالمدِّ الوارد في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ المتقدم المدُّ الصغيرُ، وليس المدّ الكبير المشهور في زماننا، وكذلك ورد عنه ﵊: [أنه إِغْتَسلَ بإناءٍ قَدْرَ الحِلاب] والمراد بقدر الحلاّب أي: الإناء الذي يسع حليب الناقة لو حُلِبت ملأته، وهذه ضوابط العرب في القديم؛ أحيانًا يقدّرون بمثل هذا، وأحيانًا يقدّرون بشيء تقريبي وورد عنه ﵊ أنه اغتسل إلى خمسة أمدادٍ من المدِّ النبوي الصغير الذي ذكرناه، وكلُّ هذا على التخيير، وهدي النبي -ﷺ- ليس ملزمًا؛ لأنه دلالة فعل، بمعنى لا يلزمك، ولا يجب عليك أن تلتزم بالصاع، أو بالحلاب، أو بخمسة أمداد، بل في بعض الأحيان لو اغتسل الإنسان بالصاع ربما أخلّ فلا تُطْلَبُ السُّنة بضياع الفرض؛ وإنما يغتسل بالصاع من يَضْبِطُ الماءَ، ويُحْسِن صَبّه على البدن فالمقصود إذا تيسر للإنسان أن يصيب هذه السُّنة فليصبها، وهو أفضل تأسّيًا به ﵊، وإذا لم يتيسر له، فإنه لا حرج عليه في الزيادة، دون إسراف.
قال ﵀: [فإِنْ أَسْبغَ بِأَقَلَّ] أسبغ بمعنى عمّم أو استوعب أعضاء الفرض ومراده: أن هذا القدر ليس بواجب أن يلتزمه، فلا حرج إذا إغتسل بأقل منه، مثل الصبي الذي هو في الخامسة عشر من عمره، أو الإنسان صغير الحجم قد يستطيع بأقل من الصاع أن يعمّم بدنه، فليس مراده أن يغتسل بالصَّاع للإلزام فجاء بهذه العبارة حتى يفيد أنه للندب، والاستحباب لا للحتم، والإيجاب.
[ ٣٠٣ ]
وقوله ﵀: [أو نَوى بِغُسْلِه الحَدَثيْنِ أَجْزَأَهُ]: مراده: أن ينوي بغسله رفع الحدثِ الأصغرِ، والأكبرِ فإنه يُجزيه لظاهر السُّنة في قوله ﵊: [وإِنما لِكُلّ إِمْرِئٍ ماَ نَوى] فلا يلزمه وضوء بعد غسله، وله أن يصلي مباشرة كما فعل ﵊، في إغتسالاته.
وقال بعض العلماء: إنه يجزيه مطلقًا نوى، أو لم ينو، والأقوى: أنه إذا نوى يجزيه، وهذا بالإجماع أي: أنّ من اغتسل ناويًا رفع الحدثين أنه يجزيه، ويرتفع حدثاه الأصغر، والأكبر، وإذا وقع الوضوء في الغسل أجزأه قولًا واحدًا؛ لكن عند أبي ثور ﵀: أنه يجب عليه أن يتوضأ أثناء الغسل، وهذا القول يعتبر من مفردات أبي ثور، وهو الإمام الفقيه إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي -رحمة الله عليه- كان من أصحاب الشافعي ثم اجتهد، قال عنه الإمام أحمد: (أعرفه بالسُّنة منذ ثلاثين عامًا) -رحمة الله عليه- فهذا الإمام الجليل يرى أن الوضوء في الغسل واجب، ولكنه قول مرجوح، بل قال بعض العلماء ﵏ إنه شاذّ، فلا يؤثر في الإجماع المنعقد أنه لا يجب الوضوء في الغسل وذلك لظاهر القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يوجب الله الوضوء، ولما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة ﵂ الذي ذكرناه أنّ النبي ﷺ قال لها: [إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ] هذا الحديث من أهمّ أحاديث الغسل، ولذلك أقول -رضي الله عن أم سلمة وأرضاها-، -ونسأل الله العظيم أن يُعْظِم أجرها بهذا الحديث- وانظروا كيف يظهر فضل سؤال العلماء، فإن هذا الحديث دفع إشكالات كثيرة في الغسل من
[ ٣٠٤ ]
الجنابة وأزال اللبس في كثير من الأمور التي قيل بوجوبها، وهي ليست بواجبة، وما كان هناك مخرج إلا بهذا الحديث، وهذه فائدة سؤال العلماء فقد سألت أم سلمة -﵂- رسولَ الله ﷺ وقالت -يا رسول الله- إِنّي إمرأة أَشُدُّ ضَفَرَ شَعْر رَأسِي، أَفَأَنْقُضُهُ إذا اغْتَسَلْتُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ قال: [لا، إِنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثُمّ تُفِيضِينَ الماءَ عَلى جَسَدِكِ فإِذَا أَنتِ قَدْ طَهُرتِ] يستفاد منه ما لا يقل عن عشرين مسألة من مسائل الغسل من الجنابة -﵂ وأرضاها-.
قوله ﵀: [ويُسَنّ لِجُنبٍ غَسلُ فَرْجِه]: إذا وقعت الجنابة من جماع، أو استيقظ الإنسان وهو جنب يسنُّ له أن يغسل فرجه إذا أراد أن يؤخر غسل الجنابة؛ لظاهر حديث أم المؤمنين عائشة -﵂- وحديث عمر ﵁ في الصحيحين.
أما حديث عائشة ﵂ عند مسلم في صحيحه قالت: [كَانَ رسولُ الله -ﷺ- إِذَا كَانَ جُنُبًا، وأَرادَ أَنْ يَنَام، أَوْ يَأكُلَ غسَلَ فَرْجَه، وتوضأَ].
وأما حديث عمر ﵁ في الصحيحين ففيه أنه قال: -يا رسولَ اللهِ - أينامُ أحدُنَا، وهُو جُنُبٌ؟ قال ﵊: [تَوضّأ، واغْسِلْ ذَكَرك ثمّ نَمْ] فقال: [واغْسِلْ ذَكَرَكَ] فدل على مشروعية الغسل حتى إن بعض الأطبّاء يعتبره محمودًا من الناحية الطبية لأنه لا يُؤْمن أنه إذا تأخر المني في الموضع أن تتولّد منه بعض الجراثيم، وقد ينشأ منها بعض
[ ٣٠٥ ]
الأمراض، ولأنه إذا يبس على العضو ربما حصل منه بعض الضرر، ولذلك كان من هديه -﵊- أنه يغسل فرجه.
وقوله ﵀: [ويُسَنّ] يدل على أنه ليس بواجب، وإنما هو سنة مستحبة عن رسول الله ﷺ وليست واجبة، وأمّا أمره ﵊ به لعُمَر ﵁ لما سأله كما في الصحيحين: [أَينامُ أَحدُنا وهو جُنُبٌ؟ فقال ﵊: تَوضّأ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمّ نَمْ] فإنه مصروف عن ظاهره الدّال على الوجوب، إلى النّدب، والصّارف له ما ثبت في حديث عبد الله بن عباس ﵄ عند أصحاب السنن أنّ النبي ﷺ قال: [إنما أمرتُ بالوضُوء إِذَا قُمْتُ إِلى الصَّلاةِ]، وفي حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لَما سُئلَ أَينامُ أحدُنا، وهو جُنُب؟ قال: نعم، ويتوضَّأ إِنْ شاء] فدلّ هذان الحديثان على أن الأمر للإستحباب، لا للوجوب.
وقوله: [ويُسَنّ لجُنُبٍ غَسْلُ فَرْجِهِ] يشمل الذكر، والأنثى لقولِه ﵊: [توضّأ واغسل ذكرك]، وهو بلفظه خاص بالرجال؛ لأنه ورد جوابًا للسؤال فلا يُعتبر مفهومه، وبمعناه عام في الرجال، والنّساء؛ لأن العلّة واحدة فيهما.
قوله ﵀: [والوُضُوءُ لأكلٍ، ونومٍ]: أي: ويسن الوضوء لمن عليه الغسل، إذا أراد أن يأكل أو ينام، والأصل في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح الذي ذكرناه حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عند أحمد،
[ ٣٠٦ ]
ومسلم في صحيحه -رحمة الله عليهما- أنّ النبي -ﷺ-[كانَ إِذَا كَان جُنُبًا، وأَرادَ أنْ يَنَام، أو يأكُل توضأ وضُوءَهُ للصّلاةِ] فدلّ على أنّ السُّنة للجنب أن يتوضأ عند إرادة الأكل، والنّوم، وظاهر قوله ﵊: [توضّأ] أن يكون الوضوء تامًا على صفة الوضوء الشرعي وهذا مذهب الجمهور ﵏.
ومن العلماء من قال: إن المراد به غسل اليد، وحمله على الوضوء اللغوي.
والصحيح مذهب الجمهور؛ لأنه إذا تعارضت الحقيقة الشّرعية، واللّغوية؛ فإننا نُقدّم الحقيقةَ الشرعيةَ على اللّغويةِ، لأنها الأصل المعهود في خطاب الشرع؛ كما هو مقرر في الأصول.
قال بعض العلماء: وضوء الجنب لا ينتقض بالحدث الأصغر فلو توضأ، ثم خرج منه ريح لا ينتقض وضوؤه، وهو الوضوء الذي يلُغز به بعض الفقهاء فيقول: متوضئ لا ينتقض وضوؤه ببولٍ، ولا غائطٍ ولا ريح؟ فقد تقول المستحاضة يقول: هذه معذورة، والمرادُ غيرُ معذورٍ، فتقول: هو الجنب إذا توضأ وعليه الجنابة كما أشار إلى ذلك الإمام السيوطي ﵀ بقوله:
قُلْ لِلْفَقِيهِ ولِلْمُفِيدِ وَلِكُلّ ذِي بَاعٍ مَدِيدِ
مَا قُلتُ فِي مُتَوضِّئ قَدْ جَاءَ بِالأَمْرِ السَّدِيدِ
لا يَنْقُضُونَ وضُوءَهُ مَهْمَا تَغَوّطَ أَوْ يَزِيدِ
وهذا الوضوء للجنب قيل: إنه شطر الجنابة كما ورد في حديث شدّادٍ ﵁ عند إبن أبي شيبة بسند رجاله ثقات، كما قال الحافظ ﵀ أنَّ
[ ٣٠٧ ]
النبي ﷺ قال: [إِذَا أَجْنَبَ أَحدُكُمْ مِنَ اللّيل، ثمّ أَرادَ أَنْ يَنامَ فَلْيتوضّأ فإنه نِصْفُ غُسْلِ الجَنابَةِ] وهو أقوى الأقوال بالنسبة لتعليله.
وأما غسل الذكر فقد قيل: إنه إذا أجنب تمددت العروق بخروج المني، فناسب أن يغسل العضو حتى تنقبض، ومن هنا ردّه بعض العلماء إلى هذه الفائدة الطبية فنحمد الله -﵎- على هذه النعم الظاهرة، والباطنة، وعلى هذا الخير الكثير، والرحمة المهداة، والنعمة المسداة التي أكرمنا الله -﷿- بها في هذه الشريعة -نسأل الله العظيم أن يحيينا، ويميتنا عليها-.
قوله ﵀: [ومُعَاوَدَةِ وَطْءٍ]: الوطء: الجماع، ومُراده ﵀ أَنّ الرجل إذا جامع أهله، ثم أراد أن يعود فإنه يتوضأ لقوله ﵊: [إِذَا جامَع أَحدُكُمْ أَهْله، ثُمَّ أرادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتوضّأ] والأمر في الحديث مصروف عن ظاهره كما تقدم بقوله ﵊: [إنما أمِرْتُ بِالوضُوءِ عِنْدَ القِيام إلى الصّلاةِ] وقد بيّن ﷺ العلّة في الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد العود؛ فقال ﵊ في رواية الحاكم في المستدرك: [إِنه أَنشَطُ لِلْعَوْدِ]، وهي تقوّي أنّ الأمر للإستحباب.
[ ٣٠٨ ]