النواقض جمع ناقض، يقال: نقضتُ الشيءَ؛ إذا فكّكتُ طاقاتِه، فالنّقض ضدُّ الإِبرام، ويكون النَّقض في المحسوسات، وفي المعنويات.
يكون في المحسوسات: فتقول نقضتُ البِناءَ، ومنه قوله ﷿: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (١) فنقض الغزل نقض حسي.
ويكون النقض معنويًا، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ فهذا راجع إلى المعنويات، ومنه نقض الدّليل، والحجة.
وقوله: [نواقض الوضوء]: أي مفسدات الوضوء، ومبطلاته، ولما كانت هذه المفسدات، والمبطلات متعددة، قال ﵀: [نواقض]: فجمعها إشارة إلى تعدّدها، وإختلافها، وذكر المصنف ﵀ هذا الباب بعد الوضوء، والمناسبة فيه واضحة؛ لأن نقض الوضوء يكون بعد وقوعه، ووجوده.
ولذلك يقولون النّقض يكون لما وُجد، لا لما لم يُوجَد فالشّخص لما يقول: نقضتُ البيتَ إنّما يكون بعد وجود البيت، لا قبل وجوده فالشيء غير الموجود لا ينقض، ولذلك بيّن لنا حقيقة الوضوء أولًا، ثم بعد بيانه ورد السؤال: متى يُحكم بانتقاضِ هذه الطهارةِ؟
_________________
(١) النحل، آية: ٩٢.
[ ٢٢٩ ]
فقال ﵀: [باب نواقض الوضوء]: تعبيره -رحمة الله عليه- بقوله: [نَواقضِ الوضوءِ] أدقّ من تعبير بعض العلماء بقوله: (باب نواقضِ الطهارةِ)، وذلك لأنّ الطهارة أعمّ من الوضوء لأنها تشمل الطهارتين، والمقصود هنا الطهارة الصغرى، وهي الوضوء فلم يكن التعبير بها متناسبًا مع المضمون.
قوله ﵀: [يَنقضُ ما خَرجَ مِنْ سَبيلٍ]: مراده -﵀- أنه يُفْسِدُ الوضوء الذي وصفناه، وهو الوضوء الشرعي ما خرج من سبيل [ما] بمعنى: الذي أي: [الذي خَرجَ منْ سَبيلٍ] فنقف عند قوله: [ما خرج من سبيل] ما هو الشيء الذي عبر عنه بقوله [ما] والجواب: أنه لا يخلو إما أن يكون طاهرًا، أو يكون نجسًا، وفي كلتا الحالتين: إما أن يكون معتادًا، أو غير معتاد، وأيضًا لا يخلو إما أن يكون سائلًا، أو جامدًا، أو ريحًا.
وبناءً على ذلك النواقض تجمع ما يلي:
أولًا: البول، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من القبل.
ثانيًا: الغائط، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من الدبر، فهذان ناقضان:
أحدهما: من القبل.
والثاني: من الدبر.
متفق على أن خروج أي واحد منهما يوجب إنتقاض الطهارة.
[ ٢٣٠ ]
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) فإنه كنّى به عما يخرج من الإنسان إذا ذهب إلى هذا الموضع، ثم الخارج من القبل يكون بولًا، ومذيًا، ووديًا، ودم استحاضة وريحًا، وهي مسألة ذكرها بعض العلماء -رحمة الله عليهم- ويكون غير معتادٍ كأن يخرج الحصى، والدود فسنذكر تفصيل هذه الأمور المتعلقة بالقبل.
ثم -أيضًا- الخارج من الدبر: إما أن يكون معتادًا كالغائط، والرِّيح، أو يكون غير معتادٍ على سبيل المرض كدم البواسير، والحصى، والدود.
فهذه كلها من الخوارج التي تخرج من السبيل.
ثم المصنف ﵀ قال: [مِنْ سَبيلٍ]: والسبيل الطريق، والمراد بقوله: من سبيل إما القبل، أو الدبر يستوي أن يكون من ذكر، أو من أنثى.
أما بالنسبة للبول فقلنا بالإجماع إنه ناقض.
والدليل على كونه ناقضًا: مع ما قدمنا من الآية الكريمة حديث صفوان بن عسّالٍ -﵁- قال: [أَمَرنا رسولُ الله -ﷺ- ألا نَنْزعَ خِفَافنا ثلاثةَ أيام بلياليهنّ للمسافِر، ويومًا، وليلةً للمقيمِ من بولٍ، أو نومٍ، أو غائطٍ، لكن مِنْ جنابةٍ]، فقال: من بول (من) بمعنى السببية أي بسبب بول فدلّ على أن البول ناقض للوضوء وأما المذي فعلى قول الجماهير، وحكى البعض الإجماع عليه أنه ينقض الوضوء وهو الصحيح؛ لحديث علي -﵁- في الصحيحين قال: [كُنْتُ رَجلًا مذّاءً فأستحييْتُ أن أسألَ النبي -ﷺ-
_________________
(١) النساء، آية: ٤٣.
[ ٢٣١ ]
لمكان إبنتِه منّي، فأمرتُ المقدادَ أنْ يَسألهُ، فقال: فيه الوضوء]، وفي رواية: [تَوضأ، واغْسِلْ ذَكَركَ]، فدل على أن المذي يعتبر ناقضًا للوضوء، والمذي: (سائل لزج يخرج عند بداية الشهوة كالملاعبة)، وإذا خرج لا يُوجب الغسل، وإنما يُوجب الوضوء، وغسل العضو هذا الناقض الثاني، وهو المذي.
الناقض الثالث: وهو الودي، وهو: (ماء لزِج يخرج قطرات عَقَبَ البول)، وحكمه: أنه نجس، ويوجب الوضوء، وهو من البول في الأصل، لكنّه يتخلف في الخروج غالبًا، فيخرج بعد الإنتهاء من التبول قطرات متفرقة، أو متتابعة، وفي بعض الأحيان يكون لونُه كالصّديد.
والفرق بينه، وبين المذْي: أنه أخفُّ من المذي في الثخانة، واللزوجة، ثم المذي يكون عند الشهوة، وهو يكون بعد الفراغ من البول، ويعقبه بوقت قد يطول، وقد يقصر.
فهذه الثلاث كلها نواقض، وتعتبر نجسة، وهي: البول، والمذي، والودي، ويشمل ذلك الرجال، والنساء، كلّ منهما إذا خرج منه ذلك؛ فإنه يحكم بكونه قد انتقض وضوؤه، ويلزم من خروجه غسل الفرج، وما أصابه ذلك الخارج؛ لأنه نجس.
الناقض الرابع: الإستحاضة: وهي إِستفعال من الحيض، والمرأة المستحاضة هي: (المرأة التي ينتهي أمدُ حيضها، ويستمر معها الدم، أو يأتيها في غير وقت عادتها)، وحكم دم الإستحاضة كالبول، فهو نجس، وناقض للوضوء؛ لكن رخّصَ الشرعُ للمرأة في أحكامه، وخفّف عليها فيها نظرًا
[ ٢٣٢ ]
لوجود الضيق والحرج فإذا خرج هذا الدم واستمر، بحيث لم ينقطع رخص لها الشرع أن تُصلي، ولو جرى معها الدم، ويلزمها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة في بعض الأحوال، فتصلي في وقت كل صلاة الفريضة، ونوافلها القبلية، والبعدية، والنوافل المطلقة حتى ينتهي الوقت، فإذا انتهى الوقت غسلت الموضع؛ لأن حكمه حكم الخارج النجس، وتوضأت للصلاة المستقبلة هذا بالنسبة للمستحاضة، وسيأتي بإذن الله مزيد بيان لحكم طهارتها في كتاب الحيض.
وهذا الخارج خاصٌّ بالنساء.
يبقى النظر في الحصى، والدود: لو أن رجلًا خرج من قبله الحصى، أو الدود، فهل يوجب ذلك انتقاض وضوءه؟
إختلف العلماء ﵏ خلاف في هذه المسألة، وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة في شرح البلوغ، والذي يترجح في نظري في مسألته والعلم عند الله: أنه ليس بناقض بذاته، لأن الحصى، والدود ليس بحدث لكن إن خرج معهما بلل، حكم بإنتقاض الوضوء، لأن البلل وإن كان يسيرًا ناقض للطهارة الصغرى، فلا فرق فيه بين القليل، والكثير فهو كخروج النجس؛ كما لو خرجت منه قطرة بول فإنها توجب إنتقاض الوضوء إجماعًا ولو كانت قليلة، هذا بالنسبة للحصى، والدود: أنه ليس بناقض لذاته؛ بل بشرط أن تخرج معه البلّة، والناقض هو البلّة النجسة.
أما الخارج من الدبر: فمنه الغائط قلنا بالإجماع ناقض وذكرنا دليله من الكتاب، وقد دلت السنة أيضًا على كونه ناقضًا، كما تقدم في حديث
[ ٢٣٣ ]
صفوان بن عسّال المرادي ﵁ في قوله: [من بولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ] فدلّ على أن الغائط ناقض.
ومن النواقض التي تخرج من الدبر الريح، وقد دلّ على إعتباره ناقضًا دليل السنة، وهو ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: [لا يَقْبلُ الله صَلاةَ أحدِكمْ إذَا أحدثَ حَتّى يَتوضّأَ] فلما سئل أبو هريرة -﵁ وأرضاه- عن قول النبي -ﷺ- في هذا الحديث: [إِذَا أحدثَ] قال: (فساءٌ، أو ضُراطٌ) ففسره ﵁ بخروج الريح.
فقال العلماء: إن هذا يدلّ على أنّ الريح ناقض، وهذا بالإجماع على أنه إذا خرج الريح نقض لكن يُنتبه إلى مسألة، وهي أن المصنف ﵀ قال: ما خرج من سبيل؛ فالريح إنما يُعتبر ناقضًا إذا خرج حقيقة لا توهمًا، وظنًا، وفي ذلك مسائل منها: أنه لو أحسّ بحركةٍ في دبرِه، دون أن يسمع الصوت، أو يشمَّ الرائحة، فإنه يبقى على طهارته، ولو أحسّ بتحرك الدبرِ لما جاء عنه -﵊- أنّ الشيطان ينفخُ في مقعدةِ الرجل فيظنّ أن وضوءه إنتقض، وليس الأمر كذلك إنما يريد به أن يُلبس عليه في طهارته.
المسألة الثانية: أنه لو سمع الصوت، ولم يشم الرائحة حكم بإنتقاض الوضوء، ولو شمّ الرائحة، ولم يسمع الصوت حكم بإنتقاض الوضوء حتى، ولم يشعر بحركة الدبر في الصورتين؛ لأن النبي ﷺ جعل العبرة بأحدهما سماع الصوت، أو وجدان الرائحة.
المسألة الثالثة: أن العبرة في إِنتقاض الوضوء بالريح إنما هو إذا خرج فعلًا خلافًا لمن يقول إنه لو سمع الصوت من بطنه الذي هو صوت البطن يقولون
[ ٢٣٤ ]
يحكم بالانتقاض به، وهذا ضعيف؛ لأن العبرة بالخروج لا بوجود الصوت قبل المخرج، وبناءً على ذلك فلو سمع الأصوات في بطنه كأن يكون معه ما يسمى الآن في عرف الناس (الغازات) لو كان مبتلى بها، وسمع أصواتها في بطنه، فذلك لا يؤثر في الوضوء شيئًا ما لم يكن صوتًا من خارج، أو مصحوبًا بدليل من شمِّ الرائحة، وأما ما عدا ذلك فليس بناقض، ثم قول العلماء -رحمة الله عليهم- لا بد من سماع الصوت، أو شمِّ الرائحة يستوي فيه أن يكون وقع قبل الصلاة، أو أثناءها، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا للمالكية -رحمة الله عليهم- الذين يقولون: إنما تُعْمَل قاعدة " اليَقينُ لا يُزالُ بالشكِّ " في الريح إذا كان في الصلاة لورود الرواية مقيدة بالصلاة، وترجح مذهب الجمهور؛ لأنّ عبد الله بن زيد ﵁ كما في الصحيحين قال: شُكي للنبي -ﷺ- الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: [لا يَنْصرفْ حتّى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ رِيحًا] فهذا حكم مبني على الرجوع لليقين لقوله: [حتى يَسْمَع صَوْتًا، أو يَجد رِيحًا] فجعل الأمر راجعًا إلى أن يستيقن خروج الريح، فاستوى فيه أن يكون في الصلاة، أو خارجها، وكون السؤال ورد مقيدًا بالصلاة لأن البلوى فيها بالوسوسة أكثر؛ لأن الشيطان تشتدّ وسوسته فيها، وهذا لا يقتضي تخصيص الحكم بها لقوله: [حتّى يسمعَ صَوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا] فلما قال ﵊: [حتّى يسمعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا] فهمنا أن الأمر راجع إلى تيقن الخارج، فألغينا كونه في الصلاة، أو خارجها ما دام أنّ المهم أن يتيقن.
[ ٢٣٥ ]
وقد أجمع العلماء على أن الريح ناقض كما تقدم، والريح ليس بنجس، فلا يوجب غسل الثوب، والفرج وبهذا يفارق البول، والغائط، ونحوهما.
الخارج الثالث من الدبر: دم البواسير.
ودم البواسير يأتي على صور إن كانت جروحها على الحلقة نفسها، فهذا ليس بخارج لأنه ليس من الموضع، ويقع الخلاف فيه في مسألة، وهي إذا خرج الدم من غير القبل، والدبر هل ينقض الوضوء؟ -وسنبينها إن شاء الله- وأن الصحيح: أنها إذا كانت البواسير قروحها، أو دماميلها على الحلقة على أطرافها الخارجة أنه لا يوجب انتقاض الوضوء؛ لكن محل الإشكال إذا كانت من داخل، وينبعث دمها إلى خارج، وبناءً عليه إذا كانت على هذه الصورة فإنها تأخذ حكم دم الإستحاضة، فهي نجسة، وموجبة لإنتقاض الوضوء، فإن غلبت الإنسان حتى استرسلت معه في وقت الصلاة، فإنه يضع القطنة، ويغسل الموضع، ويتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، حكمها حكم دم الإستحاضة، ويخفّف عنه في طهارتها كالإستحاضة.
وأما إذا كانت يسيرة، ويمكن التحرز عنها فإنه يجب غسلها كالبول، والغائط سواء بسواء.
إذًا دم البواسير له حالتان:
الحالة الأولى: أن يشقّ بأن يسترسل، ويصبح نزفه آخذًا الوقت، أو أكثر الوقت، أو لا يتوقف بقدر ما يتمكن من الصلاة فحكمها: أنه إذا دخل
[ ٢٣٦ ]
عليه الوقت غسل الموضع، ثمّ شدّهُ بقطنة إذا أمكن كالمستحاضة، ثم صلى، ولو جرى معه الدم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
وأما الحالة الثانية: وهي أن يكون دم البواسير يخرج نزرًا قليلًا بحيث لو أنقى موضعه إِستقام له أن يصلى دون أن يخرج شيء، فهذا يجب عليه إنقاء الموضع، واللباس الذي يليه، ثم يتوضأ، ويصلي.
هذا بالنسبة لدم البواسير: يبقى النظر في الخارج من غير البول، والغائط، والريح، وهو الخارج غير المعتاد من دود، أو حصى فلو خرج من الدبر دود، أو حصى؛ فالقول فيه كالقول في القبل: أنه إذا صحبه بَلل حُكم بالانتقاض وإلا فلا.
قوله: [خَرَج]: الخروج ضد الدخول، ويرد السؤال تقييده بوصف الخروج ما ضابطه؟
الخروج يتحقق بمجاوزة حلقة الدبر بالنسبة لما يخرج من الدبر، أو يكون على الإحليل رأس مجرى الإحليل في الحشفة بالنسبة للقبل.
يتفرع على هذا مسائل منها: لو أن إنسانًا أحسّ أنه يريد البول، وهو في آخر الصلاة كأن يكون في التشهد فأمسك العضو، وقد احتقن مجرى البول حتى سلَّم، ثم خرج بعد سلامه صحّت صلاته، ولا عبرة بكونه في المجرى المقارب للمخرج.
_________________
(١) البقرة، آية: ٢٨٦.
[ ٢٣٧ ]
إذًا لا بد في الحكم بكون الوضوء منتقضًا أن يكون قد خرج من رأس العضو سواءً كان في الرجال، أو النساء.
قوله ﵀: [مِنْ سَبيلٍ]: السبيل هو الطريق، وقال بعض العلماء: إن هناك فرقًا بين السبيل، والطريق، فالسبيل بالنسبة للمعنويات كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١) أي: ضلالهم وبُعدُهم عن طاعة الله -﷿-، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢) أي: سبيل الخير قالوا: السبيل يختصّ بالمعنويات الذي هو الهداية، والضلال: تقول سبيلي طاعة الله -﷿- وسبيلي: اتباع الكتاب، والسُّنة هذا في المعنويات، وأما الطريق ففي المحسوسات، فلا يقال طريق للمعنويات، ولا يقال سبيل للمحسوسات إلا على سبيل التّجوز هذا قول بعض المفسرين يختاره في الفرق بين تعبير القرآن بالسبيل، وتعبيره بالطريق وأورد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ فاستعمل السبيل بمعنى الطريق، وعكسه في قوله سبحانه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ وأجابوا بحملهما على المجاز.
قوله ﵀: ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: للإنسان سبيلان: القبل، والدبر، وهذان السبيلان هما الأصل الذي عبّر العلماء بأن الخروج منه يوجب نقض الوضوء
_________________
(١) الأنعام، آية: ٥٥.
(٢) يوسف، آية: ١٠٨.
[ ٢٣٨ ]
قال ﵀: [وخَارجٌ من بقيةِ البَدنِ إِنْ كَانَ بَوْلًا، أو غَائِطًا] أي: وينقض الوضوء الخارج من غير السبيلين إن كان بولًا، أو غائطًا، وهذا يدل على أن البول، والغائط إذا خرجا من غير المخرج المعتاد نقضا الوضوء، فإذا فتحت فتحة عوضًا عن مخرج البول المعتاد، وخرج منها البول نقض، وهكذا الغائط، ولم يفصّل ﵀ في مكان المخرج؛ لأن العبرة عنده بالخارج، فيستوي أن تكون الفتحة فوق السرة أو تحتها لكن بشرط إنسداد الفتحة الأصلية، وقوله: [إن كان بولًا، أو غائطًا] تحقيق لنوعية الخارج، فإذا فتحت الفتحة، وخرج منها الخارج إن كان متغيرًا كالبول، والغائط نقض، ومفهومه: أنه إذا خرج الشراب، أو الطعام من بقية البدن، ولم تكن فيه صفات البول، والغائط لم ينقض، فلو فُتِحت له الفتحة وخرج الشراب منها على حاله كاللبن ليس فيه صفات البول لم ينقض، وهكذا لو خرج الطعام غير متغير لم ينقض الطهارة، وهذا كله راجع إلى أن أصحاب هذا المذهب مذهب الحنابلة أنهم يرون خروج النجس من أيِّ موضع من البدن ناقضًا.
دليلهم على ذلك قالوا: إنه ينزّل مَنْزِلة المستحاضةِ فإن المستحاضة خرج منها الدّم، وهو نجس من غير المجرى الذي هو مجرى البول فأوجب إنتقاض الوضوء، مع أنه من غير مجرى البول، وليس ذلك إلا لعلّة، وهي كونه نجسًا ففرّعوا عليه: أن كل خارج نجس من سائر البدن ينقض، وهذا فيه نظر: فإن دم الإستحاضة إجتمع فيه المخرج، والخارج المخرج الذى هو القبل، والخارج أي: كونه نجسًا، ولذلك نقول إنه إذا خرج من سائر
[ ٢٣٩ ]
البدن لم ينقض؛ لأنه لم يجتمع فيه الوصفان الموجبان لانتقاض الطهارة، وهما خروجه من المخرج، وكونه خارجًا نجسًا بل وُجد فيه وصف واحد وهو كونه خارجًا نجسًا، ولكنه ليس من الموضع هذا بالنسبة لمسألة أن كل خارج نجس من سائر البدن يوجب إنتقاض الوضوء.
من الأدلة على أنه لا ينقض الوضوء، وهو من أقواها حديث عباد بن بشر -﵁- لما قام على الشعب يحرسه، وجاءه السّهم العائِر فنزفَ، وهو يصلي، فلولا أنه خشي على صاحبه لما قطع صلاته، فأقرَّ على ذلك من النبي ﷺ، ولم ينكر عليه إستمراره في الصلاة، مع كون الخارج نجسًا، لأنه لم يخرج من المخرج المعتبر فلم يوجد فيه الوصفان الموجبان لانتقاض الطهارة، فدلّ على أن خروج الدّم من غير السبيلين لا يوجب إِنتقاض الوضوءِ.
قوله ﵀: [أو كَثيرًا نجسًا غَيْرهما]: غيرهما أي: غير البول، والغائط، وهو الدم مثلًا، والنّجس غير البول، والغائط يشمل أمثلة منها:
الدم، والقيح، والقيء، كلّ ذلك يعتبر نجسًا، ويعتبر من النّجس الخارج من غير السبيلين، وهو من غير البول، والغائط، وجميعها ناقضة للوضوء.
فأصحاب هذا القول ينظرون إلى صفة الخارج، لا إلى المخرج، ومن هنا قال ﵀: [منْ بَقِيةِ البَدنِ]، فمن قاء فقد إِنتقض وضوءه على هذا الأصل لأنه نجس خارج من البدن، ومن رعف انتقض وضوءه لأن الدم نجس فيوجب إِنتقاض الوضوء، وكذلك من خرج منه القيح؛ لأن القيح متولد من الدم، وما تولد من نجس فهو نجس والفَرْعُ يأخذُ حكمَ أصْلِه.
[ ٢٤٠ ]
هذه الأمور كلها إذا خرجت أوجبت انتقاض الوضوء على الأصل الذي قررناه من كون الخارج النجس يوجب انتقاض الوضوء، وقلنا إن الصحيح أن الخارج النجس لا يُعتبر ناقضًا للوضوء؛ إلا القيء ففيه تفصيل واستثناء ثبت به الدليل.
لكن هنا شرط ذكره المصنف عبّر عنه بقوله: [كثيرًا] فمفهوم قوله: [كثيرًا] أنه لو كان قليلًا، لا ينقض الوضوء.
وتفصيل ذلك: قالوا إذا خرج من الإنسان دم يسير؛ كالبثرة التي تسمى في عرف الناس اليوم بـ (الحبة) تكون على ظاهر الجسد فينزف الدم منها قليلًا، أو يعصرها فيُخرج دمها اليسير فإنه لا ينقض الوضوء، وأيضًا لو استاك فأدْمى لُثّته، فخرج دم قليل من طرف اللثة، أو جرح جرحًا صغيرًا وخرج دم يسير هذا كله لا ينقض الطهارة لكونه يسيرًا؛ لكن لو كان كثيرًا انتقض وضوءه، إذًا يفرقون بين القليل، والكثير من النجاسات الخارجة من غير السبيلين.
فيرد السؤال: ما هو الضابط الذي يفرق فيه بين القليل، والكثير عندهم؟
والجواب: أن لهم أقوالًا متعددة منها: ما اختاره غير واحد، ومنهم الإمام الموفق ابن قدامة ﵀ ونصّ عليه في المغني، والعمدة، وكذلك اختاره الزركشي من أئمة الحنابلة، وفقهائهم -رحمة الله عليهم-: أن الكثير ما لا يتفاحش في النفس أي الشيء الذي إذا رأيته لم تره كثيرًا هذا اليسير، وضدّه الكثير، وحينئذ يرد إشكال، وهو أن الناس يختلفون فلو قلنا بهذا الضابط، فكيف نقدَره بنظر الناس؟
[ ٢٤١ ]
والجواب: أن أصحاب هذا القول رجعوا إلى إعتبار أوساط الناس من عقلائهم قالوا: فيخرج الموسوس والقصّاب.
أما الموسوس: فلأن أقل شيء عنده كثير -نسأل الله السلامة والعافية- يستعظم كل شيء، فهذا لا يُعتبر تفاحش مثله مؤثرًا، وعليه أن يسأل من يثق به.
أما النوع الثاني: فالقصّاب، وهو الجزّار؛ لأنه يستهين بالدماء فالذي يتفاحش عنده شيء كثير، فهو معتاد على الدماء، فيخرج هذان النوعان القصاب، والموسوس، قالوا: فلا نلتفت لمن يُعظِّم الأمر، ولا لمن يُحقره؛ وإنما يُنظر إلى غالب الناس في أوساطهم.
ومنهم من يحدُّه بالقطرة، والقطرتين، ومنهم من اعتبر في القيء ما يملأ الفم فنقض به، دون ما لم يملؤه.
أما استثناء اليسير، وعدم نقض الطهارة به، فدليلهم عليه: أنه ثبت عن بعض الصحابة ﵃: أنهم عصروا البُثر، واغتفروا اليسير كما جاء عن عبد الله بن عباس -﵄-، وعبد الله بن عمر -﵄- فقد عصر إِبن عمر بثرةً، ثم صلّى، ولم ير بذلك بأسًا قالوا: فهذا يدل على أن القليل لا ينقض الطهارة.
قوله ﵀: [وزوالُ العَقْلِ] المراد به: ذهاب العقل، وبذهابه يزول الإدراك من الإنسان، فلا يعي الأمور، ولا يعلمها كما قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فبيّن سبحانه أن السكران لا يعلم ما يقول، وأن السكر موجب لزوال الإدراك بالأشياء،
[ ٢٤٢ ]
وإذا كان الإنسان متطهرًا، ومعه عقله إستطاع أن يعلم بخروج الخارج خاصة إذا كان من الريح، بعكس ما إذا زال فإنه قد يخرج منه الخارج ولا يعلم به، ومن هنا إعتبر الفقهاء ﵏ زوال العقل مظنةً للحدث بناء على اعتبار الشرع للنوم ناقضًا للوضوء كما سيأتي.
وزوال العقل يرجع إلى أربعة أسباب: النوم، الجنون، والإغماء، والسكر، وبيانها فيما يلي:
السبب الأول: النوم، وهو ناقض للوضوء في أصحّ أقوال العلماء ﵏، وقد بينتها في شرح البلوغ وأن الذي يترجح هو القول باعتباره ناقضًا إذا زال معه الشعور؛ لما ثبت في حديث صفوان بن عسّالٍ المُرادِي ﵁ قال: [أَمَرنا رسولُ الله ﷺ إِذَا كُنّا في سفرٍ ألا نَنْزعَ خِفَافَنا ثلاثةَ أيامٍ بِليَالِيهن من بولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ] فدلّ هذا الحديث الصحيح على أن النوم ناقض في الأصل حيث جعله كالبول، والغائط مساويًا لهما في نقض الطهارة لا من جهة دلالة الإقتران المجرّدة، بل بدلالتها المشاركة في الوصف، والحكم لأنه في سياق النص المبيّن للحدث، فدلّ على أن الأصل إعتباره ناقضًا، وكذلك حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: [العينان وِكَاءُ السَّهِ فإذا نامتِ العينانِ إستطلقَ الوِكَاءُ] ودلّ دلالة واضحة على أن العبرة في النوم بالشعور الذي يدرك معه الإنسان خروج الريح، فإذا غلبه النوم على ذلك نقض على ظاهر هذه السنة، ومن هنا فرّق بين النوم الذي يزول معه الشعور، وعكسه، وصارت هذه السنة أصلًا في نقض طهارة الوضوء بزوال الادراك والشعور بالخارج، وأكّد
[ ٢٤٣ ]
ذلك حديث إِبن عباس ﵄ في الصحيحين لما بات مع النبي ﷺ عند خالته ميمونة ﵂ قال: [ثمَّ نامَ النّبي ﷺ حتّى نَفَخَ] ثم ذكر إستيقاظه ووضوءه ثم صلاته بالليل، فدلّ على أن النوم ناقض لأنّ النبي ﷺ توضأ بعد إستيقاظه، ولم يذكر ابن عباس ﵄ أنه دخل الخلاء، ثمّ قوله ﵁: [حتى نَفَخَ] يؤكد أنّ النوم ناقض عند زوال الشعور بالخارج كما قدمنا، وإن كان النبي ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، ولكن هذا على سبيل التشريع لسائر الأمة.
السبب الثاني: الجُنون، وبه يزول العقل كلّية، وهو ناقض للوضوء بالإجماع كما حكاه الإمام ابن المنذر ﵀، وغيره، وإذا كانت الأدلة قد دلّت على إنتقاض الوضوء بالنوم فإنّ إنتقاضه بالجنون أولى وأحرى، فتكون قد نبّهت بالأدنى على ما هو أعلى، وأولى بالحكم منه.
السبب الثالث: الإغماء: وبه يزول الإدراك أيضًا، وكثيرًا ما يقع في حالات الصَّرع، وهو في حكم الجنون في كثير من مسائله، ولذلك حُكي الإجماع على إعتباره ناقضًا من نواقض الوضوء، ومستند هذا الإجماع دليل السنة في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في الصحيحين أن النبي ﷺ [لما مَرِضَ مَرَضَ الموتِ أراد الصلاة فأغْمي عليه، فاغتسل ليصلي، ثم أغمي عليه، فأفاق، فاغتسل] فدلّ على أن الإغماء ناقض للطهارة الصغرى، والكبرى.
[ ٢٤٤ ]
السبب الرابع من زوال العقل: السُّكر سواءً كان بسبب مباح، وهو أن يسكر على وجه يعذر به شرعًا مثل: أن يشرب شرابًا يظنه ماءً فيسكر، فإنه معذور في سكره للجهل، أو يسكر على وجه محرم شرعًا كأن يشرب المسكر، والمخدر، على وجه لا يعذر به شرعًا والعياذ بالله عالمًا به ففي كلتا الحالتين لو شرب ما يزيل عقله من المسكرات، والمخدرات -أعاذنا الله وإياكم منها- فإنه يحكم بانتقاض وضوئه على تفصيل حاصله أن السكر له ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: يسميها العلماء الهزة، والنشاط، والطرب، وهي أول ما يكون لمن شرب الخمر -والعياذ بالله-.
والمرتبة الثانية: أقصى درجات السكر، وهي أن يسقط كالمغشي عليه لا يعرف الأرض من السماء ولا يعي ما يقول، ولا ما يقال له كالمجنون.
والمرتبة الثالثة: وسط بين المرتبتين.
فاعلم -رحمك الله- أنه إذا كان السكران في بداية السكر، وهي الهزّة، والنشاط فإنّه مكلف إجماعًا؛ لأنه في حكم المستيقظ، فإذا فعل أيَّ فعل في بداية سكره عند هزته، ونشاطه فإنه يحكم بمؤاخذته؛ لأن الأصل فيه أنه مكلف حتي يؤثر فيه المؤثر، وهو هنا لم يبلغ الدرجة التي يؤثر فيه السكر فيها وكذلك الحال بالنسبة للطهارة فإنه باق على الأصل فيها في هذه المرتبة، ما دام أنه يشعر بالخارج.
[ ٢٤٥ ]
أما المرتبة الثانية: وهي أن يبلغ منه السكر غايته كأن يسقط كالمجنون فهذا لا يؤاخذ إجماعًا، وحكمها في الطهارة أنها موجبة لانتقاض الطهارتين الصغرى، والكبرى؛ لأنه كالمجنون.
وأما الحالة الثالثة: وهي المترددة بين الحالتين فهي التي فيها الخلاف بين العلماء في السكران هل هو مكلف، أو غير مكلف؟ وهي هنا توجب إنتقاض الطهارة، فإذا سكر -والعياذ بالله- المتوضيء فإنه يحكم بانتقاض وضوئه، ويلزمه أن يعيده على هذا التفصيل.
قوله ﵀: [إلا بيسيرَ نومٍ مِنْ قَاعدٍ]: استثنى المصنف ﵀ النائم إذا كان قاعدًا، فلم يحكم بانتقاض وضوئه لحديث أنس ﵁ في الصحيح قال: " كان الصّحابةُ ينتظرونَ العِشَاء حتى تَخْفِقَ رؤُوسُهم ثم يُصلون، ولا يَتوضّؤُون ".
وقوله ﵀: [أو قائم]: لأن اليسير من القائم في حكم اليسير من القاعد، لا فرق بينهما، وهذا مبني على الفرق في النوم بين اليسير، والكثير.
والذي يترجح في هذه المسألة أن العبرة بالشعور، سواء طال النوم، أو قصر لأن السنة في حديث علي ﵁ المتقدم دلت على أن سبب اعتبار النوم ناقضًا هو زوال الشعور، وهو ما يدل عليه النظر أيضًا لأن النوم ليس بحدث بذاته وإنما هو مظنة الحدث فاعتبر فيه الوصف المؤثر، وهو زوال الشعور بالخارج. ثم إن هذا القول تجتمع به الأحاديث المتعارضة كما بيناه
[ ٢٤٦ ]
في شرح البلوغ، وعليه فيستوي أن يكون قائمًا، أو قاعدًا المهم هو زوال الشعور.
قوله ﵀: [ومس ذكر متصل]: أي أن من نواقض الوضوء مسّ الذكرِ سواءً قصد الشهوة عند مسّه، أو لم يقصدها، وسواء وجد اللّذة، أو لم يجدها، فمن مسّ الذكر وجب عليه أن يعيد وضوءه لما ثبت في حديث بسرة بنت صفوان ﵂ عن النبي -ﷺ- أنه قال: [من مس ذكَرَه فَلا يُصلّي حتّى يتوضّأَ] وجه الدلالة من الحديث: أن النبي -ﷺ- أمر بالوضوء من مس الذكر مطلقًا.
وقال بعض العلماء: من مس ذكره فلا ينتقض وضوؤه لحديث قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي الحنفي -﵁- أنه أتى النبي -ﷺ-، وهو يبني المسجد، فسأله عن مسِّ الذكرِ؟ فقال ﵊: [وهَلْ هُو إِلا بضعةٌ مِنْك]. قالوا: إن هذا الحديث دلّ على أن مسّ الذكر لا يوجب إنتقاض الوضوء.
والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول بنقض الوضوء بمسِّ الذّكر لقوة دلالة السُّنة على ذلك، وأما حديث طلقٍ ﵁ فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنه منسوخ؛ لأن طلق بن علي الحنفي ﵁ قدم على النبي ﷺ عند بناء مسجده ﷺ في أول قدومه للمدينة، وسأله هذه المسألة؛ كما جاء في نفس الحديث، وحديث: [من مس ذَكرَه] رواه المتأخرون إسلامًا من الصحابة؛ كبُسرةَ بنت
[ ٢٤٧ ]
صفوان، وأبي هريرة رضي الله عن الجميع، وإذا تعارض حديثان: أحدهما: من رواية متأخر الإسلام، والآخر من رواية متقدمٍ في إسلامه، قدّمت رواية المتأخر في إسلامه، خاصّة، وأن حديث طلق ﵁ كان عند أول قدومه ﵊ للمدينة، فيكون بعد الهجرة مباشرة، وأبو هريرة ﵁ أسلم عام خيبر، وهذا يقوي القول بالنسخ كما إختاره بعض الأئمة، كابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والحازمي في كتابه الإعتبار، وغيرهم، وإذا لم يكن هذا المسلك صريحًا في إثبات النسخ إلا أنه يُقَوِّي مسلك الترجيح لحديث بسرة على حديث طلق ﵄.
ثم إن حديث بسرة ﵂ ناقل عن الأصل، لأنه أوجب الوضوء؛ بخلاف حديث طلق ﵁ حيث بقي على الأصل الموجب لعدم الإنتقاض، واختار جمع من علماء الأصول، والفقهاء أنه: إذا تعارض نصّان أحدهما: ناقل عن الأصل، والآخر: عكسه، فإنه يقدّم النّص النّاقل؛ لأن فيه زيادة علم، وحكم؛ فصار راجحًا على غيره.
الوجه الثاني: أن يجُمع بين حديث طلق بن علي ﵁، وبين حديث بسرة ﵂ فيكون سؤال طلق بن علي ﵁ عن مسّ الذكر من فوق الثوب، فقال له ﵊: [وهَلْ هُو إِلا بَضْعة مِنْك] أي: إذا مسسته بحائل فكأنك لمست يدًا، أو نحو ذلك من الأعضاء.
وأما إذا لمسه مباشرة فإنه يحُمل عليه حديث: [مَنْ مَسّ ذكرهُ فَلْيَتَوضّأ] وقد صحّح غير واحد من أهل العلم منهم الإمام أحمد، وأبو زرعة، حديث
[ ٢٤٨ ]
الأمر بالوضوء من مس الذكر، وصوّبه الإمام البخاري -﵀-، فلذلك يقوى الحكم بأن مسَّ الذكر يوجب انتقاض الوضوء.
إذا ثبت أن مس الذكر يوجب انتقاض الوضوء فيستوي في ذلك ما يلي:
أولًا: أن يكون بشهوة، أو بدون شهوة، ودليل ذلك عموم قوله: [مَنْ مَسّ] حيث لم يفرق بين قصد الشهوة، ووجودها، وعدم ذلك.
ثانيًا: أن من مسّ حلقة الدبر إنتقض وضوئه؛ وذلك لعموم قوله: [من مس فَرْجَه] في حديث أم حبيبة ﵂، والفرج يشمل القبل، والدبر.
ثالثًا: أنّ هذا الحكم يشمل المرأة، وذلك لقوله ﵊: [من مس فرجه]، فإن قوله: [مَنْ] من صيغ العموم عند الأصوليين تشمل الرجال، والنساء وقوله: [فرجه] يشمل عضو الرجل والمرأة قبلًا كان، أو دبرًا.
رابعًا: أن هذا الحكم يستوي فيه أن يمسّ فرجه، أو يمسّ فرج غيره، وكونه ﵊ يخصه بقوله: [فرجه] يكون مخرجًا على كونه خرج مخرج الغالب، فلا يعتبر مفهومه.
خامسًا: أنه عام يشمل الصغير، والكبير، فلو مسّت المرأة فرج صبيها، أو صبيتها انتقض وضوءها، وذلك لعموم الخبر من جهة المعنى.
سادسًا: أنه يَخْرج من هذا مسّ المنفصل فقال بعض العلماء: لو قُطِعَ العضو، فَمس؛ لم يأخذ الحكم.
[ ٢٤٩ ]
قوله ﵀: [بظهر كفِّه، أو بَطْنِه]: وهذا اختيار بعض العلماء، وخالفهم غيرهم فقال: إن العبرة بباطن الكف لقوله ﵊: [منْ أَفْضَى بِيده إلى ذَكرِه]؛ والإفضاء يكون بباطن الكف، لا بظاهرها، وفي قوله: [من أفضى] فيه إشعار بالقصد بخلاف ظاهر الكف الذي يقع فيه المكان من غير قصدٍ غالبًا.
قوله ﵀: [ولمْسُهُما منْ خُنثى مُشكِلٍ]: [ولمسهما]: أي لمس العضوين، وقوله: [من خُنثى مشكلِ] أي: يوجب انتقاض وضوء الخنثى مشكل إذا حصل منه مس العضوين وهكذا غيره إذا لمسهما من الخنثى المشكل لأن لمس أحدهما موجب للشك هل هو عضو زائد، أو حقيقي، فإذا لمس عضوي الذكورة، والأنوثة تحققنا من لمسه للفرج الأصلى فانتقض الوضوء.
قوله ﵀: [ولمس ذكرٍ ذكره، أو أنثى قبله] هذا راجع إلى الشخص الممسوس والأول راجع إلى الشخص اللامس.
[لشهوة فيهما]: سواءً مَسّ أو مُسّ؛ لكن هنا في الحالة الأخيرة قال: [لشهوة] فجعل الحكم مرتبطًا بالشهوة كما ذكرناه، فإن لم توجد الشهوة فإنه لا يحكم بالانتقاض بالنسبة للممسوس، وهذا بالنسبة للخنثى مبني على الشك فيه، فإن لمسه ذكر بشهوة انتقض الوضوء للمس في أصل مسألته، لأنه لمس لأنثى بشهوة، لأن الأصل في الخنثى أنه أنثى، وهكذا الحكم في لمس الأنثى لفرج الخنثى، لأنه مس لفرج الغير، واعتبرت الشهوة
[ ٢٥٠ ]
تقوية للحكم بالنقض في الصورة الثانية دون الأولى، لأن الأولى الشهوة فيها موجبة للنقض سواء مس الذكر الفرج، أو غيره.
قوله ﵀: [ومسه امرأة بشهوة]: معناه أن من نواقض الوضوء أن يمس الرجل المرأة بشهوة، وقد اختلف العلماء -﵏- في هذه المسألة: فمنهم من قال: لمس النساء كله ينقض الوضوء سواءً كانت محرمًا، أو غير محرم، وسواءً وجد الشهوة، أو لم يجدها، وهذا القول إِحتج أصحابه بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) قالوا: إن الله -﷿- حكم بانتقاض الوضوء بلمس النساء، حيث ذكره مع النواقض.
وقال طائفة من العلماء: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه كان يصلي بالليل، وعائشة -﵂- معترضة بين يديه قالت: [فإذَا سَجَدَ غَمَزَني]، ولما ثبت أيضًا في الحديث الصحيح أنها قالت: إفتقدت النبي -ﷺ- فجالت يَدي فوقعت على قدمه ساجدًا يقول: [يا مُقَلّبَ القُلوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ] قالوا: فهذا يدل على أن لمسها ولمسه لها لا يوجب إنتقاض الوضوء؛ ولأن النبي -ﷺ- حمل أمامة بنت أبىِ العاص في الصلاة قالوا: ولم ينتقض وضوءه، ولِمَا جاء عنه -﵊- من تقبيله بعضَ نسائه قبل خروجه إلى الصلاة كما في حديث عائشة ﵂ قالوا: فمجموع هذه النصوص يدلّ على أن لمسَ النّساء لا يوجب إنتقاض الوضوء.
_________________
(١) النساء، آية: ٤٣.
[ ٢٥١ ]
وجمع بعض العلماء بين القولين فقالوا: إن لمسَ النساء يُوجب إنتقاض الوضوء إذا وجد الشهوة، أو قصدها، ولا يوجب انتقاض الوضوء إذا لم يجد الشهوة، وحملوا قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجماع، والسياق، والسباق دال عليه، والقاعدة (أن السِّياق، والسِّباق محكم)، وسباق الآية، وسياقها يدل على أن المراد بـ ﴿لَامَسْتُمُ﴾ الجماع ثم زيادة المبنى في قوله: ﴿لَامَسْتُمُ﴾، والقاعدة: (أنّ زيادةَ المبْنى تَدُلُّ على زِيادَةِ المعْنَى)، والسُّنة تصرف ﴿لَامَسْتُمُ﴾ من ظاهرها إلى هذا المعنى الذي يقويه السياق والسباق مع قرينة اللغة كما ذكرنا.
وبناءً على ذلك قالوا: وجود الشهوة، والإحساس بها مظنّة الحدث أي ينزّل منزلة الحدث.
وفرَّع بعض العلماء على هذا تفريعات ولكن لا يقوى الدليل عليها كقول بعضهم: إن مجرد النظر إلى المرأة كزوجته لو نظر إليها بشهوة انتقض وضوءه بل قال بعضهم: بأن النظر إلى الأمرد بشهوة يوجب إِنتقاض الوضوء، والذي يقوى كما قدمنا أن العبرة بالحدث نفسه إلا ما استثناه النص من تنزيل المظنة منزلة الحدث كالنوم، وأما ما عداه فيبقى على الأصل لظاهر السُّنة في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ قال: [لا يَقْبلُ الله صَلاةَ أَحدِكُم إِذَا أَحْدَث حَتّى يَتوضّأَ] فنبقى على الأصل من طهارته، وأما مظنات الحدث الضعيفة لا يقوي اعتبارها.
قوله ﵀: [أو تمسُّه بها]: أي بشهوة فالضمير عائد إليها، فإذا مسته المرأة بشهوة فإنه يحكم بانتقاض وضوئها كالرجل.
[ ٢٥٢ ]
قوله ﵀: [ومسُّ حلقةِ دبرٍ]: لقوله -﵊- في حديث أم الؤمنين أم حبيبة ﵂: [من مسّ فَرْجَه] قالوا: دل على أن الدبر منزَّلٌ منزلة القبل، ولذلك يحكم بانتقاض الوضوء بمسه، وظاهر قولهم القبل، والدبر يختصّ بالآدمي فلو مسّ فرج حيوان؛ فإنه لا ينتقض وضوءه، وقال بعض السلف: إنه لو مس فرج بهيمة فإنه يحكم بانتقاض وضوئه؛ ولكنه مذهب ضعيف، والجماهير على أن مس الفرج يختصُّ بالآدمي دون غيره.
قوله ﵀: [لا مسّ شَعرٍ، وظُفْرٍ]: إذا قلنا إن مس المرأة يوجب انتقاض الوضوء فأعضاء المرأة تنقسم إلى قسمين عند العلماء:
الأول: ما هو متصل. والثاني: ما اختلف فيه هل هو في حكم المتصل، أو المنفصل.
فإذا تقرر أن اللمس يؤثر فلا إشكال في تأثيره في الأعضاء المتصلة كاليد، والصدر، والرِّجْل، ونحوها ولكن يرد السؤال: عن الأعضاء التي اختلف فيها كالشعر، والظفر؟
فقال بعض العلماء: شعر المرأة في حكم المنفصل، وليس في حكم المتصل، وهي قاعدة تكلم عليها الأئمة ومنهم الإمام ابن رجب في القواعد الفقهية تقريبًا الخامسة أو السادسة هل شعر الإنسان، والحيوان في حكم المتصل، أو المنفصل؟ وكذلك العظم؟ وجهان، ثم ذكرهما ﵀.
فإن قلنا: شعر الإنسان في حكم المتصل ينتقض الوضوء بلمسه، وإن قلت شعر الإنسان في حكم المنفصل فإنه لا ينتقض بلمسه الوضوء.
[ ٢٥٣ ]
وتتفرع على هذا مسائل:
منها: إن قلنا: شعر المرأة في حكم المنفصل فلو غطّت به وجهها في الإحرام وجبت عليها الفدية؛ لأنه منفصل عنها، وليس بمتصل، ويتفرع عليها إن قلنا إنه منفصل لو لمسه المتوضيء لا يحكم بانتقاضه لأنه في حكم المنفصل، أما لو قلنا إنه في حكم المتصل وسدلت شعرها على وجهها حتى غطته عن الشمس فإنه في حكم المتصل، ولا يوجب الفدية عليها، وإن قلت إنه في حكم المتصل، ولمسه الرّجل فإن اللمس يوجب إنتقاض الوضوء، فدرج المصنف ﵀ على أن الشعر في حكم المنفصل، وهو قول الجمهور ﵏ وليس في حكم المتصل، والدليل على ذلك النقل والعقل.
أما النقل: فإن الشعر إذا جزَّ من البهيمة، وهي حية فهو طاهر، وليس بنجس لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾، وقد أجمع العلماء ﵏ على أن ما أبِينَ من الحيّ فهو كميتتِهِ فلما أُبين الشعر، ولم يحكم الشرع بنجاسته بكونه كميتة البهيمة دل على أنه ليس من أجزائها المتصلة، بل هو في حكم المنفصل، بخلاف ما لو قطعنا يد البهيمة، أو رجلها فإنها بالإجماع نجسة كميتتها.
فدلّ هذا الدليل النقلى على أن الشعر في حكم المنفصل من الحيوان، لا في حكم المتصل.
وأما دليل العقل: فهو النظر حيث إن الشعر ليس فيه حياة روح، وألم وإنما فيه حياة النمو فقط، ولذلك لو أحرق طرف شعره لم يشعر بالألم، وهكذا إذا قصّه بخلاف بقيّة أعضاء البدن، وأجزائه.
[ ٢٥٤ ]
وبهذا يتقرر أن الشعر في حكم المنفصل، لا في حكم المتصل، فإذا قلنا: إن لمس المرأة ينقض الوضوء فلمس شعرها لم ينتقض وضوؤه على الصحيح، ومن فوائد ذلك أنه لو طَلقَ شعرها لم تطلق كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله ﵀: [وظُفُرٍ]: كذلك الظفر لأن كلًا من الشعر، والظفر الحياة فيهما حياة نمو، وليست بحياة روح؛ فلو أحرقت ظفرًا فإنه لا يسري الألم إلا بعد فترة فدلّ على أنه كالشعر ليست حياته حياة روح؛ ولكنها حياة نمو كالشعر، فلمسه من المرأة لا ينقض وضوء الرجل اللامس له.
قوله ﵀: [وأمردٍ]: معناه أن الأمرد إذا نظر إليه فإنه لا ينتقض وضوءه، وهذا أقوى من جهة الأصل لما ذكرنا أن الأصل طهارة الناظر حتى يدل الدليل على إنتقاضها، ولا دليل على ذلك، ومحل الخلاف إذا نظر إليه بشهوة أما إذا لم يكن بشهوة فلا ينقض إجماعًا، وكلهم متفقون على حرمة النظر إلى المردان بالشهوة، والخلاف في إنتقاض الوضوء، وعدمه، والجماهير على عدم الانتقاض بالنظر إليه بشهوة.
قوله ﵀: [ولا مع حائل]: أي أن من شرط نقض الوضوء باللمس أن لا يكون هناك حائل بين بشرة المرأة، وبشرة الرجل اللامس، فإذا وجد حائل فإنه لا ينتقض الوضوء، وضبط بعضهم الحائل بما لا تنتقل معه حرارة البدن.
قوله ﵀: [ولا ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة]: أي أن النقض يختص باللامس دون الملموس فالمرأة على هذا لا ينتقض وضوؤها إذا لمسها
[ ٢٥٥ ]
الرجل، وقوله (ولو) إشارة إلى وجود القول المخالف، وهو الذي يقول بنقض وضوء الملموس بشرط أن تجد المرأة الملموسة الشهوة.
قوله ﵀: [وينقض غسل ميت]: أي وينقض الوضوء غسل الميت؛ فمن غسّل ميتًا فإنه ينتقض وضوءه، وفيه حديث السنن عند البيهقي والدارقطني بسند ضعيف، ولا يصح فيه حديث كما قاله الإمام أحمد، وغيره من أئمة الجرح، والتعديل، وقد ذكرنا هذه المسألة في شرح بلوغ المرام وذكرنا الكلام في هذا الحديث، وأن الذي يترجح هو القول بعدم إنتقاض الوضوء، وأنه يبقى على الأصل من كونه طاهرًا لما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا يَقْبلُ الله صلاةَ أَحدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حتى يَتوضَّأَ]؛ وتغسيل الميت ليس بحدث، وليس في معنى الحدث لعدم ثبوت النصّ بانتقاض الوضوء به.
قوله ﵀: [وأكلُ اللحْمِ خاصةً من الجَزُور]: كان في أول الإسلام إذا أكل الإنسان اللحم وجب عليه أن يتوضأ لقوله ﵊: [تَوضّئوا مما مَسّتِ النّار] فأمر بالوضوء من كل شيء طُبِخَ في النار، ثم نسخ ذلك، وبقى في الجزور لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -ﷺ- قيل له: أنتَوضّأُ من لحومِ الغَنمِ؟ قال: " إنْ شئت " قيل له: أنتوضّأُ من لحومِ الإِبلِ؟ قال: " نعم " فنصّ -﵊- على وجوب الوضوء من لحوم الإبل، دون غيرها.
وذهب طائفة من العلماء إلى أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل منسوخ، وهو مذهب مرجوح، واحتجوا له بحديث جابر ﵁ قال: [كانَ آخرُ
[ ٢٥٦ ]
الأمرينِ مِنْ رسولِ الله -ﷺ- تركُ الوضوءِ مما مسّتِ النارُ] وهذا الحديث الذي ذكروا أنه ناسخ فيه علّة أشار إليها ابن أبي حاتم -رحمة الله عليه- في كتابه العلل في الجزء الثاني وهي: أن هذا الحديث أصله أن النبي -ﷺ- أكل كَتِفَ شاةٍ، ثم صلّى، ولم يتوضّأ، فرواه الرّاوي بالمعنى فعمّم، وإلا فهو خاصُّ بالغنم، فلا يقوى على معارضة النصِّ الصريح المتقدم، ولذلك يبقى الحكم أن من أكل لحم الجزور يجب عليه أن يعيد الوضوء.
ويرد السؤال: هل إذا شرب لبن الجزور يجب عليه أن يعيد وضوءه؟
الجواب: لا، وحديث الأمر بالوضوء من لبن الجزور ضعيف.
واختلف في الكبد والسنام؟
فقال بعض العلماء: إنه يتوضأ منها؛ لأن ذكر اللحم خرج مخرج الغالب، فلم يعتبر مفهومه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فقوله: ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ لا مفهوم له؛ لأن الخنزير كلّه حرام لحمه، وشحمه، كذا هنا فالسائل سأل عن الغالب، مع أن النصّ إذا ورد في جواب السؤال لم يعتبر مفهومه أيضًا، وقيل: إنه لا يتوضأ منها وهو أقوى من جهة النص فإن السؤال ورد على النبي -ﷺ- أنتوضأ من لحوم الإبل؟ فنص على اللحوم، ولم يذكر الكبد، ولا بقية أجزاء الإبل كالسنام ونحوه فإنه ليس بلحم؛ وإنما هو شحم فمن أكل سنام البعير لا يدخل في هذا الحكم، وهكذا من شرب لبن الإبل فإنه لا يحكم بانتقاض وضوءه؛ لأن الأصل الطهارة حتى
[ ٢٥٧ ]
يدل الدليل على انتقاضها ولا دليل، والدليل إنما ورد في اللحم فيبقى الحكم مقصورًا عليه.
وهنا مسألة وهي قول بعض العلماء: يجب الوضوء من لحوم الإبل؛ لأن فيها زهومة، وقوة، فلو أكل لحم السباع وجب عليه أن يتوضأ؛ لأن فيها ما في الإبل من القوة.
وقد يرد السؤال: كيف يأكل لحم السبع، وقد حرم النبي -ﷺ- أكل كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؟
والجواب: تتأتى صورة المسألة فيما لو كان الإنسان في مخمصة فاضطر إلى أكل لحم أسد أو سبع وكان متوضئًا قبل ذلك فحينئذٍ يرد السؤال: هل انتقض وضوءه كالحال في لحم الإبل، أو لم ينتقض؟
وأصح الأقوال: أنه لا ينتقض وضوؤه لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم.
قوله ﵀: [وكُلُّ ما أَوْجَب غُسْلًا أَوجَبَ وضُوءًَا إِلا الموتَ]: هذا قول بعض العلماء أن إنتقاض الطهارة الكبرى يوجب انتقاض الطهارة الصغرى، ومن ذلك خروج المني يوجب انتقاض الوضوء، وهكذا لو جامع أهله إنتقض وضوءه فكلُّ ما أوجب الطهارة الكبرى يوجب الطهارة الصغرى، وبناءً على ذلك قالوا: يجب عليه الوضوء من موجبات الغسل إلا الموت فإنه لا يوجب الوضوء فإذا مات الميت لا يجب أن يُوضّأ لما ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال في الرجل الذي وقصته دابته: [إِغْسِلُوه بِمَاءٍ، وسِدْرٍ، وكفّنُوه في ثَوبيهِ، فإنه يُبْعثُ يومَ القِيَامةِ مُلَبّيًا] قالوا: فدل هذا
[ ٢٥٨ ]
على أنه لا يجب على الميت أن يُوضّأ، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -ﷺ- قال في غسل إِبنته زينب ﵂: [ابدأْنَ بِمَيامِنهَا، وبِأعْضَاءِ الوُضُوءِ مِنْها] وهذا يدل على الاستحباب لا على الحتم، والإيجاب بقرينة البداءة بالميامن إذ لو كان الوضوء واجبًا لقدّمه على ذكر الميامن، ولقال: (إِبْدأنَ بِأَعْضَاءِ الوضُوءِ مِنْها، وبمَيامِنها) لأن الواجب مقدم بحكم الشرع على ما دونه.
قوله ﵀: [ومَنْ تَيقّنَ الطّهارةَ، وشَكَّ في الحَدَثِ، أو بالعَكْسِ بَنَى عَلى اليَقِينِ]: بعد أن بيّن ﵀ أنواع الأحداث الموجبة لإنتقاض الطهارة شرع في مسألة مهمة تعمّ بها البلوى، وهي مسألة الشكّ في الطهارة، والحدث، فقال ﵀: [ومنْ تَيقّنَ الطّهارةَ، وشكَّ في الحَدثِ] اليقين هو أحد مراتب العلم الأربعة وهي: اليقينُ، والظنُ، والشَّكُ، والوهْمُ، فاليقين: هو أعلى مراتب العلم، ثمّ يليه الظنُ، ثم الشَّكُ، ثم الوهْمُ، فالوهم: بداية العلم بالشيء قدّروه من ١% إلى ٤٩% فهو الظنُّ المرجوح يقابل الظنَّ الرَّاجح، وأما الشك: فهو إستواء الإحتمالين، ومقدّر بـ ٥٠% وحدها؛ لأنها الدرجة التي تستوي فيها النِّسْبَتان، وأما الظنُ فهو أرجح الإحتمالين، ولذلك يُعبِّرُ عنه البعضُ بغالب الظنِ، وقدّروه من ٥١% إلى ٩٩%، وأما اليقين: فهو تمام العلم بالشيء، وكماله بحيث لا يكون معه أيُّ إحتمال معارض، وهو في نسبة التمام ١٠٠%.
وعلى هذا فإن الإنسان إذا كان متطهرًا، وشكَّ في خروج الريح منه، أو شكّ هل قضى حاجته بعد هذا الوضوء، فيكون محدثًا فإننا نقول له: إِعْمَلْ
[ ٢٥٩ ]
باليقين، وهو الطّهارة، وألغ الشك وهو الحدث، واحكم بكونك طاهرًا حتى تستيقن أنك أحدثت، وكذلك العكس، فلو أنه أحدث، ثمّ شَكّ هل توضأ بعد حدثه، أو لا؟ فإننا نقول له: أَعمل اليَقِينَ، وهو الحدث وأَلغِ الشَّكَ وهو الطهارة، واحكم بأنك ما زلت محدثًا حتى تستيقن أنك توضأت.
ودليل هذا الحكم: حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شُكي إلى النبي ﷺ الرجلُ يُخيَّل إليه أنه يَجدُ الشّيءَ في الصّلاةِ؟ أي: شكا أصحاب النبي -ﷺ- إلى النبي -ﷺ- أن الرجل إذا قام يُصلّي خُيل إليه أَنّ الريحَ قد خرجت، فانتقض وضُوؤه فقال ﵊: [لا يَنْصرفْ حتّى يسمعَ صَوْتًا، أو يجدَ رِيحًا] فمن رحمة الله -﷿- بالعباد أنه قطع الوساوس، والشكوك، ولو فُتح باب الوسوسة، والشك لتعذّب الناسُ، ولحصل بهم من الضرر ما الله به عليم، فلو أن الإنسان بمجرد الوسوسة ينتقض وضوءه لما استطاع أحد أن يصلي؛ لأنه بمجرد أن يتطهر يتسلّطُ عليه الشيطان بوساوسه، ولذلك جزم الشرع باعتبار الأصل، وألغى الشك، وإنبنت على هذا قاعدة مشهورة عند أهل العلم، وهي إحدى قواعد الفقه الخمسة، وهي قولهم: " اليقينُ لا يُزَالُ بِالشّكِ " والتي من فروعها قولهم: " الأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلى مَا كَانَ " فالأصل أنك متوضئ، وشككت في الحدث، فالأصل بقاء الوضوء على ما كان عليه، فتقول: أنا متوضئ حتى استيقن انتقاض الوضوء، والعكس بالعكس، فلو أن إنسانًا قضى حاجته قبل صلاة المغرب مثلًا، وشكَّ هل توضأ بعد ما قضى حاجته، أو لم يتوضأ؟
[ ٢٦٠ ]
فإننا نقول: اليقين أنه محدثٌ، والشّكُ أنه مُتوضّئٌ فيطالب بفعل الوضوء؛ لأن اليقين فيه أنه محدثٌ، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
وهنا مسألة: وهي أننا عرفنا أنه لو تيقن الوضوء وشك في الحدث فإنه يحكم بكونه متوضئًا ولو تيقن الحدث وشك في الوضوء فإنه يحكم بكونه محدثًا، فلو أن إنسانًا قال لك: أنا متأكد أنني توضأت ومتأكد أنني أحدثت ولكن لا أدري أيهما السابق؟ فما الحكم؟
والجواب: أننا نطالبه بالتذكر قبل الحدث، والوضوء فإذا تذكر شيئًا جزم بعكسه، فنقول له: ما الذي تتذكر قبلهما؟ قال: أتذكر أنني قضيت الحاجة، فنقول: إذًا تيقنا حدثًا قبل الاثنين، وتيقنا بعد ذلك الحدث طهارة فأنت على يقين من كونك متطهرًا، حتى نجزم بأن الحدث المصاحب لاحقٌ غير سابقٍ، والواقع أننا لا نعلم حاله فنبقى على اليقين الموجب للحكم بالطهارة، ونلغي ذلك الحدث المصاحب لها لأنه لم يثِبت تأثيره في تلك الطهارة لإحتمال أنه تكرر حدثه قبل طهارته المستيقنة.
هذا معنى قول العلماء ﵏ في هذه المسألة: يؤمرُ بالتّذكر قبل الحدث، والطهارة، ويأخذ بالعكس ولو قال: أتذكر قبلهما وضوءًا، وطهارة أيضًا أي: أنا على يقين أنني قبل الظهر قضيت الحاجة، وتوضأت ولا أدري السابق، وعلى يقين أنني توضأت للضحى، وأنني أحدثت، ولكن لا أدري أقبل صلاة الضحى، أو بعد صلاة الضحى؛ تقول بنفس الحكم يؤمر بالتذكر قبل الاثنين أي قبل الشك الأول، وقبل الشك الثاني ثم يؤخذ بالمثل فلو قال: عند شروق الشمس كنت على طهارة صلاة الفجر، وصليت
[ ٢٦١ ]
ركعتي الإشراق فنقول: قد تيقنت بعد ذلك الوضوء حدثًا، وهو الحدث الأول، وتيقنت طهارة في الحدث الثاني، وشككت في تأثير الحدث عليه إذًا فأنت الآن متطهر، ومن ثم قالوا: في الأوتار يحكم بالعكس، وفي الأشفاع يحكم بالمثل يعني يؤمر بالتذكر فإن كانت الحالات شفعية يُؤخَذُ بالمثل، وإن كانت وترية يُؤخَذ بالعكس، فهذا هو معنى قوله ﵀:
[فإن تَيقنَهما، وجهلَ السابقَ، فهو بضدِّ حاله قَبلَهما]: لأن الحالة وترية فيأخذ بضدها كما سبق بيانه.
قوله ﵀: [ويَحرُم على المُحدثِ مسُّ المُصْحَفِ، والصلاةُ، والطّوافُ]: شرع ﵀ في هذه الجملة في بيان موانع الحدث الأصغر فقال: [ويَحْرمُ على المحدثِ مس المُصْحفِ]، وهو القرآن فلا يجوز له مسّه، ولا حمله، ولا فتحه دليل ذلك ظاهر القرآن على أحد القولين في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) وإن كان الصحيح أن المراد به: اللوح المحفوظ، وأنه لا يمسّه إلا الملائكة لكي ينفي الله -جل وعلا- تسلّط الشياطين على الوحي كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٢) فالآية الصحيح أنها محمولة على اللوح المحفوظ؛ لكن فيها وجه عند أهل العلم بحملها على المصحف، وعليه فاستدلوا به على حرمة مسِّ المحدث للقرآن.
_________________
(١) الواقعة: آية: ٧٩.
(٢) الشعراء، آية: ٢١٠ - ٢١١.
[ ٢٦٢ ]
أما الدليل الثاني: فحديث عمرو بن حزم، وهو حديث تلقته الأمة بالقبول كما صرح بذلك الأئمة كالحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، وغيرهم ﵏، وهو كتاب النبي -ﷺ- لأهل اليمن وفيه: [أَنْ لا يمس القرآنَ إلا طاهر] وقوله: [إلا طَاهِر] أي متوضئ، فدل على إشتراط الطهارة لمس المصحف، وقد اعترض على هذا الإستدلال بأن قوله: [إلا طاهر] يعنى به المسلم أي: أنه مسلم، وليس بمشرك، وهذا الإعتراض مردود، لأنهم فهموا من قول النبي ﷺ: [إن المؤمن لا ينجس] أن الكافر هو النجس، فهو الذي يوصف بكونه غير متطهر، فيكون قوله: [إلا طاهِر] المراد به تحريم مسِّ الكافر للقرآن، وهذا غير صحيح، لأن الشرع دلّ على وصف المسلم بكونه على غير طهارة كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقوله ﵊ لأم سلمة ﵂: [ثم تُفيضينَ الماء على جَسدك فإذَا أَنتِ قَدْ طَهرت]، وهذان النصان يدلان على أن الطهارة منتفية عن الجنب المسلم، وأنه بفعلها صار متطهرًا، فدل على جواز وصفه بكونه على غير طهارة، وأن نفي الطهارة وإثباتها جائز في حقِّ المسلم، وقد جاء هذا صريحًا في قوله ﵊: [إِني كُنْتُ عَلى غيرِ طَهارة] فإذا تبين أنه لا تلازم بين الوصف بالنجاسة، والوصف بغير الطهارة، وعليه فيكون الإعتراض على حديثنا بحديث أبي هريرة مردودًا بثبوت السنة بجواز وصف المسلم بكونه على غير طهارة، فيكون قوله: [إلا طاهر] المراد به المسلم المتطهر، دون من كان عليه حدث.
[ ٢٦٣ ]
الدليل الثالث: ما روى مالكٌ في الموطأ: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان إبنهُ يقرأ عليه القرآنَ، والمصحف بين يديه، قال ابنه: فتَحكّكتُ فقال لي أبي: (لعلّك لمَسْتَ أي: لمَستَ ذَكَركَ؟ قال: نعم. قال: قم فتوضأ) فدل على أنه كان معروفًا ومعهودًا عند الصحابة ﵃ أن مس المصحف لا يكون إلا للمتوضِّئ؛ لأنه كان يقرأ، والمصحف بين يديه، فهذا يدلّ على أن هدي الصحابة -رضوان الله عليهم-، والسلف الصالح الأمر بالوضوء لمس الصحف.
قوله ﵀: [والصّلاةُ]: أي: ويحرم على المحدث الصلاة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فأمر الله بالوضوء للصلاة، وفرضه على عباده فدل على عدم جواز الصلاة بدونه، ولأن النبي -ﷺ- قال كما في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁: [لا يَقْبلُ الله صَلاةَ أحَدِكُم إِذَا أَحْدَثَ حَتّى يَتوضأ]، وهذا التحريم عام لجميع الصلوات فريضة كانت، أو نافلة، لقوله ﵊ في حديث علي ﵁ الصحيح: [مِفْتَاحُ الصلاةِ الطُهُور] فدلّ على أن الصلاة لا تجوز بغير طهارة، وهو عام في جميع الصلوات، فريضة كانت، أو نافلة.
قوله ﵀: [والطَّوافُ] بالبيت أي ويحرم على المحدث أن يطوف بالبيت؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -ﷺ- قال: [الطوافُ بالبيْتِ صَلاةٌ] فأعطاه حكم الصلاة، فدلّ على أنه يجب له الوضوء، وهذا هو
[ ٢٦٤ ]
مذهب جمهور العلماء أن الطواف بالبيت تُشترط له الطهارة؛ لأن النبي -ﷺ- نزّله منزلة الصلاة، فيؤمر بالوضوء له؛ كما يؤمر للصلاة.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا تشترط الطهارة للطواف، وهو مذهب مرجوح.
ومن الأدلة على اشتراط الطهارة ما ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال لعائشة ﵂ لما حاضت: [إِصنَعِي مَا يَصْنَعُ الحاجُّ غَير أَنْ لا تَطُوفِي بِالبيْتِ] فحرم عليها أن تطوف، وأمرها أن تغيّر نسكها من التمتع إلى القران بسبب وجود الحدث المانع من صحة الطواف، وهذا يدلُّ على أنّ الطواف بالبيت تُشْترط له الطهارة، ولأن النبي ﷺ ما طاف بالبيت إلا متوضّئًا، كما ثبت في صفة طوافه في حديث جابرٍ، وعائشةَ ﵄، والله تعالى أعلم.
[ ٢٦٥ ]