أي بالشروط اللغوية كقوله لزوجته " إن دخلت الدار فأنت طالق " والشرط هنا ينقسم إلى قسمين:
شرط محض: وهو الذي يقصد المشترط فيه إيقاع الطلاق مع حصوله - أي مع حصول هذا الشرط -، فإذا قال لزوجته " إن جاء رمضان فأنت طالق " أو قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " فهده شروط محضة يقصد بها إيقاع الطلاق متى حصل الشرط، وفي البخاري معلقًا: أن ابن عمر سأله نافع عن رجل قال لامرأته " أنت طالق البته إن دخلت الدار " فقال: إن دخلت الدار فهي بائن.
الشرط الذي لا يقصد معه إيقاع الطلاق وإنما يقصد معه الحض أو المنع لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما، كأن يقول لامرأته " إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق " وهو لا يقصد إيقاع الطلاق بل يقصد منعها من الخروج، أو يقول الآخر " إن لم تدخل في داري فامرأتي طالق " أو يقول " إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق " ونحو ذلك مما يقصد معه الحض أو المنع وهو ما يسمى بالحلف بالطلاق، فليس المقصود بالحلف بالطلاق أن يقول " والطلاق " بل المقصود أن تكون الجملة التي فيها تعليق الطلاق بمعنى اليمين، فإذا قال للرجل " إن لم تدخل الدار فامرأتي طالق " كأنه قال " والله لأطلقن امرأتي إن لم تدخل الدار ".
فجمهور أهل العلم أنه يقع الطلاق فيها إذا وقع الشرط وذلك لحصول الشرط الذي علق الطلاق به.
وذهب أهل الظاهر وهو قول طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية واختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الطلاق لا يقع وأنها يمين ويكفرها، واستدلوا بما يأتي:
[ ٢٤ / ١ ]
أن هذه الألفاظ أيمان باتفاق أهل اللغة، وعليه عرف الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام، وعليه فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وفي قوله - ﷺ -: (إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) .
أن العبرة بالنيات والمقاصد لا بالألفاظ، فالأحكام لا تترتب على الألفاظ إلا إذا كان المتكلم قاصدًا المعنى وهنا ليس الأمر كذلك فهو لا يقصد الطلاق وإنما يقصد الحث والمنع.
ويستدل على هذا بالقصة التي رواها البيهقي وغيره عن أبي رافع؛ أن مولاته قالت له " أنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية وعبيدي كلهم أحرار ومالي كله في سبيل الله وأمشي على قدمي إلى بيت الله إن لم تطلق امرأتك " فسأل ابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة فكلهم قال " تكفر عن يمينها "، فإذا كان هذا في في العتق وفي النفقة وفي الصدقة المستحبة التي يتشوف الشارع إليها إذا كان هذا في ذكره فأولى أن يكون في الطلاق الذي يبغضه الشارع، وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته.
قوله: [لا يصح إلا من زوج]
لا يصح الطلاق المعلق إلا من زوج، فلو قال " إن تزوجت فلانة فهي طالق " فلا تطلق عليه عند جماهير أهل العلم، لقول النبي - ﷺ - فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك) وهي أجنبية عنه، وقال تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾، فرتب الطلاق على النكاح فلا طلاق قبل نكاح.
قوله: [فإذا علقه بشرطٍ لم تطلق قبله]
هذا ظاهر، فإذا قال " إن خرجت الدار فأنت طالق "، لم تطلق قبله لعدم حصول الشرط الذي قد علق الطلاق به.
قوله: [ولو قال: عجلته]
[ ٢٤ / ٢ ]
إذا قال لامرأته " أنت طالق إن جاء شهر رمضان " ثم قال " عجلته " أي عجلت الطلاق المعلق، فهنا لا ينفعه هذا فلا يمكنه أن يعجله بل يقع في الوقت الذي قد شرطه فيه، قالوا؛ لأنه ليس له من سبيل إلى ذلك فهو معلق بزمن مستقبل فلم يكن إليه من سبيل لا بتصريح ولا بتأخير، وعليه فإذا أراد أن يطلقها طلاقًا آخر فإنه يطلقها حينئذٍ فإن كانت في عصمته في رمضان طلقت طلاقًا آخر هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وهذا هو مذهب جمهور أصحاب الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام " وفي ذكر جمهور الأصحاب نظر وذلك أنه يملك تعجيل الدين ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد في الجملة سواء في شرع أو شرط "، وفيما قاله ﵀ قوة والله أعلم.
قوله: [وإن قال سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال]
إذا قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم قال " سبق لساني بالشرط، إذن هو يريد أن يوقعه فإنه يقع في الحال لأنه أقره على نفسه بما هوأغلظ.
قوله: [وإن قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمتِ لم يقبل حكمًا]
إذا قال " أنت طالق " ثم قال " أردت إن قمت " فإن هذا لا يقبل في الحكم لأن هذا خلاف الظاهر، فقوله " أنت طالق " هذا يدل على أنه أراد الطلاق المنجز وكونه يقول " أردت إن قمت " هذا يجعله طلاقًا معلقًا وهذا خلاف الظاهر المتقدم والحكم إنما يتعلق بظاهر الألفاظ، وأما في الباطن فإنه يدين بنيته فيما بينه وبين ربه.
قوله: [وأدوات الشرط إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما، وهي وحدها للتكرار]
فالأدوات المتقدمة لا تفيد التكرار سوى " كلما ".
قوله: [وكلها ومهما بلا لم أو نية فورٍ أو قرينته للتراخي]
الأدوات المتقدمة وكذلك مهما إذا لم تقترن بها " لم " ولم تقترن بها نية الفورية أو قرينة الفورية فإنها تفيد التراخي.
قوله: [ومع لم للفور]
[ ٢٤ / ٣ ]
فإذا اقترنت بهذه الأدوات " لم " فإنها تفيد الفورية إلا بقرينة تدل على التراخي، كأن يقول " إذا لم تفعلي كذا فأنت طالق " أو " متى لم تفعلي كذا " أو " أي وقت لم تفعلي كذا " أو " كلما لم تفعلي كذا فأنت طالق " فهي تفيد الفورية.
قوله: [إلا إن مع عدم نية فورٍ أو قرينةٍ]
"إن" إذا اقترنت بها " لم " فإنها لا تفيد الفورية، مع عدم نية الفور أو القرينة.
قوله: [فإذا قال: إن قمت أو إذا أو متى أو أي وقتٍ أو من قامت، أو كلما قمت فأنت طالقٌ فمتى وجد طلقت]
فمتى وجد القيام فإنها تطلق في أي يوم وفي أي ساعة.
قوله: [وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما]
إذا قال " إن قمتِ فأنت طالق " فقامت فإنها تطلق، فإن قامت مرة أخرى فإنها لا تطلق فإن هذه الأدوات لا تفيد التكرار بخلاف " كلما "، فإذا قال " كلما قمت فأنت طالق " فإذا قامت فإنها تطلق فإذا راجعها ثم قامت مرة أخرى فإنها تطلق لأن كلما تفيد التكرار، وقال شيخ الإسلام لاتطلق إلا واحدة وهو الراجح كما تقدم.
قوله: [وإن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتًا ولم تقم قرينة بفور ولم يطلقها طلقت في آخر حياة أولهما موتًا]
إذا قال لامرأته " إن لم أطلقك فأنت طالق " ولم ينو الفور ولم تقم قرينة على الفورية ولم يطلقها، فإنها تطلق في آخر حياة أولهما موتًا، لأن هذه الأداة للتراخي، فإذا مات أحدهما علمنا الحنث.
قوله: [ومتى لم أو إذا لم أو أي وقتٍ لم أطلقك فأنت طالق ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل طلقت]
إذا قال لامرأته " متى لم أطلقك فأنت طالق " أو إذا لم أطلقك فأنت طالق " أو " أي وقت لم أطلقك فأنت طالق " فهذه الأدوات تفيد الفورية لاقتران " لم " بها فإذا قال ما تقدم ومضى وقت يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت.
قوله: [وكلما لم أطلقك فأنت طالق ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثًا وتبين غيرها بالأولى]
[ ٢٤ / ٤ ]
فإذا قال " كلما لم أطلقك فأنت طالق " ومضى زمن يمكن إيقاع ثلاث طلقات مرتبة فيه فإنها تبين به المدخول بها لأنه يكون بذلك قد وقع عليها الطلاق ثلاثًا، وأما غير المدخول بها فإنها تبين بطلقة ويكون طلاقًا بائنًا بطلقة.
قوله: [وإن قمت فقعدتِ، أو ثم قعدت أو إن قعدت إذا قمت أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد]
إذا علق طلاقه على شرطين مرتبين فلا يقع الطلاق إلا بهذين الشرطين مرتبين، فإذا قال لها " إن قمت فقعدت فأنت طالق " فإذا قامت فقعدت فإنها تطلق، وإذا قال لها " إن قمت ثم قعدتِ فأنت طالق " فإنها تطلق إذا قامت ثم قعدت " لأنه قد شرط شرطين مرتبين فلا تطلق إلا بقعود مسبوق بقيام.
قوله: [وبالواو تطلق بوجودها، ولو غير مرتبين]
إذا قال " إن قعدت وقمت فأنت طالق " فلا يشترط الترتيب بل يكتفي بالجمع، لأن الواو لا تفيد الترتيب، فإذا قال لها " إن خرجت من الدار وذهبت إلى السوق فأنت طالق " فخرجت من الدار لكنها لم تذهب إلى السوق، فلا يقع الطلاق حتى يجتمع المتعاطفان بالواو.
قوله: [وبأو بوجود أحدهما]
إذا قال إن خرجت من الدار إلى السوق أو إلى أهلك فأنت طالق " فخرجت من الدار إلى أهلها أو خرجت من الدار إلى السوق فإنها تطلق بأحدهما لأن " أو " تفيد ذلك، وما تقدم ذكره حيث كان بدلالة اللغة وأما العامة فإنه يحكم عليهم بما تقتضيه ألفاظهم عرفًا.
فصل
قوله: [إذا قال: إن حضت فأنت طالقٌ طلقت بأول حيضٍ متيقن]
وذلك لوجود الصفة المشروطة، أما إذا كان حيضًا مشكوكًا فيه فلا، لأن الأصل بقاء عصمة النكاح، فالنكاح هو المتيقن فلا يزول بالشك.
قوله: [وإذا حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضةٍ كاملة]
[ ٢٤ / ٥ ]
إذا قال لها " إن حضت حيضة فأنت طالق " فهنا علق الطلاق بحيضة كاملة فإذا حاضت مرة واحدة فإنها تطلق وهذا إنما يكون بأول الطهر، فأول طهرها يتم لها حيضة كاملة، فإن قال لها وهي حائض " إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق " فإنها لا تطلق حتى تطهر من حيضها التي هي فيه، فإذا طهرت منه فحاضت حيضة كاملة فإنها تطلق بأول الطهر.
قوله: [وفي إذا حِضتِ نصف حيضةٍ تطلق في نصف عادتها]
إذا قال لها " إن حضت نصف حيضة فأنت طالق " فإنها تطلق في نصف عادتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فإذا تم اليوم الثالث فإنها تطلق، وعليه فلا يُعلم نصف العادة حتى يمضي الحيض كله وذلك لأن العادة قد تطول وقد تقصر.
والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن المرأة يقبل قولها في الحيض فإذا قالت " إني قد حضت حيضة" فإن قولها يقبل، وقال بعض الحنابلة لا يقبل إلا بيمين لإحتمال كذبها، وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو أرجح الأقوال الثلاثة " أنها تعطى خرقة فتضعها في فرجها، فتعطيها بعض النساء الثقات قطنة أو نحوها فتضعها في فرجها " وذلك لأنه يمكن أن يعلم الحيض من غير جهتها فلم يقبل فيه القول المجرد، فالقول المجرد إنما يقبل حيث لا يمكن أن يعلم إلا من جهة الشخص وأما إذا كان يمكن العلم به من غير جهته فإنه لا يقبل قوله وهنا يمكن أن يعلم الحيض الذي ادعته وأنكره الرجل، يمكن أن يعلم من غير جهتها، بخلاف ما لو قال لها " إن كنت تبغضيني فأنت طالق " فقالت المرأة " إني أبغضك " فإنه يقع الطلاق لأنه أمر قلبي ولا يطلع عليه غيرها فإن قولها يصدق لأنه لا يعلم إلا من جهتها.
فصل
قوله: [إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف]
[ ٢٤ / ٦ ]
إذا قال " إن كنت حاملًا فأنت طالق " فولدت لأقل من ستة أشهر سواء كان الزوج يطأ أو لا يطأ فحينئذٍ يعلم أنها حامل لأنها لما ولدت لأقل من ستة أشهر علمنا قطعًا أنها حامل حين حلفه، سواء كان يطأها أو لا يطأها وعليه فإنها تطلق، وإذا ولدت لأقل من أربع سنين وهو لا يطأها فنقطع أنها حامل وهذا هو أكثر مدة الحمل في المذهب وعليه فتطلق، وقد تقدم أن المدة القصوى للحمل غير محددة كما في كتاب الفرائض فإذا أتت به وهي فراشٌ لزوجها ولا يطأها ولو كان بعد أكثر من أربع سنين فهو ابنٌ له، وعليه فتكون حاملًا عند قوله المتقدم وإن أتت به لأكثر من أربعة سنين.
فإن وطيء بعد الحلف وولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه لم تطلق لإمكان أن يكون الحمل من الوطء بعد الحلف والأصل بقاء عصمة النكاح.
قوله: [وإن قال: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق]
إذا قال " إن لم تكوني حاملًا الآن فأنت طالق " وهي عكس المسألة السابقة.
قوله: [حرم وطئها قبل استبرائها بحيضة في البائن]
فهذا الحكم للمسألتين كلتيهما فإنه يحرم عليه الوطء حتى يستبريئها بحيضة، أي حتى تثبت براءة الرحم من الحمل بحيضة واحدة فإذا حاضت فإنه يعلم أنها ليست بحامل في المسألة الأولى فلا تكون طالقًا، وعنه وهو ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحرم في المسألة الأولى وطؤها عقيب اليمين ما لم يظهر بها حمل وفي المسألة الثانية يعلم أنها ليست بحامل فتكون طالقًا لكن هذا في البائن فهي التي يحرم وطئها،ن لكن لو كان طلاقًا رجعيًا فله أن يطأ لأن الرجل لا يمنع من وطء امرأته في الطلاق الرجعي.
قوله: [وهي عكس الأولى في الأحكام]
وهذا ظاهر فالحالة الأولى إثبات والمسألة الثانية نفي فعكس الأحكام المتقدمة في المسألة الأولى يثبت عكسها في المسألة الثانية فماذا قلنا في المسألة الأولى يقع الطلاق فنقول في المسألة الثانية لا يقع الطلاق.
[ ٢٤ / ٧ ]
قوله: [وإن علق طلقة إن كانت حاملًا بذكر وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثًا]
إذا قال لامرأته " إن كنت حاملًا بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملًا بأنثى فأنت طالق طلقتين " فولدتهما طلقت ثلاثًا لوجود الصيغتين اللتين وقع عليهما الطلقات ويأتي ما في هذه المسألة من النظر في آخر هذا الدرس.
قوله: [وإن كان مكانه إن كان حملُك أو ما في بطنك لم تطلق بهما]
إذا قال لها مكان قوله إن كنت حاملًا قال " إن كان حملك " أو قال " إن كان ما في بطنك " فإنها لا تطلق إن ولدتهما وذلك لأن قوله هنا " حملك " وقوله " ما في بطنك" ظاهره الحصر بأن يكون ذكرًا أو أنثى وهو هنا بعضه ذكرٌ وبعضه أنثى، وعليه فلا يقع الطلاق.
فصل
قوله: [إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين على الولادة بأنثى فولدت ذكرًا ثم أنثى حيًا أو ميتًا، طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به]
في المسألة المتقدمة منها تعليق الطلاق على الحمل وأما هنا فهو تعليق له على الولادة، فإذا قال لامرأته " إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين " فولدت ذكرًا ثم ولدت أنثى حيًا كان المولود أو ميتًا طلقت بالأول منها سواءً كان ذكرًا أو أنثى، فإن كان ذكرًا فإنها تطلق طلقة وإن كان أنثى فإنها تطلق طلقتين فإذا ولدت ذكرًا فإنها تكون قد طلقت طلقةً، فلما أتت بالثاني فإنها لا تطلق بالثاني لكنها تبين به، لأنها بالثاني تكون قد وضعت حملها والمرأة إذا وضعت حملها فقد خرجت من عدتها وإذا خرجت من عدتها فهي بائن منه.
قوله: [وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة]
فإذا أشكل كيفية وضعهما فلا يدري آلذكر سابقٌ أم الأنثى فواحدة، وذلك لأن الأصل بقاء النكاح والطلقة الثانية مشكوك فيها وعليه فتبين بواحدة.
فصل
قوله: [إذا علقه على الطلاق، ثم علقه على القيام، أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق فقامت طلقت طلقتين فيهما]
[ ٢٤ / ٨ ]
إذا قال لامرأته " إن طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن قمت فأنت طالق " فقامت طلقت طلقتين، الطلقة الأولى بقيامها والطلقة الثانية بطلاقها.
وقوله " أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق "؛ إذا قال لها إن قمت فأنت طالق " ثم قال " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " فقامت فإنه يقع لها الطلاق المعلق الأول، وبوقوعه عليها يقع الطلاق الثاني.
قوله: [وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة]
هذه بعكس المسألة الأولى، فإذا علقه على قيامها ثم على طلاقها، فالفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الأولى؛ أن المسألة الثالثة هي عكس الأولى، والفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الثانية أن المسألة الثانية فيها وقوع الطلاق فإنه قال في المسألة الثانية " ثم علقه على وقوع الطلاق "، أما في المسألة الثالثة فإنه قال " ثم علقه على طلاقها "، وفرق بين قوله " إن طلقت فأنت طالق " وبين قوله " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " والمسألة الثالثة هي إذا قال لامرأته " إن قمتِ فأنت طالق " ثم قال بعد ذلك " إن طلقتك فأنت طالق " فإذا قامت فلا يقع عليها إلا طلاق واحدًا، لأن قوله " إن طلقتك فأنت طالق " يقع الطلاق ليس منه إنما بالشرط الذي قد وقع فهو طلاق معلق بخلاف ما إذا علقه على وقوع الطلاق فإنه متى ما قلنا بوقوع الطلاق فحينئذٍ يحصل الشرط.
قوله: [وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فوجدا طلقت في الأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثًا]
إذا قال " كلما طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " أنت طالق " فحينئذٍ يقع الطلقة الأولى وهي قوله " أنت طالق " ويقع الطلاق المعلق فيكون عليها طلقتان لكن لو قال " كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق" فالثانية طلقة واقعة عليها فتقع بها ثالثة.
مسألة:
[ ٢٤ / ٩ ]
وهي تسمى بالسرجية؛ نسبة إلى ابن سُريج الشافعي، وهي فيما إذا قال الرجل لامرأته " إن وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا " قال ابن سريج الشافعي " وهو قول محدث في الإسلام " كما قال شيخ الإسلام " قال لا يقع شيء "، لأن قوله " أنت طالق " مسبوق بثلاث وعليه فهو طلاق منفي وليس بشيء لأنه طلقة رابعة والطلقة الرابعة ليست بشيء، وما دام أنها ليست بشيء فكذلك ما قبلها، وهو قوله " فأنت طالق قبله ثلاثًا " أي كذلك الذي علقت عليه ليس بشيء فما دام منفيًا فلا يمكن أن يثبت ما يترتب عليه، هذا هو قول ابن سريج وهو كما تقدم قول محدث في الإسلام.
[ ٢٤ / ١٠ ]
وقال الحنابلة؛ يقع الطلاق ثلاثًا، فقوله " أنت طالق " يقع طلقة، وقد قال " إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا " فنختار من هذه الثلاث اثنتين فتكون طالقًا ثلاث، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن عقيل من الحنابلة " أنها لا تطلق إلا واحدة في قوله أنت طالق "، وأما قوله " فأنت طالق قبله ثلاثًا " فعلى القول بصحة طلاق الثلاث بكلمة واحدة، وقد تقدم أن شيخ الإسلام لا يختار هذا القول وعليه فما نذكره هو دليل ابن عقيل فعلى القول بصحة طلاق الثلاث يكون من الطلاق الماضي والطلاق في المضي لا يقع، فالراجح أنه تقع عليها طلقة واحدة، وفي قول المؤلف " إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى "، إن ولدتهما فإنها تطلق ثلاثًا كما تقدم تقريره وكذلك في الحمل، وهذا فيه نظر، فإن مراده في الغالب الحمل الواحد والولادة الواحدة، إذ الأصل أن يكون حملًا واحدًا وأن تكون الولادة ولادة واحدة، وعليه فيقع على ما نواه، وهو رواية عن الإمام واختاره شيخ الإسلام، فإذا قال الرجل لامرأته " إن كنت حاملًا بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملًا بأنثى فأنت طالق طلقتين " فتبين أنها حامل بذكر وأنثى جميعًا فإن هذا ليس مراده بل مراده حيث كان الحمل منفردأ أي منفردًا بالذكورية أو منفردًا بالأنثوية والأمر لم يكن كذلك وهو حمل كلامه على الأصل ونّوعه هنا بالذكورية والأنثوية وعلق على هذا التنويع لأن الأصل هو هذا التنويع، وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة.
فصل
قوله: [إذا قال: إذا حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، ثم قال: أنت طالق إن قمت طلقت في الحال]
تقدم معنى الحلف بالطلاق عند الفقهاء وأن معناه تعليق الطلاق بشيء للحض والمنع فإذا قال " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق " قم قال " أنت طالق إن قمت "، فقوله هنا " أنت طالق إن قمت " هذا حلفٌ بالطلاق فتطلق في الحال وذلك لوجود الصفة.
[ ٢٤ / ١١ ]
قوله: [لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه لأنه شرطٌ لا حلف]
إذا قال لها " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق "، ثم قال بعد ذلك " إن طلعت الشمس فأنت طالق " فلا تطلق عليه في الحال وذلك لأن قوله " إن طلعت الشمس فأنت طالق " ليس حلفًا بل هو شرط محض لأن المكلف لا يقصد بمثله الحض أو المنع وهذا ظاهر، وقد تقدم الفرق بين الحلف والشرط وأن عرف الفقهاء على ذلك كما تقدم نقله عن شيخ الإسلام.
قوله: [وإن حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، أو إن كلمتك فأنت طالقٌ وأعاده مرةً أخرى طلقت مرة]
إذا قال لامرأته " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " ثم قال " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقةً واحدة وذلك لوجود الصفة وهي الحلف بالطلاق، وإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقة واحدة، وذلك لأن قوله " إن كلمتك فأنت طالق " كلام وقد علق طلاقها بكلام وهذا كلام فيقع الطلاق به.
قوله: [ومرتين فثنتان وثلاثًا فثلاثٌ]
إذا قال لها " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " ثم قال " وإن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت واحدة، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثانية، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثالثة، لوجود الصفة المعلق عليها الطلاق في كل مرة، هذا ما لم يقصد إفهامها أو التأكيد، أما إذا قصد إفهامها أو التأكيد فإنه لا يقع إلا في الأولى، فإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " طلقت واحدة، فإن قال لها ذلك مرة أخرى وقصد إفهامها أو التأكيد فإنها لا يقع عليه طلقة أخرى لأنه لا يقصد الطلاق وإنما يقصد إفهامها قوله أو يقصد التأكيد.
فصل
قوله: [إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو قال: تنحي أو اسكتي طلقت]
فتتحققي؛ أي تحققي قولي وأنتهي له.
[ ٢٤ / ١٢ ]
إذا قال لزوجته " إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو اسكتي أو تنحي " فإنها تطلق لأنه قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " فتحققي " أو " اسكتي " وهذا كلام فالصفة قد وجدت وعليه فالطلاق واقع، وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقًا سواء أراد إفهامها أو أراد الابتداء بالكلام وهذا فيه نظر ظاهر، ولذا اختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة، فإذا قال " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال " اسكتي " وأراد بذلك منعها من الكلام ولم يرد بذلك ابتداء كلام يقع به الطلاق، فإن الطلاق لا يقع، وأما إن كان يريد ابتداء كلام يقع به الطلاق فإن الطلاق يقع والراجح هو ما ذكره ابن القيم لأن هذا هو مقصود الحالف فمقصود الحالف أن يتكلم بكلام في مجلس آخر وأما أن يقصد أن ذلك يدخل بمجرد الكلام ولو كان يريد به التأكيد أو الإفهام أو نحو ذلك وهو احتمال في المغني وصوبه صاحب الأنصاف.
قوله: [وإن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر، انحلت يمينه]
إذا قال لزوجته " إن بدأتك بكلام فأنت طالق " فقالت له امرأته " إن بدأتك بالكلام فعبدي حر " فإن يمينه تنحل فلا حنث عليه وذلك لأنها بدأته بالكلام، فإذا تكلم معها فلا يكون مبتدءًا الكلام.
قوله: [ما لم ينو عدم البداءةِ في مجلس آخر]
فإذا كان لا يريد ما يقع بينه وبينها من نقاش وجدال أو نحو ذلك في ذلك المجلس بل يريد ما يكون بعد ذلك، فإن كان هذا مرداه ومقصوده فإنه يحنث إن بدأها بالكلام وإن قالت له ما تقدم، لأنه ينوي مجلسًا آخر ووقتًا آخر.
[ ٢٤ / ١٣ ]
والقول الثاني في المسألة وهو احتمالٌ للموفق ابن قدامة، وقال صاحب الإنصاف في هذا القول " وهو قوي جدًا " وهو كما قال، هذا القول مبني على أنه يريد بذلك وقتًا آخر وعليه فلا يحنث إلا أن يبدأها بالكلام في وقت آخر لأن هذا هو مراده، فالرجل إذا قال لامرأته " إن بدأتك بالكلام فأنت طالق " فإنه لا يريد ما يقع من الكلام في المجلس الذي وقع فيه الحلف بل يريد وقتًا آخر، وعليه فإذا بدأها في وقت آخر بالكلام فإن الطلاق يقع، ولا عبرة بإجابتها إياه في المجلس الذي وقع فيه الحلف لأن الحالف بمثل هذا إنما يريد وقتًا آخر، هذا هو الجاري في العرف وهذا هو الغالب في إرادة المتكلمين.
فصل
قوله: [إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني أو حتى آذن لك، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير أذني فأنت طالق]
هنا قد علق الطلاق بالخروج من البيت بلا إذن، فالوصف الذي علق عليه الطلاق هو الخروج بلا إذن إلا ما استثنى، كأن يقول لها " إن خرجت من الدار إلا لأهلك فأنت طالق.
قوله: [فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه]
أي قالت له مرة " استأذنك بالخروج إلى السوق مثلًا " فقال لها " قد أذنت لك" فخرجت إلى السوق ثم خرجت بغير إذنه خروجًا آخر فإن الطلاق يقع لوجود الصفة.
قوله: [أو أذن لها ولم تعلم]
أي أخبر أباها أو أمها أو أحد أبنائها أنه أذن لها لكن هذا الإذن لم ينقل إليها فخرجت عاصيةً له فإن الطلاق يقع وذلك لوجود الصفة وهي الخروج بلا إذن، والأذن إنما يكون إذنًا حيث أعلم به المأذون له فلا إذن إلا بإعلام، فالإذن في اللغة هو الإعلام ومنه سمي الأذن إذنًا لما فيه من الإعلام، والوجه الثاني في المذهب لا تطلق والأول هو الراجح.
قوله: [أو خرجت تريد الحمام وغيره]
فإذا قال لها " إن خرجت بلا إذن فأنت طالق إلا إلى أهلك "، فخرجت إلى أهلها وإلى غيرهم، فإنها تطلق وذلك لوجود الصفة.
قوله: [وعدلت منه إلى غيره]
[ ٢٤ / ١٤ ]
ففي المثال السابق، أنها خرجت إلى أهلها لكنها عدلت عن أهلها إلى غيرهم فإن الطلاق يقع لأنه خروج غير مأذون به فوجدت الصفة التي علق الطلاق عليها.
إذن؛ إذا جمعت بين مأذون به وغير مأذون به فإنها تطلق.
قوله: [طلقت في الكل]
وذلك لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها.
قوله: [لا إن أذن فيه كلما شاءت]
إذا قال الرجل لامرأته: " إن خرجت يومًا من الدهر بلا إذني فأنت طالق " فما هو المخرج من ذلك؟
المخرج أن يقول لها: " أذنت لك في الخروج كلما شئت ".
قوله: [أو قال: إلا بإذن زيدٍ فمات زيدٌ ثم خرجت]
إذا قال لها: " لا تخرجي إلا بإذن والدك وإن خرجت بغير إذنه فأنت طالق " فمات والدها فخرجت فلا طلاق، وذلك لأن الميت لا إذن له، ولأن هذا معلوم من حلفه فإنه إنما أراد حيث كان له إذنٌ وأما الميت فلا إذن له.
فصل
قوله: [إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى]
إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت " فإنها لا تطلق حتى تشاء أي حتى تشاء بلسانها فتقول شئت ذلك، أما مشيئة القلب فلا عبرة بها وذلك لأن ما في القلب لا يعلق به حكم حتى يعبر عنه باللسان.
" ولو تراخى " فلو قالت بعد يوم أو شهر أو سنة قالت: " شئت " فإنها تطلق عليه، فمتى قالت شئت فإنها تطلق عليه ولو كان ذلك مع التراخي كسائر التعاليق، فكما أنه إذا قال لها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق " فليس له الرجوع فكذلك: " أنت طالق إن شئت ".
وقال الشافعية: بل هو على الفور، وذلك لأنه تمليك للطلاق فأشبه ما لو قال لها: "اختاري " وقد تقدم أنه إذا قال لها: " اختاري " فإن الخيار يثبت لها في المجلس، والراجح هو القول الأول.
[ ٢٤ / ١٥ ]
والجواب عن الثاني، أن الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: " اختاري " ظاهر، فإن قوله: " أنت طالق إن شئت " من باب الشروط، وقوله: " اختاري " من باب الخيار، والخيار على الفور، ولا يصح رجوعه كبقية التعاليق وعنه يصح كاختاري.
قوله: [فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق]
إذا قالت له: " شئت إن شئتَ " فهنا شرطت مشيئته وشرط المشيئة ليس بمشيئة فلا تكون طالقًا، فهي لم تقل: " شئت " لكنها علقت مشيئتها بمشيئته فهذا شرط وليس بمشيئة وعليه فلا طلاق.
قوله: [وإن قال: إن شئتِ وشاء أبوكِ أو زيدٍ لم يقع حتى يشاءآ معًا، وإن شاء أحدهما فلا]
إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو شاء زيد " فشاءت ولم يشأ زيد فلا طلاق لعدم وجود الصفة وهي مشيئتهما جميعًا، أو قال لها: " إن شئتِ وشاء أبوكِ " لم تطلق حتى يشاءا معًا ولو تراخى أحدهما فالمشيئة ثابتة.
قوله: [وأنت طالق أو عبدي حرٌ إن شاء الله وقعا]
إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن شاء الله " أو قال: " عبدي حر إن شاء الله " فإن زوجته تطلق وعبده يعتق، قالوا:؛ لأنه قد علقه إلى ما لا سبيل إلى علمه وهي مشيئة الله فأشبه تعليقه على المستحيل.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن الطلاق لا يقع، قالوا: لأنه علقه على صفةٍ لا يعلم وجودها، فهو لا يعلم هل شاء الله ﷿ الطلاق أم لم يشأه.
[ ٢٤ / ١٦ ]
وفصل شيخ الإسلام تفصيلًا حسنًا في هذه المسألة فقال: إن كان تعليقًا فلا يقع، وإن كان تحقيقًا أو تأكيدًا فإنه يقع، فإذا قال ذلك تعليقًا أي علقه على مشيئة الله المستقبلة فلا تطلق عليه لأن الله لا يشاؤه في الواقع وقوعًا حتى يتكلم به هذا المكلف، فلا يقال إن الله شاء الطلاق لفلانة من فلان إلا أن يكون قد وقع وحدث، وعليه فإذا قال لها "أنت طالق إن شاء الله " فلا تطلق حتى يقول لها بعد ذلك: " أنت طالق "، وأما إن كان تحقيقًا أو تأكيدًا بمعنى قال: " إن شاء الله" يحقق قوله أي قد وقع قوله وشاءه الله ﷿ فهذا هو التحقيق، أو تأكيدًا كأن يقول: " إن شاء الله " مؤكدًا للطلاق مثبتًا له وهذا تفصيل جيد في المسألة.
أما لو قال: " أنت طالق إلاّ أن يشاء الله " فإنها تطلق وذلك لأن قوله: " أنت طالق إن شاء الله " جملة فيها إثبات الطلاق ووقوعه، وفيها تعليق رفعه على مشيئة الله فقوله: " إلا أن يشاء الله " تعليق لرفع الطلاق على مشيئة الله ومشيئة الله ليست بمعلومة.
قوله: [وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت]
إذا قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " فإنها تطلق بذلك، وهذا تفريعٌ عن المسألة السابقة، ما لم ينو الاستثناء للفعل وهو دخولها فإنها لا تطلق وذلك لأنها إن دخلت فيعلم أن الله ﷿ قد شاءه ويكون هذا التعليق كالتعليق على اليمين، كما قال - ﷺ -: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وهو حديث صحيح، فإذن إن قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " إن كانت المشيئة للفعل المحلوف عليه فلا تطلق إن دخلت، لأن دخولها بمشيئة الله المعلق عليها، وكل يمين علقت بمشيئة فلا حنث فيها للحديث المتقدم بخلاف ما إذا كان التعليق للطلاق.
قوله: [وأنت طالق لرضا زيدٍ أو لمشيئته طلقت في الحال]
[ ٢٤ / ١٧ ]
لأن معنى كلامه " أنت طالق لكون زيد رضى ذلك " و" أنت طالق لكون زيد يشاء ذلك " فإنها تطلق في الحال كما تقدم، ومعنى كلامه " وقد اوقعت عليك الطلاق لأن أمك تشاء ذلك أو لأن أباك يشاء ذلك.
قوله: [فإن قال: أردت الشرط، قُبل حكمًا]
أي أردت " أنت طالق إن رضي زيد " أو " أنت طالق إن شاء زيدٌ " فإنه يقبل في الحكم الظاهر، لأن لفظه يحتمل.
وعن الإمام أحمد وهو أحد الوجهين عند الشافعية: أنه لا يقبل في الحكم، وهو الأرجح لأنه يخالف ظاهر قوله فإذا قال: " أنت طالق لرضا أبيك " فإنها تطلق لأن ظاهر لفظه " أنت طالق لكون أبيك يرضى ذلك " فإذا ادعى أنه أراد الشرط فإن هذا الإدعاء يخالفه الظاهر، والإدعاء الذي يخالفه الظاهر لا يقبل في الحكم وأما كونه يدين فيما بينه وبين ربه فهذا ظاهر.
قوله: [وأنت طالقٌ إن رأيت الهلال، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها]
إذا قال لها: " إن رأيت الهلال فأنت طالق " فتقول ما الذي تنويه؟
فإن قال: " نويت أنها طالق إن رأته بعينها " فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا عاينته ببصرها، وهنا لفظه يحتمل ذلك، وإن قال: " لم أرد معاينتها بل أريد رؤية الهلال فتطلق بغروب الشمس حيث رأى الهلال غيرها، كما أنها تطلق بتمام الشهر ثلاثين وذلك لأن تمام الشهر ثلاثين في حكم رؤية الهلال شرعًا.
فصل
قوله: [وإن حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب أو لا يلبس ثوبًا من غزلها فلبس ثوبًا فيه منه أولا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث]
طاق الباب؛ هو أي ما عطف من الابنية أي جانباه للباب.
[ ٢٤ / ١٨ ]
فلا يحنث في هذه المسائل كلها وذلك لأن فعل البعض ليس كفعل الكل، والحلف إنما هو عن الامتناع عن فعل الكل وليس فعل البعض كفعل الكل، ولذا كان النبي - ﷺ - يخرج رأسه وهو معتكف لعائشة فترجله ولم يكن رسول الله - ﷺ - يخرج من معتكفه وليس هذا في حكم الخروج من المعتكف، لكن لو قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا النهر " فقطعًا لا يريد كله ولا يمكن أن تصرف اليمين إلى ذلك، فإذا شرب بعضه فإنه يحنث لأنه يمتنع إرادة الكل فتصرف يمينه على إرادة البعض، ومبنى الأيمان على نية الحالف، فلو أنه قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا الإناء " وهو ينوي بعضه، فشرب البعض فإنه يحنث فإن الأيمان مبناها على النية، فالأحكام المتقدمة إنما ينظر فيها باعتبار الألفاظ أما لو نوى خلاف ظاهر لفظه فإن الأيمان مبناها على النية.
قوله: [وإن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا حِنث في طلاق وعتاقٍ فقط]
إذا قال: " إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق " أو قال: " إن فعلتِ كذا فأنت طالق " ففعل هو أو فعلت هي نسيانًا، أو كان ذلك عن جهل كأن تكون هي لم تعلم باليمين ففعلت ما فعلت، وإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فنسيت فخرجت، أو قال لأحدٍ من الناس: " إن خرجت امرأتي من الدار فهي طالق " فخرجت من غير أن تعلم بيمينه.
قال الحنابلة: يثبت الحنث وذلك لأن يمين الطلاق ويمين العتاق فيها حق آدمي ولا فرق فيها بين تعمد ولا خطأ ولا نسيان، ويعذر عندهم المكره والنائم والمغمى عليه.
[ ٢٤ / ١٩ ]
وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وممن اختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الأيمان كلها لا حنث فيها مع الجهل والنسيان، وكذا لو عقدها يظن صدقَ نفسه فبان خلاف ذلك أو لقصد الإكرام، قال شيخ الإسلام: "من حلف بالطلاق كاذبًا يعلم كذب نفسه لم تطلق "، وكذا من فعله متأولًا تقليدًا لمن أفتاه أو فعل محلوفًا معتقدًا زوال النكاح ونحو ذلك.
واستدلوا بقوله تعالى ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾، وبقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وبقول النبي - ﷺ -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
قالوا: وهذه أدلة عامة ليس فيها استثناء.
وقالوا: ولأن حقيقة الحنث هو مخالفة اليمين، والمخالفة إنما تكون مع التعمد، وأما مع عدم التعمد، وعدم القصد فإنه ليس ثمت مخالفة، ولأن مقصود الحالف عدم المخالفة وإذا خولف أو خالف هو نسيانًا أو خطأً فإن مقصوده لا ينتقض، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فذهبتِ إلى السوق فأنت طالق " وهو يريد ألا تخالفه وألا تعصيه فإنها إذا فعلت ذلك نسيانًا أو خطأً فإنها لا تعد عاصية ولا مخالفة لأن العصيان إنما يكون مع التعمد وهذا هو الراجح في هذه المسألة، أما إذا فعل ما حلف عليه مكرهًا فقال الحنابلة: لا يحنث وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فأخرجت كرهًا فإنها لا تطلق وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل وكذلك النائم والمغمى عليه لزوال العقل بعذر، فإذا فعلت ذلك نائمةً أو مغمى عليها فإن الحنث لا يقع كما هو المشهور في المذهب، وكذا لو عقدها يظن صدق نفسه أو للإكرام أو كاذبًا فلا طلاق ولا كفارة.
قوله: [وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه]
[ ٢٤ / ٢٠ ]
إذا قال: " إن دخلتُ الدارَ فزوجتي طالق " فدخل بعض بدنه إلى الدار، أو قال: " إن شربت ماء هذا الإناء فامرأتي طالق " فشرب بعضه فإنها لا تطلق لأن فعل البعض ليس فعلًا للكل إلا أن ينويه، فإذا نوى منع نفسه من هذا الشيء كلية حتى القليل منه، فإن الأيمان مبناها على النية وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن قال: " إن شربت هذا الماء الذي في الإناء فامرأتي طالق " وهو ينوي وقوع الطلاق ولو شرب بعضه، فإن شرب بعضه فإن زوجته تطلق عليه.
قوله: [وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعله كله]
وذلك لأن فعل البعض ليس فعلًا للكل وقد حلف أن يفعله كله، فلا يبرأ حتى يفعله كله.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٢٤ / ٢١ ]