الأطعمة:- جمع طعام وهو ما يؤكل أو يشرب
قال تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميته﴾ ﴿والميته مما يؤكل﴾ ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ وهو مما يشرب وقد سماه الله طعامًا ٠
وقال تعالى في قصة ملك بني اسرائيل ﴿ومن لم يطعمه فإنه منى﴾ فسمى الشراب طعامًا فالطعام يطلق على ما يؤكل أو يشرب ٠٠
قال] والأصل فيها الحل [.
فالأصل في الاطعمه الحل ٠
لقوله تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ ولقوله ﴿قل لا أجد فيما أوحى الى محرمًا على طاعم يطعمه الا أن يكون ميته﴾ لانه بهذه الآيه يدل على انه ما سوى ذلك حلال وعلى أن مالم ينص الله على تحريمه فهو حلال ٠
وأوسع مذاهب العلماء في باب الاطعمه هو مذهب الامام مالك ﵀ وأصول مسائل الاطعمه هي:-
المسألة الاولى:-
أن جمهور العلماء يحرمون كل ذي ناب من السباع كالذئب ويحرمون كل ذي مخلب من الطير كالصقر والنسر، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - (نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير) وكل ذي ناب يفترس وينهش به ويعدو به فهو محرم وكل ذي مخلب من الطير يفترس به ويعدو فهو محرم أيضًا ٠
وقال مالك بل هو حلال لقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى الى محرمًا على طاعم يطعمه الا أن يكون ميته أو دمًا مسفوحًا﴾ ٠
والصحيح مذهب الجمهور وذلك لأن الآيه مكية وليس فيها إلا إلاخبار عما هو حرام حينئذ – أى في مكه – ثم دلت الأدلة الشرعية بعد ذلك على تحريم انواع كثيرة.
المسألة الثانيه:-
أن ما نهى الشارع عن قتله فهو حرام أيضًا كالنحل والهدهد ونحو ذلك ٠
ففي مسند أحمد وسنن داود أن النبي - ﷺنهى عن قتل اربع من الدواب (النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد) والصرد هو نوع من أنواع الطير ٠
[ ٢٩ / ١ ]
ونهى الشارع عن قتلها يدل على تحريم أكلها وذلك لأنه إذا أبحنا أكلها فهو ذريعه الى قتلها والشريعه تأتي بسد الذرائع ٠٠٠
وهذا أيضا خلافا لمذهب مالك ٠
المسأله الثالثه:-
-أن كل ما أمر الشارع بقتله كالحيه والعقرب فهو محرم الأكل ففي الصحيحين أن النبي صلى - ﷺ - قال (خمس يقتلن في الحل والحرم:- الحيه والغراب الأبقع (وهو الذي فيه بعض بياض في رأسه أو في بقية بدنه) والحدأة وهي نوع من سباع الطير والفأره والكلب العقور» ٠٠٠
-فهنا هذه الخمس قد أمر الشارع بقتلها، وقتلها أتلاف لها وهذا يدل على تحريمها إذ لو كانت حلالا لأمر الشارع بذبحها فلما أمر بقتلها وإتلافها وقد نهى عن اضاعة المال دل على أنها محرمه – هذا هو مذهب الجمهور – خلافا لمذهب مالك ٠
المسألة الرابعة:-
أن ما يأكل الجيف محرم عند الجمهور – لخبث مطعمه ولأن النبي ﷺ حرم الغراب الأبقع، والغراب الأبقع إنما يأكل الجيف وليس من السباع، وقد تقدم أن هذا يدل على تحريم أكله فقياس على ذلك كل ما يأكل الجيف وذلك لخبث مطعمه، فإن خبث مطعمه يترتب عليه خبث لحمه، ومذهب مالك خلاف هذا ٠٠
المسألة الخامسه:-
أن مذهب الجمهور أن ما استخبثه العرب ذوو اليسار من سكان الحاضرة في المدن والقرى أنه محرم – وهذا مذهب أحمد في المشهور وأستدلوا بقوله تعالى:- ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ فالمخاطب بهذه الآيه هم العرب يدل هذا على أن كل خبيث عند العرب أى من ذوي اليسار من أهل المدن والقرى فإن ذلك محرم ٠
ومذهب مالك أنه ليس حرام وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيميه قال (وهو قول أحمد وقدماء اصحابه»
[ ٢٩ / ٢ ]
وهذا هو الراجح في هذه المسأله ويدل عليه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال في العنب «إني لم أجده في أرض قومي فأجدني أعافه) فدل على أن كراهيه بعض قريش لبعض الطعام لا يحرمه والنبي ﷺ قد كره هذا الطعام فلم يحرمه ٠
ولأن هذا لا يوافق أصول الشرع – فلا يمكن أن يحرم الشرع شيئا على العجم وهم يستطيبونه لكون العرب يستخبثونه هذا لا يمكن ٠
وعليه فمعنى الآيه ﴿يحل لهم الطيبات﴾ أى كل طيب مما أحله الله ﷿ فهو طيب ٠
«ويحرم عليهم كل خبيث مما حرمه الله ﷿ فهو خبيث»
ويقاس عليه كل خبيث بذاته وكل طيب بذاته أى من غير أعتبار الى من أستطاب ذلك أو أستخبثه ٠
فكل خبيث بذاته مما فيه ضرر على الأبدان أو العقول أو الأخلاق فإنه محرم ٠
فكل ما فيه ضرر على الأبدان كالسم أو العقول كالخمر أو الاخلاق كلحم السبع فإنه مضر بالأخلاق يثير بالآكل له قوة سبعية ومن هنا حرمه الشارع ٠
هذه أصول مسائل الأطعمه ومن هنا يتبين أن مذهب مالك هو أوسعها ٠
ومن ثم فإنه يبيح الحية والعقرب والحشرات وغيرها وكون بعض الناس يستخبثها هذا لا يدل على تحريمها – هذا هو مذهب مالك ٠
ولم أر شيخ الإسلام – على أنه وافق مالك في مسألة الخبث والطيب لم أر أنه نص على إباحة الحشرات ٠
فالمقصود أنه متى ما ثبت في الشىء ضرر على الأبدان أو الأخلاق أو العقول فإنه محرم ٠
قال] فيباح كل طاهر لا مضرة فيه من حب وثمر وغيرهما [فكل طاهر لا مضرة فيه فهو مباح ٠
قال:] ولا يحل نجس كالميتة والدم [.
وكل نجس ومتنجس فإنه لا يحل وذلك لخبثه وقد قال تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم)
وقال سبحانه (قل لا أجد فيما أوحى الى محرمًا على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس)
قال:] ولا ما فيه مضرة كالسم ونحوه [لقوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾
قال:] وحيوانات البر مباحة الا الحمر إلا نسية [.
[ ٢٩ / ٣ ]
لما ثبت في الصحيحين من حديث جابر أن النبي - ﷺ - (نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل)
قال:] وما له ناب يفترس به غير الضبع [.
أستثنى – الضبع لأنه قد ورد في الأدلة – ما يدل على جوازه وقد روى الخمسة وصححه البخاري أن أبن أبي عمار قال لجابر «الضبع (يصح بتسكين الباء وضمها) أصيد هي قال جابر (نعم فقال له قاله رسول الله ﷺ فقال جابر (نعم) وهذا أثر صحيح ٠
فإن قيل: فما الفارق بين الضبع وبين غيرها من السباع؟
فالجواب: أن الضبع ليس فيها القوة السبعيه التي في غيرها من السباع بل هي لا تفترس في الغالب والله أعلم ٠، ثم ذكر أمثله كثيره تحتاج الى تحقيق المناط أى متى ما ثبت لنا أن فيه نابًا من السباع فهو محرم (كالأسد والنمر والذئب والفيل والفهد والكلب والخنزير)
وابن آوى وأبن عرس؟ والسنور والنمس والقرد والدب)
ثم قال بعد ذلك:-
] وماله مخلب من الطير يصيد به [٠
ثم ذكر أمثله تحتاج الى تحقيق مناطها (كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومه)
ثم قال:-] وما يأكل الجيف كالنسر [.
ثم ذكر أمثله كذلك تحتاج الى تحقيق المناط] والرخم واللقلق والعقعق والغراب الأبقع والغذاف وهو أسود صغير أغبر، والغراب الأسود الكبيرة [وذكره عدة أنواع من الغربان مما يدل على أن هناك من الغربان ما هو مباح ٠
وقال] وما يستخبث [أى عند العرب ذوي اليسار:- قالوا أما خلاف العرب فلا عبرة يهم لأنهم قد يستطيبون بعض ما يستخبث ٠
قال:-] كالقنفذ والنيص والفأرة [٠
فالقنفذ مستخبث عند العرب ولكن هل فيه ضرر؟ ٠
يرجع في ذلك الى الطب لأن الصحيح أنه لابد أن يكون خبيثًا بنفسه وذاته ٠
والفأرة ظاهرة للحديث المتقدم ٠
[ ٢٩ / ٤ ]
قال] والحيه [، قالوا: لأنها خبيثه ولأن الشارع أمر بقتلها أما كونها خبيثه، فهذا يحتاج الى تحقيق واما كون الشارع أمر بقتلها فهذا ظاهر ٠
قال] والحشرات كلها [لما تقدم قال:-] والوطواط [هو ما يسمى بالخفاش ٠
قال:-] وما تولد من مأكول وغيره كالبغل [فما تتولد من حيوانين أحدهما مأكول والأخر ليس بمأكول فإنه يحرم تغليبًا لجانب التحريم ٠
كالبغل فإنه متولد من الحمار والخيل ٠
مسألة:- حمر الوحش أذا أستأنست فهل تحرم؟
الجواب:- لا، نظرا لأصلها، فأصلها حلال، وهي خلقه أخرى تختلف عن خلقة الحمار الأهلي لوعاش في البر فإنها لا يتغير طعامه وكذلك الحمر الوحشيه طعامها هو طعامها في البر ٠
مسألة:- الحديث الذي قتل الخمس الدواب ظاهره الوجوب لأنه خبر ٠
بمعنى الأمر يدل على الوجوب، هذا من ناحيه ٠
ومن جهة أخرى:- أنه قد وصفها بالفسق فدل على أن فيها استطالة واعتداء وإزالة ذلك واجب ٠
مسألة كل ما حرم قتله فإنه يجوز – أى قتله – حيث كان منه أذى دفعًا لمفسدته ولأنه حينئذ يكون كالصائل ٠
قال رحمة الله تعالى:-] وما عدا ذلك حلال [هذا هو الأصل، فما لم يدل دليل على تحريمه من المطعومات والمشروبات فإنه حلال مباح ٠
قال:-] كالخيل [٠
وهو مذهب الجمهور لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أذن في الخيل
وقال المالكية:- بل تحرم استدلوا بقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه﴾ قالوا فلم يذكر الله تعالى أكلها وإنما ذكر أنها زينه وأنها مركب ٠
واستدلوا:- بما روى أبو داوود أن النبي ﷺ (نهى عن لحوم الحمر والخيل والبغال)
والصحيح ما ذهب اليه أهل القول الأول:-
أما الأيه الكريمة فإنه ليس فيها أن الأكل حرام فالله ﷿ لم يذكر إلا أنها زينة وركوب.
[ ٢٩ / ٥ ]
لأنها مع غير المطعومات فإنها ذكرت مع الحمر والبغال وهي محرمه – فلم ينص على اباحة أكل الخيل لأنها مذكورة مع ما لا يحل أكله ٠ هذا هو الوجه الأول ٠
والوجه الثاني:- أن الله ﷾ لم ينص على أنها من المطعومات لأنها ليست لذلك في الغالب فالغالب أن الناس لا يطعمونها وأنما يركبونها ويتزينون بها ٠
وأما فالحديث الذي رواه ابو داوود فهو ضعيف لا يصح ضعفه أحمد والبخاري والدارقطني وغيرهم ٠
قال] وبهيمة الأنعام [٠
من البقر والغنم والابل قال تعالى ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام الا ما يتلي عليكم﴾ ٠
قال] والدجاج [٠
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى موسى أن النبي - ﷺ - (أكل الدجاج) والأصل يدل على ذلك ٠
قال] والوحشي من الحمر والبقر [٠
فيباح الوحشي من الحمر، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة في قصة صيده الحمار الوحشي، وفيه أن النبي - ﷺ - قال (كلوا ما بقي من لحمه)
وكذلك يباح البقر الوحشي، وهو ليس من بهيمة الأنعام ٠
قال] والظباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش [كالزرافة وغيرها، وذلك للاصل، فالأصل في المعطومات الحل ٠
قال:] ويباح حيوان البحر كله [٠
يدل على ذلك قوله تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ ٠
ويدل عليه ما روي الخمسه أن النبي - ﷺقال في البحر] هو الطهور ماؤه الحل ميتته [وقوله (ميتته) مفرد مضاف يفيد العموم – فدل على أن صيد البحر حلال كله ٠
لكن أستثنى المؤلف فقال] الا الضفدع والتمساح والحية [٠
فالضفدع هي من صيد البحر لكنها تعيش في البر فهي تعيش في البر والبحر ٠
ودليل تحريم الضفدع أن النبي ﷺ سأله طبيب عن قتل الضفدع لتوضع في الدواء (فنهى النبي ﷺ عن قتلها) رواه أحمد وأبو داوود والنسائي وهو حديث صحيح ٠
[ ٢٩ / ٦ ]
والتمساح لأن له نابًا يفترس به وهذا كما تقدم – يحتاج الى تحقيق المناط، أى نقول كل ما له ناب يعدو به فهو محرم ثم نحتاج الى أن ننظر الى الأمثله التي يذكرونها فإن كان فيها ذلك فهي محرمة ٠
والحيه أى حية البحر وذلك لأمر النبي ﷺ بقتلها، قالوا ولأنها مستخبثه ٠
ولم يستثن الشافعية التمساح والحية ٠
والصحيح ما ذكره الحنابلة حيث تحقق ما ورد في الحديث من أن في التمساح الناب الذي يفترس به ٠
والحيه قد أمر النبي ﷺ بقتلها لكن هذا حيث كانت حية البحر تلدغ وتؤذي لان الشارع أمر بقتل الحيه في البر لأذيتها ولأن فيها العدو والإعتداء فمن أكلها فإنه يكتسب شيئا من طباعها، فإن كانت الحية التي في البحر ليست كذلك فإنه لا باس بأكلها ٠
قال:-] ومن أضطر الى محرم غير السم حل له منه ما يسد رمقه [٠
هذه المسأله في الإضطرار، فمن اضطر الى محرم كالميتة مثلا غير السم، لأن السم قاتل وقد قال تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾ فإذا أضطر الى محرم غير باع ولا عاد فلا إثم عليه
وقوله ﴿غير باغ﴾ أى غير طالب لذلك راغب فيه (ولا عاد) أى غير آكل منها مالا يحل له – أى متجاوز بها ما يسد به رمقه ٠
ويحل له منها ما يسد رمقه ويحفظ قوته أى ما يدفع به ضرورته لقوله تعالى ﴿غير باغ ولا عاد﴾ أى غير متجاوز ما يسد رمقه.
وظاهر المذهب:- مطلقًا ٠
وعن الإمام أحمد:- أنه يستثنى ما لو دام خوفه، فلوا أن رجلا في مغازة من الأرض، يغلب على ظنه أنه لا يجد من يؤويه فله أن يأكل من الميته حتى يشبع، وذلك لان غلبة الظن دوام خوفه – وهذا ظاهر – وهو حينئذ لا يكون متجاوزا ولا معتديًا ٠
إذن الصحيح أن هذا ليس على أطلاقه بل اذا كان يدوم خوفه فإن له أن يأكل من الميته حتى يشبع وذلك لأن شبعه يدفع عنه الضرورة في بقية وقته ٠
مسألة:-
[ ٢٩ / ٧ ]
قال شيخ الإسلام:- «ويجب على المضطر أكل الميتة في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم»
مسألة:-
ولا يجوز للمضطر أن يقتل معصوما فيأكله – إجماعا ولو كان ذميًا ٠
فلو أن رجلا قتل ذميًا مضطرا الى ذلك فهذا لا يحل بإجماع العلماء وذلك لانه لا يحل له أن يبقي نفسه في إهلاك غيره ٠
فإن وجد معصومًا ميتًا فهل له أن يأكله؟ ٠
المشهور في المذهب:- أنه ليس له أن يأكله ٠
والقول الثاني:- واختاره الموفق وهو مذهب الشافعية أنه يحل له وهو الصحيح ٠
وذلك لان حرمة الحي اعظم من حرمة الميت ٠
وهل للمضطر أن يأخذ من بعض بدنه ما يأكله كأن يأخذ من فخذه أو من عضده فيأكله؟
١- المشهور في المذهب أنه ليس له ذلك ٠
٢- والقول الثاني في المذهب أن له ذلك وهو الراجح لانها مفسده صغري في درء مفسده كبرى ٠
فإن لم يكن معصومًا كالحربي أو قاتل النفس للمضطر أن يقتله فيأكله ٠
قال:-] ومن أضطر الى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد أو أستسقاء ماء ونحوه وجب بذله له مجانًا [
رجل أضطر الى نفع عين من مال غيره كأن يضطر الى ثوب لدفع برد أو أستسقاء ماء كأن يضطر الى دلو وحبل ليأخذ به الماء من البئر ما لمالك لذلك يجب عليه أن يبذل له الثوب أو الدلو والحبل مجانًا وذلك لان ذلك هو الماعون الذي نهى الشارع عن منعه فقال سبحانه (الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون) فذلك واجب فإن اضطر الى عين كأن يضطر الى طعام ليأكله أو الى ماء ليشربه ٠
فظاهر كلام المؤلف وهو المذهب أنه لا يجب بذله له مجانًا لكن يجب بذله بالقيمه ٠
فمثلا رجل أدرك رجلا في الصحراء وهو في غاية الجوع ومعه طعام كثير، فقال أبيعك هذا الطعام بقيمته، فيجب عليه أن يبذله بقيمته ولا يزيد على ذلك هذا هو المشهور في المذهب وهو أنه يجب أن يبذله بقيمته ٠
فإن أبي وقال:- لا ابذله لك ولو دفعت مال الدنيا؟
فحينئذ له أن يأخذه منه قهرًا وإن قاتله على ذلك لانه حينئذ كالصائل على النفوس ٠
[ ٢٩ / ٨ ]
واختار شيخ الاسلام وتلميذه ابن القيم:- أنه يجب بذل هذه العين مجانًا وذلك لأن أحياء النفوس وإنقاذها من الملكة واجب والواجب لا يحل أخذ العوض عليه ٠ وهذا هو الراجح ٠
قال:] ومن مر بثمر بستان في شجره أو متساقط عنه ولا حائط عليه ولا ناظر فله الأكل منه مجانًا من غير حمل [٠
من مر بثمر بستان في شجره أو متساقط عنه أى ليس بمجموع لان ما كان مجموعا فهو في حرز ٠
ولا حائط عليه وقد نص عليه أحمد، ولا ناظر أى حارس ٠
فله الأكل مجانًا من غير حمل ٠
فلو أن رجلا مر ببستان لا حائط له ولا حارس عليه فله أن يأكل منه مجانًا من غير أن يحمل.
ومثل ذلك:- في أصح الروايتين عن الإمام أحمد إذا وجد شاة لا راعي معها فله أن يشرب من لبنها من غير أن يحمل ٠
ومثل ذلك إذا وجد زرعا فله أن يأكل منه من غير أن يحمل سواءًا كان محتاجًا الى ذلك أو غير محتاج هذا هو القول الاول في المسألة وهو مذهب الحنابلة ٠
٢- وقال الجمهور، بل لا يحل له إلا أن يكون محتاجًا وعليه الضمان حينئذ وهو رواية عن الامام أحمد ٠
وأستدلوا بعمومات الأدلة كقوله ﷺ (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) قالوا وهذا ما مال مسلم فلا يحل الا بإذنه ٠
وإستدلوا:- بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال (لا يحلب احدكم من شاة أخيه بغير إذنه)
والقول الأول هو الراجح وهو المذهب وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد والدليل عليه ما روى أبو داوود والترمذي وهو حديث صحيح قال فيه الترمذي (حديث حسن صحيح) وهو من حديث الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذن، فإن أذن له فليحتلب وليشرب فإن لم يكن فيها – أى صاحبها – فليصوت ثلاثًا (ينادي الراعي) فإن أجابه والا فليحتلب وليشرب ولا يحمل) وفي البيهقي نحوه من حديث أبى سعيد الخدري وفيه ذكر الحائط قال أبن القيم:-
[ ٢٩ / ٩ ]
وقد ورد هذا عن طائفا من الصحابة – كما في سنن البيهقي منهم عمر بن الخطاب والاثر عنه صحيح ولا يعلم له مخالف فهذا القول هو الراجح في المسأله: وأنه أذا كان الشجر لا حائط له ولا حارس وكذلك في الماشيه والزرع فإن له أن يشرب أو يأكل من غير أن يحمل كما نص على ذلك النبي ﷺ وعليه عمل الصحابه وهو المشهور في المذهب ٠
إلا أن الزرع واللبن فيه عن الإمام أحمد روايتان وأكثر أصحاب الإمام أحمد على أن ذلك - أي اللبن والزرع ليس كذلك والصحيح ما تقدم وأنه ثابت في الثمر والزرع والماشية حيث لا حائط وحارس، وحيث كان الغنم لا حارس معها ٠
قال:-] وتجب ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يومًا وليله [٠
تجب ضيافة المسلم لا الذمي «المجتاز به في القرى» لا في المدن لأن المدن فيها أسواق فيمكنه أن يشترى الطعام فيطعمه (يوما وليلة) فالضيافة واجبة يوم وليلة ٠
إذن الضيافة واجبة يدل على ذلك قوله ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفة جائزته» قالوا: وما جائزته قال «يوم وليلة، الضيافه ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقه» والصحيح انها ليست خاصة بالمسلم بل حتى في الذمي ٠
وقدمه ابن رجب وهو أحد الروايتين عن الامام أحمد ويدل عليه عموم الحديث «فليكرم ضيفه» وهذا عام في المسلم وغيره أى حتى الذمي يجب له هذا الحق ٠
وقوله (يوما وليله) للحديث المتقدم ٠
والقول الثاني في المسألة وهو قول طائفة من أصحاب الامام احمد كأبي أبو بكر وأبن ابي موسى:- إن ذلك واجب ثلاثة أيام لقوله ﷺ (الضيافه ثلاثة أيام) وهو أظهر ٠
والحديث يدل على ذلك لان النبي ﷺ قال (الضيافه ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقه) فدل على أن الثلاثة أيام واجبة ٠
[ ٢٩ / ١٠ ]
وأما قوله ﷺ «فليكرم ضيفه جائزته» فهذا آكد أى اليوم والليلة آكد وفيها بر واحسان لان الحائزة تدل على البر والإحسان به ٠
فيكون في اليوم الأول منه مزيد بر وإحسان وحفاوة وأما بعد ذلك فيطعم من سائر الطعام ٠
ومرجع ذلك – كما قال شيخ الإسلام – الى العرف والعادة ٠
فإن أبى فلم يضيفه فهل يجوز له أن يأخذ من ماله بغير إذنه بلا مفسدة؟
وهل له أن يطالب بذلك عند القاضي؟
قال الحنابله بذلك وهو صريح قوله ﷺ كما في الصحيحين: (فإن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي فأقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له» وظاهره على وجه القوة حيث لم تترتب مفسدة
باب الذكاة
الذكاة: الذبح: ذكى الشاه تذكية: أي ذبحها
والذكيه: هي الذبيحه
وتعريفها – اصطلاحًا – في المشهور من المذهب:ذبح او نحر المأكول البري المباح بقطع حلقومة ومريئه او عقر ممتنع – هذا هو تعريفها وسيأتى الكلام على هذا.
قال ﵀:] لا يباح شىء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة [
لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميته﴾
فاذا كان الحيوان مقدورًا على تذكيته فلا يحل الا بالذكاة وهذا بإجماع العلماء.
قال:] الا الجراد والسمك وكل ما لا يعيش الا في الماء [
أما الجراد فلقول ابن عمر:" أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت " ولا يعلم له مخالف.
واما السمك – فلحديث "والحل ميتته "
"وكل ما لا يعيش الا في الماء " لقوله ﷺ " والحل ميتته "
[ ٢٩ / ١١ ]
لكن: ان كان يعيش في البر والبحر.فظاهر كلام المؤلف ان الذكاة شرط فيه لانه لم يستثن الا ما لا يعيش الا في الماء. وتقدم ان هذا هو القول الراجح وانه اصبح قولى العلماء – تقدم الكلام عليه في درس سابق وعليه فما يكون من الحيوانات يعيش في البر والبحر كالسلحفاه ونحوها، فانها تشترط فيها التذكية ان كان فيها دم واما ان لم يكن فيها دم فلا يشترط ذلك.
قال:] ويشترط للذكاة اربعة شروط:
أهليه المذكي: بأن يكون عاقلًا مسلمًا أو كتابيًا [
هذا هو الشرط الأول: وهو أهليه المذكي بان يكون عاقلًا: لاشتراط قصد التذكيه،ولأن التسميه شرط في صحة التذكيه – كما سيأتي – ولا يصح ذلك الا من عاقل، سواء كان مميزًا او بالغًا.
واما اذا كان غير عاقل كالمجنون او السكران او الطفل غير المميز فان تذكيته لا تصح باتفاق العلماء.
إلا ان الشافعيه أجازوا تذكيه الطفل غير المييز
قالوا: لأنه له نوع قصد.
والجواب: أن هذا النوع لا يكفى بل يشترط ان يكون القصد تامًا
(مسلمًا او كتابيًا): اما المسلم فظاهر.
واما الكتابي: فلقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾
قال ابن عباس – كما في البخارى -: " طعامهم ذبائحهم " أي ذبائح اهل الكتاب وهم اليهود والنصاري. وهذا باتفاق العلماء.
-وظاهر الادله الشرعيه انه لا يشترط ان يكون هذا الكتابي من أبوين كتابيين، قال شيخ الإسلام:" وهو الثابت عن الصحابه بلا نزاع بينهم وعليه نصوص الامام احمد وهو مذهب اكثر الفقهاء " أ. هـ
واما المشهور في مذهب الحنابله: انه يشترط ان يكون أبواه كتابيين وهذا القول لا دليل عليه، بل اطلاقات النصوص تدل على خلافه. والثابت عن الصحابه خلافه: وهو اختيار شيخ الإسلام.
مسألة:
هل يباح ما أهلوا به لغير الله – كأن يذبحوا على اسم المسيح هل يباح هذا أم لا؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو مذهب مالك وهو رواية عن احمد انه مباح
[ ٢٩ / ١٢ ]
لعموم قوله (وطعام الذين اتوا الكتاب حل لكم) فيدل هذا على ان عموم طعامهم مباح لنا وكذلك ما اهلوا به لغير الله.
قال الجمهور: بل لا يحل ذلك، للايات الداله على المنع منه كقوله (وما أهل به لغير الله) وكقوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق)
قالوا: واذا ثبت ذلك في المسلم فأولى من ذلك الكتابي
بمعنى: اذا كان المسلم لا تحل ذبيحته التى أهل بها لغير الله فأولى من ذلك في الكتابي.
وان كان هذا الاستدلال مشكلا من حيث انه لا يكون مسلمًا وقد ذبح لغير الله ﷿،
لكن المقصود انه اذا كان هذا شرطًا في صحة ذبيحه من هو مسلم في الاصل – فأولى من ذلك ان يشترط في الكتابي فغايه ذبيحته أهل الكتاب ان تكون مثل ذبيحه المسلمين لا ان تكون أرفع منها.
وقالوا: ان الاهلال لغير الله والذبح على غير اسمه ليس من دين اليهود والنصاري وانما هو من الشرك الذي دخل في دينهم.
-ولا شك ان الراجح في هذه المسأله ما ذهب اليه جمهور العلماء وذلك لما تقدم من الادله القويه على هذا
مسألة:-
هل يباح ما ذبحه أهل الكتاب مما هو محرم عليهم كلًا او بعضًا؟
فمثال: ما هو محرم كلًا: الإبل فانها محرمة على اليهود.
ومثال ما هو محرم بعضا: الشحم فانه محرم عليهم بنص كتاب الله تعالى قال تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾
فاذا ذبح يهودي أو نصراني بعيرًا، او ذبح غنمًا او بقرًا وفي ذلك شحم فهل يحل لنا اكل البعير في الصوره الاولى، وأكل الشحم في الصوره الثانيه ام لا؟
قولان لأهل والعلم:
القول الاول: وهو مذهب مالك انه لا يحل لقوله تعالى: (وطعام الذين اتوا الكتاب حل لكم) قال: وهذا ليس من طعامهم.
والقول الثاني في المسأله: وهو مذهب الجمهور: ان ذلك حلال.
[ ٢٩ / ١٣ ]
قالوا: لأن الادله الشرعية قد دلت على صحة تذكيته وانه اهل لأن يذكي، وانما حرمت الابل والشحم عليهم خاصة، فعلى ذلك التذكيه فيهم صحيحه، فاذا ذكوا الابل فان تذكيتهم صحيحه وهي انما هي محرمه عليهم دوننا – وهذا هو القول الأرجح في هذه المسأله.
قال:] ولو مراهقًا [
وهو من قارب البلوغ
قال:] أو امرأة [
ويدل على ذلك ما ثبت في البخارى: ان امراه ذبحت شاة بحجر فسئل النبى ﷺ عن ذلك فأمر بأكلها " أي كان الحجر حادًا قد انهر الدم.
والشاهد هنا: ان النبى - ﷺ - قد أقر بأكلها مع ان المذكيه لها امرأه.
قال:] أو اقلف او أعمى [أو جنبًا او حائضًا.
أو فاسقا. ما دام انه مسلم او كتابي فان ذبحه يصح.
والنصراني أقلف أي غير مختون ومع ذلك تصح ذبيحته، فهذا دليل على صحة تذكيه الأقلف
قال:] ولا تباح ذكاة سكران ومجنون [.
لانه يشترط ان يكون عاقلًا، وليس المجنون ولا السكران كذلك.
قال:] ووثني ومجوسي ومرتد [
الوثنى لا تحل ذبيحته اجماعًا
وكذلك المجوسي باتفاق العلماء الا ما ذكر عن أبي ثور فانه أباح تذكيته بناءً على انه من اهل الكتاب
والصحيح ان المجوس ليسوا من أهل الكتاب كما تقدم تقريره في درس سابق، وانما أجرى النبى - ﷺ - الجزيه عليهم كسائر الكفار، لان الصحيح ان الجزيه ليست مختصه بأهل الكتاب كما تقدم تقريره في كتاب الجهاد.
(ومرتد): وقد تقدم التنبيه على هذا وان المرتد لا تحل ذبيحته – حتى لو ارتد الى اليهوديه او النصرانيه.
قال:] الثاني: الالة فتباح الذكاة بكل محدد [
لقوله - ﷺ - (ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السنّ والظفر، اما السن فعظم، واما الظفر فمدى الحبشه) متفق عليه.
فكل ما انهر الدم فان التذكيه به صحيحه مجزئه.
قال:] ولو مغصوبا [
في اصح الوجهين في مذهب الإمام احمد، وهو اصح القولين لاهل العلم.
[ ٢٩ / ١٤ ]
وذلك: لان المغصوب إذا ذبح به، فالنهي عنه ليس عائدًا الى الذات وانما الى أمر آخر.
- ﷺ - لم يقل لا تذبحوا بالشىء المغصوب ولو قال ذلك لكانت الذبيحه محرمه. فهنا التحريم لأمر خارج.
والقاعده: ان التحريم اذا كان لأمر خارج فان الفعل يجزئ وعليه فالتذكية صحيحه لكنه آثم.
قال:] من حديد وحجر وقصب وغيره [
وكل ما انهر الدم فالتذكيه به جائزه.
قال: (الا السن)
قالوا: الا السن خاصه، للحديث المتقدم: (ليس السن والظفر) .
وقال الشافعيه وهو روايه عن الامام احمد واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: بل السن وسائر العظام. وهو الراجح.
لقوله - ﷺ - «اما السن فعظم» فهنا علل - ﷺ - المنع فكل عظم لا يحل ان يذكي به.
وعليه فالتذكيه ايضًا لا تصح لان النهي لذاته.
قال:] والظفر [
لحديث:) ليس السن والظفر – واما الظفر فمدى الحبشة (– ومدى جمع مديه وهي السكين
أي كان الحبشة يطيلون أظافرهم فإذا أرادوا ان يذكوا ذكوا بالظفر فنهى النبى ﷺ عن ذلك.
-والمشهور في المذهب: ان الظفر – مطلقًا – لا تحل التذكيه به سواء كان متصلًا ام منفصلًا، من انسان او من حيوان.
-وقال الأحناف: لا يجزئ الا إن كان متصلًا.
وهذا – فيما يظهر لى – اظهر لظاهر تعليل النبى - ﷺفإنه قال:" ما انهر الدم " ويدخل في ذلك الظفر، فان الظفر ينهر الدم – واستثنى من ذلك الظفر وعلل ذلك بانها مدى الحبشة فدل على انه ما كان على صفه فعلهم فانه لا يحل.
وقد يكون المنع من ذلك لما فيه من التشبه بهم، ولما فيه من التشبه بالطيور ومن التشبه بالطيور ذات المخالب والسباع لذلك حرم.
اذن الراجح ما ذهب اليه الأحناف في هذه المسألة
فالراجح انه انما يحرم حيث كان ظفر الانسان خاصه وكان متصلًا به والله اعلم.
قال:] الثالث: قطع الحلقوم والمرىء [
[ ٢٩ / ١٥ ]
الحلقوم هو مجرى النفس
والمرى هو مجرى الطعام والشراب.
١-والمشهور في مذهب احمد والشافعي ان الذبيحه لا تحل حتى يقطع الحلقوم والمرىء قالوا: لان بهما غياب الحياة في الحيوان فإذا قطع اجزأ ذلك.
٢-وعن الإمام احمد انه لا يجزئ حتى يقطع الحلقوم والمريء والودجين " وهما الوريدان اللذان يحيطان بالمريء والحلقوم وهما مجرى الدم فيتبين لنا أنهما أهم واولى بالقطع لكونهما مجرى الدم. قال - ﷺ - (ما انهر الدم)
وقال الأحناف: حتى يقطع ثلاثا من اربع، فإذا قطع احد الودجين والحلقوم والمريء أجزأ، واذا قطع الودجين وقطع الحلقوم أو المرىء فان ذلك يجزى.
وقال بعض الحنابله كما قال – صاحب الكافى – " يجزئ قطع الودجين "
اذن في المسأله خلاف كثير بين اهل العلم
والنبى - ﷺ - قد قال:" ما انهر الدم " يدل هذا على ان ما ثبت فيه انهار الدم فانه يجزئ.
وعلى ذلك فالذي يرجح ما ذكره بعض الحنابله من انه اذا ُقطع الودجان فان ذلك يجزئ.
ذلك لان قطع الودجين ينهر الدم.
واما قطع الحلقوم فالذي يرجح وجوبه وانه ليس شرطًا في الإجزاء – لكنه يجب لما فيه من أراحة البهيمة،وذلك لان بقاء نفسها مع قطع ودجها فيه إيذاء كبير وقد أمر النبي ﷺ بإحسان الذبحة فقال: (فإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحه) .
قال:] فان ابان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح [
هذا ظاهر جدًا
فلو اخذ السيف فقطع رأسها مره واحده ففصله عن جسمها فحينئذ يكون قد قطع الودجين والحلقوم والمريء فلا إشكال في انه يجزئ.
قال:] وذكاة ما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشه، والواقعه في بئر ونحوها نحره في أي موضع كان من بدنه [.
(والنعم المتوحشه) كالإبل والبقر والغنم التى تتوحش
[ ٢٩ / ١٦ ]
فما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشه او الواقعه في بئر ونحوها بان يجرحه في أي موضع كان من بدنه ويدل عليه: ما في الصحيحين: قال ندّ بعير فاهوى اليه رجل بسهم فحبسه فقال النبى - ﷺ -: (ان لهذه البهائم أو ابد كأوابد الوحش فما ندّ منكم فاصنعوا به هكذا) فاذا فرّ البعير وعجز عن امساكه لتذكيته او البقر او غير ذلك من الحيوانات او سقط شئ منها في بئر فما امكن لنا ان نذكيه الا ان نرميه بسهم ونحوه فإن حينئذ يجوز ذلك.
إذن: الواجب علينا في البقر والأغنام والإبل من بهيمه الأنعام الواجب التذكيه لكن هذا مع القدره على ذلك
اما مع العجز عن التذكيه كأن يفر البعير او يسقط في بئر او نحو ذلك فانه يرمى بسهم من أي موضع كان في بدنه للحديث. قال] إلا ان يكون رأسه في الماء ونحوه فلا يباح [
ولانه لا يدري هل السهم قتله أم الماء لذا قال - ﷺ - كما في الصحيحين: (فإذا وجدت غريقًا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك)
فما لم نتحقق من تذكيته فانه لا يحل، كان يكون على راس نهر فرمى بسهم فوقع في الماء فإننا لا ندرى الماء قتله او السهم فتغليبًا لجانب الحظر يحرم.
لكن لو تحققنا ان السهم هو الذي قتله كأن يكون الماء قليلًا ونحو ذلك فانه يجوز أكله.
مسألة:
اذا ذبحت البهيمه وفي بطنها جنين، فذكاتها ذكاة لجنينها.
لما ثبت في مسند أحمد – والحديث صحيح – ان النبى - ﷺ - قال
" ذكاة الجنين ذكاة أمه "
لكن ان خرج وفيه حياه مستقره فحينئذ تجب تذكيته.
أما لو خرج ميتًا او خرج يتحرك حركة المذبوح فانه يحل للحديث المتقدم.
-وظاهر كلام الحنابله، بل نصوا على ذلك – سواء أشعر ام لم يشعر أي سواء نبت الشعر عليه ام لا؟
وقال المالكيه، هذا الحكم حيث أشعر وهذا هو الصحيح لاثر موقوف صحيح على ابن عمر رواه مالك في موطئه ولا يعلم لابن عمر مخالف.
[ ٢٩ / ١٧ ]
والقاعده عند الحنابله – ان قول الصحابي يخصص العموم – فعلى ذلك يجب ان يخصص الحديث بهذا الأثر الصحيح الثابت عند ابن عمر الذي لا يعلم له مخالف.
اذن: هذا الحكم حيث أشعر اما إذا لم يشعر فانه لا يحل كما هو مذهب المالكيه وهو قول ابن عمر – كما تقدم.
مسأله:
من أدرك مترديه أو ما أكل السبع منه – فذكاها – فهل تحل ام لا؟
نص الله ﷿ على حلها بقوله (وما أكل السبع الا ما ذكيتم)
فإذا أدركنا شاة مع سبع فذكيناها أو تردت شاه فأدركناها فذكيناها فإنها تحل بنص القرآن
لكن اختلف اهل العلم متى تحل بالتذكيه.
فقال الحنابله والشافعيه: إنما تحل حيث كانت فيها حياة مستقرة هي ما دون حركات المذبوح.
فلو أدركناها وهي حية حياة مستقرة فإنها تحل بالتذكية.
والقول الثاني: وهو مذهب الاحناف: إنها تحل متى ما وجد فيها شىء من الحياة وان كانت تتحرك كحركه المذبوح واختار هذا القول شيخ الاسلام: حيث خرج منها الدم الأحمر الذي يخرج من المذكاة في العادة.
وهذا هو القول الصحيح في المسأله.
فاذا أدركها مع السبع أو تردت فلما ذبحها خرج الدم الاحمر الذي يخرج من المذكاة في العادة فانها تكون حلالًا ويستدل على هذا: بما ثبت في البخارى عن كعب بن مالك ان جارية له كانت ترعى غنما بسلع فاصيبت شاة منها قال: "فأدركتها فذبحتها، فسئل - ﷺعن ذلك فقال: كلوها ".
وهنا النبى - ﷺ - لم يستفصل هل ادركتها وفيها حياه مستقره ام ان فيها بعض حياة، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزله العموم في المقال.
قال:] الرابع: ان يقول عند الذبح بسم الله لا يجزيه غيرها [
هذا هو الشرط الرابع.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين ان النبى - ﷺ - قال: (ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " فقوله (وذكر اسم الله) في سياق الشرط فكانت من الشروط – فدل على ان التسميه شرط.
[ ٢٩ / ١٨ ]
وهو مذهب جمهور العلماء.
وقال الشافعيه: وهو روايه عن الإمام أحمد: بل هي سنة
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن عائشه: ان ناسًا قالوا يا رسول الله: ان قومًا يأتوننا باللحم لا ندرى أذكروا اسم الله عليه ام لا فقال ﷺ (سموا عليه انتم وكلوا) .
قالوا: ولو كانت التسميه شرطًا لما اكتفى النبى - ﷺ - بقوله (سموا عليه انتم وكلوا) بل لاشترط ان يتحقق من وجود التسميه أي لقال: لا تأكلوا حتى يثبت لكم انهم ذكروا اسم الله عليه "
وهذا الاستدلال ضعيف. بل الحديث يدل على شرطية التسمية فان هذا السؤال إنما يدل على ان المتقرر عندهم هو فرضيه التسمية – لكنهم سألوا النبى ﷺ عن ناس من المسلمين وهم لا يدرون –أي المأتى اليهم – لا يدرون اذكروا اسم الله عليه ام لا؟ والأصل في ذبيحه المسلم الحل وانه يذكر اسم الله عليها.
ولذا أرشدهم النبى ﷺ الى ما هو مشروع في حقهم وهو قوله (سموا عليه انتم وكلوا) فهذا هو المشروع في حقهم والمتعلق بفعلهم واما التسميه عند الذبح فهي متعلقه بفعل الذابح.
إذن: الصحيح ما ذهب اليه الجمهور من ان التسميه شرط (لا يجزئ غيرها): فلو قال باسم الرحمن او باسم الخلاق او غير ذلك فانه لا يجزىء لقوله ﷺ (اذكروا اسم الله عليها) واسم الله اذا اطلق فانما ينصرف الى قول "باسم الله "
وهو الثابت عن النبى ﷺ – كما في صحيح مسلم لما ضحى
انه قال: (بسم الله والله اكبر) .
اذن لا يجزئ الا ان يقول باسم الله
لكن قالوا: لو قال بغير اللغة العربية ما يرادف باسم الله فانه يجزئه ولو مع القدره.
ومع القدره فيه اشكال والذي يتبين عدم الاجزاء واما مع عدم القدره فلا يكلف الله نفسًا الا وسعها.
قال:] فان تركها سهوا أبيحت لا عمدًا [.
[ ٢٩ / ١٩ ]
هذا هو المشهور في المذهب لان التسميه اذا تركت سهوا فان الذبيحه تحل واما اذا تركت عمدًا فانها لا تحل
قالوا واما اذا تركها جهلًا فانها لا تحل.
فالمشهور في المذهب: انها شرط لكنها تسقط بالسهو ولا تسقط بالجهل.
قالوا: كالصوم فان من اكل ناسيا عندهم فانه لا يفطر ومن اكل جاهلًا فانه يفطر – هذا هو القول الاول في المسأله وهو المشهور في مذهب احمد وكذلك هو المشهور في مذهب مالك وابى حنيفه.
٢- والقول الثاني في المسألة: إنها سنه وهو مذهب الشافعي وروايه عن الأمام احمد وتقدم ذكر دليلهم والجواب عنه.
٣-والقول الثالث: وهو مذهب اهل الظاهر وروايه عن الأمام احمد واختيار شيخ الإسلام: إنها لا تسقط أي التسميه لا بسهو ولا بجهل.
واستدل: بعمومات الادله كحديث (ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) ولقوله تعالى ﴿لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق﴾ قالوا: فهذه أدلة عامه تدل على انها لا تسقط لا بسهو ولا بجهل.
قالوا: واما قوله – ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) " فهذا في رفع الإثم والمؤاخذه كما ان الرجل اذا صلى بلا وضوء فلا اثم عليه لكن صلاته لا تصح فكذلك اذا ذبح ولم يسم الله فلا إثم لكن دبيحته لا تجزئ.
-والذي يترجح من هذه الأقوال ما ذهب اليه الحنابله وذلك لامور:
منها ان هذا هو الناس عن ابن عباس – فقد ثبت عنه انه قال: "ان نسى فلا بأس " روى ذلك البخارى معلقا وبوب عليه، مما يدل على اختياره لهذا القول ووصل هذا الاثر الدارقطنى واسناده صحيح، ولا يعلم له مخالف / وقول الصحابي يخصص العموم كما تقدم تقريره.
ان الطبرى – وهو ممن اختار هذا القول – قد حكى الاجماع عليه. وقال – فيمن لا يسقط بالنسيان – وهو قول بعيد لشذوذه وخروجه عما عليه الجماعه " وحكى الاجماع على هذا القول ولم يذكر خلافا في المسأله.
[ ٢٩ / ٢٠ ]
ثم ان قوله تعالى ﴿ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق﴾ يدل على ان المراد بما لم يذكر اسم الله عليه، مما اهل به لغير الله او كان ميته.
بدليل قوله تعالى: ﴿وانه لفسق﴾ ومعلوم ان كون المسلم نسي التسميه هذا ليس بفسق
والقرآن يفسر بعضه بعضا، فقد قال تعالى هنا ﴿وانه لفسق﴾ وقال في ايه اخرى: ﴿او فسقًا اهل لغير الله به﴾
فالذي يرجح هو ما ذهب إليه الحنابله
-والحنابله عمدتهم في التفريق بين الجاهل والناسي – ليس حديث (رفع عن امتى الخطأ والنسيان) لان هذا الحديث يدخل فيه الجهل.
انما عمدتهم: حديث ضعيف رواه الدارقطنى: ان النبى - ﷺ - قال (المسلم يكفيه اسمه فان نسى فلم يسم فلسم ويأكل) لكن الحديث إسناده فيه ضعيف.
لكن هذا ثابت عن ابن عباس ولا نعلم له مخالف – كما تقدم – فعمدتهم تعريفهم هذا الحديث وهو ضعيف.
قال:] ويكره ان يذبح بآلة كالة [
أي غير حاده، قد استعملت مرارًا وتكرارًا حتى صارت لا تنهر الدم انهارًا تامًا وتؤذى البهيمه.
ويدل عليه قوله - ﷺ -: (إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتله وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحه وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)
وظاهر الحديث الوجوب وهو قول بعض الحنابله – وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
لقوله: (ان الله كتب) والكتب يدل على الوجوب.
ولقوله (وليحد،وليرح) هذا أمر وظاهر الأمر الوجوب.
قال:] وان يحدها والحيوان يبصره [
فيكره ان تحد السكين ونحوها – والحيوان يبصره لما فيه من الاذيه للحيوان.
وفي مسند أحمد بإسناد ضعيف ان النبى - ﷺ - (أمر ان تحد الشفار وان يوارى عن البهائم)
قال:] وان يوجهه الى غير القبله [
يكره ان يوجه البهيمه الى غير القبله.
ولا دليل على الكراهيه، بل ولا هناك نص ظاهر يدل على استحباب ذلك.
[ ٢٩ / ٢١ ]
واستدلوا: بما يروى البيهقى ان النبى ﷺ في حديث جابر " وجهها " أي الى القبله " وقال وجهت وجهى:" الحديث "
لكن الحديث اسناده ضعيف.
قالوا: وتقاس على الاذان، قالوا لانه يتعبد لله بها فالمقصود ان غايه الامر ان يكون ذلك مستحبًا
وأما ان يقال ان ترك ذلك يكره فلا يظهر هذا.
قال:] وأن يكسر عنقه او يسلخه قبل ان يبرد [
فلوا ان رجلًا كسر عنقها وبها حياة أو سلخها وفيها حياة. هذا لا يحل.
وقوله (قبل ان يبرد) أي قبل ان يموت
وقد قال هنا (يكره) .
وهذا الحكم ضعيف بالنسبه الى هذا الفعل، والذي يستحقه هذا الفعل هو التحريم وهو قول القاضى من الحنابله ويدل عليه حديث (ان الله كتب الاحسان) (وليرح ذبيحته) .
فالراجح ان هذا الفعل محرم، وهو قول القاضى من الحنابله وظاهر اختيار شيخ الإسلام.
والحمدالله رب العالمين
باب الصيد
دلّ على اباحة الصيد: الكتاب والسنة واجماع العلماء.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿واذا حللتم فاصطادوا﴾
وأما السنه: فيها حديث عدي بن حاتم وهو ثابت في الصحيحين وسيأتى ذكر بعض الفاظه.
وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على ذلك أي على اباحة الصيد.
والصيد هو: اقتناص المأكول الحلال المتوحش طبعًا غير المقدور عليه.
فقولنا: " المتوحش طبعًا " يخرج من ذلك ما توحش على غير طبع كالإبل والبقر إذا ندّت، ولها حكم الصيد كما تقدم ذكره في قوله - ﷺ -" الا ان لهذه البهائم أوابد كاوابد الوحش فما ندّ منها فاصنعوا به هكذا ".
"غير المقدور عليه " يخرج من ذلك المتوحش طبعًا المتأهل وان كان في الاصل متوحشًا.
كأن تؤخذ بعض صغار الغزلان او غيرها ثم توضع في البيوت فتربى فهي في الأصل متوحشه، لكنها في هذه الحاله ليست كذلك بل هي متأهله، فلا يحل صيدها وانما لا بدّ ان تذكى لأنها مقدور عليها.
قال:] لا يحل الصيد المقتول في الاصطياد الا باربعه شروط:-
[ ٢٩ / ٢٢ ]
احدها: ان يكون الصائد من أهل الذكاه [.
هذا هو الشرط الأول: وهو ان يكون الصائد من اهل الذكاة، لان الاصطياد يقوم مقام الذكاه.
ولذا قال - ﷺ -– كما في الصحيحين (فإن اخذ الكلب ذكاة) .
وعليه فلا بد وان يكون الصائد من أهل الذكاة، فلو صاد غير المميز او صاد المميز الكافر او المييز غير العاقل فان الصيد لا يحل الا ان يكون الكافر كتابيًا.
اذن: لا بدّ ان يكون الصائد عاقلًا مسلمًا او كتابيًا كما تقدم ذكره.
قال: (الثاني: الآلة وهي نوعان: محدد يشترط فيه ما يشترط في اله الذبح)
فالشرط الثاني: الآلة وهي نوعان:-
النوع الأول: محدّد فيشترط فيه ما يشترط في آله الذبح فلا تحل ان يكون سنًا ولا ظفرًا لان الاصطياد يقوم مقام الذكاة "
وفي صحيح البخارى ان عدي بن حاتم سأل النبى - ﷺ - عن صيد المعراض فقال - ﷺ - (إذا أصبت بحّده فكل واذا أصبت بعرضه فانه وقيذ فلا تأكل)
والمعراض: يشبه الرمح
فلا بد ان يكون محددًا ينهر الدم كأن يضرب بسهم او ان يضرب بالرصاص او غير ذلك مما يكون حادًا
واما اذا لم يكن حادا فانه لا يحل للحديث المتقدم.
قال:] وأن يجرح [
فلا بد ان يكون جارحًا
ويدل عليه ما تقدم من حديث عدي وفيه " (اذا اصبت بحده فقتل فكل)
أما لو ضرب بسهم لكن هذا السهم لم يجرحه فإنه حينئذ يكون وقيذًا.
قال:] فإن قتله بثقله لم يبح [
اذا قتله بثقله فانه لا يباح
فلو رميت برمح فقتل طائرًا لكنه قتله بثقله فإنه لا يحل لانه لم يجرح.
اذن: لا بد ان تكون الآلة ذات حد وأن تجرح.
قال:] وما ليس بمحدد كالبندق [
المراد بالبندق: الحصى وهو كحصى الخذف، فإذا ضربه به فانه لا يصح لانه يكون وقيذا.
واما البندق الذي هو الرصاص فلا إشكال في حله بل هو ابلغ من السهم لانه يجرح وينفذ أشد من نفوذ السهم.
قال:] العصا والشبكه [.
[ ٢٩ / ٢٣ ]
فلو وضع شبكه فصادت، لكنه وجد الصيد ميتا فيها ولم يدركه فذبحه فلا يحل.
قال:] والفخ لا يحل ما قتل به [.
فلو وضع فخا فصاد صيدًا، فوجد الصيد ميتًا فيه فإنه لا يحل.
لكن لو أدركه في الشبكه او الفخ فذبحه فانه يحل لقوله تعالى ﴿إلا ما ذكيتم﴾
وهذه المسألة يرجع فيها الى المسألة السابقه.
والمشهور في المذهب انه اذا كان فيه حياة مستقره الذبح يصح.
والراجح انه بمجرد ما يخرج منه ما يخرج من المذكى في العادة فانه يجزئ.
قال:] النوع الثاني: الجارحه [
لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾
وهي نوعان:
النوع الاول: الجارح من السباع كالكلب والفهد.
النوع الثاني: الجارح من الطير كالصقر ونحوه.
-ولا تحل الا ان يكون معلمًا لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ أي مؤدبين
-فان كانت طيرًا فتعليمها بشيئين:
أنها اذا أرسلت استرسلت أي إذا أشار إليها بالصيد انطلقت اليه.
وأنها إذا زجرها انزجرت أي إذا قال لها قفى فإنها تقف أي بعبارته التى تفهمها منه.
فمتى ما كانت الطير هكذا فإنها تكون معلمه، فإن صادت فان صيدها يحل.
واما إذا كانت كلبًا فيشترط فيها مع الشرطين المذكورين في الطير – شرطًا ثالثا وهو آلا تأكل فان أكلت فإنها ليست بمعلمه.
لقوله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾
ففى تأديبها ثلاثه شروط:
أنها إذا أرسلت استرسلت.
وإذا زجرت انزجرت.
ألا تأكل مما أمسكت.
-والمشهور في المذهب ان ذلك – أي عدم الأكل يعرف بمرة واحده
فإذا أرسلها مرة واحدة فلم تأكل فإنها تكون معلمه.
والقول الثاني في المذهب ان ذلك يعرف بثلاث مرات
[ ٢٩ / ٢٤ ]
فإذا أرسلها ثلاث مرات فلم تأكل فإنها تكون معلمه والقول الثالث في المسألة:- وهو مذهب الشافعية وقول في مذهب أحمد أنه لا يكون معلمًا الا أن يكون ذلك من طبيعته ويكون ذلك بثلاث مرات أو خمس أو عشر يرجع في ذلك الى أهل الخبرة، وهذا هو الصحيح إذ لا دليل على التحديد وكونه لا يأكل في المره الأولى أو لا يأكل حيث أرسل ثلاثا هذا لا يدل على أنه أصبح معلمًا، بل حتى يكون من طبيعته أنه اذا أرسل الى الصيد لم يأكل منه ٠
وأما الفهد – فالمذهب انه يشترط فيه ما يشترط في الكلب ٠
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه:- بل يرجع فيه إلى أهل الخبره، فإن كان من تعليمه الا يأكل فيكون كالكلب ٠
وإن كان من تعليمه أن يأكل، فلا مانع أن يأكل كالطير فحينئذ يرجع الى أهل الخبرة بذلك ٠
فقد تقدم أن الطير يكون معلمًا إذا أسترسل إذا أرسل وأنزجز أذا زٌجر - وإن أكل مما يصيد ٠
وأما الكلب فيشترط ألا يأكل ٠
وأما الفهد فالمذهب كذلك – وأختار شيخ الاسلام أنه يرجع في ذلك الى أهل الخبرة فقد يكون عندهم يكتفى باسترساله أذا أرسل وانزجاره أذا زجر ولو أكل وهذا هو الراجح وأن مرجع ذلك الى أهل الخبره وهكذا في غير الفهد مما يصيد ننظر فيه الى أهل الخبره فإن قيل: لم فرقنا بين الطير وبين الكلب؟ ٠
فالجواب:- أن الطير لا يضرب فيشق حينئذ تعليمه على ألا يأكل بخلاف الكلب ونحوه قال:-] الثالث:- إرسال الآلة قاصدًا [.٠
أي قاصدًا الصيد
فلو أرسل الآلة ولم يقصد فيها الصيد فإن الصيد لا يحل فلو أن رجلا رأى شاخصًا في بيته فظنه لصًا – فرماه فإذا هو وحش مما يحل صيده فلا يحل وذلك لأنه لم يقصد صيده ومعلوم أن القصد شرط في التذكية فكذلك في الصيد ومن ثم أشترطنا أن يكون الصائد عاقلًا ٠
فإن أرسل سهمًا يقصد طائرًا ليصيده فصاد طائرا أخر أو أرسل سهمه ليصيد طائرا فصاده وصاد معه غيره فهل يحل ذلك أم لا؟ هذه مسألة ٠
[ ٢٩ / ٢٥ ]
المسألة الثانية رجل أخذ السكين ليذبح شاة وقال بسم الله ثم ذبح غيرها فما الحكم؟
أما المسألة الأولى:- وهو فيما إذا أراد صيدا فأصاب آخر فإنه يحل له ذلك:- قال صاحب الانصاف «بلا نزاع أعمله» وكذلك أذا أصابه وأصاب معه غيره وذلك لأنه قصد الصيد فأجزاه ذلك ٠
وأما في مسألة الشاه فلا يجزئ لاشتراط التمسة عليها لقوله ﷺ (ما أنهر الدم وذكر أسم الله عليه فكل) فلابد أن تكون التسمية على خصوص المذكاة وأما الصيد فلا يشترط أن تكون التمسية على خصوصه ٠
فهنا فرق في باب التسمية بين الصيد وبين الذبيحه ٠
فالذبيحة:- يشترط أن تكون التمسيه لخصوصها فلو سمى على شاة وذبح غيرها لم يجزئ ذلك لحديث (ما أنهر الدم) الحديث ٠
وأما اذا قال:- بسم الله وأرسل كلبه أو طائره أو رمى بسهمه فإنه يحل الصيد وإن صاد غيره وذلك لقوله ﷺ (أذا أرسلت كلابك المعلمه وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك» ولم يقل «وذكرت اسم الله عليه» وهو عام ٠
وكذلك في السهم فقد قال صلى الله عليو سلم – كما مسند أحمد وسنن أبي داوود والترمذي – وابن ماجه والحديث صحيح من حديث أبي ثعلبه الخشني قال ﷺ (كل ما رد عليك قوسك)
وهذا هو الذي تقتضيه السعه في هذا الباب، فإن الصائد قد يقصد شيئًا فيصيد شيئًا أخر لأن الصيد غير مقدور عليه فليس تحت يده بخلاف المذكى فإنه تحت يده فلا يشق عليه أن تكون التسمية على خصوص العين المذبوحة ٠
ومسألة:- إذا قال (باسم الله) وأخذ سهمًا ثم غير هذا السهم بسهم أخر ثم رمى به ٠
قال الحنابلة:- لا يجزئ، فلو أن رجلا جهز البندقية وفيها شئ من الرصاص، فلما أراد أن يرمي بها كأنه غير ذلك لأمر معين ثم وضع رصاصه أخرى ثم رمى بها فإنه لا يجزئ.
[ ٢٩ / ٢٦ ]
ولو وضع الشاه على الارض ثم أخذ سكينًا فسمى بالله فوجد السكين كاله فرماها ثم أخذ سكينًا أخرى فذبح بها فإنه يجزئ في المذهب في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى لا يجزئ ٠
ولا يظهر أن هناك فارقًا معتبرًا، لذا إختار الشيخ عبد الرحمن السعدي إستواء الصورتين لأن المقصود هو التذكيه فلا فرق بين الصورتين ٠
وكأنهم – أى الحنابله – لمحوا أن التسمية على الآلة كما أن النبي ﷺ جعل التسميه على الآله مجزئه وإن لم تكن بخصوص الصيد، لكن لا يظهر أن هذا فرق مؤثر ٠
قال:-] فإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح [٠
إذا أسترسل الكلب أو غيره كالصقر بنفسه كأن يرى شيئا من الصيد فإنطلق اليه ليصيده فإنه لا يباح ٠
ويدل عليه قوله ﷺ (أذا أرسلت كلبك «وهذا شرط» وذكرت أسم الله فكل)
قال:-] الا أن يزجره فيزيد في طلبه فيحل [.
فلو رأى الصائد أن الطير قد أنطلق الى شىء مما يصاد فلما رآه أنطلق زجره فأنزجر وزاد في عدوه كأنه يحل وذلك فإنه لما زاد في عدوه دل على أنه إنما صاد لصاحبه ولأنه اجتمع فعل ادمي وفعل بهيمه وأذا وجد فعل الآدمي مع فعل البهيمه فإنه هو المعتبر، وعليه فيلغى فعل البهيمه ٠
وظ\هر كلام المؤلف أنه لو زجره فلم يزد في عدوه تبين أنه ليس للأدمي أثر وعليه فلا يحل – وهو كما ذكر – وذلك لأن الكلب لم يسترسل بإرسال صاحبه وإنما أسترسل بنفسه والشرط أن يرسله صاحبه للحديت المتقدم ٠
مسألة
فإن أرسل الصائد كلبه فأكل فهل يحل أكله أم لا، وهذا خاص في الكلب والفهد على قول؟
الجواب لا يحل كما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ومنه «إذ١ أرسلت كلابك المعلمه وذكرت اسم الله فكل مما أسكن عليك الا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما امسك على نفسه»
والله ﷿ يقول ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ فإذا أكل منها فهذا يدل على أنه إنما أمسك على نفسه فلا يحل ذلك ٠
[ ٢٩ / ٢٧ ]
فإن قيل:- فما الجواب عما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال (إذا أرسلت الكلب وذكرت اسم الله فكل وإن أكل)
فالجواب أنه من حديث عمرو الأودي وهو مقارب الحديث كما قال ذلك الإمام أحمد لكن هنا خالف هذا الحديث المتفق عليه وكان حديثه منكراَ فعلى ذلك الحديث منكر لا يصح ٠
قال]: الراجح التمسيه عند إرسال السهم أو الجارحه [.
أو قبيله بزمن يسير غرفًا لقوله ﷺ (إذا رميت سهما فأذكر اسم الله)، وقال ﷺ (إذا أرسلت كلابك المعلمه وذكرت اسم الله)
قال]: فإن تركها عمدا أو سهوا لم يبح [٠
اذن في الصيد ان تركها سهوًا فانه لا يباح، فقد فرقوا بين التسميه على الصيد وبين التسميه على الذبيحه.
قالوا: الفرق بينهما،١- التسميه على الذبيحه يسامح فيها لان الذبح وقع في محله فقد قطع الحلقوه والمرىء فكان الذبح في محله.
واما الصيد فليس في محله فانه قد يضربها في بطنها او ظهرها فتموت بذلك فليس الذبح في محله فلم يتسامح فيه.
-وعن الامام أحمد وهو قول الأحناف والمالكيه:- أن السهو كذلك هنا معفى عنه كما يعفى في الذبيحه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:" والصواب التسوية بين النسيان والجهل في ترك التسميه على الذبائح والصيد لعدم الفارق بينهما ولان الشارع قد سوى بينهما بعدم المؤاخذه "
والصحيح هو هذا القول لعدم الفارق بين الذبيحه والصيد في هذا الباب بل الصيد أولى لأن الصيد يتسامح فيه.
ولذا انه اذا سمى على الآله او على الكلب – فصاد ولو كان الصيد شئًا آخر غير الذي أرسل اليه فانه يجزئ.
وكذلك لا يد فى الذبيحه ان يكون ذلك بقطع الودجين كما تقدم (انظر الدرس السابق) واما هنا فاالأمر يتسامح فيه، فدل على ان الصيد يتسامح فيه وأيضا في الغالب يكون النسيان، فانه قد يتبع الصيد فيغفل عن التسميه، ومن تتبع الصيد غفل.
[ ٢٩ / ٢٨ ]
ولأنه قد يخرج عليه فجأة، بخلاف الذبيحه فان ذلك لا يكون فيها فكان الصيد أولى بالتسامح.
وأما ما ذكروه فليس بمؤثر لأن الشارع جعل الإصابه بحد السهم او بناب او مخلب الجارح – جعله في مقام الذبح تمامًا.
قال]:ويسن ان يقول معها الله اكبر كالذكاة [
فيستحب في الذكاة والصيد ان يقول مع بسم الله: الله اكبر.
أما في الذكاة، فلما ثبت في صحيح مسلم ان النبى ﷺ قال – على أضحيته: " بسم الله والله اكبر ".
قالوا: والصيد يقاس على ذلك.
-واما الصلاة على النبى ﷺ حينئذ فلا تشرع وذلك لعدم ثبوت ذلك عن النبى ﷺ.
والحمد الله رب العالمين
ثم سالت شيخنا بعد الدرس: عن استحباب الحنابله قول " الله اكبر " عند الصيد مع التسميه
فقال – حفظه الله – هذا محل توقف وذلك لأن القياس في باب العبادات محل نظر بل الاصل انه لا يقاس في باب العبادات.
ثم سئل: عن رجل رمى صيدًا فأصابه فوقع على حجر فمات فما الحكم؟
الجواب: اذا كان يعلم انه قد مات بسبب رميته فانه يحل.
وكذلك اذا وقع في الماء فوجوه غريقا.
اما اذا كان لا يدرى هل مات بسبب رميه او بسبب الحجر في الصورة الأولى، والماء في الصورة الثانيه، فلا يحل للحديث المتفق عليه: (واذا وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدرى الماء قتله او سهمك) .
[ ٢٩ / ٢٩ ]