الدرس التاسع والأربعون
(يوم الاثنين: ١٠ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
كتاب الصلاة
الصلاة لغة: الدعاء
اصطلاحًا: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم (١) .
وقد فرضها على عباده ليلة أسرى بالنبي ﷺ، كما في الحديث المشهور المتفق عليه (٢) .
قال المؤلف ﵀: (تجب على كل مسلم مكلف)
الصلاة فرض على كل مسلم مكلف، قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ (٤) .
_________________
(١) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الشرح الممتع [١ / ٥]: " أما في الشرع: فهي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وإن شئت قلت: هي عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسيلم. أما قول بعض العلماء: إن الصلاة هي أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم فهذا فيه قصور، بل يشترط أن نقول: عبادة ذات أقوال، أو نقول: التعبد لله تعالى بأقوال حتى يتبين أنها من العبادات " ا. هـ.
(٢) أخرجه البخاري في أول كتاب الصلاة (٣٤٩)، وانظر (١٦٣٦)، ومسلم (١٦٣) .
(٣) سورة النساء.
[ ٣ / ١ ]
وقوله ﷺ لجبريل: حين سأله عن الإسلام: (أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وتقيم الصلاة) (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٨) [١ / ١٥٠] فقال رحمه الله تعالى: " حدثني أبو خيْثمة زُهير بن حرب، حدثنا وكيع عن كَهْمسٍ عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحِمْيري حاجين أو معتمرين، فقلنا لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوُفّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أنا صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يَحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهبًا فأنفقه ما قَبِل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - ﷺ - فأسند رُكبَتَيْه إلى ركبتيْه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: (الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا) قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك) قال: فأخبرني عن الساعة، قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) قال: ثم انطلق فلبثت مليًا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) ". وقال ﵀: " حدثني محمد بن عُبيد الغُبَري وأبو كامل الجَحْدري وأحمد بن عَبْدة قالوا: حدثنا حماد بن زيد عن مطر الوراق عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: لما تكلم معبد بما تكلم به في شأن القدر أنكرنا ذلك، قال: فحججت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حجة، وساقوا الحديث بمعنى حديث كهمس، وإسناده فيه بعض زيادة ونقصان أحرف. وحدثني محمد بن حاتم حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا عثمان بن غياث حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن قالا: لقينا عبد الله بن عمر، فذكرنا القدر وما يقولون فيه، فاقتص الحديث كنحو حديثهم عن عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - وفيه شيء من زيادة وقد نقص منه شيئًا. وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا يونس بن محمد حدثنا المعتمر عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر عن النبي - ﷺ - بنحو حديثهم. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعًا عن ابن عُلية قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي حيان عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر) قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة والمكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك) قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العُراة الحفاة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البَهْم في البنيان، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا ﷺ ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: (ردوا عليّ الرجل) فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: (هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم) . حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير حدثنا محمد بن بشر حدثنا أبو حيان التيمي بهذا الإسناد مثله، غير أن في روايته: (إذا ولدت الأمة بعلها) يعني السراري. ". ورواه البخاري في كتاب الإيمان (٥٠) فقال ﵀: " حدثنا مسدد قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - بارزًا يومًا للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث، قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) قال: (وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي - ﷺ - ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ الآية، ثم أدبر، فقال: (ردوه)، فلم يروا شيئًا، فقال: (هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم) قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان. ". طرفه في [٤٧٧٧] .
[ ٣ / ٢ ]
وقد أجمع العلماء على أنها فرض على المكلفين.
والمكلف هو: البالغ العاقل – ذكر كان أو أنثى حرًا كان وعبدًا (١) –.
قال: (إلا حائضًا ونفساء)
فلا تجب الصلاة عليهما أداءً ولا قضاءً.
فلا يحل الصلاة للحائض – كما تقدم – أن تصلي أو تصوم، كما قال النبي ﷺ: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) (٢)
وكذلك: العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز للحائض ولا النفساء الصلاة.
_________________
(١) كذا في الأصل بالواو، ولعل الأقرب " أو ".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (٣٠٤) عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: (يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: (تكثرنْ اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازم من إحداكن) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها)، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها)، وانظر (١٩٥١)، وأخرجه مسلم باختلاف في الحوار رقم (٨٠) .
[ ٣ / ٣ ]
كما أنهم أجمعوا على أنها لا تقضي – كما في حديث عائشة: (كان يصيبنا ذلك على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (١)
قال: (ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه)
قوله (أو نحوه) كأن يشرب دواءً مباحًا فيزيل عقله مثلًا.
قوله (بنوم) اتفاقًا، فيجب عليه القضاء، لقوله ﷺ: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (٢)
قوله: (أو إغماء) فالمغمى عليه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات كأن يكون أغمي عليه عن صلاة أو صلاتين أو يوم أو يومين فيجب عليه القضاء.
قالوا: قياسًا على النائم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (٣٣٥) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلتُ: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، وأخرجه أيضًا بلفظ: " أحرورية أنت، قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله - ﷺ - ثم لا تؤمر بقضاء " وبلفظ: " أحرورية أنت؟ قد كن نساء رسول الله - ﷺ - يحضن أفأمرهنّ أن يَجْزينَ؟ " أي يقضين كما قال محمد بن جعفر كما في صحيح مسلم، وأخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة (٣٢١) بلفظ: حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طَهُرت؟ فقالت: أحرورية أنت، كنا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله ". ومعني أَتَجْزي: أي أتقضي.
(٢) أخرجه البخاري (١ / ١٥٧) ومسلم (٢ / ١٤٢)، وأبو داود (٤٤٢)، وكذا أبو عوانة (٢ / ٢٦٠، ٢٦١) والنسائي (١ /١٠٠) والترمذي (١ / ٣٣٥) وغيرهم، الإرواء [١ / ٢٩١] رقم ٢٦٣.
[ ٣ / ٤ ]
ولما ثبت في سنن البيهقي: (أن عمار بن ياسر أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فلم يفق إلا بعد منتصف الليل فقضى تلك الصلوات) (١) هذا هو مذهب الحنابلة.
- وذهب أكثر الفقهاء إلى: أن المغمى عليه لا يجب عليه القضاء فلو أغمي عليه – مثلًا – قبل صلاة الظهر فلم يفق إلا بعد خروج وقتها فإنه لا يقضيها.
قالوا: لأن الأصل عدم القضاء إلا أن يدل دليل على وجوبه، وقياسه بالمجنون أشبه بجامع زوال العقل زوالًا غير طبيعي.
ولا يقاس على النائم – كما ذكرتم – لأن النائم زوال عقله زوال طبيعي وهو يتكرر فلو لم تُقض الصلاة بالنوم والنسيان لأدى ذلك إلى ترك كثير من الصلوات، بخلاف الإغماء فإنه إنما يقع على القلة أو على الندرة فلم يكن حكمه كحكم النوم، فإن الحكم بترك القضاء مع النوم يؤدي إلى ترك صلوات كثيرة والشارع قد أكد وجوبها والمحافظة عليها غاية المحافظة وكون النائم لا يقضي ينافي ذلك.
بخلاف المغمى عليه فإن حالته نادرة وقليلة، وهو أثناء الإغماء ليس بمكلف لأنه قد زال عقله في تلك الحال والذي لا عقل له كالمجنون لا يجب عليه القضاء اتفاقًا، وقياسه بالمجنون أشبه.
ثم إن النائم إن أُوقظ استيقظ وزال عنه مانع الصلاة، وأما المغمى عليه فإنه لا يستيقظ بإيقاظه، وهذا القول هو الراجح.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١ / ٥٧١] رقم (١٨٢٢) قال: " أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنا علي بن عمر الحافظ، أنا علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا أحمد بن سنان، ثنا عبد الرحمن بن سفيان، عن السدي، عن يزيد مولى عمار: أن عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق نصف الليل فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ".
[ ٣ / ٥ ]
أما أثر عمار بن ياسر فإسناده ضعيف فقد رواه البيهقي وغيره بإسناد ضعيف، وقد نبَّه على هذا ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي (١) .
وعندنا أثر يخالفه وهو صحيح رواه مالك في موطئه وغيره بإسناد صحيح: (أن ابن عمر أغمي عليه فلم يقض) (٢) .
إذن: هذا الأثر صحيح لا مخالف له عندنا، وهو ترجيح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء أن المغمى عليه لا يقضي سواء كان الإغماء أكثر من يوم وليلة أو أقل.
فمن أغمي عليه فلا يجب عليه القضاء ما لم يدرك الوقت؛ لأنه غير مخاطب شرعًا بهما (٣) بزوال عقله وليس عندنا دليل جديد يوجب عليه القضاء بخلاف النائم.
" أو سكر ": حكى غير واحد من العلماء اتفاق أهل العلم على من ذهب عقله بسكر فإنه يجب عليه القضاء. ويستدل لهذا: أن أمره بالقضاء عقوبة له على تركه للصلاة.
ويمكن أن يستدل عليه بقياسه على النائم.
لكن ذهب شيخ الإسلام إلى أن من ذهب عقله بسكر لا يجب عليه القضاء. وقد حكى شيخ الإسلام – كما في الفتاوى المصرية – أنه لا نزاع بين أهل العلم في أن السكران يجب عليه القضاء.
لكنه - ﵀ – خالف هذا الاتفاق، وذهب إلى أن من ذهب عقله بسكر فإنه لا يجب عليه القضاء وقوله قوي ظاهر.
أما قياسه على النوم فهو قياس مع الفارق، فالنوم ذهاب العقل طبيعة، وكما تقدم ترك القضاء يؤدي إلى ترك صلوات كثيرة.
بخلاف السكر فإنه ليس بطبيعي.
والعقوبة يجب أن تكون مما وردت به الشريعة، فإن عقوبة شارب الخمر أنه يجلد ثمانين جلدة، أما أن يعاقب بغير ذلك فيحتاج إلى دليل شرعي.
وكما تقدم فإن من لم يكن صاحب عقل فليس بمخاطب من قبل الشريعة أثناء زوال عقله.
_________________
(١) قال ابن التركماني: " سكت عنه، وسنده ضعيف، ومخالف للباب " السنن الكبرى للبيهقي [١ / ٥٧١] .
(٢) صححه ابن حزم كما في المحلى [٢ / ٢٣٤] .
(٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: بها.
[ ٣ / ٦ ]
وكوننا نأمره بالقضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس عندنا أمر جديد يوجب القضاء.
فما ذهب إليه شيخ الإسلام فيه قوة.
ومثل ذلك، من ذهب عقله بدواء مباح بل أولى بأن لا يقال بوجوب القضاء – وهو مذهب المالكية والشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام – كما تقدم (١) .
إذن: الراجح أنه لا يجب القضاء إلا على من نام أو نسي أما المغمى عليه أو من ذهب عقله بدواء مباح أو بسكر فإنه لا يجب عليه القضاء.
مسألة:
هل يجب القضاء مع الجهل فيمن فعل أو ترك قبل وصول الشريعة إليه وقبل بلوغ العلم له؟
بمعنى: هل تلزم الأحكام قبل بلوغ العلم أم لا؟
أمثلة ذلك:
فمن باب الصلاة: فلو أن رجلًا ترك الصلاة لكونه ناشئًا في بادية، أو لكونه نشأ في بلد حرب فأسلم فلم يعلم بوجوب الصلاة، فإذا علم بوجوبها فهل يجب عليه القضاء أم لا؟
رجل ترك الزكاة في باب من أبواب الزكاة كأن يتركها في عروض التجارة، ولم يبلغه وجوب ذلك، فإذا بلغه فهل يجب عليه أن يقضي السنوات السابقة أم لا؟
المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم وجوب ذلك.
وهناك وجه عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام: أنه لا يجب، وأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها فالقاعدة – عند شيخ الإسلام – أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها.
وهو قول دلت عليه النصوص الشرعية فمن ذلك:
_________________
(١) قال في الشرح الممتع [٢ / ١٧]: " مسألة: من زال عقله ببنج فإنه يقضي؛ لأن هذا وقع باختياره، والغالب في البنج أنه لا تطول مدته ".
[ ٣ / ٧ ]
أن النبي ﷺ لما أساء المسيء صلاته عند النبي ﷺ تأدية فريضة كان من النبي ﷺ أن أمره أن يعيد صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة الصلوات السابقة (١) لكونه جاهلًا بأركنها وفرائضها التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولو كانت الشرائع واجبة قبل العلم بها لأمر النبي ﷺ بقضاء الصلوات التي صلاها مختلة الشروط فيها والأركان مما لا تصح العبادة معه.
ومن ذلك قصة الرجل الذي رقب الخيط الأبيض من الخيط الأسود فأفطر بعد دخول الوقت (٢) ظنًا أن المراد به الخيط الأسود الطبيعي والخيط الأبيض الطبيعي فقال له النبي ﷺ ما قال ولم يأمره بقضاء ذلك اليوم.
إذن: لا يجب القضاء إلا بعد العلم بل لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم بها سواء كان ذلك في المسائل الكلية كالصلاة أو في المسائل الجزئية كشيء من أركان الصلاة وشرائطها.
فمن عمل عملًا ينقض الصلاة أو يبطلها أو ينقض الطهارة أو يبطلها وهو مداوم على عمله ولا يعلم أن هذا مبطل فإنه لا يلزمه إلا إعادة فريضة الوقت.
قال: (ولا تصح من مجنون)
والمجنون في عرف الفقهاء من زال عقله بجنون أو خرف أو غير ذلك، فكل هذا يطلق عليه في عرفهم جنون فلا تصح من مجنون لأنه لا نية له، ولا كذلك ممن لا تمييز له كالصبي غير المميز، فإنها لا تصح منه الصلاة.
فلا تصح من مجنون ولا غير مميز، لأنهما لا نية لهما
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم (٧٥٧)، وانظر في الصلاة باب ٣١، و(٦٢٥٢)، وأخرجه مسلم (٣٩٧) .
(٢) وهو عدي بن حاتم ﵁ كما أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قول الله تعالى ﴿وكلوا واشربوا﴾ (١٩١٦) وقال سهل كما في البخاري (١٩١٧): " فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله.. "، وأخرجه مسلم (١٩٠١) (١٠٩٠) .
[ ٣ / ٨ ]
ومن شروط العبادة النية فإنما الأعمال بالنيات، لذا أجمع أهل العلم على أنها لا تصح من المجنون وغير المميز.
قال: (ولا كافر):
فلا تصح صلاته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ (١)
فإذا كانت النفقات التي فيها النفع المتعدي لم تقبل منهم بسبب كفرهم بالله وبرسوله فأولى من ذلك الصلاة التي نفعها لازم لصاحبها.
فإن قيل: فالمرتد؟
إذا أسلم ثم أرتد ثم أسلم، فما حكم صلاته؟
في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي مبنية على مسألة حبوط العمل، هل يحبط العمل بالردة أم لا؟
- فذهب بعض أهل العلم: إلى أن الردة محبطة للعمل مطلقًا وإن مات على الإسلام.
فرجل حج وصلى ثم أرتد ثم عاد إلى الإسلام فأعماله التي قام بها قبل الردة هي أعمال حابطة فعلى ذلك يجب عليه أن يعيد الحج ونحوه مما فعله من الفرائض.
- والقول الثاني: أن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة وهذا القول هو الراجح؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ (٢) فشرط الله هذا الشرط، فمن ارتد عن دينه ومات على الكفر فهو حابط العمل، وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن عمله الصالح الذي قام به قبل ردته لم يحبط بل هو مكتوب له عند الله – هذا هو الراجح –.
وعلى هذا الخلاف اختلف العلماء في المرتد وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد.
١- الرواية الأولى - وهي مبنية على القول الأول –: وأن المرتد يحبط عمله وإن مات على الإسلام.
_________________
(١) سورة التوبة.
(٢) سورة البقرة.
[ ٣ / ٩ ]
قالوا: لا يلزمه القضاء مطلقًا أي لا العبادات التي تركها في حال إسلامه ولا التي تركها في حال ردته. فالعبادات التي تركها في حال كفره لا يجب عليه قضاؤها وهذا واضح ظاهر، فقد قال تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (١) أما ما تركه من العبادات في حال إسلامه فهذه ينبغي أن تكون معلقة به قالوا: قد حبط عمله فأصبح في حكم الكفار، والكافر كما قال الله – فيه -: ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٢) فهو في حكم الكافر في حال إسلامه وفي حال كفره.
٢- والرواية الثانية: قالوا: يلزمه القضاء في حال إسلامه وفي حال كفره.
قالوا: لأن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة.
فعليه: ما تركه من الصلوات والصيام في حال إسلامه يجب عليه أن يقضيه، وما قام به من الأعمال الصالحة كالحج لا يجب عليه أن يعيده.
وأما ما فعله أثناء الردة فيجب عليه أن يقضيه، وهذا القول: أما في شقه الأول فراجح واضح، وأما في شقه الثاني فهو ضعيف؛ لأنه كيف نؤمر بالقضاء في حالة ردته، فهو في تلك الحال كافر بالله ﷿ فوجب أن يعطى حكم الكفار وليس هذا القول – في شقه الثاني – ليس له وجه صحيح.
٣- ويتم الترجيح للرواية الثالثة واختارها طائفة من أصحابه فإنهم قالوا: يقضي ما تركه في حال إسلامه، وأما في حال ردته فهو بحكم الكفار وهذا القول هو الراجح.
فما تركه من الأفعال في حال الردة لا يجب قضاؤها؛ لأنه في تلك الحال كافر، وقد قال تعالى عن الكفار ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ أما التي تركها في حال إسلامه فإن عمله لم يحبط لكونه قد فقد الشرط الثاني من شروط حبوط العمل وهو أنه لم يمت وهو كافر، فعلى ذلك عمله الصالح الذي قام به حال إسلامه قبل ردته عمل ثابت له لكونه لم يمت على الردة – وحينئذ – يجب عليه قضاء ما تركه من العبادات أثناء إسلامه، لأنه في تلك الحال مخاطب وقد عاد إليه عمله كما كان.
[ ٣ / ١٠ ]
قال: (وإن صلى فمسلم حكمًا)
رجل ذمي في بلاد إسلامية صلى صلاة المسلمين فحينئذ يحكم له بالإسلام بالظاهر فإذا مات يرثه المسلمون ويصلى عليه ويغسل ويكفن وغير ذلك من أحكام المسلمين هذا في الظاهر وأما السرائر فالله يتولاها ودليل ذلك:
قوله ﷺ: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله) (١) والحديث رواه البخاري ولما روى مسلم أن النبي ﷺ قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (٢) وقوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة) (٣) .
فهذه الأدلة تدل على أن من صلى صلاتنا فهو مسلم قد ثبت إسلامه بهذه الصلاة ما لم يفعل ناقضًا من نواقض الإسلام فإن فعل ناقضًا بعد أن صلى أو قال: كنت هازلًا في الصلاة أو نحو ذلك فلا يقبل ذلك منه بل يحكم أنه مرتد، ولا يعطى أحكام الكفار الأصليين بل يعطى حكم الكفار المرتدين، لأننا حكمنا عليه لما صلى بأنه مسلم في الحكم الظاهر، فإذا ادعى خلافه وأصر على الكفر فهذا ارتداد منه وله حكم المرتدين، وقد قال ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤) ولا يحكم عليه بحكم أهل الذمة بتركهم في البلاد الإسلامية بالشروط بل يعطى حكم المرتد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة (٣٩١)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (٢٦٢١) وقال: " هذا حديث حسن صحيح غريب ". وغيرهما.
(٤) أخرجه البخاري في باب لا يعذب بعذاب الله، من كتاب الجهاد، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ من كتاب الاعتصام، وأبو داود، باب الحكم في من ارتد من كتاب الحدود وغيرهما، المغني [٩ / ٥٥٠] .
[ ٣ / ١١ ]
إذن: من صلى صلاة المسلمين بطبيعتها وهيئتها فإنه يحكم عليه بالإسلام للأدلة الشرعية المتقدمة.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخمسون
(يوم الثلاثاء: ١١ / ٢ / ١٤١٥هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر)
يؤمر بها: أي الصلاة.
الصغير: سواء كان ذكرًا أو أنثى حرًا أو عبدًا.
" لسبع ": أي تمام سبع سنين، فإذا شرع في الثامنة وقد تم له سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة.
وإذا تم له عشر سنين وشرع في السنة الحادية عشر فإنه يضرب ضرب تأديب على الصلاة.
وهذا خطاب للولي أو الوصي، أو القيم على أمر الصبي، فيجب على الولي، سواء كان أبًا أو جدًا أو غير ذلك. فإن لم يكن وليًا، فيجب على الوصي، فإن لم يكن وصيًا فيجب على القيم الذي يولى أمر الصبي من جهة القاضي أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع ويضربه عليها لعشر أي إذا تم له عشر سنين.
* وظاهر المذهب وجوب ذلك، وأن هذا واجب على الأولياء، بل يثبت التعزير على الترك كما قال شيخ الإسلام: " فمن لم يفعل فإنه يعزر تعزيرًا بليغًا "؛ لأنه ترك ما وجب عليه من الأمر بهذه الصلاة.
فالصبي وإن كانت الصلاة منه لا تكون على وجه الفرضية بل هي له نفل، لكن هذا الأمر لتعليمه وتعويده على الصلاة المكتوبة فيألفها ويعتادها فتسهل عليه بالغًا، وإلا فإن الصلاة غير مفترضة على من لم يبلغ لقوله ﷺ فيما رواه الخمسة: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق) (١)
_________________
(١) أبو داود [٤٣٩٨] والنسائي [٢ / ١٠٠]، والترمذي [١ / ٢٦٧] وابن ماجه [٢٠٤١] . الإرواء برقم ٢٩٧ ج ٢.
[ ٣ / ١٢ ]
والصبي لا تجب عليه الصلاة إلا إذا بلغ، وهذا الأمر أمر وجوب للأولياء أو نحوهم، أما الصبي فإنه لا يعاقب عند الله على تركه الصلاة سواء كان هذا الترك بسبب تهاون الأولياء بأمره أو كان مع تشددهم وقيامهم لهذا الواجب تجاه الصبي، لكنه لا يجب عليه مطلقًا، فإن فِعْله تنفل ولكن الأمر من الولي أمر وجوب.
إذن: يجب على الولي ونحوه أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع أي إذا تم له سبع سنين، وأن يضربه عليها إذا تم له عشر سنين، ويدخل في ذلك تعليمه الطهارة وما يشترط للصلاة، كتعليم صفتها فإن هذا واجب على الأولياء فإذا قصروا فيه أثموا.
وقد ثبت ما يدل على هذا في السنة الصحيحة، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحديث عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وهو حديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع) (١)
قوله: (مروا): أمر، والأمر للوجوب ما لم يأت صارف ولا صارف له.
إذن: الصلاة من الصبي تنفل وتطوع بشرط العقل، وهو أن يكون مميزًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (٤٩٥) قال: " حدثنا مؤمل بن هشام - يعني اليشكري – حدثنا إسماعيل عن سوار أبي حمزة - قال أبو داود: وهو سوار بن داود أبو حمزة المزنني الصيرفي - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مروا أولادكم الصلاة..) قال في حاشية سنن أبي داود: " تفرد به أبو داود ". لكن رواه الترمذي في باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة من أبواب الصلاة (٤٠٧) عن عبد الملك بن الربيع بن سَبْرَة عن أبيه عن جده بلفظ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها بن عشر "، المغني [٢ / ٣٥٠] .
[ ٣ / ١٣ ]
أما إن لم يكن الصبي مميزًا فإن الصلاة لا تصح منه لما تقدم، فإن الصلاة لا تصح إلا بنية، وغير المميز لا نية له.
والنبي ﷺ قد حدد بسبع سنين، أي بعد تمامها والشروع بالثامنة؛ لأن الغالب أن التمييز يكون في ذلك وإلا فإن مناط الحكم هو التمييز، فإن التمييز هو ثبوت العقل في الطفل بحيث يفهم الخطاب ويرد الجواب، فمتى كان ذلك فإنه مميز، وقد يميز وهو ابن خمس سنين أو ست سنين أو سبع سنين، فتصح منه الصلاة.
* ولكن هل يجب على الولي أن يأمره بالصلاة وهو ابن ست سنين وقد ميز؟
ظاهر المذهب: أن ذلك لا يجب وأنه معلق ببلوغ سبع سنين.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه متى ميَّز فإنه يجب عليه أن يأمره بالصلاة، وهذا قوي ظاهر؛ فإن النبي ﷺ إنما علق ذلك بالسبع لكون هذا هو الغالب وإلا فقد يميز قبل ذلك فيجب أمره بذلك، وغاية ذلك إنما هو التعليم له وترغيبه بالصلاة وترهيبه من تركها، بخلاف ما إذا بلغ عشر سنين فإنه يضرب ضرب تأديب على ترك الصلاة.
قال: (فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد)
أمر الصبي بالصلاة فصلى وأثناء الصلاة بلغ، وهذا فيه إشكال، فكيف يكون البلوغ أثناء الصلاة، لكن لا بأس بذلك فقد يكون مثل ذلك.
إذن: يجب عليه إذا بلغ في أثنائها أن يعيدها، وكذلك إذا بلغ بعدها في وقتها أن يعيدها.
قالوا: الدليل على ذلك: أنها فريضة عليه وهو إنما صلى على هيئة التطوع والتنفل فلا يجزئ التنفل عن الفرض فصلاته إنما هي نفل وتطوع، وما يجب عليه إنما هو فرض وإلزام ووجوب، وهو إنما قام به على وجه التطوع والتنفل، فالواجب عليه أن يعيده على وجه الافتراض والوجوب.
- وذهب الشافعية وهو مذهب بعض أصحاب الإمام أحمد واختار ذلك ابن تيمية: إلى أن ذلك ليس بواجب، فلا يجب عليه أن يعيد الصلاة ولا يؤمر بذلك.
[ ٣ / ١٤ ]
وعللوا ذلك: بأنه قد أمر من وليه بالصلاة وعوقب على تركها ولا يجمع عليه أمران فإنه قد أمر بالصلاة فأداها كهيئة صلاة الناس إلا أنها كانت له نفلًا وكانت لهم فرض بسبب عدم أهليته بذلك، وقد أمر بها وعوقب على تركها فلم يكن – حينئذ – للأمر الثاني وجه، فلا يؤمر بالإعادة مرتين.
قالوا: ونحن لا نقول أنها تنقلب من النفل إلى الفريضة لكننا نقول: أنه قد قام بالعبادة كما يقيمها (١) غيره، ولم يكن أهلًا لأن تكون فرضًا فإنه ليس مما يفترض عليه ذلك، فكانت في حكم الله له نفل وإلا فقد قام بها كما يقوم بها غيره فصلى صلاة غيره من الناس.
وهذا القول أظهر وأنه لا يجب عليه أن يعيدها؛ لأنه قد أمر بها كما تقدم من الولي بأمر الشارع للولي بذلك فلم يكن من الوجاهة أن يجدد له أمر جديد بذلك.
قال: (ويحرم تأخرها عن وقتها إلا لناوي الجمع ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبًا)
هذه المسألة هي في باب المواقيت أنسب منها في هذا الباب، فإنها في تأخير الصلاة عن وقتها، وستأتي الأدلة الدالة على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بل يجب أن تصلى في المواقيت التي وقتها الشارع.
فهنا قال: (ويحرم تأخرها عن وقتها)
إذن: يستثني من التحريم صورتان:
الصورة الأولى: ناوي الجمع، مثال: رجل أخر صلاة الظهر عن وقتها أخرها بنية أن يجمعها مع العصر جمع تأخير وهو ممن يجوز له الجمع، فيجوز له ذلك بالإجماع، وقد فعل ذلك النبي ﷺ ودلت عليه الشريعة ومثل ذلك جائز إجماعًا.
_________________
(١) في الأصل: يقيهما.
[ ٣ / ١٥ ]
الصورة الثانية: لمشتغل بشرطها " كالطهارة " الذي يحصله قريبًا - وتقدم هذا في باب التيمم – فإذا اشتغل بالغسل وكان هذا من متناوله وهو قريب إليه فاشتغل بالطهارة حتى خرج الوقت فأخر الصلاة لاشتغاله بشرط الطهارة مثلًا فإن هذا جائز – وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب التيمم – وأن هذا جائز على مذهب طائفة من أهل العلم لاشتغاله بشرطها.
وهنا قد قيده بقوله: (الذي يحصله قريبًا) فإن لم يحصله قريبًا، بأن كان بعيدًا بالعرف كأن يكون الماء بعيدًا عنه وفي ذهابه إليه تفويت لصلاة الوقت وتأخير لها عن وقتها فإن ذلك لا يجوز له وليس معذورًا بذلك؛ لأن هذا الشرط ليس يحصله قريبًا عرفًا بل هو بعيد عرفًا.
إذن: المشتغل بشرط من شروط الصلاة يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يتم له القيام بهذا الشرط، هذا على القول المتقدم.
وقد تقدم ترجيح وجوب الصلاة في وقتها كما في باب التيمم.
وفي قوله: (ويحرم تأخيرها عن وقتها):
ظاهره جواز تأخيرها في وقتها، فله أن يصلي صلاة الظهر في آخر وقتها ونحو ذلك فإن هذا جائز ما لم يكن الوقت محرمًا أي وقت ضرورة – وسيأتي بيانه في باب المواقيت –.
فإذن يجوز له أن يؤخر الصلاة في وقتها، وقيدوا هذا بشرطين:
الشرط الأول: ألا يظن وجود مانع، فمتى ظن وجود مانع فإنه لا يجوز له ذلك.
مثال ذلك: رجل أذن الظهر ويعلم أنه سيكون عليه مانع بعد ساعة يمنعه من الصلاة كقصاص ونحوه فإنه لا يجوز له أن يؤخرها؛ لأن في تأخيرها عن هذا الوقت تفويتًا وتضيعًا لها.
مثال آخر:
امرأة تظن أن يقع عليها الحيض بعد وقت من دخول وقت الفريضة فإنها يجب عليها أن تصلي في هذا الوقت قبل أن يقع عليها هذا المانع.
فإن أخرها وقد ظن المانع فيكون آثمًا لتفريطه.
الشرط الثاني: قالوا: أن يعزم على الصلاة.
[ ٣ / ١٦ ]
يعني: رجل قال: أريد أن أوخرها إلى قبيل أذان العصر أو امرأة ولم تظن مانعًا ولكنها لم تعزم في أول الوقت أن تصلي. قالوا: فإنها تأثم وإن أدركت الوقت للصلاة.
- وذهب بعض الحنابلة: إلى أن هذا ليس بشرط، وهذا هو الراجح، فإنه لا دليل يدل عليه.
فإن هذا المصلي قد صلى الصلاة في وقتها الموسع الذي يجوز له أن يصليها فيه، وكونه لم يعزم أن يصليها في آخر وقتها فإن هذا لا يعني أن يكون آثمًا، فهو وإن نوى ألا يصلي ثم صلاها في آخر الوقت فإن هذا لا يقتضي تأثيمه ما دام أنه قد قام بالواجب عليه، فقد صلى الصلاة في وقتها كما أمره الله تعالى.
وهذا ما ذهب إليه بعض الحنابلة وأنه لا معنى لاشتراط هذا الشرط.
فإذا توفر هذان الشرطان على المشهور في المذهب أو توفر الشرط الأول – على القول الراجح – فإنه يجوز أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها.
وهذا ما لم تكن هناك جماعة يجب عليه أن يصلي معها فهذه مسألة أخرى.
فهذا حيث لم يكن هناك أمر آخر يتعلق بوجوب الصلاة في وقت ما من هذا الوقت الموسع.
إذا أخرها تأخيرًا جائزًا له في وقتها الموسع فمات فهل يناب عنه أولًا، وهل يأثم ثانيًا؟
الجواب: أنه لا يناب عنه فإن الصلاة بإجماع أهل العلم (١) لا تدخلها النيابة لا بالنفس بأن يصلي أحد عن أحد ولا نيابة بالمال بأن تكون فيها كفارة بإطعام أو نحو ذلك، بل قد أجمع أهل العلم – لعدم الدليل الشرعي الدال على ذلك – أن النيابة ليست مشروعة في الصلاة لا النيابة بالنفس ولا بالمال.
وهل يأثم أم لا؟
الجواب: بالإجماع أنه لا يأثم؛ لأنه قد فعل ما يجوز له وما يسوغ.
فإنه يجوز له تأخيرها إلى آخر وقتها فمات قبل أن يصليها ولم يكن يظن هذا المانع، وقد تقدم التقيد بهذا، فوقع عليه الموت من غير أن يظنه فلا يأثم لأنه فعل ما يجوز له.
_________________
(١) بخلاف مسألة إهداء ثواب العمل للميت حتى ولو كان صلاة ففيه خلاف بين أهل العلم، والجمهور على الجواز.
[ ٣ / ١٧ ]
ومثل هذا ونظيره – كما قال شيخ الإسلام: الرجل يؤخر الصوم من رمضان، يريد أن يؤخر قبيل رمضان الآخر، فإن هذا جائز له والقضاء من رمضان إلى رمضان وقت موسع، فالفضيلة في الاستعجال بذلك، ولكن الجواز وقته موسع، فإذا أخر القضاء – حيث يجوز له – فمات قبل أن يقضي فلا إثم عليه بالإجماع.
وهل يناب عنه أم لا؟
هذه مسألة أخرى دلت الشريعة عليها، وأنه يصام عنه على قول أهل العلم.
والقول الثاني: أن عليه الكفارة، وقد قال ﷺ: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (١) والمسألة في صيام الفرض مختلف فيها.
والراجح: أن الفرض لا يصام عنه وإنما يصام النذر ونحوه من الواجبات.
وأما الفرض فإنه فيه الكفارة.
وليس هذا محل البحث في هذه المسألة وإنما المقصود أن من أخر الصيام حيث يجوز له التأخير كأن يمر عليه شوال وذي الحجة وما زال الوقت ممكنا له أن يصوم وكان عليه يوم مثلًا فمات قبل يومين من رمضان القادم فإنه لا إثم عليه بإجماع أهل العلم لأنه قد فعل ما يجوز له.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الحادي والخمسون
(يوم الأربعاء: ١٢ / ٢ / ١٤١٥هـ)
قال المؤلف ﵀: (من جحد بها كفر)
من جحد بالصلاة كفر وإن فعلها – إجماعًا – فمن جحد وجوبها وقال: هي ليست بواجبة وإنما هي نفل أو نحو ذلك فهو كافر، لأنه منكر لما ثبت بالتواتر من دين الله تعالى مما ثبت في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة، وأن الصلاة فريضة على عباد الله فمن أنكر ذلك وجحده فهو كافر لإنكاره ما أثبته الله ورسوله مما علم ضرورة من الدين.
إلا إذا كان يمكن أن يخفى عليه مثل ذلك كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئًا ببادية بعيدة عن الإسلام فإنه لا يكفر حتى يعرف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب من مات وعليه صوم، من كتاب الصوم، ومسلم باب قضاء الصيام عن الميت من كتاب الصيام، وأبو داود والإمام أحمد. المغني [٤ / ٣٩٨] .
[ ٣ / ١٨ ]
إذن: جاحد فريضة الصلاة كافر بالإجماع فمن أنكر وجوب الصلاة فقد كفر وإن صلى.
قال: (وكذا تاركها تهاونًا)
فمن ترك الصلاة كسلًا تهاونًا فهو كافر أيضًا - وهذا هو مذهب الحنابلة – خلافًا لمذهب المالكية والأحناف والشافعية فإنهم قالوا: إن تارك الصلاة غير الجاحد لوجوبها لا يكفر وإن تركها مطلقًا.
واستدل الحنابلة – وهو مذهب جمهور السلف، وممن ذهب إليه إسحاق وابن المبارك -:
١- بقول الله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ (١) فدل ذلك على أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليسوا بإخوان لنا في الدين، والأخوة الدينية لا تنفى إلا مع الكفر بدليل أن الله تعالى أثبتها مع قتل النفس قال تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾ (٢)
فإن قيل فلم لا تكفرون تارك الزكاة؟
فالجواب:
عن الإمام أحمد رواية أخرى بتكفير تارك الزكاة.
والمشهور في المذهب: أنه لا يكفر – وهذا هو الراجح – فعلى هذا ما الجواب؟
الجواب أن يقال: إن أدلة أخرى دلت على استثناء غير المؤدي للزكاة من نفي الأخوة، من قوله ﷺ: (ثم يرى مقعده إن شاء في الجنة وإن شاء في النار) (٣) فهذا يدل على أن تارك الزكاة لا يكفر.
إذن: هذه الآية تدل – سوى تارك الزكاة فإن الدليل الشرعي قد دل على استثنائه وسوى ذلك - فإنه يكفر، ﴿فإن تابوا﴾ من الكفر والشرك ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ .
٢- واستدلوا بما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (٤) .
_________________
(١) سورة التوبة.
(٢) سورة البقرة.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (٩٨٧)، وانظر تفسير ابن كثير [٢ / ٣٣٧] .
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، وقد تقدم صْ ٩.
[ ٣ / ١٩ ]
فجعل النبي ﷺ ترك الصلاة فاصلًا بين الإيمان والكفر، وذكر الكفر معرفًا بأل الاستغراقية التي تفيد أن هذا مستغرق في الكفر، فدل على أنه هو الكفر الأكبر.
وهذا هو الأصل في إطلاق لفظة الكفر وأنها الكفر الأكبر إلا أن يأتي دليل يدل على أن المراد بها الكفر الأصغر.
٣- واستدل [كـ]ـذلك بنحوه: بما ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم: أن النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (١) .
٤- واستدلوا: بإجماع الصحابة، فقد ثبت في سنن الترمذي بإسناد جيد عن عبد الله بن شقيق قال: (ما كان أصحاب النبي ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) (٢)
قالوا: والصحابة أعلم من أن لا يروا أن هناك شيئًا من الأعمال تركه كفر أصغر، فإن الشريعة قد دلت على أن هناك من الأعمال ما هو شرك أصغر فرواه لنا أصحاب النبي ﷺ كالحلف بغير الله وكيسير الرياء، وكالنياحة، وكالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ونحو ذلك، فإنها من الأعمال التي فعلها كفر أصغر، وهنا قال الراوي " ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " فلما كانوا يرون أن هناك شيئًا من الأعمال تركه كفر أصغر دل على أن مراده بالكفر هنا، الكفر الأكبر.
لذا ذكر ابن حزم أن الصحابة قد أجمعوا على كفر تارك الصلاة.
وظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة كما قال ابن رجب: " ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ".
_________________
(١) تقدم صْ ٩.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (٢٦٢٢) بلفظ: " عن عبد الله بن شقيق العُقيلي قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ".
[ ٣ / ٢٠ ]
واختار شيخ الإسلام أنه لا يكفر إلا إذا كان تاركًا مطلقًا للصلاة، أما إذا كان يصلي تارة ويدع تارة كما يقع لكثير من المسلمين فإنه لا يكفر بذلك، واختار هذا الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. وسيأتي الدليل الدال على ذلك.
وأما الأحناف والشافعية والمالكية فاستدلوا:
١- بما ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية، ويبقى أناس فيهم الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا يقولون " لا إله إلا الله " فنحن نقولها) قال صلة بن زفر - وهو الراوي عن حذيفة – " وهل تغنيهم هذه الكلمة وهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة فسأله ثلاثًا وهو يعرض عنه ثم قال: تنجيهم من النار – ثلاثًا - " (١) .
قالوا: فهذا يدل على أنهم ليسوا بكفار إذ لو كانوا كفارًا لما قال حذيفة: " تنجيهم من النار " وهذا الاستدلال ضعيف من جهتين:
*- الأولى: أن هؤلاء لهم حكم خاص، فإنهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك لارتفاع الشرائع فقد سري بكتاب الله ولم يبق من شريعة الله في الأرض إلا " شهادة أن لا إله إلا الله " فهم جهال بترك الصلاة ونحوها، وهم معذورون بذلك لذا قال: " تنجيهم من النار ".
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم (٤٠٤٩) قال: " حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حِرَاش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يدرس الإسلام..)
[ ٣ / ٢١ ]
وقد تقدم أن الجاحد لوجوبها والتارك لها إذا كان يمكن أن يجهلها فإنه لا يكفر، وهؤلاء قد عاشوا حياة قد ظهر فيها الجهل إلى الغاية، حيث لم يبق في الأرض كتاب ولا سنة فهم أولى بهذا الحكم من غيرهم.
*- الثاني: أن هذا قول حذيفة.
فلو سُلِّم أن مراده أن هؤلاء ينجيهم من النار قول لا إله إلا الله مع تركهم للصلاة وهم عالمون بذلك كما يريد المستدل بهذا الحديث فإن هذه غايته أنه قول حذيفة، وقوله لا تعارض به الأدلة الشرعية الثابتة عن النبي ﷺ. وهو مخالف بقول غيره من الصحابة كما تقدم من قول عبد الله بن شقيق. هذا لو سُلم بأنه على هذا النحو قول حذيفة ولا نسلم بذلك بل هو قوله حيث كانوا جهالًا معذورين بالجهل، وإلا فإنا لا نجزم بأن قوله حيث كذلك فيما لو كانوا عالمين وتركوا ذلك تهاونًا وكسلًا.
[ ٣ / ٢٢ ]
٢- واستدلوا: بما ثبت في البخاري أن النبي ﷺ قال – فيمن يخرج من النار إلى أن قال -: (فيخرج منها قوم لم يعملوا خيرًا قط) (١) وهذا من المتشابه الذي لا يترك به المحكم، ومما تقدم من الأدلة تدل على كفر تارك الصلاة وهذا من المتشابه؛ ذلك لأن هذا الحديث عام في هذه الأمة وغيرها ممن يدخل النار من هذه الأمة وغيرها، ولا تمنع أن تكون الصلاة مفروضة على طائفة من الأمم التي بعث إليها بعض أنبياء الله، ولا يمنع أن تكون قد فرضت ولكن لم يحكم بكفر تاركها كما في هذه الأمة، فإن قوله: " ثم يخرج منها قوم لم يعملوا خيرًا قط " لا نسلم أنه في هذه الأمة التي فرضت عليها الصلاة وحكم بكون تاركها كافرًا، فإنه من المحتمل – والحديث عام - أن يكون هذا في أمة من الأمم التي لم تفرض عليها الصلاة أو فرضت عليها الصلاة ولم يحكم بكون تاركها كافرًا.
ثم لو قلنا بدخول هذه الأمة بهذا العموم فإنه لا مانع أيضًا أن يكون هؤلاء معذورون بشيء من الأعذار لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون لهم عذر ما كجهل ونحوه ويكونون قد عوقبوا بدخولهم في النار بأسباب أخرى، بمعاصي أو نحوها قد فعلوها عالمين بحكمها فعوقبوا عليها فأما الصلاة فكانوا جاهلين بها فلم يعاقبهم الله بالخلود في نار جهنم.
إذن: هذا من المتشابه والواجب العمل بالمحكم وإرجاع المتشابه إليه.
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما أخرجه البخاري في كتاب التوحيد / باب (٢٤) وجوه يومئذ ناضرة.. / رقم (٧٤٣٩) وفيه: " فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثال نصف دينار فأخرجوه "، ومسلم، صحيح مسلم ج: ١ ص: ١٧٠ بلفظ: ".. فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط " رقم (١٨٣) / كتاب الإيمان / باب (٨١) معرفة طريقة الرؤية.
[ ٣ / ٢٣ ]
٣- واستدلوا بما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي ﷺ قال: (خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (١)
قالوا: فهنا قال: (ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه) قالوا: فدل هذا على أنه داخل تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة إلا المسلم.
والجواب على ذلك: أن قوله: " فمن لم يفعل " راجع إلى ما تقدم أي: من لم يفعل الصلوات الخمس على النحو المتقدم بأن يصليهن لوقتهن وقد أتم ركوعهن وخشوعهن وأحسن وضوءهن، فمن لم يفعل ذلك بأن أخل بشيء مما تقدم كأن يكون يصلي تارة ويدع تارة أو يؤخر الصلاة عن وقتها أو لا يتم خشوعها أو ركوعها أو نحو ذلك فإنه تحت مشيئة الله تعالى، أما من تركها فإنه لا يدخل في هذا العموم وقد استثنته الأدلة التي تقدم ذكرها القاضية بكفر تارك الصلاة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب (٣٣٧) فيمن لم يوتر (١٤٢٠) قال: " حدثنا القعنبي عن مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن مُحَيريز أن رجلا من بني كنانة يُدعى المُخدجي سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجي: فرحُت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فما جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة )، وأخرجه النسائي في الصلاة باب المحافظة على الصلوات الخمس (٤٦٢)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب فرض الصلوات الخمس (١٤٠١) . سنن أبي داود [٢ / ١٣٠] .
[ ٣ / ٢٤ ]
والقول الراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة وجمهور السلف إلا أنه يقيد بما ذكره شيخ الإسلام، وأن من تركها تارة وتارة فإنه لا يكفر بذلك للحديث الآخر الذي تقدم الاستدلال به للقائلين بعدم كفر تارك الصلاة.
فإن من لم يحافظ على الصلوات محافظة تامة بحيث يحافظ عليهن خمسًا فهو يصلي تارة وتارة فهو داخل تحت الوعيد إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، والعلم عند الله تعالى.
قال: (وكذا تاركها تهاونًا ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها)
إذن: ذكر شرطين في تكفيره:
الشرط الأول: أن يدعوه الإمام أو نائبه.
الشرط الثاني: أن يضيق وقت الثانية عنها.
أما الشرط الأول فقالوا: لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام أو نائبه لأنه قد يظن أن له عذرًا بترك الصلاة وليس ذلك بعذر فلا يكفر حتى يدعوه الإمام أو نائبه، وإنما خص ذلك بالإمام أو نائبه لأن الأحكام الشرعية أو الحدود إنما مرجعها إلى الأئمة ونوابهم دون غيرهم من آحاد الناس.
ولكن هذا القول ضعيف، لذا قال ابن رجب في تتمة كلامه المتقدم قال: " وظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ولم يعتبروا دعاءه ولا الاستتابة " وهذا هو الواضح والحق.
فإن هذا ما دام أنه قد فعل ما دلت الأدلة الشرعية على تكفيره به، فإن اشتراط دعاء الإمام أو نائبه في تكفيره لا دليل عليه بل يكفر متى ترك الصلاة وإن لم يدعه إمام ولا نائبه.
أما قضية القتل فسيأتي الكلام عليها.
وكذلك الشرط الثاني: وهو قولهم " وضاق وقت الثانية عنها " يعني مثلًا: ترك صلاة الظهر حتى خرج وقتها، لا يكفر بذلك حتى يضيق وقت الثانية، فإذا ضاق وقت العصر فما بقي لوقت المغرب إلا ما يكون ضيقًا على العصر فإنه – حينئذ – يكفر بذلك.
قالوا: لأنا لا نجزم بأنه عازم على ترك الصلاة إلا بهذا.
[ ٣ / ٢٥ ]
ولكن هذا ضعيف، وتقدم ما قاله ابن رجب عن الإمام أحمد وغيره وأن ظاهر كلامهم أن المعتبر هو خروج الوقت الصلاة، وهذا هو اختيار المجد واستظهره في الفروع ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية – وهذا الترجيح لشيخ الإسلام إنما هو في القتل وأما التكفير فقد تقدم اختياره من أنه لا يكفر (١)، ولكن هذا بناء على القول بالقتل وسيأتي دليله -.
إذن: أصح قولي المذهب – وهو رواية عن الإمام أحمد – أنه: إذا خرج وقت الصلاة عنها فإنه يكفر.
فهذان الشرطان الصحيح أنهما ليس بمعتبرين بل متى خرج وقت الأولى ولم يصل فإنه يكفر ولو لم يضق الوقت – هذا على القول بخلاف ما ذكره شيخ الإسلام.
قال: (ولا يقتل)
القتل عقوبة لتارك الصلاة في الدنيا، لما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (نهيت عن قتل المصلين) (٢)، ولما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا ما صلوا) (٣) وهو مذهب أكثر الفقهاء وأنه يقتل.
ويشترط ما تقدم من الشرطين السابقين: وهما أن يدعوه الإمام وألا يقتل حتى يضيق وقت الثانية عنها.
_________________
(١) إلا إذا ترك الصلاة مطلقًا، وقد تقدم صْ ١٦.
(٢) أخرجه أبو داود في باب الحكم في المخنثين من كتاب الأدب، والنسائي في باب الحكم في تارك الصلاة، وابن ماجه في باب ما جاء في ترك الصلاة من كتاب إقامة الصلاة، والإمام أحمد في المسند ٥ / ٣٤٦، ٣٥٥، المغني [٣ / ٣٦]، ولم أجده في فهرس الصحيحين طبعة بيت الأفكار، ولم يعزه إليهما محققا المغني.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب (١٦) وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا (١٨٥٤)، وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب (٧٨) رقم (٢٢٦٥)، وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".
[ ٣ / ٢٦ ]
ولكن هذا أيضًا - أي في كونه يضيق وقت الثانية – ليس كافيًا لأنه متى ضاق وقت الثانية حكم – حينئذ – بكفره فإذا حكم بالكفر فإن هذا مرتد، والمرتد يقتل كفرًا، ولكن بشرط أن يستتاب ثلاثًا لذا قال:
(ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا فيهما)
أي في جحود الصلاة أو في تركها تهاونًا وكسلًا؛ وذلك لأنه مرتد فمتى دعاه الإمام أو نائبه وضاق وقت الثانية فلم يصل فهو مرتد، والمرتد يُقتل ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا كما هو مذهب الجمهور.
والصحيح أن الاستتابة ليست بواجبة كما هي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وأحد القولين للإمام الشافعي ومذهب طائفة من التابعين كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (١) ولم يذكر استتابة.
وثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل قدم على أبي موسى الأشعري وعنده رجل موثقًا فقال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء، فقال: (لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال: اجلس، فقال: " لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال ذلك ثلاثًا ثم أمر به فقتل) (٢)
فهذا الفعل من معاذ والإقرار من أبي موسى شرح لهذا الحديث النبوي، وأن من بدل دينه، وتارك الصلاة مبدل لدينه لا يستتاب ثلاثًا بل يقتل.
ولا يصح عن النبي ﷺ حديث في الاستتابة.
وكذلك لا يصح الأثر المروي عن عمر بن الخطاب، وقد رواه مالك في موطئه (٣) بإسناد ضعيف فيه انقطاع وجهالة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب لا يُعذب بعذاب الله (٣٠١٧)، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٦٩٢٢) . ولم أجده في مسلم، ولم يعزه إليه محققا المغني [٩ / ٥٥٠] ولا طبعة بيت الأفكار.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٦٩٢٣)، وأخرجه مسلم ١٧٣٣، وفي الإمارة ١٥، وفي الأشربة ٧٠.
[ ٣ / ٢٧ ]
فالراجح: عدم اشتراط الاستتابة لكنها مستحبة من غير أن يشترط بيوم ولا يومين ولا ثلاثة وإنما بقدر المصلحة.
كما أن النظر يدل على أنها ليست بواجبة، لأن الكافر الأصلي المحارب المهدر دمه لا يستتاب وجوبًا بل يقتل من غير استتابة ولا دعاية " أي دعوة إلى الإسلام " فيجوز أن يُغار على الكفار بحيث يقع المسلمون عليهم على غرة منهم فإن هذا جائز وقد دلت عليه الأدلة الشرعية ولم يوجب النبي ﷺ استتابتهم ولا إنذارهم – وإنما لا يجوز قتل من لم يبلغه الشريعة حتى يدعى إليها – وهذا المرتد قد علم حكم الله ودعي إليه وكفر وثبتت ردته – فحينئذ – لا يجب أن يستتاب، لكن الاستتابة مستحبة.
إذن الراجح: عدم وجوب الاستتابة بل متى ثبت كفره وذلك يثبت بترك الصلاة مطلقًا على الراجح، وعلى القول المرجح (١) من قولي المذهب يكفر بترك صلاة حتى يخرج وقتها مصرًا على ذلك فإنه يكفر ويقتل من غير أن يستتاب أي ما دام أنه قد بين له دين الله وشرع الله وعرف الحق من الباطل فإنه لا يجب أن يتربص به فترة ليستتاب بل متى ثبت كفره فإنه يجوز قتله من غير استتابة.
* واعلم أن شيخ الإسلام اختار – وهو القول الحق – أن من ترك الصلاة فإنه لا يقضيها بل ولا يصح منه بل يجتهد بقدر استطاعته بالتطوع.
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول يوم القيامة: (انظروا هل لعبدي من تطوع) (٢) فيمن اختلت بعض فرائضه.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) سنن أبي داود ج: ١ ص: ٢٢٩ باب (١٥٠) قول النبي ﷺ كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه / رقم ٨٦٤. سنن الترمذي ج: ٢ ص: ٢٦٩ ٣٠سنن الترمذي ج: ٢ ص: ٢٦٩ باب (٣٠٥) ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة رقم ٤١٣. وابن ماجه، الاسطوانة، وسنن أبي داود [١ / ٥٤٠] .
[ ٣ / ٢٨ ]
فلا يؤمر بقضاء الصلاة وقد فوتها بغير عذر؛ لأن الأدلة الشرعية لم تدل على ذلك بل أمرت الشريعة بأداء الصلاة في وقتها، وأمرت بالقضاء لمن كان معذورًا بنوم أو نحوه فلم يدخل بذلك من تركها بلا عذر وتكون مردودة عليه لو فعلها، وقد قال ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (١) .
فعلى ذلك: من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها فإنها لا تصح منه ولا تقبل منه ولا يؤمر بأن يصليها إذا استيقظ ما دام أنه قد تركها
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلح (٢٦٩٧) فقال ﵀: " حدثنا يعقوب حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) رواه عبد الله بن جعفر المَخْرَمي وعبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم " وأخرجه مسلم في كتاب الأقضية (١٧١٨) [صحيح مسلم بشرح النووي (١٢ / ١٥)] فقال ﵀: " حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وعبد الله بن عون الهلالي جميعًا عن إبراهيم بن سعد قال ابن الصَّبَّاح حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثنا أبي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبدُ بن حميد جميعًا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كلِّ مسكن منها، قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) . "
[ ٣ / ٢٩ ]
متعمدًا فلم يسع أو يجتهد بقدر استطاعته للقيام لها بل تعمد النوم عنها فلا يقبل منه بل عليه أن يجتهد بالاستغفار وبالتطوع ليسد الخلل الواقع في فريضته.
والحمد لله رب العالمين.
(انتهى هذا الباب، ويليه باب الأذان والإقامة)
الدرس الثاني والخمسون
(يوم السبت: ١٥ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
باب الأذان والإقامة
الأذان: في اللغة: الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (١) أي إعلام وإخبار.
أما اصطلاحًا فهو: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
والإقامة في اللغة: مصدر أقام يقيم إقامة، وحقيقتها الإزالة من القعود إلى القيام، وهذا واضح في الإقامة فإنها تزيلهم من القعود إلى الوقوف لأداء الصلاة المفروضة.
أما اصطلاحًا فهي: الإعلام بإقامة الصلاة بألفاظ مخصوصة.
وقد ورد في فضله أدلة كثيرة: تدل على فضل الأذان وعظيم الأجر بأدائه، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين: " أن أبا سعيد قال لأبي صعصعة: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة سمعته من النبي ﷺ) (٢) .
وفي مسلم: أن النبي ﷺ قال: (أطول الناس أعناقًا يوم القيامة المؤذنون) (٣) .
_________________
(١) سورة التوبة.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء (٦٠٩) وفي كتاب بدء الخلق، باب ذكر الجن وثوابهم وعقاهم (٣٢٩٦) . ولم أجده في مسلم في باب فضل الأذان.. .
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه (٣٨٧) بلفظ: " عن طلحة بن يحيى عن عمه قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فجاء المؤذن يدعوه إلى الصلاة فقال معاوية: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة) .
[ ٣ / ٣٠ ]
* وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بينه وبين الإمامة:
١- فالأصح في مذهب الحنابلة الذي اختاره طائفة من كبار الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام: أن الأذان أفضل.
واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود – والحديث صحيح – أن النبي ﷺ قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) (١)
فالإمام ضامن أي ضامن للقيام بالصلاة على صفتها الشرعية.
وأما المؤذن فإنه مؤتمن بالقيام بالأذان على الوجه الشرعي فهي أمانة في عنقه يتعلق بها فريضتان من فرائض الله على عباده وهي الصيام والصلاة، ثم دعا للأئمة بالرشد وهو العلم النافع مع العمل به، ودعا للمؤذنين بالمغفرة.
قالوا: هذا الحديث يدل على تفضيل الأذان لكنه في الحقيقة ليس فيه دليل على ذلك إذ ليس فيه إلا الإخبار بأن الإمام في عمله ووظيفته ضامن، بألا يطرأ على الصلاة ما يخل بها من سهو ونحو ذلك.
وأما المؤذن فإنه مؤتمن بحيث لا يؤذن قبل دخول الوقت فيخون الناس في صلاتهم وفريضتهم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت (٥١٧) قال: " حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن رجل عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الإمام ضامن..)، وقال (٥١٨): " حدثنا الحسن بن علي، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، قال: نُبئت عن أبي صالح قال: ولا أراني إلا قد سمعته منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - مثله ".
[ ٣ / ٣١ ]
ثم دعا للأئمة بالرشد وهم أحق به لأنهم موضع اقتداء فيكونون أحق بالعلم والعمل، ودعا للمؤذن بالمغفرة لكونه أحق بها، فقد يقع – وهذا لا يسلم منه المؤذن – بما يكون خطأ في الأذن (١) بالأذان قبل الوقت لا سيما في أوقات سابقة عندما كان الاعتماد على التحري فقد يقع مثل ذلك فدعا له بالمغفرة.
فهذا الحديث ليس فيه إلا الإخبار عن حالهما والدعاء لكل واحد منهما بما هو الأليق بحاله، وليس في هذا تفضيل لأحد منهما على الآخر.
٢- وعن الإمام أحمد: تفضيل الإمامة.
واستدلوا: بأن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين كانوا قائمين بهذا الواجب ولم يقوموا بالأذان ولم يكونوا ليختاروا إلا الأفضل.
ولكن هذا الاستدلال محل نظر، فإنهم كانوا قائمين بالإمامة العظمى من القيام بشأن الأمة ولا شك أن القيام بالأذان يخل بهذا فإنه شاق يحتاج إلى التحري بالنظر إلى أمارات وعلامات دخول الوقت وخروجه، والخلافة أهم من ذلك بكثير ولا شك ولا يقارن مثل هذا بها، لذا في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال: (لولا الخلافة لأذنت) (٢) فالخلافة مشغلة عن القيام بالأذان.
ولم يتبين لي ترجيح أحد القولين على الآخر، ومثل هذه المسائل – في الحقيقة – لا تحتاج إلى البحث في التفضيل بينهما بل كل منها له الفضل العظيم عند الله ولا شك أن الأذان قد يكون لبعض الناس أفضل كما أن الإمامة قد تكون لبعض الناس أفضل.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلها: الأذان.
(٢) أخرجه البيهقي في كتاب الصلاة، في آخر باب الترغيب في الأذان (٢٠٤١) قال: " أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا جعفر بن عون، أنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال عمر: " لو كنت أطيق الأذان مع الخليفة لأذنت ".
[ ٣ / ٣٢ ]
فمثلًا: من كان من أهل العلم وله قدرة على تعليم الناس في شأن الصلاة وغيرها فهذا الأولى له أن يتولى الإمامة لكونها محل الاقتداء والتلقي من المأمومين بخلاف الأذان، وأما من كان من عامة الناس وله معرفة بالأوقات وقدرة على تحريها والقدرة على الانضباط فالأولى له أن يقوم بالأذان، وكلاهما له فضيلته وأجره عند الله.
إذن: في هذه المسألة قولان هما روايتان عن الإمام أحمد:
الأولى: أن الإمامة أفضل. والثانية: أن الأذان أفضل.
قال المؤلف ﵀: (هما فرض كفاية)
هما: أي الأذان والإقامة
" فرض كفاية " هو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فإذا قام به البعض من الأمة بحيث تسد بهم الخلة ويقومون بتبليغ الأذان إلى الأمة فإن ذلك كاف.
ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (١)
وفي رواية في الصحيحين: (ثم أذنا ثم أقيما)
والشاهد هنا قوله هنا قوله: " فليؤذن " وقوله: " ثم أذنا ثم أقيما " والأمر للوجوب.
ولما أمر به أحد الرجلين دل على أنه فرض كفاية.
قال: [على الرجال]
وهنا ذكرهم على وجه الجمع، وتثبت الجماعة باثنين فأكثر، فمن كانا اثنين فأكثر فيجب أن يؤذن أحدهما كما تقدم في حديث مالك: (فليؤذن لكما أحدكما)
أما إذا كان فردًا فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة لأن الحديث إنما هو وارد في الاثنين فأكثر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان، باب الأذان للمسافرين (٦٣١)، ومسلم في المساجد، باب من أحق بالإمامة (٦٧٤)، الشرح الممتع [٢ / ٣٨] .
[ ٣ / ٣٣ ]
أما الواحد فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة ولكن ذلك مستحب له، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي ﷺ قال: (يعجب ربك لرجل في شظية لجبل يؤذن ثم يصلي فيقول الله (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني قد غفرت له وأدخلته الجنة) (١) لما فيه من عظم الإخلاص لله إذ لا يراه إلا الله ولا يسمعه غيره ومع ذلك أذن وأقام للصلاة خوفًا من الله.
وفي قوله: " الرجال " تخرج منه النساء، فالنساء كما في المشهور في المذهب: لا يشرع لهن الأذان ولا الإقامة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب (٢٧٢) الأذان في السفر (١٢٠٣) قال: " حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، أنا أب عُشَّانة المعافري حدثه عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يعجبُ ربكم من راعي غنم في رأس شَظِيَّةٍ بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة)، قال المنذري: رجال إسناده ثقات، وأخرجه أيضًاَ النسائي ٦٦٧، سنن أبي داود [٢ / ٩] .
[ ٣ / ٣٤ ]
واستدلوا بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس على النساء أذان ولا إقامة) (١) ولكن الحديث إسناده ضعيف جدًا وقد رواه البيهقي وغيره.
ورُوى موقوفًا إلى ابن عمر – كذلك عند البيهقي – وإسناده ضعيف فلا يثبت عنه.
بل قد ورد عن ابن عمر ما يخالفه، فقد ثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد جيد أنه سئل هل تؤذن النساء وتقيم فقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟ (٢) على وجه الاستفهام أي لست أنهى عن ذكر الله، والأذان والإقامة من ذكر الله.
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول للشافعي: إلى أن الإقامة مشروعة لهن دون الأذان، لما في الأذان من رفع الصوت الذي ينافي ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من الحشمة ولأنه مثار الفتنة.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الصلاة، باب (٦٠) ليس على النساء أذان ولا إقامة (١٩٢٠) قال: " أخبرنا أبو زكريا المزكي، وأبو بكر بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، قال: قرئ على ابن وهب أخبرك عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة ". وقال (١٩٢١): " أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، ثنا أبو أحمد بن عدي، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم، عن القاسم، عن أسماء قالت: قال رسو ل الله - ﷺ -: (ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة، ولكن تقوم في وسطهن) . قال البيهقي: " هكذا رواه الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو ضعيف، ورويناه في الأذان والإقامة عن أنس بن مالك موقوفًا ومرفوعًا، ورفعه ضعيف، وهو قول الحسن، وابن المسيب، وابن سيرين والنخعي " ا. هـ
[ ٣ / ٣٥ ]
- وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه: إلى مشروعيتهما معًا، وهذا أصح ولكن هذا إذا أمنت الفتنة برفع صوتها كأن يكون صوتها محصورًا بين النساء بحيث لا يخرج الصوت إلى الرجال بحيث تفعله المرأة في مكان خال خاص بالنساء أو تفعله في بيتها بحيث لا تخرج الصوت إلى الأجانب لما فيه من الفتنة ويدل على هذا أن (النساء شقائق الرجال) (١) كما ثبت ذلك في المسند عن النبي ﷺ فما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق المرأة إلا أن يدل دليل على تخصيصه، لذا نحن خصصنا من ذلك ما يكون فيه فتنة لأن الشريعة قد وردت بمثل هذا، أما ما لم يكن كذلك فلها أن تؤذن أو تقيم.
لكن يشكل عليه ما ورد عن عائشة أنها قالت: (كنا نصلي بغير إقامة) (٢) وإسناده جيد.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٤٩٩٩)، باقي مسند الأنصار، باقي المسند السابق، وبرقم (٢٥٨٦٩) نحوه في مسند أم سليم. انترنت، موقع الإسلام.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب أذان المرأة وإقامتها لنفسها وصواحباتها (١٩٢٣) قال: " أخبرنا أبو بكر الحارثي الفقيه، أنا أبو محمد بن حيان، ثنا ابن صاعد، ثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال سألت ابن ثوبان هل على النساء إقامة، فحدثني أنا أباه حدثه، قال: سألت مكحولا فقال: إذا أذن فأقمن فذلك أفضل، وإن لم يزدن على الإقامة أجزأت عنهن. قال ابن ثوبان: وإن لم يقمن فإن الزهري حدث عن عروة عن عائشة قالت: كنا نصلي بغير إقامة " قال البيهقي: " وهذا إن صح مع الأول – أي أنها كانت تؤذن وتقيم - فلا ينافيان، لجواز فعلها ذلك مرة وتركها أخرى، لجواز الأمرين جميعًا، والله أعلم، ويذكر عن جابر بن عبد الله أنه قيل له: أتقيم المرأة؟ قال: نعم " ا. هـ
[ ٣ / ٣٦ ]
ويعارض هذا عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه ابن المنذر (١)، لكن إسناده ضعيف.
إذن يشكل على هذا قول عائشة والذي يظهر لي أن هذا الأثر يحمل على ما تكون فيه المرأة في الغالب من كونها تصلي منفردة، والمنفرد لا يجب عليه الأذان ولا الإقامة وإنما ذلك مستحب له.
ويعارضه كذلك قول ابن عمر فإنه قال: " أنا أنهى عن ذكر الله " ولو كان ذلك غير مشروع لنهى عنه.
والأظهر عندي أن يقال: إنه في (٢) مشروع في حقهن بل قد يقال بوجوبه كما صرح به صاحب الروضة الندية " وهو قول قوي؛ لأن النساء شقائق الرجال إلا أنه بالقيد المتقدم حيث لا تكون مثارًا للفتنة.
أما إذا كانت منفردة فيشرع لها أن تؤذن وأن تقيم إن كانت في موضع ومحل أذان (٣) .
أما إذا كانت في بلدة فإنها تكتفي بأذان الناس وتقيم لنفسها، والله اعلم.
قال: (المقيمين)
فيخرج: المسافرين، فالمسافرون – في المشهور من المذهب – لا يجب عليهم الأذان والإقامة بل هما مستحبان.
وهذا القول ضعيف، فإن الأدلة الشرعية السابق ذكرها يشمل المسافرين.
- لذا عن الإمام أحمد رواية أخرى اختارها بعض أصحابه كصاحب المبدع: أن المسافرين عليهم الأذان والإقامة فرض كفاية كالمقيمين، وذلك لأن النبي ﷺ قد عمم في الأدلة الشرعية: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) هذا عام في الحضر والسفر ولأن النبي ﷺ لم يكن يترك الأذان والإقامة سفرًا ولا حضرًا فدل على فرضيتهما.
قال: (في الصلوات الخمس المكتوبة)
_________________
(١) ورواه البيهقي (١٩٢٢) قال: " وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا عبد الله بن أدريس، ثنا ليث، عن عطاء، عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسطهن ".
(٢) كذا في الأصل، والأولى أن تحذف.
(٣) كذا العبارة في الأصل.
[ ٣ / ٣٧ ]
دون غيرها، كأن يوجب على نفسه صلاة أو صلاة الكسوف أو الاستسقاء أو صلاة العيد أو نحو ذلك من الصلوات فهذه لا يفرض فيها الأذان ولا الإقامة بل لا يشرع بل هو بدعة لأن الأذان والإقامة إنما ورد عن النبي ﷺ في الصلوات المكتوبة، وأما غيرها فإن النبي ﷺ لم يؤذن فيها ولم يقم فدل على أن المشروع فيها هو ترك الأذان والإقامة كصلاة الكسوف والاستسقاء.
فالأذان والإقامة خاصان بالصلوات المكتوبة كما يدل عليه فعل النبي ﷺ الذي هو محل التشريع.
وهنا: الصلاة الفائتة والمقضية هل يشرع فيها الأذان والإقامة أم لا؟
[ ٣ / ٣٨ ]
الجواب: يشرع ذلك، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في قصة نوم النبي - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال فيه: (ثم أمر النبي - ﷺ - بلالًا فأذن فصلينا ركعتين " أي سنة الفجر " ثم أقام فصلينا) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم (٣٤٤) قال: حدثنا مسدد قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: حدثنا عوف قال: حدثنا أبو رجاء عن عمران قال: كنا في سفر مع النبي - ﷺ -، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلانٌ ثم فلانٌ ثم فلان – يسميهم أبو رجاء فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي - ﷺ - إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه. فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلًا جليدًا، فكبّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي - ﷺ -، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم قال: (لا ضير أو لا يضير، ارتحلوا) فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس. فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عليك بالصعيد، فإنه يكفيك) . ثم سار النبي - ﷺ - فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف - ودعا عليًا فقال: (اذهبا فابتغيا الماء)، فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمسِ هذه الساعة، ونفَرُنا خُلُوف، قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله - ﷺ -، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ، وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي - ﷺ - بإناء، ففرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ ونودي في الناس: اسقوا واستقوا. فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء قال: (اذهب فأفرغه عليك) وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أُقلع عنها وإنه ليخيّل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي - ﷺ - (اجمعوا لها) فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: (تعلمين، ما رَزِئْنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا) فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء – تعني: السماء والأرض - أو أنه لرسول الله حقًا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يُصيبون الصِّرْم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام ". وأخرجه في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٥٧١) . وأخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل فضائها (٦٨٢) بلفظ: عن عمران بن حصين قال: كنت مع نبي الله - ﷺ - في مسير له، فأدلجنا ليلتنا..) الحديث، وهو طويل.
[ ٣ / ٣٩ ]
والذي يظهر لي هو القول بوجوبها فلا يستحب بل يجب ذلك وقد حكاه صاحب الفروع بلفظة " قيل " فهو قول لبعض أهل العلم، والذي يدل عليه: عمومات الأدلة الشرعية وما أمر به النبي ﷺ بلالا من الأذان والإقامة ولأن القضاء يحكى الأداء.
هذا إذا كانت في محل الصلاة المكتوبة تمامًا، كأن يكون هناك جماعة في بر ونحوه فاتتهم صلاة الفجر فاستيقظوا بعد طلوع الشمس فإنهم يؤذنون ويقيمون فيرفعون النداء بالأذان ليتجمعوا على الصلاة بخلاف ما لو فاتته الصلاة في الحضر فإن الأمر يختلف.
نعم: إذا كانوا جماعة في بيت فأذنوا أذانًا يكفي أهل البيت فكذلك.
إذن: المذهب أن الأذان والإقامة للفائتة مستحب حيث توفرت فيها ما يكون في الحاضرة تمامًا.
ولنا أن نقول: إذا كان في الحضر فإنه لا يفعل ذلك اكتفاء بالمؤذن الذي يسمعه.
لكننا نقول بوجوبه حيث كان في محل لا يؤذن فيه، كأن يكون في حضر أو سفر ولم يؤذن في موضعه الذي فيه فإن الأذان يقضى ويجب الأذان وتجب الإقامة لما تقدم من فعل النبي ﷺ وأمره بلالًا والأمر للوجوب ولدخول ذلك في الأدلة الشرعية.
فإذا كان عليه مجموعة من الفوائت فإنه يكتفي بأذان واحد لأن هذا الأذان قد جمع الناس إلى هذا الموضع فيكتفي به، ولكن لكل صلاة إقامة.
[ ٣ / ٤٠ ]
يدل على ذلك: ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحديث حسن عن ابن مسعود قال: " شُغل النبي ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات، فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء " (١) فيكتفى بالأذان الأول وتقام لكل صلاة.
كما أنه لا يشرع للصلاة المجموعة إلا أذانًا واحدًا كما دلت عليه السنة الصحيحة المتفق عليها.
قال: (يقاتل أهل بلد تركوهما)
لأنهما من الشعائر العظيمة في الإسلام.
_________________
(١) أخرجه النسائي في كتاب الأذان، باب الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد.. (٦٦٢) قال: " أخبرنا هنَّاد عن هُشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير، عن أبي عُبيدة قال: قال عبد الله: " إن المشركين شغلوا رسول الله عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالًا فأذَّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء "، وأخرج أيضا (٦٦١) عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: " شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنز الله ﷿ ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها ثم أذن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها ". وأخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ (١٧٩) بنفس السند السابق، قال فيه الألباني: " ضعيف ".
[ ٣ / ٤١ ]
وإذا تمالأ – كما في القاعدة الشرعية - أهل بلد على ترك شعيرة من الشعائر الإسلامية فإنهم يقاتلون وهذه المقاتلة ليست فرعًا عن التكفير، بل كونهم قد تمالؤوا على ترك شعيرة من الشعائر الظاهرة هذا يقتضي قتالهم على ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام كأن يتمالؤوا على ترك الزكاة أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة كصلاة العيد ونحوها فإنهم يقاتلون ومن ذلك الأذان.
وقد ثبت في مسلم أن رسول الله ﷺ: (كان يغير إذا طلع الفجر فإذا سمع أذانًا وإلا أغار) (١) فمن تركوا شعيرة من الشعائر فإنهم يقاتلون حتى يظهروا هذه الشعيرة.
والحمد لله رب العلمين.
الدرس الثالث والخمسون
(يوم الأحد: ١٦ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف ﵀: (وتحرم أجرتهما لا رزق من بيت المال لعدم متطوع)
" أجرتهما ": أي الأذان والإقامة.
في هذه الجملة ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن الرزق على الأذان والإقامة من بيت المال لعدم المتطوع جائز.
وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، وقد ذكر الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم فيه خلافًا وهذا كرزق الغزاة والقضاة وغيرهم. فالرزق يجوز أخذه مطلقًا.
المسألة الثانية: أنه لا يجوز للإمام أن يدفع رزقًا للمؤذن إلا إذا عدم المتطوع. أما إذا كان ثمت متطوع فلا يجوز ذلك حفظًا لمال المسلمين وصيانة له من الضياع، وهذه المسألة هي ظاهر المذهب في قوله " لعدم متطوع "
المسألة الثالثة: أن الأجرة محرمة على الأذان والإقامة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان (٣٨٢) عن أنس بن مالك قال: " كان رسول الله - ﷺ - يُغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار "
[ ٣ / ٤٢ ]
والمراد بالأجرة: ما يأخذه من آحاد الناس، بمعنى لا يكون هذا من بيت المال، كأن يكون جماعة المسجد يضعون له راتبًا فهذه هي الأجرة بخلاف الرزق فإنه يكون من بيت المال، فهذه الأجرة محرمة لقول النبي ﷺ – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم – بإسناد صحيح من حديث عثمان بن أبي العاص وفيه: (واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (١) هذا هو المشهور في المذهب.
- وعن الإمام أحمد رواية أخرى وهي اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز مع الفقر، فإذا كان المؤذن محتاجًا إلى الأجرة على الأذان فهذا جائز له، لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ (٢) وهذا فيما يكون في مال اليتيم، فيجب عليه أن يتعفف عن أكله إلا أن يكون فقيرًا فيحق له أن يأكل بالمعروف ومثل ذلك القيام بالأذان.
فالقيام على مال اليتيم قربة يتقرب بها إلى الله وكذلك القيام بالأذان وغيره من العبادات التي نفعها متعد إلى الغير فكذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب أخذ الأجرة على التأذين (٥٣١) قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت - وقال موسى في موضع آخر: إن عثمان بن أبي العاص قال: - يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)، وأخرجه النسائي ٦٧٣، وأخرج الترمذي القسم الأخير برقم ٢٠٩، ومسلم أخرج القسم الأول برقم ٤٦٨، وأخرج ابن ماجه القسم الأخير ٧١٤، سنن أبي داود [١ / ٣٦٣] .
(٢) سورة النساء.
[ ٣ / ٤٣ ]
ولقول النبي ﷺ: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) (١) وهذا قد فتح له باب رزق ليسد به فقره ويكفي به نفسه وعياله فحينئذ يجب (٢) عليه قبوله.
وسيأتي مزيد بحث عن هذه المسألة في باب الإجارة إن شاء الله تعالى.
أما الرزق من بيت المال فإنه جائز مطلقًا عند جماهير أهل العلم إلا أن شيخ الإسلام حكى كذلك في هذه المسألة قولان مع الغنى، هل يجوز مع الغنى أم لا؟
وأما جماهير أهل العلم فإنهم على القول بجواز ذلك.
إذن: يجوز أن يأخذ على الأذان أجرة إن كان فقيرًا أما إن كان غنيًا فلا يجوز له ذلك.
قال: (ويكون المؤذن صيتًا)
أي رفيع الصوت، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: لعبد الله بن زيد بن عبد ربه وقد رأى الأذان: (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك) (٣) أي أرفع صوتًا منك.
وعلة ذلك واضحة فإن الصوت كلما ارتفع كلما تم الإعلام وظهر ووضح. فكلما كان الصوت أرفع كلما كان الإعلام أتم وأظهر.
ويسن أن يكون حسن الصوت: لما ثبت في ابن خزيمة من حديث أبي محذورة: (أن النبي ﷺ أعجبه صوته فعلمه الأذان) (٤) . وقد ذكر استحباب ذلك الموفق وغيره، وأن المستحب أن يكون المؤذن حسن الصوت.
_________________
(١) أخرجه مسلم وأبو داود، الإرواء برقم ٨٩٤، ٩٨٩
(٢) في حاشية الأصل ما نصه: " في نسخة: فيجوز أو يجب ".
(٣) أخرجه أبو داود في حديث طويل بنفس اللفظ في كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (٤٩٩) قال: " حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني أبي عبد الله بن زيد، قال: " لما أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس "
[ ٣ / ٤٤ ]
قال: (أمينًا (١»
فيستحب أن يكون أمينًا لا فاسقًا وسيأتي البحث في آخر الباب عن حكم أذان الفاسق فالمستحب أن يكون أمينًا عدلًا، يدل على ذلك ما تقدم من حديث: (والمؤذن مؤتمن) فهو مؤتمن على صلاة الناس وسحورهم مؤتمن على عوراتهم فكان المستحب أن يكو أمينًا.
وروى البيهقي بإسناد ضعيف لكن له شاهد مرسل أن النبي ﷺ قال: (المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم) (٢) والحديث حسن بشواهده.
قال: (عالمًا بالوقت)
فيستحب أن يكون عالمًا بالوقت أي يعرف أمارات وعلامات يعرف بها دخول الوقت وخروجه ويعرف بذلك الأوقات كلها – هذا أمر مستحب وليس بواجب.
_________________
(١) أي ظاهرًا وباطنًا، وأما أمانته وعدالته ظاهرًا فشرط في الأذان كما سيأتي عند قوله " من عدل ".
(٢) أخرجه البيهقي في باب (٧٧) لا يؤذن إلا عدل.. من كتاب الصلاة (١٩٩٩) قال: " أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقري الحمامي رحمه الله تعالى ببغداد، ثنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، ثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثني إبراهيم بن أبي محذورة، وهو إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه عن جده، عن أبي محذورة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أمناء المسلمين على صلاتهم وسحورهم المؤذنون)، وقال (٢٠٠٠): " أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، وأبو زكريا يحيى بن إبراهيم، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، أنا عبد الوهاب، عن يونس عن الحسن أن النبي - ﷺ -: (المؤذنون أمناء المسلمين على صلاتهم) قال: وذكر معها غيرها " قال البيهقي: " وهذا المرسل شاهد لما تقدم " ا. هـ.
[ ٣ / ٤٥ ]
والذي يدل على أنه ليس بواجب ما ثبت في الصحيحين أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ وكان أعمى لما ثبت في البخاري قال: (وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) (١) .
فإذا كان الأعمى يصح آذانه فأولى منه الجاهل بالوقت، إلا إذا كان لا يمكن معرفة الوقت إلا بالمؤذن – كأن يكونوا محتاجين لأن يضعوا مؤذنًا في بلد ما لا يمكنهم أن يعرفوا الوقت إلا بأذانه – وليس هناك من يعينه على معرفة الوقت فيجب أن يختار فيها من يكون عالمًا بالوقت لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لكن لما كان الأصل في البلاد أن يكون فيها من يعين المؤذن على معرفة الوقت – حينئذٍ – كان هذا من الأمور المستحبة.
فكان مستحبًا لوجود من يعينه على معرفته، وإنما استحب ذلك لأنه إن كان غير عالم بالوقت فلا يؤمن عليه الخطأ والغلط في الأذان فيلحق الناس الضرر في صلاتهم وفي سحورهم.
قال: (فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه)
" تشاح ": أي اختلفا وتنازعا.
" قدم أفضلهما فيه ": أي في صفات الأذان وهي الأمانة وحسن الصوت وارتفاعه والعلم بالوقت، فمن كانت فيه الصفات أكمل فهو أولى وأحق بالأذان.
قال: (ثم أفضلهما في دينه وعقله)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان / باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره (٦١٧)، ومسلم في الصيام / باب أن الدخول في الصيام يحصل بطلوع الفجر (١٠٩٢) عن عبد الله بن عمر ﵄، الشرح الممتع [٢ / ٤٧] .
[ ٣ / ٤٦ ]
واستدلوا: بما ورد في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (يؤذن لكم خياركم) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف.
ولكن هذا أمر ظاهر فإنه أكرم عند الله ممن هو دونه – كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (٢) وكلما زادت هذه الصفة في العبد كلما زادت كرامته عند الله فكان أولى من غيره بالعبادة المتنازع فيها.
قال: (ثم من يختاره الجيران)
كلهم أو أكثرهم، فإن اختاروا أحد الرجلين قدم ذلك؛ لأنهم أعلم بهما من غيرهم، من حفظ عورة وقيام بالأذان على الوجه المستحق فلما كان كذلك رُجع بالأمر إليهم مما اختاره الجيران بالمرتبة الثالثة.
فنقدم: الأكمل في صفات الأذان ثم الأتقى ثم من يختاره الجيران، ثم بعد ذلك القرعة.
قال: (ثم قرعة)
ودليلها ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما لاستهموا) (٣) فهذا فيه إثبات القرعة.
ومن القواعد الشرعية أنه متى ثبت التنازع في شيء ما وليس ثمت مرجح وازدحمت فإنه يقدم من قدمته القرعة فهنا كذلك، فقد اختلفوا في الأذان ولا مرجح لأحدهما على الآخر فلم يكن ثمت مرجوع إليه سوى القرعة التي ثبت بها حكم الله تعالى.
قال: (وهو خمس عشرة جملة)
وهو: أي الأذان.
_________________
(١) لم أجده في باب بدء الأذان في سنن أبي داود، بل أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، آخر حديث في باب (١٦) من أحق بالإمامة (٥٩٠) قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن عيسى الحنفي، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم)، وأخرجه ابن ماجه (٧٢٦) .
(٢) سورة الحجرات.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان (٦١٥)، وفي باب الصف الأول (٧٢١) مختصرا، وأخرجه مسلم (٤٣٧) .
[ ٣ / ٤٧ ]
" خمس عشرة جملة ": وهو الأذان المشهور عندنا وهو أذان بلال الثابت في الصحاح والسنن والمسانيد (١)، وقد اختاره الإمام أحمد وأبو حنيفة.
واختار الشافعي ومالك أذان أبي محذورة الثابت في مسلم وهو كذلك ثابت في السنن (٢) .
وعدد جمله تسع عشرة جملة " ١٩ " وفيها خفض الشهادتين بأن يقول بعد قوله " الله أكبر أربعًا " يقول: " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله " خافضًا صوته ثم يرفع صوته " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله "
وفي مسلم أنه قال: (أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله – خافضًا صوته – ثم: أشهد ألا إله إلا الله أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله رافعًا بها صوته ") (٣) ويكون الخفض بحيث يسمع نفسه ويسمع القريب منه.
- واختار أبو حنيفة إقامة أبي محذورة، وهي سبع عشرة جملة، كأذان بلال بزيادة " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " بعد الحيعلتين.
* واعلم أن ما ثبت عن النبي ﷺ على أوجه مختلفة فإن السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة – كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره – وهذا كذلك.
_________________
(١) لفظه في مسلم عن أبي محذورة: أن نبي الله علمه الأذان: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًاَ رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، زاد إسحاق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) . وهو في باب صفة الأذان من كتاب الصلاة (٣٧٩) .
[ ٣ / ٤٨ ]
فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بأذان بلال وأُذن له به، وثبت أنه أمر بأذان أبي محذورة وأذن له به وكان هو أذان أهل مكة، وأذان بلال هو أذان أهل المدينة.
فعلى ذلك: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة ما لم يكن في ذلك فتنة، لذا الإمام أحمد نص على أنه لا بأس بأذان أبي محذورة لثبوت ذلك (١) .
قال: (يرتلها)
يترسل بها ترسلًا ويتمهل في الأذان لأن المقصود منه إعلام الغائبين فكان المستحب فيه الترسل.
وقد روى الترمذي أن النبي ﷺ قال: لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر) (٢) أي أسرع وتعجل، والحديث إسناده ضعيف لكن العمل عليه كما قال ذلك الترمذي (٣)، وكذلك المعنى يدل عليه فإن المقصود من الأذان إعلام الغائبين فكان المشروع فيه الترسل والتمهل.
وأما الإقامة فإنها إعلام لمن حضر في المسجد بإقامة الصلاة فكان المشروع فيها الحدر والإسراع.
قال: (على علو)
على منارة ونحوها، لأن ذلك أبلغ في الإعلام.
_________________
(١) هنا عبارة في الأصل ما نصه: " انظر آخر الدرس ".
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الترسل في الأذان (١٩٥) قال: " حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا المعلى بن أسَد حدثنا عبد المنعم، هو صاحب السِّقَاء، قال حدثنا يحيى بن مُسْلم عن الحسن وعطاء، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال لبلال: (يا بلال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر..) .
(٣) لم أجد كلامه في باب ما جاء في الترسل في الأذن، من كتاب الصلاة، سنن الترمذي، طبعة بيت الأفكار.
[ ٣ / ٤٩ ]
ويدل عليه ما رواه أبو داود مبوبًا عليه بقوله " باب الأذان على المنارة " ثم روى أن بلالًا كان يؤذن على أرفع بيت حول المسجد (١) .
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق هو تابعي قال: من السنة أن يؤذن على المنارة، وأن يقيم في المسجد) (٢) والإسناد صحيح إلى عبد الله – والتابعي إذا قال " من السنة " فهو مرفوع.
وأما مع ظهور رافعات الصوت فإن استعمالها كاف عن ذلك فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
* ويستحب للمؤذن أن يؤذن قائمًا إجماعًا وهو كذلك أرفع لصوته وأبلغ في الإعلام، فإن أذن جالسًا فأذانه صحيح بالإجماع (٣) .
قال: (متطهرًا)
يستحب أن يؤذن متطهرًا وفي الترمذي أن النبي ﷺ قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) (٤) لكن الحديث إسناده ضعيف.
وروى موقوفًا إلى أبي هريرة وإسناد ضعيف أيضًا فلا يصح موقوفًا ولا مرفوعًا.
_________________
(١) قال أبو داود في سننه [١ / ٣٥٧] في كتاب الصلاة: " باب الأذان فوق المنارة " (٥١٩) ثم قال: " حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد وكان بلال يؤذن عليه الفجر.. "
(٢) وقيل بعدم الإجزاء، راجع حاشية الروض المربع.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء (٢٠٠) قال: " حدثنا علي بن حُجْر حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) . وقال (٢٠١) حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال أبو هريرة: لا يُنادي بالصلاة إلا متوضئ) .
[ ٣ / ٥٠ ]
لكن يستدل له بما روى أبو داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (١) فإن أذن بغير وضوء فأذانه صحيح باتفاق العلماء.
قال: (مستقبل القبلة)
إجماعًا – وهذا ما عليه العمل عند أهل العلم – فإن أذن لغير القبلة فصحيح، لكن المستحب أن يؤذن إلى القبلة، وقد أجمع أهل العلم على القول به.
قال: (جاعلًا إصبعيه في أذنيه)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب أيرد السلام وهو يبول (١٧)، وأخرجه النسائي في الطهارة برقم ٣٨، وابن ماجه برقم ٣٥٠. سنن أبي داود [١ / ٢٣] .
[ ٣ / ٥١ ]
لما ثبت في حديث بلال وفيه: (وجعل إصبعيه في أذنيه) (١) والحديث ليس فيه ذكر الإصبع أهي السبابة أم غيرها، ولكن قد جزم غير واحد من أهل العلم كالنووي وغيره أن المستحب أن تكون السبابة. وهذا حسن، ولكن الحديث لم يعين ذلك، والأحرى أن تكون هي السبابة فهي أنسب من غيرها في ذلك.
قال: (غير مستدير)
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأذان والسنة فيه، باب السنة في الأذان (٧١١) قال: " حدثنا أيوب بن محمد الهاشمي حدثنا عبد الواحد بن زياد بن حجّاج بن أرطاة عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالأبطح وهو في قبة حمراء فخرج بلال فأذّن فاستدار في أذانه وجعل إصبعيه في أذنيه "، وقال أيضًا (٧١٠) " حدثنا هشام بن عَمَّار قال حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمّار بن سعد مؤذن رسول الله - ﷺ - حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه وقال: " إنه أرفع لصوتك " قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف أولاد سعد القرظ: عمار، وسعد وعبد الرحمن " سنن ابن ماجه طبعة بيت الأفكار. وذكره البخاري معلقًا في كتاب الأذان باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا وهل يتلفت في الأذان فقال رحمه الله تعالى: " ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه، وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه ". وأخرجه الترمذي في أبواب الصلاة باب ١٤٤ ما جاء في إدخال الاصبع في الأذن عند الأذان رقم (١٩٧)، والنسائي في الأذان، باب كيف يضع المؤذن في أذانه، وأحمد ٤ / ٣٠٨، من حاشية سبل السلام [١ / ٢٥٤] .
[ ٣ / ٥٢ ]
أي لا يستدير ببدنه، وفي أبي داود من حديث بلال وفيه: (ولم يستدر) (١) فلا يشرع له أن يستدير بل ينبغي له أن يبقي بدنه على استقبال القبلة، ولا تشرع له الاستدارة لما فيها من التحول عن القبلة.
قال: (ملتفتًا في الحيعلتين يمينًا وشمالًا)
وظاهر المذهب أنه يقول " حي على الصلاة، حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح، حي على الفلاح " عن الشمال – هذا هو المصرح به في المذهب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في المؤذن يستدير في أذانه (٥٢٠) قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا قيس - يعني ابن الربيع ح وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا وكيع عن سفيان جميعًا عن عون بن أبي جُحَيفة عن أبيه قال: أتيت النبي - ﷺ - بمكة وهو في قبة فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، لوى عنقه يمينا وشمالا، ولم يستدر.. ".
[ ٣ / ٥٣ ]
- وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المستحب أن يقول " حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح " عن الشمال، ثم " حي على الصلاة " عن اليمين،ثم " حي على الفلاح " عن الشمال. وهو أولى، وممن اختار هذا القول ابن دقيق العيد في شرحه للعمدة (١) .
وهذا أولى، لأن كلًا من الجهتين تأخذ نصيبها من هاتين الجملتين، فتنال جهة اليمين التي يصل الصوت منها إلى أهل اليمين تصل إليهم " حي على الصلاة " وكذلك " حي على الفلاح " وكذلك من كان عن شماله.
ومعلوم أنه ربما لا يسمع أهل الجهة اليسرى مثلًا ما يؤديه المؤذن إلى الجهة اليمنى مع البعد.
والمناسب أن تصل كل جملة من الجملتين إلى أهل كل جهة فكان الأنسب ما اختاره ابن دقيق العيد.
ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود أن بلالًا كان يلوي عنقه ويقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح يمينًا وشمالًا) (٢) .
_________________
(١) قال شيخنا في شرحه لأخصر المختصرات صْ ١٧ ما نصه: " واختار ابن دقيق العيد – وهو الأرجح -: أنه يقول عن يمينه: حي على الصلاة، وعن يساره: حي على الصلاة، ثم عن يمينه: حي على الفلاح، ثم عن يساره: حي على الفلاح، لتأخذ كل جهة حقها، ويدل عليه ظاهر الحديث في أبي داود: أنه كان يقول: " حي على الصلاة، حي على الفلاح، يمينا وشمالا ". فالظاهر: أنه يقول: حي على الصلاة، يمينا، و: حي على الصلاة، يسار، ثم يقول: حي على الفلاح، يمينا، ثم: حي على الفلاح، يسارا. هذا إذا لم هناك ميكروفون أمامه ينقل الصوت عن اليمين وعن الميسرة، إذ ليس هذا الأمر تعبديا، بل المقصود منه: إبلاغ من عن يمين المسجد ومن عن يساره ".
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الأذان فوق المنارة (٥٢٠) وقد تقدم.
[ ٣ / ٥٤ ]
وهذا الحديث ظاهره ما ذهب إليه ابن دقيق فإنه جمع للجملتين كليهما جهة اليمين وجهة الشمال، فقال: " حي على الصلاة حي على الفلاح يمينًا وشمالًا "، وظاهره أن كل جملة ثبت لها جهة اليمين وجهة الشمال.
قال: (قائلًا بعدها في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم مرتين) (١)
وهل هو في الأذان الأول أم في الثاني؟
ظاهر إطلاقات الفقهاء – كما قال ذلك الشيخ على بن محمد بن عبد الوهاب وغيره – أنه يقول ذلك بالأذانين كليهما.
ودليل ذلك: ما ثبت في ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: (من السنة أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) (٢) وهنا قال " في أذان الفجر " والأول والثاني كلاهما أذان للفجر.
_________________
(١) قال الترمذي في باب ما جاء في التثويب في الفجر من كتاب الصلاة بعد حديث (١٩٨) ما نصه: " وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب، فقال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول ابن المبارك وأحمد. وقال إسحاق في التثويب غير هذا، قال: التثويب المكروه هو شيء أحدثه الناس بعد النبي - ﷺ - إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة حي على الفلاح " ا. هـ.وعليه حمل ما رُويَ عن ابن عمر.
[ ٣ / ٥٥ ]
وقد ثبت أن هذا من أذان بلال وأنه كان يقولها في أذانه كما ورد هذا عن بلال من طرق ترتقي إلى درجة الحسن في مسند أحمد وغيره (١)، وبلال كان يؤذن تارة أذان الفجر الأول، وتارة أذانه الثاني، وكان يقول في أذانه " الصلاة خير من النوم ".
_________________
(١) روى الإمام أحمد في مسنده (٢٤٤٠٩) قال: " حدثنا حسن بن الربيع وأبو أحمد، قالا: حدثنا أبو إسرائيل - قال أبو أحمد في حديثه - حدثنا الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا صلاة الفجر " وقال (٢٤٤١٠) حدثنا علي بن عاصم، عن أبي زيد عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال: أمرني رسول الله أن لا أثوب إلا في الفجر " وقال: (٢٤٤١١) حدثنا أبو قَطَن، قال: ذكر رجل لشعبة الحَكَمُ، عن ابن ابن - كذا في طبعة بيت الأفكار - أبي ليلى عن بلال، فأمرني أن أثوب في الفجر ونهاني عن العشاء. فقال شعبة: لا والله ما ذكر ابن أبي ليلى ولا ذكر إلا إسنادًا ضعيفًا، قال: أظن شعبة قال: كنت أراه رواه عن عمران بن مسلم " ا. هـ
[ ٣ / ٥٦ ]
فإن قيل: فما الجواب: عما ورد في النسائي من حديث أبي محذورة قال: (كنت أؤذن للنبي ﷺ بمكة فكنت أقول في أذان الفجر الأول: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ") (١)
_________________
(١) رواه النسائي في كتاب الأذان، باب التثويب في أذان الفجر (٦٤٧)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (١٥٤٥٣) قال: " حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي جعفر - قال عبد الرحمن: ليس هو الفراء – عن أبي سلمان، عن أبي محذورة قال: كنت أؤذن في زمن النبي - ﷺ - في صلاة الصبح فإذا قلت: حي على الفلاح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الأذان الأول " وقال أيضًا (١٥٤٥٢): " حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، علمني الأذان فمسح فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " وروى الأخير أبو داود بنفس السند إلا أن في أوله مسدد بدل سريج بن النعمان في كتاب الصلاة، باب (٢٨) كيف الأذان (٥٠٠) سريج بن النعمان: بن مروان الجوهري، أبو الحسن البغدادي، أصله من خراسان، ثقة يهم قليلا من كبار العاشرة، مات يوم الأضحى، سنة سبع عشر / خ ٤. الحارث بن عبيد: الإيادي، أبو قدامة البصري، صدوق يخطئ، من الثامنة. / خت م د ت، التقريب، وتهذيب الكمال [٥ / ٢٥٨] . وقال البيهقي في السنن الكبرى (١٩٨٠): " أخبرنا أبو علي الروذباري، ثنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا الحسن بن علي، ثنا أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن جريج أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة، عن النبي - ﷺ - نحوه، وفيه: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح " ا. هـ. محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة الجُمَحي، المكي المؤذن، مقبول، من السابعة / د. عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي، مقبول، من الثالثة / عخ د ت س.
[ ٣ / ٥٧ ]
فالجواب: أن في هذا الحديث راو مجهول وهو أبو سليمان (١) وهو مجهول الحال – فعلى ذلك الحديث يتوقف في قبوله لوجود هذه الجهالة – وما كان كذلك فهو في حكم المردود.
وأما ما ثبت في البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر أنه قال: (كان يقال: في الأذان الأول بعد: حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة خير من النوم) (٢)
فالجواب على ذلك: أن ذلك ليس بظاهر في أنه أذان الفجر الأول، بل قال: " في الأذان الأول " وأذان الفجر هو الأذان الأول، بدليل أن العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا أمر ظاهر فإن الفجر أول النهار فكان هو الأذان الأول.
_________________
(١) كذا في الأصل وهو كذلك في سنن البيهقي [١ / ٦٢٢] وفي السلسلة الصحيحة [٤ / ٣٣٤]، ولعل الصواب: أبو سلمان كما في النسائي (٦٤٧) ومسند الإمام أحمد (١٥٤٥٣) وفي تهذيب الكمال والتقريب، قال في التقريب: " قيل اسمه همام، مقبول من الثالثة. / س ". وذكر المزي في التهذيب [٣٣ / ٣٦٧] أنه روى عن علي بن أبي طالب وأبي محذورة، وروى عنه العلاء بن صالح الكوفي، وأبو جعفر الفراء ".
(٢) أخرجه البيهقي في كتاب الصلاة، باب (٧٤) التثويب في أذان الصبح رقم (١٩٨٦)
[ ٣ / ٥٨ ]
ومع ذلك فإنه لو كان من اكتفاء به في أحد الأذانين كما يفعله الناس اليوم من كونهم يكتفون بهذا في أذان الفجر الثاني – فلو كان من اكتفاء لكان الأولى به هو أذان الفجر الأول الذي إنما شرع لإيقاظ النائم كما ورد هذا في الحديث المتفق عليه – في أذان بلال قال: (ليوقظ نائمكم) (١) فشرع لإيقاظ النائم أي " أذان الفجر الأول " فكان أحق أن يقال فيه هذه اللفظة، بخلاف أذان الفجر الثاني لأنه يؤذن وقد استيقظ الناس فهم يستعدون لصلاة الفجر.
وما يفعله الناس من الفارق البعيد بين الأذان الأول والأذان الثاني من الفجر خلاف السنة وسيأتي الدليل عليه في باب المواقيت إن شاء الله.
إذن: المستحب أن يقولها في الأذانين كليهما، ولو كان من اكتفاء بها في أحد الأذانين، فالمستحب أن يكون هو الأول لما فيه من المعنى المتقدم وهو إيقاظ النائم ليستعد للصلاة وليتسحر إن أراد الصيام.
وما ذكرته هو ما قرره الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب في مسألة له في مجموعة المسائل النجدية (٢) .
قال: (وهي - أي الإقامة - إحدى عشر جملة)
كما هي إقامة بلال الثابتة – كما تقدم – في الصحاح والسنن والمسانيد (٣) .
وأما إقامة أبي محذورة فإنها سبع عشرة جملة، وهي ثابتة في المسند وسنن أبي داود والنسائي (٤) وغيرهم بإسناد صحيح.
قال: (يحدرها)
أي يسرع بها ويتعجل، فلا يتريث كالأذان بل يحدرها، ودليل ذلك الحديث المتقدم وقد تقدم تضعيفه (٥) لكن العمل عليه.
قال: (ويقيم من أذن)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر (٦٢١) عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: (لا يمنعن أحدكم ليرجع قائمكم ولينبّه نائمكم) . وأخرجه مسلم (١٠٩٣) .
(٢) تقدم صْ ٣٤.
[ ٣ / ٥٩ ]
لقوله ﷺ: (من أذن فهو يقيم) (١) رواه الترمذي لكن الحديث إسناده ضعيف، وعليه عمل أكثر أهل العلم – كما قال الترمذي (٢) – فعليه العمل في زمن النبي ﷺ فما بعده، فإن بلالًا هو الذي كان يؤذن وهو الذي كان يقيم، وإذا أذن ابن أم مكتوم فهو الذي كان يقيم وهكذا.
قال: (في مكانه إن سهل)
يعني: إن سهل عليه فيقيم في مكانه أي على المنارة.
لكن هذا ضعيف لا دليل عليه.
- لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى أن المستحب أن يقيم في المسجد.
وقد تقدم أثر عبد الله بن شقيق وهو قوله: " من السنة أن يؤذن في المنارة ويقيم في المسجد" (٣) وهذا كذلك الذي عليه العمل سلفًا وخلفًا.
فالمستحب أن تكون الإقامة في المسجد، والمعنى يدل على ذلك فإن الإقامة شرعت لإعلام الحاضرين بخلاف الأذان فهو لإعلام الغائبين.
والأذان لإعلام من هو خارج المسجد ليحضر إليه أما الإقامة فهي هنا لإعلام من حضر في المسجد فناسب أن تكون فيه لا سيما وأنه قد يكون الأمر على خلاف هذا المعنى تمامًا – فقد لا يسمع من في المسجد الإقامة إن كانت على المنارة وهذا يخالف المقصود تمامًا.
فالراجح: ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من أن المستحب أن تكون الإقامة في المسجد؛ لأنها لإعلام الحاضرين وهم في المسجد فناسب أن تكون فيه، بخلاف الأذان فإنه لإعلام الغائبين فناسب أن يكون على المنارة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب (٣٢) ما جاء أن من أذن فهو يقيم (١٩٩) بلفظ: " إن أخا صُدَاء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم ".
(٢) قال في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم "
[ ٣ / ٦٠ ]
* واعلم أن الإمام أملك بالإقامة كما أن المؤذن أملك بالأذان، فالمؤذن أملك بالأذان وهو إليه، وأما الإقامة فلا يشرع له أن يقيم إلا بإذن الإمام فإن فعل ذلك فقد أخطأ السنة، واستدلوا على ذلك: بما رواه ابن عدي أن النبي ﷺ قال: (المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف ولكنه ثابت عن علي ﵁ – كما في البيهقي (٢) بإسناد جيد.
وهو الذي يدل عليه النظر الصحيح فإن الصلاة التي تقام من شؤون الإمام فيما يختاره من الوقت الأنسب لها فيما يوافق السنة وبما فيه الرفق بالمأمومين، فكان ذلك إلى الإمام بخلاف الأذان فإنه راجع إلى تحرى الوقت فكان راجعًا إلى المؤذن.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الرابع والخمسون
(يوم الاثنين: ١٧ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف ﵀: (ولا يصح إلا مرتبًا متواليًا)
" ولا يصح ": أي الأذان
" إلا مرتبًا ": كما ورد " الله أكبر الله أكبر الخ
لابد أن يكون مرتبًا
" متواليًا ": بحيث لا يكون بين جمله فاصل طويل عرفًا.
ودليل هذه المسألة أن الوارد في الأذان الشرعي أن يكون مرتبًا متواليًا، فلم يثبت التنكيس فيه ولا القطع.
_________________
(١) قال الحافظ في البلوغ: " رواه ابن عدي وضعفه " سبل السلام [١ / ٢٦٨] .
(٢) أخرجه البيهقي في كتاب الصلاة، باب (١٣١) لا يقيم المؤذن حتى يخرج الإمام (٢٢٧٩) قال: " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق، أنبأ محمد بن غالب، أنبأ أبو عمرو الحوضي، وعمرو بن مرزوق، ومسلم بن إبراهيم، قالوا: أنبأ شعبة، عن منصور، قال: سمعت هلالًا بن يساف يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: " المؤذن أملك " قال البيهقي: " وروي عن شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا وليس بمحفوظ ".
[ ٣ / ٦١ ]
فإذا ثبت ذلك فإن سواه مردود لكونه يخالف هدي النبي ﷺ في الأذان وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد فإذا قدم بعض جمله على بعض فإن الأذان يبطل بذلك، وكذلك إذا فصله بفاصل طويل عرفًا كسكوت أو كلام طويل قاطع - ومرجع ذلك إلى العرف؛ لما تقدم - وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد.
قال: (من عدل (١»
أما إن كان فاسقًا فلا يصح أذانه وهذا رواية عن أحمد وهو المشهور عند الحنابلة، لقوله ﷺ: (والمؤذن مؤتمن) (٢) والفسق ضد الأمانة، فالواجب أن يكون أمينًا ومن كان فاسقًا فليس كذلك.
قالوا: ولأن الله ﷾ قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (٣) وهذا خبر فوجب أن يرد؛ لأن خبر الفاسق مردود.
- وذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى صحة أذان الفاسق؛ لأنه قد قام بوظيفة الأذان وهو مسلم وداخل في عموم قوله ﷺ: (فليؤذن لكم أحدكم) (٤) .
وأما قضية الخبر فهي راجعة إلى السامعين.
ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالأرجح مذهب أهل القول الأول، ولكن هذا ليس على الإطلاق، وإنما ذلك حيث يعتمد على أذانه أما إذا كان في بلدة فيها غيره من المؤذنين الذي يعتمد على أذانهم في الصلاة والصيام فإنه يصح أذانه لأن الله قال: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وهنا يتم التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين الذين هم من أهل العدالة والصدق.
فإذن: إنما يرد ولا يصح أذانه حيث كان في حالة يعتمد على أذانه فيها كأن يكون في قرية أو نحوها هو المؤذن.
_________________
(١) أي ظاهرًا، وأما عدالته باطنًا وظاهرًا فمستحب، كما تقدم عند قوله " أمينًا ". قاله في حاشية الروض.
(٢) رواه الإمام أحمد وأبو داود، وقد تقدم صْ ٢٣.
(٣) سورة الحجرات.
(٤) متفق عليه، وقد تقدم صْ ٢٥.
[ ٣ / ٦٢ ]
أما إذا كان أذانه بمنزلة السنة المؤكدة، فإنه إذا أذن بعض المؤذنين في البلد وقامت بهم الكفاية فأذان غيرهم من باب السنة المؤكدة لأنه قد قام الفرض بأذان غيره – فعلى ذلك أذانه صحيح لأنه يمكن التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين.
قال: (من عدل ولو ملحنًا)
أي ولو كان مطربًا، أي فيه تطريب وتحسين صوت على هيئة غير شرعية بأن يكون فيه زيادة في المد وفيه شيء من ترديد الصوت أو نحو ذلك مما يخرجه عن هيئته الشرعية إلى أن يكون مشابها للغناء فهذا هو الملحن، فإنه لو كان ملحنا فالأذان صحيح.
وهذا أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو المشهور.
وأما الوجه الثاني في المذهب فهو: أن أذان الملحن لا يجزئ.
واستدلوا: بما رواه الدارقطني: أنه كان للنبي ﷺ مؤذن يطرب فقال له: (إن الأذان سهل سمح " أي بغير تكلف " فإن كان أذانك سهلًا سمحًا وإلا فاعتزلنا) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف.
وهو ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما رواه البخاري عنه معلقًا مجزومًا به ووصله ابن أبي شيبة (٢) .
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في كتاب الجنائز / باب (١٦) تخفيف القراءة لحاجة / رقم ١٨٥٢. في إسناده إسحاق بن يحيى الكعبي، قال المحقق: " قال ابن حبان: وليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول الله - ﷺ - ا. هـ قال الحافظ عن إسحاق الكعبي: هالك يأتي بالمناكير عن الأثبات، وكذا قال الذهبي، وقال أيضًا: " ومن أوابده عن ابن جريج حديث: إن كان أذانك سهلا.. " ا. هـ بتصرف.
(٢) ذكره البخاري في بداية باب رفع الصوت بالنداء من كتاب الأذان بلفظ " وقال عمر بن عبد العزيز: أذِّنْ أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا ".
[ ٣ / ٦٣ ]
والذي استدل به أهل القول الأول من صحة الأذان: قالوا: إن الأذان الملحن يحصل به المقصود من إبلاغ السامعين الأذان الشرعي بألفاظه الصحيحة مستقيمة الألفاظ ليس فيها تغيير، إلا أن التغيير قد طرأ على أدائه أما الألفاظ فإنها هي الألفاظ الواردة، فعلى ذلك يكون مخطئًا مبتدعًا في فعله ذلك، وأما الأذان فإنه صحيح - وما ذكره أهل المذهب قول قوي – والعلم عند الله تعالى.
قال: (أو ملحونًا)
الملحون: الذي فيه خلل في اللغة العربية برفع ما يكون حقه النصب، أو نصب ما يكون حقه الجزم أو نحو ذلك ويصح أذان الملحون ما لم يحل المعاني، أما إذا أحال المعاني فإنه يبطل.
مثال غير المحيل للمعاني: إذا قال: " أشهدَِ" فهذا ليس مما يحيل المعنى فهو أذان صحيح لكنه مكروه كما نص عليه أهل المذهب.
وأما مثال ما يحيل المعاني: كقوله: " أشهد أن محمدًا رسولَ الله " فهذا الأذان باطل على المذهب؛ لأنه يحيل المعنى ويبطله فإن المعنى هنا فاقد الخبر.
مثال آخر: " آلله أكبر " فهذا استفهام، كأنه يستفهم هل الله أكبر أم لا؟ فالأذان باطل.
أو قال: " الله أكبار " والأكبار هو الطبل وهذا مشهور عندنا فهذه كلها تُبطل الأذان؛ لأنها تحيل اللفظ عن معناه فتصرفه عن معناه المراد إلى معنى آخر وهذا كالقراءة أي قراءة الفاتحة.
قال: (ويجزئ من مميز)
اتفق أهل العلم على أن أذان الكافر والمجنون وغير المميز لا يصح؛ لأنهم لا نية لهم، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (١) .
والأذان عبادة يشترط فيها النية، وهؤلاء لا نية لهم فلم تصح عبادتهم.
وأما الكافر فلقوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ (٢) .
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) سورة التوبة.
[ ٣ / ٦٤ ]
وأما أذان المميز وهو من بلغ سن التمييز حيث يفهم الخطاب ويرد الجواب وهذا يكون في الغالب عند تمام سبع سنين فإنه يصح أذانه لذا قال هنا: " ويجزئ من مميز ". وهذا مذهب الجمهور.
قالوا: لصحة صلاته.
وذهب بعض أهل العلم إلى: أن أذان المميز لا يجزئ.
قالوا: لأنه ليس محلًا لقبول الخبر لذا لا يقبل خبره في حديث النبي ﷺ حتى يبلغ، وهو ليس محلًا لقبول الأخبار لكونه غير مكلف فليس محلًا للمحاسبة على الصدق والكذب فلما كان كذلك لم يقبل أذانه.
وفصَّل شيخ الإسلام في هذه المسألة تفصيلًا حسنًا حمل عليه قول أهل القول الأول، فقال – كلامًا معناه: والأشبه أن الأذان الذي يعتمد عليه في الصلاة والصيام لا يقبل من المميز ولا يعتد به قولًا واحدًا، فأهل القول الأول لا يقبلونه في مثل هذه الحال؛ لأنه ليس أهلًا لذلك فليس بمكلف وليس بمؤاخذ على الكذب وغيره من الأمور المحرمة فلم يكن محلًا لقبول الخبر.
أما إن كان بحيث لا يعتمد عليه – وحينئذ – يكون الأذان سنة مؤكدة كأن يكون في مصر فيه مؤذنون يعتمد عليهم وهو من جملة من يؤذن في هذه البلدة فإن أذانه يصح – وهذا تفصيل حسن من الشيخ ﵀ – قال: " وفيه روايتان عن الإمام أحمد والصحيح جوازه " (١) .
إذن: في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد، وينبغي حمل هاتين الروايتين على المميز حيث لا يعتمد عليه في صلاة الناس وصيامهم، والصحيح الجواز كما تقدم في مسألة الفاسق، فهو أولى بقبول الخبر من الفاسق.
وأما إذا كان بحيث يعتمد عليه فحينئذ: لا ينبغي القول بقبول أذانه ولا الاعتماد عليه وينبغي أن يكون هذا قولًا واحدًا في المذهب.
قال: (ويبطلهما فصل كثير)
فيبطل الأذان إذا كان فيه فصل كثير لاشتراط الموالاة في الأذان، فالفاصل الكثير عرفًا يبطله.
والفصل الكثير سواء كان بسكوت أو بكلام.
[ويسير محرم]
كيف يتصور هذا أي أن يتكلم بكلام يسير محرم؟
[ ٣ / ٦٥ ]
كأن يغتاب أو يقذف أو يسب أثناء الأذان وهذا في الحقيقة مسألة مستبعدة، فحينئذ ينقطع بذلك الأذان.
وعللوا ذلك: بعلة غريبة أيضًا: وهي أنه يظن أنه مستهزئ بالأذان فحينئذ: يرد أذانه لكونه يظن فيه أن يكون مستهزئًا حيث أدخل في الأذان هذا الكلام اليسير المحرم.
لكن هذه المسألة على ندرة وقوعها، الصحيح أنها إذا وقعت فالأذان صحيح؛ لأن الأذان قد وقع على الوجه الشرعي، فقد أذن أذانًا مرتبًا متواليًا، وليس من شرط الأذان ألا يتخلله شيء ولم يدل دليل شرعي على مثل ذلك، فالأذان صحيح لا شك فيه، وأما الإثم فهو واقع عليه.
والدليل على جواز الكلام فيه، ما رواه البخاري معلقًا قال: (وتكلم سليمان بن صرد وهو يؤذن) (١) ثم إنه لا دليل يدل على المنع منه والإبطال به، والأصل عدم التحريم وعدم البطلان.
قال: (ولا يجزئ قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل)
لا يجزئ الأذان قبل الوقت فإذا أذن قبل زوال الشمس وقبل غروبها فالأذان باطل؛ لأنه عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، فعلى ذلك يجب إعادته حيث كان مما يعتد به، لأنه أذان ليس على هدي النبي ﷺ وقد قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) (٢) فلا أذان قبل حضورها.
" إلا الفجر ": لقوله ﷺ: (إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) (٣) متفق عليه.
والليل ما كان قبل طلوع الفجر الصادق، فدل هذا على أن الفجر مستثني من هذه المسألة وأنه يؤذن قبل دخول الوقت وهو الأذان الأول.
" بعد نصف الليل ": إذن وقت الأذان الأول بعد نصف الليل.
_________________
(١) في باب الكلام في الأذان من كتاب الأذان قبل (٦١٦) قال ﵀: " وتكلم سليمان بن صُرَد في أذانه، وقال الحسن: لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو يقيم " ا. هـ
(٢) متفق عليه، وقد تقدم.
(٣) تقدم.
[ ٣ / ٦٦ ]
لكن هذا ضعيف، قال في الإنصاف: " وقيل لا يصح إلا قبل الفجر بوقت يسير وهي رواية عن الإمام أحمد ".
وهذا القول هو الراجح؛ لأن الأذان الوارد في هذا الباب وهو الأذان الأول للفجر كان قبيل أذان الفجر الصادق بوقت يسير، قالت عائشة – كما في النسائي (١) في أذان بلال وابن أم مكتوم – وكان بلال يؤذن الأذان الأول وابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني قالت: (لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) (٢) فهو وقت يسير، ونحوه عن القاسم بن محمد في البخاري معلقًا (٣) .
_________________
(١) هو في مسلم من قول عائشة وابن عمر ﵄، وفي البخاري من قول القاسم، كما سيأتي.
(٢) كذا في المطبوع، ويحتمله الأصل، وقد أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ - (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال) (١٩١٨) (١٩١٩)، من قول القاسم، وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.. (١٠٩٢) من قول ابن عمر وعائشة، وأخرجه النسائي في كتاب الأذان، باب هل يؤذنان جميعًا أو فُرادى (٦٣٩) من قول عائشة.
(٣) قال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ - (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال) (١٩١٨) (١٩١٨) ما نصه: " حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، والقاسم بن محمد، عن عائشة ﵂: أن بلالا كان يؤذن بليل، فقال رسول الله - ﷺ -: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا " ا. هـ.
[ ٣ / ٦٧ ]
ومما يدل عليه أيضًا قوله ﷺ – في المتفق عليه -: (لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال عن سحوره) (١) ومن هنا نستفيد أنه كان قبيل أذان الفجر بحيث أنه يخشى على الناس أن يلبس عليهم أهو الأذان الأول أم الثاني " فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم " ليستريح قليلًا في فراشه ليستعد لصلاة الفجر " ولينبه نائمكم " (٢) ليستعد لصلاة الفجر وليستعد للسحور.
إذن: هو بقدر ما إذا كان الرجل نائمًا بحيث أنه يستعد للوضوء أو الغسل أو نحو ذلك، ويستعد – إن كان مريدًا للصوم بأن يطعم، فيكون قدرًا كافيًا لسحوره.
ومن هنا نعلم أن الأذان بعد نصف الليل وقبل الوقت المذكور أنه ليس بمشروع لأنه عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد.
ويستحب لمن أذن الأذان الأول أن يكون هناك من يؤذن الأذان الثاني وأن يعرف الناس أنه يؤذن الأول لئلًا يلتبس عليهم فيتضررون في صلاتهم وعبادتهم.
يستحب أن يكون عرف الناس أنه يؤذن بليل لئلا يلتبس الأمر عليهم، ويستحب أن يكون هناك مؤذن آخر يؤذن للفجر.
وهذا الاستحباب في الاكتفاء به نظر، والأظهر وجوب ذلك أو شرطيته وأن ذلك شرط وهذا مقتضى كلام الموفق في كتاب الكافي (٣)؛ وذلك لأنه متى ترك الأذان الثاني فإنه يكون قد أخل بالواجب الأصلي وهو أذان الفجر عند دخول الوقت وإذا أذن بحيث يلبس على الناس فإنه قد أوقعهم بخلاف المقصود من الأذان الشرعي، فكان الواجب لا المستحب فقط أن يكون هناك من يؤذن الأذان الثاني وأن يعرف الناس أن هذا هو الأذان الأول بحيث لا يلبس عليهم أمر صلاتهم وصيامهم.
وقال في المبدع: " وأما ما يفعله الناس في زماننا من الأذان في أول الثلث الأخير فهو خلاف السنة وفي جوازه نظر " (٤) وهو كما قال بل الراجح أنه ليس بصحيح.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس والخمسون
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر (٦٢١) ومسلم (١٠٩٣) .
[ ٣ / ٦٨ ]
(يوم الثلاثاء: ١٨ / ٢ / ١٤١٥هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويسن جلوسه بعد أذان مغرب يسيرًا]
" يسيرًا ": قال بعض فقهاء الحنابلة: بقدر ما يكفي لقضاء الحاجة والوضوء وصلاة ركعتين.
وقال بعضهم غير ذلك.
ولعل التي استحبت هذه المسألة من أجلها: أن الأذان مشروع للإعلام فاستحب أن يمكث المؤذن عن الإقامة بقدر ما يدرك الناس الصلاة، فلما كان الأذان للإعلام استحب أن يمكث يسيرًا فلا يقيم إلا بعد هذا المكث حتى يتمكن الناس من إدراك الصلاة التي أذن لها، وحينئذ فإن مثل التقدير الذي تقدم ذكره لا يكون في كل حال من الأحوال، وإنما يكون في بعض الأحوال.
فالضابط على ذلك أن يقال: أن يمكث بقدر ما يتمكن الناس فيه من الحضور إلى المسجد وإدراك الصلاة تامة، فيمكث بقدر ما يكون كافيًا لقضاء الحاجة والوضوء.
دليل هذا القائل الذي ذكر هذا القدر مع الركعتين استدل بما ثبت عن النبي - ﷺ - وأصحابه من صلاة ركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاتها.
لكن هذا الدليل ليس بظاهر في هذا، فإنه من المحتمل أن يكونوا قد حضروا الأذان في المسجد، فيصلون ركعتين.
إذًا: المقصود من ذلك: أنه يسن له أن يمكث بعد أذانه - فلا يقيم إلا - بقدر ما يتمكن الناس الذين أعلموا بالأذان من إدراك الصلاة.
وهذا ليس خاصًا لصلاة المغرب بل هو عام فيها وفي غيرها من الصلوات التي يسن تعجيلها، فكل صلاة يستحب تعجيلها يسن هذا الفعل من المكث فيها.
وإنما خصت صلاة المغرب بهذا الحكم لقصر وقتها وضيقه، فهي أضيق من غيرها بالوقت.
ولما روى تمام في فوائده أن النبي - ﷺ -[قال] (١): جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة)، لكن الحديث إسناده ضعيف.
_________________
(١) ليست في الأصل.
[ ٣ / ٦٩ ]
ومثله ما روى الترمذي أن النبي - ﷺ - قال لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر لقضاء الحاجة ولا تقيموا حتى تروني) (١)، والحديث فيه عبد المنعم صاحب السقاء وهو منكر الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي - ﷺ -.
فعلى ذلك: العلة التي تقدم ذكرها هي: أصل الاستدلال في هذه المسألة، فالأذان شرع للإعلام، فناسب أن يكون هناك فترة زمنية يتمكن بها الخارجون عن المسجد بعد سماعهم للنداء من الوضوء ونحوه مما يحتاجون إليه، وهذا بقدر عشر دقائق ونحوها، وهذا ليس خاصًا بصلاة المغرب بل فيها وفي غيرها، لكن غيرها أوسع منها لأمرين:
الأمر الأول: ثبوت الصلاة الراتبة فيها، لاسيما الفجر والظهر، بخلاف العصر فإنها شبيهة بالمغرب من هذا الوجه حيث لا سنة راتبة فيها، وإنما السنة الواردة في العصر والمغرب ليست براتبة.
الأمر الآخر: أن الصلوات الأخرى أوسع منها وقتًا.
ثم إن كثيرًا من هذه الصلوات تكون غالبًا بعد عمل الناس، فربما احتاجوا إلى وقت أوسع من ذلك، لذا الوقت بين أذان المغرب والإقامة يكون أقل من غيرها من الصلوات.
أما الصلوات الأخرى فإنه يزاد عن هذا الوقت بقدر الحاجة، فإن صلاة الفجر تكون بعد النوم فيحتاج ذلك إلى مزيد من الوقت للاستعداد لصلاة الفجر، وربما احتاج إلى غسل أو إحضار ماء وتسخينه ونحو ذلك مما يحتاج إليه، وكذلك صلاة العصر.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الترسل في الأذان (١٩٥) قال: " حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا المعلى بن أسَد حدثنا عبد المنعم، هو صاحب السِّقَاء، قال حدثنا يحيى بن مُسْلم عن الحسن وعطاء، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال لبلال: (يا بلال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر..) .
[ ٣ / ٧٠ ]
وصلاة الظهر تكون بعد إتيان الناس من أعمالهم، فالمقصود من ذلك: أنه ينبغي للإمام أن لا يأمر بالإقامة إلا بعد مضي وقت كاف لإدراك الناس الصلاة تامة ولإدراك ما يستحب قبلها من السنن الراتبة إن كان ثمت راتبة كالظهر والفجر.
قال: [ومن جمع أو قضى فوائت أذن للأولى ثم أقام لكل فريضة]
أما الجمع فلما ثبت في مسلم أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين " (١) .
وأما الفوائت فقد تقدمت الأدلة عليها.
قال: [ويسن لسامعه متابعته سرًا]
لما ثبت في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فقال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال:حي على الفلاح،فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة) (٢) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - من حديث جابر ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن.. (٣٨٥) .
[ ٣ / ٧١ ]
وثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا) وفيه استحباب الصلاة على النبي - ﷺ - بعيد الأذان (ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وإني أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) (١) ..
وثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال: (قل كما يقولون ثم سل تعطه) (٢) .
ففي هذه الأحاديث سنية إجابة المؤذن.
ويستثنى من ذلك المصلي والمتخلي.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحاب القول مثل قول المؤذن.. (٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن "، البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي (٦١١) .
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذن (٥٢٤) قال: " حدثنا ابن السَّرْح ومحمد بن سلمة، قالا: حدثنا ابن وهب، عن حُيَي، عن أبي عبد الرحمن - يعني الحُبُلِّي – عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -: (قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تُعْطه)، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، سنن أبي داود [١ / ٣٦٠] .
[ ٣ / ٧٢ ]
أما المصلي؛ فلأن الصلاة شغل، كما قال - ﷺ -: (إن في الصلاة لشغلًا) (١)، فيستثنى؛ لأنه متى أجاب المؤذن انشغل عن تدبر الصلاة والخشوع فيها. وهذا هو مذهب الجمهور، وحكاه شيخ الإسلام في الفتاوى ولم يتعرض لخلافه بترجيح.
- ورجح – ﵀ – كما في كتب الحنابلة في النقل عنه استحباب ذلك في الصلاة، وهو رواية عن الإمام مالك، وأنه يستحب إجابة المؤذن في الصلاة نفلًا وفرضًا، واختاره شيخ الإسلام كما تقدم، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، قال: " والعمومات تؤيده ".
والجواب: إن العمومات وإن كانت تؤيده، لكن الصلاة لها معنى خاص يقتضي إخراجها من هذا الحكم؛ لأنه متى أجاب فإن هذا يخل في خشوعه في صلاته وإقباله على الله فيها بمتابعة المؤذن.
فالأظهر مذهب الجمهور، وأن إجابة المؤذن لست بمشروعة في الصلاة، وكما تقدم فإن شيخ الإسلام ذكر في الفتاوى قول الجمهور ولم يعقب عليه.
وأما ما ذكره من الترجيح السابق فقد ذكر عنه في كتب الحنابلة، فلعله قول قديم له. والعلم عند الله تعالى.
* وأما المتخلي، فكذلك، قالوا: ويجيب بعد خروجه من الخلاء.
واختار شيخ الإسلام أنه يجيب في الخلاء سرًا.
والراجح خلافه؛ لأنه ثبت أن النبي - ﷺ - لم يجب المسلِّم عند قضاء حاجته، وأجابه بعد ذلك، وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (٢)، وكذلك الأذان فإنه يجيب بعد خروجه من الخلاء، كما فعل النبيﷺ - لما سلم عليه، فإنه لم يجب حتى قضى حاجته.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة (١١٩٩)،وباب لا يرد السلام في الصلاة (١٢١٦) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة (٣٨٧٥)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب (١٧٠) رد السلام في الصلاة (٩٢٣) .
(٢) أخرجه أبو داود، وقد تقدم.
[ ٣ / ٧٣ ]
فالراجح: أن المتخلي يجيب بعد خروجه من الخلاء.
فائدة:
ذكرها النووي:
أنه قال: " ولم أر لأصحابنا في متابعة المؤذن بعد الأذان تعرضًا ". وهي مسألة: إجابة المؤذن بعد فراغه من الأذان، قال: " والذي يظهر إنه إن كان قد قرب فإنه يجيب وإن كان هناك فاصل كثير، فإنه لا يجيب "، وهو قول حسن، وأن من ترك الإجابة فإن كان الفاصل بين الأذان والمتابعة قريبًا فإنه يجيب، أما إذا كان طويلًا عرفًا فإنه لا يجيب. هذا ما قرره النووي.
ومعلوم أن السنة أن يتابع المؤذن جملة جملة كما تقدم في حديث عمر.
[ ٣ / ٧٤ ]
وقد ذكر الحنابلة وهو مستحب عند الشافعية كما هو مستحب عند الحنابلة إجابة المقيم أيضًا؛ واستدلوا بما رواه أبو داود: أن بلالًا أخذ بالإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - ﷺ -: (أقامها الله وأدامها) (١)، لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي - ﷺ -، بل هو ضعيف جدًا. لكن عمدتهم في الاستدلال هو عمومات الأحاديث، كقوله: (إذا سمعتم المؤذن)، ومعلوم أن المقيم مؤذن، لقول النبي - ﷺ -: (بين كل أذانين صلاة) (٢)، فكما أن الإعلام الخارجي بالأذان الأول أذان، فكذلك إعلام الحاضرين بالأذان الثاني هو أذان.
لكن الذي يظهر أن هذا الإطلاق من باب التغليب، كما يقال: العمران والقمران.
والأظهر: أن الإقامة لا تشرع لها الإجابة، وهو ما ذهب إليه بعض الشافعية؛ وذلك لوجوه:
منها: أن الإقامة المشروع فيها الحدر ومتى كان ذلك فإن في المتابعة عسرًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب ٣٧) ما يقول إذا سمع الإقامة (٥٢٨) قال: " حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا محمد بن ثابت، حدثني رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - أن بلالا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - ﷺ -: (أقامها الله وأدامها) وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر ﵁ في الأذان ".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل المغرب (١٢٨٣) .
[ ٣ / ٧٥ ]
ومنها: أنه قد ورد في الأحاديث في متابعة الأذان استحباب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد ذلك واستحباب الدعاء بالدعاء الوارد للنبي - ﷺ - بالوسيلة والمقام المحمود، وهذا لا يسعه الوقت الذي يكون بين الإقامة والصلاة، فإنه وقت يسير جدًا، فمتى انتهى المقيم من الإقامة واعتدلت الصفوف كبر للصلاة، وهذا في الغالب لا يسع لمثل هذا الدعاء.
ومنها: أن الإقامة إنما شرعت لإعلام الحاضرين بإقامة الصلاة في المسجد، وقد أجابوا منادي الله فحضروا في المسجد.
وأما الأذان الأول فهو إعلام للغائبين فشرع لهم أن يتلفظوا بتلك الألفاظ إعلانًا منهم بإجابة المؤذن وإجابة ندائه، وأنهم مستعدون ومتهيئون لحضور الصلاة وإجابة منادي الله تعالى.
فالأظهر ما ذهب إليه بعض الشافعية لهذه الوجوه المتقدمة.
مسألة:
هل تشرع الإجابة للمؤذن نفسه؟ بمعنى يجيب نفسه؟
ذهب الحنابلة: إلى مشروعية ذلك؛ وعللوا ذلك: بالجمع بين الأجرين، أجر الأذان وأجر المتابعة.
لكن الراجح خلاف ذلك، فهذه مسألة فيها نظر ظاهر، فإنه مناد لا مجيب، فهذا منادي،وهذا مجيب، فكيف يكون المنادي مجيبًا.
ثم إن هذا قد يشغله عن إقامة الإذان على وجهه الصحيح.
ثم إن عمومات النصوص الشرعية إنما وردت في السامع (إذا سمعتم الأذان)، ونحو ذلك، وليس يدخل في تلك الألفاظ إلا السامع، وإدخال المؤذن يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك.
واعلم أن المستحب له أن يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " عن قول المؤذن: "حي على الصلاة، حي على الفلاح " كما تقدم في حديث عمر.
وفي قول " الصلاة خير من النوم " في الإجابة قولان:
القول الأول، وهو المشهور في المذهب: أن يقول: " صدقت وبرِرْت ".
[ ٣ / ٧٦ ]
القول الثاني: أنه يجيبه بقول: " الصلاة خير من النوم ". وهذا هو الراجح؛ لعموم قوله - ﷺ -: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)، ويدخل في ذلك كل الألفاظ سوى الحيعلة، فإن الحديث الآخر – حديث عمر – قد ورد باستثنائها.
قال الحافظ ابن حجر: " وليس لصدقت وبررت أصل " (١) .
ومثل ذلك " أقامها الله وأدامها " عند الإقامة فهي ضعيفة لا تصح.
قال: [وحوقلته في الحيعلة]
الحوقلة: هي اختصار لقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".
والحيعلة: هي اختصار لقول: " حي على الصلاة، حي على الفلاح ".
فيسن أن يجيبه بـ" لا حول ولا قوة إلا بالله " أي ليس لي تحول من حالتي هذه إلى حالة أخرى أجيب بها المنادي وأحضر إلى الصلاة إلا بقوة وتأييد من الله تعالى.
قال: [وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته]
والحديث رواه البخاري في صحيحه: أن النبي - ﷺ - قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا الذي وعدته) (٢) وفي النسائي وابن خزيمة: (وابعثه المقام المحمود) (٣) .
ولفظة (مقامًا محمودًا) أولى لوجهين:
الوجه الأول: أنها ثابتة في الصحيح.
الثاني: أنها موافقة للقرآن في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء (٦١٤)، وفي كتاب التفسير، باب ﴿عسى أن يبعثك ربك مقومًاَ محمودًا﴾ (٤٧١٩) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٢) أخرجه النسائي في كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان (٦٨٠) .
[ ٣ / ٧٧ ]
وفي التنكير من التعظيم ما هو ظاهر، لقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ (١) أي رجال عظماء، وهنا (مقامًا محمودًا) أي مقامً عظيمًا محمودًا.
أما لفظة (إنك لا تخلف الميعاد) (٢) فقد وردت في البيهقي بإسناد صحيح، لكن راويها قد شذ عن بقية الرواة، وهم عشرة الذي رووا هذا الحديث فلم يذكروا هذه اللفظة، فشذ هذا الراوي – وهو ثقة – بذكرها. فعلى ذلك: هذه اللفظة شاذة لا تصح نسبتها إلى النبي - ﷺ -، وعليه فالسنة أن يقف إلى قوله (الذي وعدته) .
ويستحب له أن يدعو الله بين الأذان والإقامة بما شاء؛ لما ثبت في الترمذي أن النبي - ﷺ - قال: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد) (٣)، وهو حديث صحيح. وقد تقدم حديث (قل كما يقولون ثم سل تعطه) .
_________________
(١) سورة التوبة.
(٢) أخرجها البيهقي في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا فرغ من ذلك (١٩٣٣) .
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب (٤٤) ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة (٢١٢) من حديث أنس بن مالك، قال أبو عيسى: " حديث أنس حديث حسن صحيح، وقد رواه أبو إسحاق الهمْداني عن بريد بن أبي مريم عن أنس عن النبي - ﷺ - مثل هذا " وقد أخرجه ﵀ أيضًا في كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية (٣٥٩٤) (٣٥٩٥) .
[ ٣ / ٧٨ ]
أما ما رواه الترمذي من أن النبي - ﷺ - قيل له: فماذا نقول؟ فقال: (سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) (١)، فالحديث فيه يحيى بن اليمان وهو ضعيف، فهذا التخصيص ضعيف، فيدعو الله بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وهذا الموطن من مواطن الإجابة.
قوله: (الدعوة التامة): هي دعوة التوحيد التي رفع المؤذن بها صوته.
" والصلاة القائمة ": أي الصلاة الدائمة المستمرة، وهي الصلاة التي دعا الناس إليها.
" الوسيلة ": هي منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأن النبي - ﷺ - يرجو أن يكون هو.
" مقاما محمودًا ": هو مقام الشفاعة العظمى الذي يقومه النبي - ﷺ - بين يدي الله بعد أن يسجد له فيشفع لعباد الله للفصل بينهم يوم القيامة وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وُهبه رسوله - ﷺ -.
مسألة:
لفظة " حي على خير العمل " هل تستحب في الأذان؟
_________________
(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية، قال: " حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد الكوفي، حدثنا يحيى بن اليمان، حدثنا سفيان عن زيد العمِّيِّ عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - (الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة) قالوا: فماذا نقول يا رسول الله، قال: (سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) .
[ ٣ / ٧٩ ]
صحت هذه اللفظة عن ابن عمر، كما في البيهقي بإسناد صحيح (١)، وأنه قالها إثر قوله " حي على الصلاة، حي على الفلاح ".
ورواها البيهقي عن علي بن الحسين، وتعقب البيهقي ذلك بقوله: " وليست هذه اللفظة ثابتة في الأذان الذي علمه النبي - ﷺ - بلالًا وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة "، وهو كما قال، فهذه اللفظة تعارض حصر النبي - ﷺ - الأذان كما تقدم من تعليمه لبلال وأبي محذورة.
وقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذه اللفظة إنما فعلها من فعلها من الصحابة لعارض تحضيضًا على الصلاة أي وجد تكاسلًا من الناس في الصلاة فوضع هذه اللفظة تحضيضًا على الصلاة، فيكون ذلك أمر عارض وليست في الأذان الراتب، كما قال شيخ الإسلام.
لكن في الحقيقة ليس بمبرر لمثل هذا، فهذا الاجتهاد من صحابي خالف فيه فعل النبي - ﷺ -، فيكون مردودًا، والسنة في فعله - ﷺ -، وأما أفعال الصحابة فحيث لا تخالف ما ثبت عن النبي - ﷺ - وتعليم النبي - ﷺ - لبلال وأبي محذورة الأذان وبقاؤهما تلك الفترة الطويلة بين يديه من غير زيادة يدل على أن الزيادة فيه ليست من السنة.
على أنها أصبحت من شعار أهل البدعة، فعلى ذلك: أصبحت بدعة ظاهرة، لكونها وإن كانت في زمن ابن عمر قد يتردد بالجزم بأنها بدعة، لكن لما أصبحت من شعار أهل البدعة فينبغي أن يشدد في النهي عنها.
مسألة:
هل يشرع الأذان على الراحلة؟
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١ / ٦٢٤] باب (٧٥) ما روي في حي على خير العمل (١٩٩١) (١٩٩٢) موقوفًا على ابن عمر، وبرقم (١٩٩٣) مقطوعًا على علي بن الحسين. وبرقم (١٩٩٤) مرفوعًا. ثم قال الشيخ: " وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي - ﷺ - فيما علم بلالًا وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه وبالله التوفيق ".
[ ٣ / ٨٠ ]
لا بأس به، وقد صح ذلك عن ابن عمر كما في البيهقي بإسناد صحيح أنه أذن على الراحلة ثم نزل فأقام " (١) .
مسألة:
يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان أو لمن دخل المسجد بعد الأذان، فيحرم الخروج إلا لعذر أو إرادة الرجعة، أما مع عدم ذلك فإنه لا يجوز. هذا ما صرح به الحنابلة.
ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي الشعثاء قال: " كنا قعودًا في المسجد ومعنا أبو هريرة، قال: فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فرماه أبو هريرة ببصره حتى خرج من المسجد، فقال: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم " (٢) .
فهذا الحديث ظاهر في تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، ومثل ذلك من دخل المسجد وقد أذن فيه؛ لأن هذا بمعنى الأول تمامًا.
قال الترمذي: " والعمل على هذا من أصحاب النبي - ﷺ - فمن بعدهم، يرون أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من المسجد إلا لعذر " (٣) .
ومن الأعذار أن يخرج لقضاء الحاجة أو ضوء أو نحو ذلك، أما أن يخرج لغير ذلك، فلا يجوز.
وقد استثنى بعض الحنابلة: خروجه لمسجد آخر لا سيما إذا كان إمامه أفضل.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١ / ٥٧٧] في كتاب الصلاة، باب (٤٢) الأذان راكبًاَ وجالسًا (١٨٤١) (١٨٤٢) وقال ﵀ (١٨٤٣): " وروي فيه حديث مرسل، أخبرناه أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب، ثنا إسماعيل، عن الحسن أن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًاَ في سفر فأذن على راحلته، ثم نزلوا فصلوا.. ".
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن (٦٥٥) .
(٣) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب (٣٦) ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان (٢٠٤)
[ ٣ / ٨١ ]
ونحن إذا نظرنا إلى اللفظ العام المتقدم فإننا نقول: إن هذا لا يجوز وأنه لا يجوز أن يخرج لجماعة أخرى.
لكن إذا نظرنا إلى المعنى وهو ما يورثه الخروج من التهمة في ترك الصلاة جماعة، وما قد يكون سببًا لفوات الجماعة عليه فنحن نقيد (١) هذا الخروج بهذه القيود، فإذا خرج حيث لا تهمة، حيث لا يظن به ظنًا سيئًا، وأن يظن ظنًا غالبًا أن يدرك جماعة أخرى، فإنه يرجى أنّ خروجه لا بأس به، حيث توفرت هذه المعاني المتقدمة.
ومع ذلك: فالأولى له والأحوط ألا يخرج من المسجد إلا لعذر من وضوء أو نحوه.
وهذا فيمن يجب عليه الصلاة جماعة.
أما من لا يجب عليه الصلاة جماعة، كامرأة أو من لا يجب عليه الصلاة أصلًا، فإن خروجه جائز؛ لأن الصلاة جماعة ليست بواجبة عليه، بل الصلاة فرضًا ليست بواجبة عليه.
إذًا: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لمن أراد الرجعة أو كان معذورًا.
مسألة:
أي مؤذن يجيب؟
ذكر الحنابلة: أنه يجيب المؤذن ومؤذنًا ثالثـ[ـًا] ورابعـ[ـًا] .. الخ. فهذا هو المستحب.
لكن هذا فيه نظر، والراجح أنه لا يجيب إلا المسجد الذي يريد أن يصلي فيه، وقد اختار هذا النووي.وقال صاحب المبدع: " فإن أجاب وحضر المسجد للصلاة فسمع المؤذن فإنه لا يجيب "؛ لأنه ليس بمدعو.
وما ذكره – ﵀ – ليس خاصًا فيمن أجاب وحضر المسجد فحسب، بل هو عام فيه وفيمن (٢) كان في حكمه وهو من يريد أن يذهب إلى مسجد خاص فسمع المنادي ينادي إليه، فإنه يجيب هذا المسجد بخصوصه الذي يقصد حضور الجماعة فيه.
_________________
(١) في الأصل: نقيده.
(٢) في الأصل: فيمكن.
[ ٣ / ٨٢ ]
والأظهر كذلك: أنه إن لم يحدد مسجدًا فإنه يجيب مؤذنًا واحدًا؛ لأن المقصود الإجابة، وقد أجاب،وإذا أمر الشارع بأمر فإنه يفعل لا على التكرار إلا إذا دل دليل على التكرار، وإلا فإنه يفعل مرة واحدة، وهذا قد أجاب مؤذنًا لصلاة فرض، فحينئذ لا يشرع له أن يجيب مؤذنًا آخر للصلاة بعينها، فإنهما مؤذنا صلاة واحدة فلم يشرع إلا أن يجيب المؤذن الذي أجابه.
وإذا كان الإنسان مسجده بعيدًا وهو لا يسمع النداء فإنه يجيب أي مؤذن.
والحمد لله رب العالمين. (١)
انتهى باب الأذان والإقامة.
ويليه باب شروط الصلاة.
_________________
(١) مسألة: ما الحكم إذا لم يفهم الصوت؟ استظهر بعضهم أنه يعتبر فهمه، أي إذا لم يفهم الصوت فلا يتابع المؤذن. مسألة: ما الحكم إذا سمع بعض الأذان؟ يتابعه فيما سمع فقط، أما الذي لم يسمعه فلا يتابعه فيه. [الحاشية: ١ / ٤٥٣]
[ ٣ / ٨٣ ]
الدرس السادس والخمسون
(يوم السبت: ٢٢ / ٢ / ١٤١٥هـ)