الصيام لغة:الإمساك، وفيه قوله تعالى عن مريم:
(إني نذرت للرحمن صوما) ً أي إمساكًا عن الكلام.
اصطلاحًا:التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب:فقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
أما السنة:فمنها قوله ﷺ: (بني الإسلام على خمس، وذكر منها:صيام رمضان) وأما الإجماع:فقد أجمعت الأمة على فرضيته، وعلى تكفير جاحده، وقد أجمع أهل السير على أن الصيام فُرض في السنة الثانية من الهجرة – وعليه فيكون النبي ﷺ قد صام تسع رمضانات.
واعلم أنه لا بأس أن يقول:جاء رمضان أو دخل رمضان خلافًا لمن منع ذلك من أهل العلم.
وأما ما رواه البيهقي أن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا جاء رمضان، فإنه اسم من أسماء الله تعالى) فالحديث لا يثبت عن النبي ﷺ، ففيه أبو مَعْشر وهو ضعيف وقد ثبت عن النبي ﷺ إطلاق ذلك، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ) الحديث.
ورمضان مشتق من الرمَضَ، رمض يرمض رمضًا وهو شدة الحر وإنما سمي رمضان بهذا الاسم لأنه وافق شدة حر فسمي بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب صوم رمضان برؤية هلاله)
فإذا رؤي الهلال ففرض على المسلمين أن يصوموا، وهي مسألة إجماعية، وقد قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وقال ﷺ (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) متفق عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين)
[ ١٠ / ١ ]
الثلاثين، يحتمل أن تكون من شعبان، وتحتمل أن تكون من رمضان، فيقال:ليلة الثلاثين من باب الظن وإلا فيحتمل أن تكون من رمضان. فإذا كانت ليلة الثلاثين ولم يروا الهلال وليس هناك مانع يمنع الرؤية من سحاب أو غبار، فإنهم يصبحون مفطرين وهذا باتفاق أهل العلم.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يكون يصوم صومًا فليصمه) وقد قال الحنابلة وهو – أي يوم الثلاثين – يوم الشك الذي قال فيه عمار ابن ياسر – كما رواه أهل السنن والبخاري معلق والحديث إسناده صحيح -: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم ﷺ) – هذا المذهب، والراجح أن يوم الشك يوم الثلاثين إذا كان في ليلته غيم أو قتر -.
إذن يحرم صيام يوم الشك ويكره له أن يتقدمه بيوم.
وهل يكره له أن يصوم إذا انتصف شعبان؟
روى أحمد والترمذي وأبو داود – والحديث أعله أحمد وابن مهدي – عن أبي هريرة قال وقال رسول الله ﷺ: (إذا كانت النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان) لكن هذا الحديث مع أن سنده صحيح، فقد أعله أنكره الإمام أحمد وابن مهدي، بل حكى ابن حجر أن جمهور العلماء على تضعيفه. وقد أنكره لمخالفته ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة – وسيأتي ذكره: (أن النبي ﷺ: كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا) وجمع الموفق ابن قدامه بين الحديثين، بأن حديث النهي فيه نهي من لم يصم النصف الأول من شعبان أن يصوم نصفه الثاني درءًا لذريعة إرادة الإلحاق بالفريضة احتياطًا وهو جمع قوي، لكن ينكر عليه قوله: (فأمسكوا عن الصيام) فظاهره الإمساك مطلقًا سواء صام نصفه الأول أو لا. فعلى ذلك ما قاله أهل العلم من نكارة هذا الحديث أولى.
قال: (وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه)
" غيم " أي سحاب.
" قتر " أي غبار.
[ ١٠ / ٢ ]
فإذا كانت ليلة الثلاثين وكان في السماء غيم أو قتر يمنع من رؤية الهلال، فيحتمل أن يكون الهلال موجودًا، فظاهر المذهب يجب صومه احتياطًا للعبادة.
واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له) أي ضيقوا عليه، كما قال تعالى: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يضيق، ومعلوم أن الشهر إما ثلاثون، وإما تسع وعشرون، فالتضييق عليه بأن يجعل تسعًا وعشرين: وهو قول راوي الحديث، ففي أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر: (أنه كان إذا حال دون قنطره " أي قنطر الهلال " سحاب أو قتر أصبح صائمًا)
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصيام لا يجب، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وابن عقيل وأبو الخطاب وصاحب الفروع وصاحب الإنصاف وغيرهم قالوا:لأن النبي ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي رواية مسلم: (فاقدروا له ثلاثين) أي احسبوا له ثلاثين وفي رواية للبخاري: (فأكملوا العدة ثلاثين) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ونحوه في مسلم وفي أبي داود وابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره " أي يتكلف في معرفة دخول الشهر من ذلك " فيصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام) وأما ما استدل به أهل القول الأول أما قوله: (فاقدروا له) فإنها قد فسرتها الرواية الأخرى في الصحيح: (فاقدروا له ثلاثين) وغيرها فثبت أن المراد احسبوا له، وليس المراد ضيقوا عليه.
[ ١٠ / ٣ ]
وأما فعل ابن عمر فإن هذا رأي من خالف روايته، والعبرة بما روى لا بما رأى، والأحاديث ظاهرة في ذلك، بل هو يوم الشك الذي قال فيه عمار: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ)؛ لأن حقيقة الشك ثابتة فيه فلا يدري أهو من رمضان أم من غيره. والراجح هو عدم وجوب صومه – كما هو مذهب الجمهور لكن هل يباح صومه أم يستحب أم يكره أم يحرم؟
أربعة أقوال للحنابلة القائلين بعدم الوجوب:
الاستحباب وكان قول شيخ الإسلام وقد حكى صاحب الاختيارات عنه أنه قال بعد ذلك.
إلى القول بعدم الاستحباب.
٣ - ٤- الثالث والرابع:النهي وهو قول أبي الخطاب وابن عقيل وهل النهي للكراهية أم للتحريم؟
والراجح من هذه الأقوال الأربعة تحريم ذلك لحديث عمار.
وظاهر المذهب – كما تقدم – أنه يجب صومه، فإذا ثبت أنه من رمضان فإنه يجزئ، لأنهم صاموه بنية الاحتياط لكن الراجح تحريم صومه – كما تقدم -.
قال: (وإن رؤى نهارًا فهو لليلة المقبلة)
فإذا رأى الناس الهلال نهارًا فإنه يكون لليلة المقبلة سواء كان ذلك – أي الرؤية – قبل الزوال أم بعده أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال فلا نزاع بين العلماء في ذلك وأنه يكون لليلة المقبلة وأما إذا كانت رويته قبل الزوال، فعن الإمام أحمد أنه يكون لليلة الماضية، فعليه فإذا كان ذلك فإنهم يمسكون عن الطعام والشراب ويكون اليوم الأول من رمضان ومرجع ذلك إلى أهل الخبرة بالأهلة قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)
فإذا رؤى الهلال في بلدة من البلاد الإسلامية لزم جميع البلاد الصيام. هذا هو المشهور في مذهب أحمد ومذهب مالك.
واستدلوا:بقوله ﷺ: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) .
[ ١٠ / ٤ ]
قالوا:هذا خطاب عام للأمة، فظاهر ذلك العموم لسائر البلدان ولما ثبت في الترمذي بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) . قالوا:فقوله الصوم " يدل على أن الأمة يجتمعون على الصيام فصومهم واحد وفطرهم واحد، وإجماعهم واحد. وذهب إسحاق وغيره إلى أن لكل بلدة من البلاد رؤيتها.
واستدلوا:بما ثبت في مسلم عن كُريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: (فقدمت الشام على معاوية فقضيت حاجتي واستهل رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في أخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال:متى رأيتم الهلال فقلت:ليلة الجمعة، قال:أن رأيته قلت:نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية، قال:لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه قال:قلت أو لا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه فقال: (لا هكذا أمرنا النبي ﷺ)
وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام إلى أن لكل بلد رؤيتها. إلا إذا تحدث المطالع " أي مطالع القمر " فإذا المطالع فإنه إذا رؤى في بلدة لزم الأخر الصيام كما يقع هذا في البلدان المتقاربة كالبصرة والكوفة قالوا ولأنه متى رؤى في بلدة فيعلم أنه يرى في البلدة الأخرى لإيجاد المطلع، وقد منع من رؤيته غيم أو قتر أو إهمال " ونحو ذلك " وإلا فالأصل أنه يرى وهذا قول ظاهر، فإن اتخاذ المطالع معترف به في هذه المسألة عند أهل المعرفة فإنهم يقطعون أنه إذا روى في البلد فإنه يرى في البلدة الأخرى التي توافقها في مطلعها. وأما إذا اختلفت المطالع فلكل بلد رؤيتها لحديث كريب عن ابن عباس.
[ ١٠ / ٥ ]
وهذا القول أصح من القول الذي قبله وتبقى الخلاف بينه وبين القول الأول، فيجتب عن حديث: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) فأن المقصود بذلك أهل البلد ومن وافقهم في الرؤية أما إذا كانت المطالع مختلفة والهلال يرى في بلد الليلة ولا يرى في الأخرى إلا والحي - فهذا بذلك، فلا يحكم عليها بحكم واحد.
وأما حديث: (صومكم يوم تصومون) فإنه إنما يراد به أهل البلد الواحد لئلا يختلفوا واختلافهم يؤدي إلى اختلاف قلوبهم فيكون بعضهم صائم وبعضهم مفطر. وهذه المسألة مسألة اجتهاد – فإذا قال الحاكم فيها بأي قول وجب على أهل ذلك البلد أن يعملوا بحكمه.
فإذن الظاهر:أن لكل بلد رؤيتها إلا إذا اتحدت المطالع.
قال: (ويصام برؤية عدل ولو أنثى)
لأنه خبر ديني، والقاعدة في الأخبار الدينية أنها يقبل فيها خبر الواحد كالأحاديث النبوية ولا يشترط أن يكون المخبر ذكرًا أو حرًا بل لو كان أنثى أو عبد قبل لأنه خبر ديني فإذا أخبر عدل أنه رأى الهلال فإنه يحكم بقوله ويصوم الناس ولو كان المخبر أنثى لأن ذلك خبر ديني بخلاف باب الشهادة فإنها تتعلق بأموال الناس أما الخبر الديني فالتهمة منه بعيدة ومما يدل على ذلك ما روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) وذهب الأحناف والمالكية إلى
أنه لا يقبل إلا برؤية رجلين واستدلوا:بما روى النسائي أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) إلى أن قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا)
قالوا:فعلق النبي ﷺ الفطر والصوم برؤيته من اثنين، فلا يثبت دخول الشهر إلا برؤيتهما.
وهذا القول أضعف من الذي قبله، وذلك لثبوت الحديث المتقدم وهو المنطوق وما في هذا الحديث مفهوم، فإن مفهومه أنه لم يكن شاهدين فلا يثبت، والمنطوق مقدم على المفهوم.
[ ١٠ / ٦ ]
إذن:هلال رمضان يثبت برؤية واحد أما هلال شوال وهو الذي يثبت برؤيته خروج رمضان فقد اتفقوا العلماء – سوى أبي ثور – إلى أنه لابد لثبوته من رؤية اثنين، فلا يثبت برؤية الواحد.
واستدلوا:بحديث النسائي: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) قالوا:حديث ابن عمر إنما يخصص دخول رمضان فيبقى خروجه على اشتراط الشاهدين ومع قوة ما ذهب إليه الجمهور – وإن ما ذهب – إليه أبو ثور قول قوي، فإن القاعدة هي قبول خبر الواحد في الأخبار الدينية مطلقًا وأما قوله: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) فإنه يقال فيه ما قيل في المسألة السابقة، والذي يخرج هذه المسألة هو القياس الصحيح والدخول في قواعد الشريعة من أن خبر الواحد مقبول في الأخبار الدينية، فهنا بخبر الواحد يخبر عن النبي ﷺ تقطع به الأيدي وتراق به الدماء – وهو خبر واحد وواجب علينا قبوله فأولى من ذلك هذا.
فعلى ذلك يكون قوله: (فإن شهد شاهدان) على وجه الكمال والاستحباب ومع ذلك فإن العمل على ما ذهب إليه جمهور العلماء احتياطًا للصوم فلا يخرج عنه إلا بشهادة اثنين وإلا فما ذهب إليه أبو ثور وقال إليه الشوكاني في نيل الأوطار قول قوي والله اعلم.
قال: (فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم ير الهلال، لم يفطروا)
[ ١٠ / ٧ ]
إذا ثبت رمضان برؤية رجل واحد، فيتم ثلاثين يومًا فهل يستقبل الغد على أنه فطر أم يتراءى الهلال فإن روى وإلا كان رمضان (لم يفطروا) لأنه يحتمل أن يكون قد أخطأ وهذا القول فيه نظر. والقول الثاني في مذهب الحنابلة أن ذلك يصح المسألة تبنى على المسألة السابقة، وهي مسألة خروجه بشاهدين، فإنه لا يخرج عندهم إلا شاهدين قالوا:فكذلك هنا فاتنا إن أخرجناه، كان ذلك بناء على شهادته لكن هذا النظر إنما يضعف لكوننا اعتمدنا على هذه الشهادة وبنينا عليها حكمًا شرعيًا فقويت فلا تكن شهادته هنا كشهادته ابتداءً، فشهادته ابتداءً ليست مساوية للشهادة التي اعتمدنا عليها متضمنًا ثلاثين يومًا على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد فالأظهر ما ذهب إليه بعض الحنابلة أنه إذا اعتمد على شهادة رجل واحد في رمضان متضمنًا
ثلاثين يومًا فأننا ننتهي ونخرج من رمضان ويكون الغد هو أول يوم من شوال اعتمادًا على رؤيته السابقة على أن الأصل في الشهر أن يكون تسعًا وعشرين، فقد قال ﷺ: (الشهر تسع وعشرون) متفق عليه، لأن هذه الشهادة قد قويت باعتمادنا عليها وبنائنا الحكم عليها فكانت أقوى من الشهادة الاثنين أنه فيما لو شهد ليلة الثلاثين أنه رأى الهلال وجوب، فإن هذه الشهادة الظنية أقوى، على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد وهنا على أقل تقدير هو خبر واحد – فالقول الثاني هو الراجح.
قال: (أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا)
[ ١٠ / ٨ ]
هذا يبنى على القول المتقدم في المذهب:وهو أنه إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غيم فإنهم يصومون ذلك اليوم احتياطًا فإذا كان ذلك، ويتم لهم ثلاثون يومًا في هذا اليوم الذي ابتدؤا به للاحتياط فإنهم لا يفطرون في يوم الثلاثين من رمضان، فإنه يحتمل أن يكون الغد من رمضان، وهذا ظاهر، فإنهم إنما دخلوا فيه احتياطًا وإلا فيحتمل أن يكون آخر شعبان وحينئذ – يكون رمضان ثلاثون يومًا من دون هذا اليوم، وهذا إنما دخلوا فيه احتياطًا على أن القول الراجح هو عدم جواز صوم ذلك اليوم – أي الثلاثين من شعبان.
قال: (ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله صام)
كأن يخبر رجل القاضي أنه رأى الهلال وهو صادق في قوله لكن رد قوله لمعنى أما أنه لم يثبت شهادته وكان في بلدة يشترط فيها شاهدان وقد رأى الهلال فيجب عليه أن يصوم اعتمادًا على رؤيته، فإن رمضان ثابت بالرؤية. وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد:إلى أنه لا يصوم وذلك للحديث المتقدم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) وقد قال: (صوموا لرؤيته) فهذا الشهر ينبغي أن يجتمع عليه المسلمون لا أن ينفرد بعضهم عن بعض فيه.
وهذا القول هو القول الراجح، فذلك لاجتماع الناس على الصوم لكن يستثنى من ذلك ما استثناه شيخ الإسلام وهو ما إذا كان في موضع ليس فيه غيره كأن يكون في بادية، فإذا رأى الهلال فإنه يصوم لأن هذا المعنى المانع من الصيام المتقدم وهو اجتماع الناس ليس بمتوفر فيه فهو منفرد عن عامة الناس، ويحتمل أن يكون قد رأوه فصاموا.
قال: (أو رأى هلال شوال صام) .
هذه عكس المسألة السابقة كأن يرى رجل هلال شوال ويرد قوله فيجب عليه أن يصوم وهاتان المسألتين – في الأصل – حكمهما واحد لكنهم فرقوا بينها احتياطًا للصوم. وهذا ظاهر لقوله ﷺ: (الصوم يوم تصومون) .
[ ١٠ / ٩ ]
إذن من رأى الهلال وحده فإنه يوافق الناس صيامًا أو قطرًا إلا أن يكون في موضع منفردًا فإنه يعتمد على رؤيته لعدم وجود المانع المتقدم. ونعود إلى المسألة الأولى وهي ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب الصيام ليوم الثلاثين الذي تكون ليلة فيها غيم وقتر وهو يوم الشك الذي تقدم تحريمه.
هنا عند الحنابلة مسائل فيه:
المسألة الأولى:هم اعتبروه في الصيام احتياطًا لكن لا يبنى عليه أحكام أخرى. فلو أن هناك أصل لدين مثلًا أو تعليق بطلاق أو انتهاء عدة أو انتهاء إيلاء فلا ترتبط بهذا اليوم فلو أن رجلًا عليه دين مؤجل إلى أول رمضان، أو علق طلاقه بأول رمضان أو لها عدة تنتهي بأول رمضان، فإن هذه الأحكام لا تبنى على هذا اليوم لأنه إنما يصام عندهم من باب الاحتياط فلا يترتب عليه الأحكام المتقدم وهذا وما ذكروه لا يحتاج إليه في القول الراجح لأنا لا يعتبر هذا اليوم من رمضان لا احتياطًا ولا حقيقة.
المسألة الثانية:هل يصلي التراويح في تلك الليلة أم لا؟
من أصح الوجهين في مذهب أحمد يشرع صلاة التراويح فيها وذلك احتياطًا لقيام رمضان.
واعلم أن الإمام أحمد لم ينص على هذه المسألة – أي وجوب صوم هذا اليوم – بل لا يصح عنه شيء من ذلك بل الصحيح عنه هو عدم إيجاب صيام هذا اليوم وحينئذ فكما قال صاحب الفروع: (فيتوجه عدم نسبته هذا القول إلى الإمام أحمد) .
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يلزم الصوم لكل مسلم)
[ ١٠ / ١٠ ]
فلا يصح الصوم من كافر وهو لازم لكل مسلم إجماعًا وأما الكافر فلا يصح منه بالإجماع، وذلك لأن الكافر لا نية له، والأعمال بالنيات والتعبد الذي هو أصل النية لا يصح منه، والأعمال كلها غير مقبولة منه، كما قال تعالى: ﴿وما منعهم أن يقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله﴾ الآية فأن أسلم الكافر في أثناء رمضان، فيجب أن يمسك ويتم الصوم اتفاقًا لأن الشهر ثابت وقد شهده فوجب عليه أن يصوم ولكن هل يجب عليه قضاء هذا اليوم؟
قولان لأهل العلم:
المشهور في المذهب أنه يجب عليه القضاء.
واستدلوا:بما روى أبو داود قال وأتت أسلم إلى النبي ﷺ فقال: (صمتم يومكم هذا فقالوا:لا، فقال:أتموا بقية يومكم واقضوه) .
وذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام لا يجب القضاء
واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (أرسل غداة عاشوراء إلى القرى التي حول المدينة من أصبح صائمًا فليتم صومه ومن أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه)
قالوا:فالنبي ﷺ لم يأمر بالقضاء مع الإمساك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قالوا:والقاعدة الشرعية أن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وهي قاعدة مطردة في مسائل الديانة كلها وهذا القول هو الراجح وأما ما استدل به الحنابلة فإسناده ضعيف، وقد ضعفه عبد الحق الأشبيلي وغيره. ومثل ذلك المسألة التي سيأتي ذكرها – وهي مسألة ثبوت البينة نهارًا قال: (مكلف) .
المكلف هو البالغ العاقل، فقد قال ﷺ: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم:الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) ولكن هل يأمر الولي من تحت ولايته بالصيام إذا بلغ سبع سنين ويضرب إذا بلغ عشر سنين؟
الأظهر:نعم إن كان قادرًا على ذلك، فإن الأمر بالصلاة تبنيه على الأمر بعدها من شعائر الإسلام لأن المقصود هو تعويده على العبادة وهذا يثبت في الصلاة وغيرها فيستحب للولي ذلك.
[ ١٠ / ١١ ]
قال: (قادر)، فالعاجز عن القيام أو المريض مرضًا يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ ولأن الشرائع لا تجيب إلا مع القدرة عليها، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
إذن:يجب الصوم على كل مسلم مكلف قادر.
قال: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من كان في أثنائه أهلًا لوجوبه) .
كأن يثبت للناس ضحى أن البارحة قد رؤى الهلال فاليوم من رمضان كأنهم يمسكون لأن الشهر قد ثبت فيجب الإمساك وهذا مما لا نزاع فيه فقد قال النبي ﷺ: (فإذا رأيتموه فصوموا) وقد رأوه شهدوا الشهر فوجب عليهم الإمساك ولكن هل يجب القضاء بذلك اليوم أم لا؟ ومثله الكافر إذا سلم والمجنون إذا أفاق والصبي إذا بلغ فهؤلاء يجب عليهم الإمساك لكن هل يجب لقضاء أم لا؟
هذه المسائل كلها لها حكم واحد، وهو نفس الحكم الذي تقدم البحث فيه في أول الدرس، وأن الراجح عدم وجوب القضاء لأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وثبوت مخاطبة المكلف بها، وهو في اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ولذلك فإن يوم عاشوراء كان يومًا مفترضًا صومه قبل رمضان وقد أمر النبي ﷺ من أصبح صائمًا أن يتم صومه ومن أصبح مفطرًا أن يصوم بقية اليوم ولم يأمر النبي ﷺ بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ثم أنه لا فائدة للمكلف من أمره بالإمساك حيث لا يجزئ عنه ثم يؤمر مرة أخرى بالقضاء، والتكاليف لا يجب تكرارها إلا ما دل الشرع عليه، لذا نهى الشارع عن أن يصلي الصلاة مرتين كما في حديث ابن عمر وغيره.
قال: (وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطرًا ومريض برئ) .
[ ١٠ / ١٢ ]
فالحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء نهار رمضان، أو مريض برئ وشفي أثناء النهار وكان مفطرًا فيجب على هؤلاء كلهم القضاء إجماعًا، والأدلة دالة على ذلك، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) متفق عليه. وقال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخرى﴾ أي فأفطر فعدة من أيام أخر ولكن هل يجب الإمساك عليهم أم لا؟
المذهب أنهم يجب عليهم الإمساك لذا قال: (وكذا ) لأن هذا من رمضان وقد زالت العلة عنهم.
وذهب الشافعية إلى أن الإمساك ليس بواجب عليهم.
قالوا:لأن الإمساك لا يجزئ عنهم، ولأنه لا دليل يدل على وجوب الإمساك عليهم، فقد أمروا بالقضاء ولم يؤمروا بالإمساك، وقد ثبت منهم الفطر في أول النهار فلا فائدة حينئذ من أمرهم بالإمساك في آخره إلا تكليف المكلف بأمر لا فائدة له منه - وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – لكن استحب الشافعية له الإمساك لرفع التهمة عنه وهذا حسن لكن حيث كان ذلك، فإذا كانت التهمة متوجهة فنعم فيستحب له ألا يطعم أمام الناس أما إذا كان في بيته أو بين من يعلم عذره فإنه لا يتوجه استحباب ذلك لأن الاستحباب حكم شرعي والحكم الشرعي لا بد له من دليل ولا دليل على ذلك، والحكم يدور مع علته وجودًا أو عدمًا فإذا كانت التهمة موجودة فيستحب الإمساك وإلا فلا.
قال: (ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)
[ ١٠ / ١٣ ]
هذا فيمن عذره لا يزول وهم الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذان يشق عليهم الصيام، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه كبعض الأمراض التي يشق على صاحبها الصوم مع كون هذا المرض في العادة المعروفة عند الأطباء عدم زواله فإن هؤلاء يفطرون ولا قضاء عليهم، لأنهم عاجزون عن الصيام أداءً وقضاء فلا قدرة لهم عليه لا أداءً ولا قضاءً، فحينئذ ينتقلون إلى أن يطعموا كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة أو أرز، أو نصف صاع من غيره أو خبزًا ولحمًا أو غير ذلك من طعام الناس فقد ثبت في البخاري بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ فقال: (ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا) وفي البخاري معلقًا:أن أنس بن مالك (أفطر لكبر عامًا أو عامين يطعم اللحم والخبز) .
قال: (وسن لمريض يضره) .
فيستحب للمريض الذي يضره الصوم، يستحب له الإفطار. والظاهر أن مراد المؤلف بقوله: (يضره) أي يلحق به الضرر، وحيث كان كذلك فإن هذا فيه نظر بل الظاهر وهو مذهب بعض الحنابلة أنه إذا كان يتضرر بالصوم فيجب عليه الفطر لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) وقد أتت الشريعة بحفظ النفوس فكان ذلك واجبًا عليه والدليل على أن المريض يجوز له الفطر، قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ والمريض الذي يباح له الفطر هو المريض الذي يشق عليه الصوم أي يلحقه كلف ومشقة، أو يترتب عليه زيادة في مرضه أو تأخر في البرؤ، فهؤلاء يجوز لهم أن يفطروا، وإلا فقد يكون واجبًا عليهم كما تقدم حيث الحقه ضررًا في بدنه.
وهل يجوز الفطر في الجهاد في سبيل الله عند وجود المشقة في غير السفر؟
[ ١٠ / ١٤ ]
المشهور في المذهب أنه لا يجوز لهم ذلك بل يجب عليهم أن يصوموا إلا أن يكون مسافرين فتكون لهم رخصة السفر. واختار شيخ الإسلام وأفتى بذلك في عصره وقد فعله رحمه الله تعالى – جواز الفطر في الجهاد في سبيل الله – وذلك للمشقة وللقياس الظاهر – بل الأولى – على مسألة السفر والمرض ولحفظ الأديان الذي هو أعظم من حفظ الأبدان والأموال على ما في ذلك من حفظ أموال المسلمين ودمائهم، ففيه حفظ أديانهم وأموالهم وأعراضهم وأنفسهم فكان ذلك أولى من غيره بهذه الرخصة – وهذا القول هو الراجح وأنه يجوز لهم الفطر إذا احتاجوا لذلك ليتقووا على العدو، بل قد يكونوا مأمورين به.
قال: (والمسافر يقصر)
أي يستحب الفطر للمسافر الذي يصح منه القصر وقوله (لمسافر يقصر) يريد أن يبين أنه ليس لكل مسافر بل للمسافر الذي يجوز له القصر، وهو السفر الطويل في المذهب – وقد تقدم البحث في هذا فحيث ثبت السفر فإنه يسن له الفطر – هذا هو المشهور في المذهب – سواء شق ذلك عليهم أم لا. واستدلوا بأدلة منها:
ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (كان في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه فسأل عنه فقيل هو صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر)، وبما ثبت في مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ: (إني أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال: (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فهو حسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)، فدل ذلك على أن الفطر هو الأحسن والأفضل فقد وصفه بهذا الوصف ونفى الجناح فحسب عن الصوم فدل على أن الأفضل هو الفطر ولقوله ﷺ: (إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه) كما في مسند أحمد وغيره. وذهب جمهور الفقهاء وهو وجه عند الحنابلة، أن المستحب له هو الصيام ألا أن يشق ذلك عليه واستدلوا:
[ ١٠ / ١٥ ]
بما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحه) فهنا قد صام النبي ﷺ في السفر فدل على أنه هو الأفضل مع ما في ذلك من إبراء الذمة وإيقاع الصوم في وقت الفضيلة وهو رمضان. وذهب طائفة من العلماء من الصحابة والتابعين وهو اختيار ابن المنذر:إلى أن المستحب فيهما أيسرهما فأيسرهما هو أفضلهما.
فإن كان صيامه في السفر مشقة عليه فالمستحب له الفطر، وأن لم يكن عليه مشقة فالمستحب له هو الصوم.
واستدل:بما ثبت في الصحيحين:عن أنس بن مالك قال: (سافرنا مع النبي ﷺ ومنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولم يعب المفطر على الصائم) ونحوه في مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن) فإن هذه الرخصة شرعت دفعًا للمشقة المتوقعة في السفر فحيث لم تكن هناك مشقة فيرجح جانب الصيام لفعل النبي ﷺ وهذا هو أرجح الأقوال وأن الأرجح منها هو أيسرها. أما قوله ﷺ: (ليس من البر الصيام في السفر) فهو لوقوع تلك المشقة على ذلك الرجل الذي قد ظلل عليه فليس من البر والحالة هذه، أن يصوم في السفر حيث شق عليه مشقة عظيمة، وبمثل ذلك ليس من البر صومه بل هو عصيان، فقد ثبت في مسلم إن النبي ﷺ قيل له – وهو في سفر-
[ ١٠ / ١٦ ]
أن بعض الناس قد شق عليهم وهم ينتظرون فيما فعلت، ﵊ فقيل له بعد ذلك: (أن بعض الناس قد صام فقال:أولئك العصاة، أولئك العصاة) فحيث كان فيه مشقة ظاهرة شديدة ومع ذلك صام لا سيما إذا كان ذلك مظنة للضرر فإنه يكون عاصيًا وآثمًا وليس من البر فعله. إذا كانت المشقة ظاهرة ويخشى الضرر فيجب عليه الفطر لحديث: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) وأما إذا لم يكن كذلك فإن وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، وإن وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن.
قال: (وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر فله الفطر)
رجل نوى وهو مقيم الصوم، ثم أصبح فأراد السفر فهل يجوز له أثناء سفره ذلك الفطر أم لا؟
يجوز له ذلك، خلافًا لمن منعه من أهل العلم.
ودليل ذلك:ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر قال: (خرجنا مع النبي ﷺ – أي من المدينة – عام الفتح إلى مكة حتى بلغ فدعا بإناء فيه ماء ثم رفعه إلى الناس ثم شرب) فدل هذا الحديث على أنه يجوز للمسافر أن يفطر في سفره وإن كان قد نوى الصوم في حضره.
وهل يجوز له الفطر أثناء الإقامة إذا تجهز للسفر وغلب على ظنه الذهاب أم لا يجوز له ذلك كما أن القصر لا يجوز له إلا بعد خروجه من مدينة ومفارقته لخيام قومه أو عمران بلدته؟
[ ١٠ / ١٧ ]
المشهور عند أهل العلم فهو مذهب الجمهور:أنه لا يجوز له أن يفطر حتى يخرج من بلده أو أن نوى السفر وإن تأكد خروجه لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ فحيث كان على سفر فيجوز له الفطر، وأما إذا كان من بلدته لم يغادرها بعد فلا يجوز الفطر. وذهب إسحاق بن راهويه، وهو مذهب الحسن وعطاء من التابعين أنه يجوز له ذلك إذا تأكد عنده السفر. واستدلوا:بما رواه الترمذي وحسنه وذكر أن بعض أهل العلم عليه من حديث محمد بن كعب قال: (أتيتت أنس بن مالك وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب سفره فدعا بطعام فأكل فقلت:سنة فقال سنة ثم ركب) فلم يركب إلا بعد أن طعم، وهذا الأثر إسناده حسن ولا مطعن فيه وهذا المذهب قوي فيما يظهر لي، مع أن الاحتياط أن يبقى على صومه حتى يخرج من بلدته. فإن قيل فما الفارق بينه وبين مسألة القصر؟
فالجواب:أن الفطر يستمر ولا فائدة من أمره بالإمساك ونحن نجيز له بعد زمن يسيرأن يفطر مادام أنه قد تأكد عنده إرادة السفر، بخلاف الصلاة فإنها تنتهي في الموضع الذي تقام فيه، فإذا صلاها في موضعه فإنها لا تستمر بعد ذلك.
فالأرجح ما ذهب إليه هؤلاء مع أن الأحوط ألا يقع منه ذلك إلا بعد خروجه والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفًا على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمنا لكل يوم مسكينًا)
[ ١٠ / ١٨ ]
الحامل والمرضع يجوز لهما الفطر إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما أو على نفسهما وولديهما جميعًا. ودليل ذلك:ما ثبت في الترمذي وحسنه، ورواه النسائي والحديث حسن كما قال الترمذي – عن رجل بن بني كعب، عن النبي ﷺ قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ووضع عن الحامل والمرضع الصوم) وثبت في سنن أبي داود عن ابن عباس – بإسناد صحيح قال: (رخص للشيخ إلى أن قال:والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكينًا) وقد أطلق الخوف هنا فيشمل الخوف عليها والخوف على الولد. والمذهب إن الخوف إن كان على النفس أو الولد مع النفس فإنها تقضي ولا تطعم قياسًا على المريض الذي يرجى برؤه فإنه يقض ولا يطعم. أما إذا كان الخوف على الولد كما يقع هذا في الغالب من المرضع وقد يقع للحامل فإنها تفطر وسبب لإفطارها هو الخوف على ولدها فهو خوف على الغير فإنها حينئذ تجمع بين القضاء والإطعام.
أما القضاء فلأنها مادرة عليه فأشبهت المريض الذي يرجى برؤه وقد قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ .
وأما الإطعام فللحديث (أثر بن عباس) المتقدم وهو قوله: (أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكينًا) – هذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء – وذهب إسحاق وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وعطاء وعكرمة ٠ إلى أن المرضع والحامل إذا أفطرتا فلا يجب عليه إلا الإطعام ولا يجب عليهما القضاء مطلقًا سواء كان الخوف على النفس أو الولد أو عليهما معًا.
[ ١٠ / ١٩ ]
واستدلوا:بما ثبت في الحديث المتقدم فإنه قال النبي ﷺ: (ووضع عن الحامل والمرضع الصوم) فقد وضعه الله عنهما ولا دليل على أيجابه عليهما، فقد وضعه الله لهما كما وضع الركعتين في الرباعية عن المسافر، وحيث أن الله وضعها ولا دليل يدل على إثباتهما وفي الحديث المتقدم فإنه ﷺ قال: (أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكينًا) ولم يذكر قضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وقد ثبت في الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن
عمر وابن عباس ﵄ قالا: (الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي) وصح عن ابن عمر أيضًا ما هو صريح في المسألة، حيث روى معمر في جامعه كما ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستذكار والإسناد صحيح عن ابن عمر أنه:قال: (الحامل إذا خشيت على نفسها تفطر وتطعم ولا قضاء عليها) ولم أر أثرًا عن أصحاب النبي ﷺ يخالف ما ثبت عن ابن عمر وابن عباس ﵄ والقاعدة عند الحنابلة في فعل هذه المسألة:أن يقال:هو قول هذين الصحابيين اللذين لم يعلم لهما مخالف فيكون حجة - وهذا القول هو الراجح - فإن النبي ﷺ أخبر عن الله أنه وضع الصيام عنهما ولا دليل يوجب القضاء عليهما ثم أيضًا:إن مما يتبين في مسألة الصيام أنه لا يجب الجمع بين القضاء ولا طعام بل الله جعل الإطعام نائبًا عن القضاء، كما في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين﴾ أي على الذين لا يرغبون بالصيام وهم يطيقونه عليهم فدية، وهذا الحكم منسوخ في الأصل لكن هذه الآية بقيت محكمة في الإطعام للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والحبلى والمرضع كما تقدم في أثر ابن عباس ﵁ وهنا فروع على هذه المسألة:
١- الفرع الأول:عند قوله: (وأطعمنا) هذا من باب وإلا فإن الإطعام واجب على من يجب عليه نفقة الجنين أو الولد لأنها إنما أفطرت لمصلحة الجنين، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد.
[ ١٠ / ٢٠ ]
٢- الفرع الثاني:قال الحنابلة:هذا الحكم حيث لم نجد الأم ظئرًا – أي مستأجرة – تقوم بإرضاع الطفل ويتقبل الطفل الرضاع منها، (ومثل هذا ما هو عندنا في هذا العصر من الحليب الصناعي) فحيث أمكنها ذلك فلا يجوز لها الفطر وفيما قالوا نظر، فإن مصلحة الطفل إنما تكون في رضاعة من ثدي أمه حيث أمكن ذلك، ومراعاة مصلحة الطفل أولى من عدم مراعاتها وقد ثبت الرخصة مطلقًا.
٣- الفرع الثالث:أن الظئر – وهي المستأجرة للإرضاع – أنها تلحق بالأم لكن ذلك بشرط أن يكون الطفل محتاجًا إلى إرضاعها، أو أن تكون هي محتاجة إلى الإرضاع لأخذ الأجرة عليها أما أن لم يكن ذلك فلا يجوز لها أن تفطر – وهذا أمر ظاهر.
٤- الفرع الرابع:هل يقاس على هذه المسألة ما إذا أراد أن ينقذ غريقًا أو نحوه من هلكة؟
الجواب:نعم، فإنه يفطر أن احتاج لذلك دفعًا للضرر عن الغير وهذا ظاهر ولكن:هل يقاس على هذه المسألة في الفدية؟
والحنابلة يرون أن عليه القضاء، ولكن هل عليه الفدية أم لا؟
وجهان في مذهب أحمد:اختار ابن رجب في قواعده القول بوجوب الفدية وما ذكره ظاهر ذلك لأن القياس وأضح على الحامل والمرضع اللتين يخافان على ولديهما فإنه لم يفطر لمصلحة نفسه بل أفطر لمصلحة غيره فأشبه الحامل والمرضع اللتين تفطران لمصلحة ولديهما.
وحينئذ:فالأظهر والله أعلم أنه لا يجب عليه إلا الفدية ولا يجب عليه القضاء كما تقدم في الحامل والمرضع.
قال: (ومن نوى الصوم ثم جن أو أغمى عليه جميع النهار ولم يفق جزءًا منه لم يصح صومه لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمي عليه القضاء فقط)
هنا ثلاث مسائل:
[ ١٠ / ٢١ ]
المسألة الأولى:في حكم النائم في نهار رمضان، أجمع أهل العلم على أن النوم لا أثر له في الصوم، فإنه لو نوى ثم نام النهار كله فإنه لا يؤثر في صومه، وهذا بإجماع أهل العلم كما تقدم؛ لعدم المانع من التكليف، ولثبوت الحس، فإن الإحساس يثبت في النوم، لذا قال هنا (لا إن نام جميع النهار) .
المسألة الثانية:في حكم المغمي عليه له حالتان:
الحالة الأولى:أن يغمي عليه النهار كله.
فقال الحنابلة:لا يصح صومه لأن الصوم يشترط فيه إمساك مع نية، وهذا لا يثبت إليه الإمساك، فلا يقال أنه مدرك الطعام والشراب، وقد قال ﷺ في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) متفق عليه، فلا يضاف إليه أنه لم يأكل ولم يشرب وأن كان في الحقيقة ممسكًا من الأكل والشرب، فإنه بمعنى زائل العقل.
قالوا:ويجب عليه القضاء، أما ما ذكروه من عدم صحة الصيام فهذا ظاهر لدليلهم المتقدم. أما وجوب القضاء عليه فهذا المشهور في المذهب والراجح هو قول ابن شريح من الشافعية أن القضاء لا يجب على المغمي عليه وقد تقد البحث في هذه المسألة في المغمي عليه عن الصلاة
وأنه لا يجب عليه قضاء الصلاة وتقدم الاستدلال عنها.
وكذلك يقال هنا:أن الأمر بالقضاء غير ثابت هنا فيحتاج إلى أمر جديد بالقضاء، ومن هنا أمر النبي ﷺ النائم بالقضاء لأن القاعدة الأصولية وهي قاعدة دلت عليها الأدلة الشرعية تقول:أن القضاء يحتاج إلى أمر وهنا كذلك فإن هذا المغمي عليه ليس يثبت دليل يدل على وجوب القضاء عليه فإنه في حكم المجنون، وإن كان المغمي ليس في حكمه في كون ذلك معيبًا أو ليس بمصيب، لكن في حكمه في مسألة زوال العقل فليس هو بحكم النائم بل بحكم المجنون ولا يلحق النائم للفارق بينهما، فإن النائم فيه شيء من الحس بخلاف المغمى عليه، وكذلك فالإغماء غير معتاد بخلاف النوم فإنه معتاد.
إذن الصحيح:أنه لا يجب عليه القضاء.
[ ١٠ / ٢٢ ]
الحالة الثانية أن يفيق جزءًا من النهار كأن يفيق قبل غروب الشمس فهل يصح صومه أم لا
أ – قال الحنابلة:يصح صومه لثبوت شيء من الإمساك له فإنه يصدق عليه أنه ترك الطعام والشراب تلك اللحظة التي أما قدمتها.
ب – قال الشافعية:لا بد أن يكون هذا أي الإفاقة في أول النهار.
ج – قال المالكية:يشترط مع كونه يفيق أول النهار ألا يكون إغماؤه في أكثر النهار وحددوه بالنصف فأقل، فلو أغمى عليه إلى غروب الشمس وقد أفاق أول النهار فإنه يصح منه صومه والذي يظهر لي والله أعلم أنه أن أفاق جزءًا من النهار سواء كان ذلك في أوله أو آخره فإنه لا يجزئ عنه الصوم وذلك لثبوت زوال العقل في الأجزاء الأخرى من النهار، فلا يصدق عليه أنه ممسك فإن الإمساك في الصوم إنما يكون من أوله إلى آخره، فإنما يجب الإمساك بنية من أول النهار إلى آخره وهذا قد تخللت صيامه أوقاتًا زال عقله فلم يصح أن يكون في ذلك الجزء لو كان يسيرًا ممسكًا – هذا هو الأظهر – وحينئذ نقول:إن أفاق فإنه يمسك ويجزئ ذلك عنه وإن كان لا يعتد بإمساكه المتقدم لكنه معذور فيه كما لو أفاق المجنون في منتصف النهار مثلًا فإنه يمسك بقية اليوم وأجزأئه صومه. فلو أن رجلًا أفاق أول النهار ثم أغمى عليه قبيل غروب الشمس فإنه على الأقوال المتقدمة يصح صومه وحيث قلنا:أن صيامه لا يصح فإننا نقول:أنه يمسك في ذلك الوقت ولا يأكل ولا يشرب حتى تغرب الشمس ويجزئه ذلك.
٣ - المسألة الثالثة:حكم المجنون.
فإذا جن النهار كله فإنه كالمغمي عليه ولا شك، وهذا الاختلاف بين أهل العلم فيه وأن صومه لا يصح بزوال العقل وهل يجب عليه القضاء أم لا؟
[ ١٠ / ٢٣ ]
جمهور أهل العلم أنه لا قضاء عليه وهو القول الراجح، عن دليل ظاهر فإن التكليف مرفوع عنه لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق) فإن أفاق جزءًا من النهار، فقال الحنابلة:يصح صومه ودليلهم ما تقدم من أنه صح أنه ممسك وفي هذه الجزء وتقدم الجواب على هذا وأن الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره لا الاكتفاء بجزء منه.
وذهب الشافعية وهو قول المجد بن تيميه:أنه لا يصح صومه ولو كان الجنون قليلًا، لأن هذا الزمن اليسير الذي جن فيه ثبت زوال عقله فيه، وزوال العقل مانع من الصوم كما لو أن المرأة حاضت في آخر النهار فإنه يفسد صومها، فكذلك إذا جن في أي ساعة من النهار فإنه لا صوم عليه ولا قضاء أما كونه لا صيام له فلأنه وجد فيه مانع من الصوم وهو زوال العقل وأما كونه لا قضاء عليه فلأنه لا تكليف عليه والحالة هذه لكن يمسك إذا أفاق بقية يومه، ولو أكل أو شرب قبل ذلك كما تقدم الكلام عليه.
قال المؤلف: (ويلزم المغمي عليه القضاء فقط) فقط على أي لا يجب ذلك على المجنون.
قال: (ويجب تعيين النية)
يجب على من أراد الصوم أن يعين النية فينوي كون صومه عن رمضان أو عن كفارة أو عن نذر أو نفل أو نحو ذلك.
فلو أنه قال:أصوم غدًا بنية صوم مطلق ولم ينو كونه من رمضان فإنه لا يجزئ عنه، لقوله ﷺ: (وإنما لكل امرئ ما نوى) .
قال: (من الليل لصوم كل يوم واجب)
فيجب أن يكون ذلك من الليل أي جزء منه سواء كان ذلك بعد غروب الشمس أو منتصف الليل أو قبيل الفجر ينوي الصوم غدًا وظاهره أنه لو نوى من النهار فإنه لا يجزئ عنه، فلو أن رجلًا في النهار نوى أن يصوم ثم نام إلى أذان الفجر فإنه لا يصح صومه لأنه لم ينو الصوم من الليل بل نواه من النهار والأظهر أنه إذا نوى في النهار ولم ينو القطع بل استصبحت النية ليلًا فلم ينو
[ ١٠ / ٢٤ ]
الفسخ فإن ذلك لا يؤثر في نيته فإن النية قد ثبتت ولم يقع فسخ لها فتصح ولا يؤثر ذلك في صيامه فيجب تبيت النية من الليل، فمن لم ينو إلا نهارًا فلا يجزئ ذلك عنه كأن يؤذن عليه الفجر ولم ينو بعد فإنه لا صيام له، فالواجب أن تغطي النية النهار كله.
ودليل ذلك ما ثبت في أبي داود وغيره والحديث صحيح من حديث حفصة أن رسول الله ﷺ قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) .
قال: (لا نية الفريضة)
فعندما ينوي أنه سيصوم غدًا من رمضان فإنه يجزئ عنه ذلك وليس لا بد وأن ينوي أن يكون فرضه، فإنه بمجرد أن ينوي نحو ذلك اليوم من رمضان فيتضمن لنيته الفريضة وعندما ينوي أن يصوم في يوم الاثنين فإن هذه النية متضمنة لمعنى التطوع والتنفل.
واعلم أنه لا بد من الجزم بالنية أما أن لم يخرج بها تردد، فقال:أني صائم غدًا إن شاء الله فإنه لا يجزئ عنه إن كان هذا الاستثناء لنية التردد، أما إذا كان بنية فلا حرج لحديث: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صوم له) " أي من لم يعزم ويجزم والأعمال لا تصح إلا بنية جازمة: (إنما الأعمال بالنيات) .
قال: (ويصح النفل نيته من النهار قبل الزوال وبعده)
فالنفل لا يشترط فيه تبييت النية من الليل بل يجوز أن تكون النية نهارًا وهو مذهب جمهور العلماء. واستدلوا بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (دخل علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال:هل عندكم شيء فقلنا:لا فقال:فإني أذن صائم، ثم أتانا يومًا أخر فقلنا:أهدى إلينا حسيس فقال:أرينه فلقد أصبحت صائمًا فأكل) رواه مسلم، والشاهد قوله: (فإني أذن صائم) فإنه ﷺ قد أصبح مفطرًا ثم سأل عن الطعام فلم يجده فصام.
وقال المالكية وهو مذهب الظاهرية:لا يجوز أن ينوي نهارًا فرضًا كان أو نفلًا.
[ ١٠ / ٢٥ ]
واستدلوا:بعموم حديث: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) قالوا:فهو حديث عام يشمل الفرض والنفل. قالوا:وأما حديث عائشة فيحتمل أن يكون النبي ﷺ نوى من الليل الصوم ثم أتى أهله وسألهم عن الطعام ونوى أنه أن وجد طعامًا عندهم أفطر وإلا بقى على صومه وما ذكروه يخالف ظاهر الحديث، فإن ظاهره أنه قد نوى الصوم حينئذ فإنه قال:
(فإني أذن صائم) بخلاف قوله في الفقرة الثانية: (فإني أصبحت صائمًا) ولأن النظر يؤيد ذلك، فإن قاعدة الشريعة الترغيب في التنفل من هو للمسافر أن يصلي على راحلته النفل ولم يشترط للتنفل الصيام في الصلاة وهنا الصوم كذلك فإن الرجل قد ينوي الصيام أثناء النهار وهو أول النهار ممسك لم يطعم ثم ينوي أن يصوم فللرغبة في الصيام جاز له الصوم.
فأن قيل:وهل يجوز ذلك في النية في الصلاة النافلة؟
فالجواب:أن الصيام تمتد وفيه بخلاف الصلاة فإنها يقصر وفيها ولا مشقة ولا حاجة إلى أن يقال:أن ينوي أثناء الصلاة بل لا معنى لذلك. فالراجح مذهب جمهور أهل العلم. وهنا فرعان:
الفرع الأول:يجوز أن ينويه قبل الزوال أو بعده كما ذكر المؤلف وهذا هو المشهور في المذهب وهو من مفردات المذهب وذهب الجمهور إلى أنه إنما يجوز ذلك قبل الزوال لا بعده واستدل الحنابلة بقولهم:بالمعنى المتقدم، ولأنه حيث جازت النية في جزء من النهار فإنها يجوز في أجزاء أخر فحيث جازت في أوله فإنها تجوز في آخره.
وقال الجمهور من الشافعية والأحناف:لا يجوز لأنه ذهب معظم الوقت ومن هنا فإن الصلاة إذا فات ركوعها لم تدرك ركعتها بفوات معظمها فكذلك هنا.
[ ١٠ / ٢٦ ]
قالوا:ولأن الوارد في الحديث المتقدم إنما كان في الغداء والغداء إنما يكون قبل الزوال والأفعال لا عموم بها. ولا شك في قوة هذا القول، لكن مع ذلك الأظهر ما تقدم فتحًا لهذا الباب وهو باب الترغيب في النافلة، فإن الشارع أجازه للترغيب بالنفل، والإكثار منه وحيث كان ممسكًا من طلوع الفجر إلى بعد زوال الشمس فإنه لا مانع من أن يعمل بإمساكه ويؤخر بقدر صومه وحيث جاز فعله قبل الزوال فإنه يجوز بعده.
الفرع الثاني:أن الإمام أحمد نص على أنه إنما يثاب على الوقت على الذي أمسك فيه عن الطعام والشراب بنية الصوم هذا في الأصل وإلا فقد ينال من الثواب بفضل الله وكرمه أكثر من ذلك وذلك لأنه في أول النهار قد أمسك بغير نية التقرب، وقد قال النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا عمل لم ينوه فلم يثبت عليه وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع.
قال: (ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرض لم يجزئه)
رجل في ليلة الثلاثين من شعبان أمسك عن الطعام والشراب بنية أنه كان غدًا من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فأنا متنفل، فنيته واقع فيها تردد فلا يجزئ وذلك لوقوع التردد فقد تردد هل هو صوم فرض أو نفل، والواجب في النية الجزم بالفرض أو النفل.
[ ١٠ / ٢٧ ]
قالوا:أما أن قال:إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم وإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر، قالوا:فإنه يصح حينئذ لأنه علق صومه بأصل لم يثبت لنا زواله، فإنه علق ذلك بثبوت رمضان غدًا ولم يثبت زوال هذا الأصل فكان صومه صحيحًا، فهو جازم نية الصوم على نية الفرض واختار شيخ الإسلام في الصورة الأولى الإجزاء أيضًا لأن النية تتبع العلم، فهو لا يعلم أن غدًا رمضان والنية تتبع العلم، فعلمه متردد هل غدًا من رمضان أو لا فنيته جاز أن يقع فيها التردد لأن هذا هو قدرته فهو لم يعلم إلا ذلك على أن الأصل في هذه المسائل ما تقدم وأنه لا يجوز له الصوم فإذا ثبتت النية أثناء النهار فإنه يمسك ولا حرج عليه ولا قضاء.
قال: (ومن نوى الإفطار أفطر) .
فمن نوى الإفطار فإنه يفطر وإن لم يأكل وليس المراد بقوله:" أفطر " أنه بمعنى الأكل والشارب، بل مراده أنه كما لو لم ينو الصوم.
بمعنى:رجل صائم ثم نوى أن يفطر فإنه يكون بحكم المفطرين لأنه قد قطع النية، والنية شرط أن تغطي العمل كله وقد قطعها، فحينئذ فسد صومه لبطلان نيته وهذا باتفاق العلماء وهي مسألة ظاهرة، لأن الواجب هو النية في اليوم كله، وحيث نوى الفطر فإنه يكون مفطرًا.
وإنما قلنا:أنه يكون في حكم المفطر، لا في حكم من أكل أو شرب لأن هنا فرقًا بين المسألتين، ويتصور ذلك بأن يقال:رجل ممسك عن الطعام والشراب بنية التقرب إلى الله إلى أذان الظهر ثم نوى الفطر، فإنه أن لم يأكل ولم يشرب يجوز له أن ينوي مرة أخرى التنفل لأنه لم يقع منه أكل ولا شرب فهو ممسك. أما لو قلنا:أنه بمعنى أكل أو شرب فإنه لا يجوز له أن ينوي حينئذ ففرق بين قولنا:أفطر بمعنى أكل أو شرب وقولنا:أفطر بمعنى أصبح لا نية له فهو كما لو لم ينو. فإن تردد في القطع فما الحكم؟
قولان في مذهب أحمد:
[ ١٠ / ٢٨ ]
أرجحهما أنه لا ينقطع صومه بل يكون في حكم الصائمين لا المفطرين، لأن هذا التردد لم يؤثر في نيته الأصلية فهو مازال ناويًا الصوم أم لا يقطعه فلم تتأثر نيته بذلك. ويصح أن يستدل لذلك بقوله النبي الله عليه وسلم: (أن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) . مسألة:
المشهور في مذهب الحنابلة أنه يجب أن ينوى صوم كل يوم من رمضان بعينه.
وذهب المالكية فصوروا به عن الإمام أحمد إلى أنه يجزئه أن ينوي من أول الشهر بنية صيام رمضان، فيجزئه عن الشهر كله ما لم تفسخ هذه النية. وهذا هو الأظهر لثبوت النية له، فلم يقسمها ولم يقطعها.
مسألة:
الإطعام للحامل والكبير ونحو ذلك ففيه مسألتان:
المسألة الأولى:قدر الإطعام.
فقد ورد في البيهقي والدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر في المرأة الحامل تخاف على ولدها قال: (تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة) وقال ابن عباس في الدارقطني بإسناد صحيح: (إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أفطر وأطعم مكان كل يوم مدًا مدًا) أي من حنطة وثبوت عنه نصف الصاع فما دونه. والحنطة يقوم مقامها الأرز الجيد، أما إذا كان رديئًا فإنه لا يكفي إلا نصف الصاع. ويجزئ أيضًا أن يصنع طعام يكفي مسكينًا أي يشبعه، فقد ثبت في الدارقطني بإسناد صحيح: (أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عامًا فصنع جفنة ثريد ودعا إليها ثلاثين مسكينًا فأتبعهم) .
المسألة الثانية:إذا عجز عن الإطعام فهل يتعلق ذلك في ذمته أم لا يسقط عنه؟
قولان لأهل العلم:١- المشهور في المذهب أنه يتعلق في ذمته فإذا قدر فيجب عليه أن يبرأها بالإطعام.
٢ – واختار ابن عقيل من الحنابلة وهو الوجه الثاني في المذهب أنه يسقط عنه، وهو الراجح لأن
النبي ﷺ لم يأمر من جامع امرأته في نهار رمضان بالكفارة إذا قدر عليها بل
[ ١٠ / ٢٩ ]
سقطها عنه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، على أن الشارع متشوق إلى عدم تعليق الذمة بخلاف حقوق الآدمي، أما هذه فهي حقوق الله فاسقطها سبحانه.
والحمد لله رب العالمين.
باب:ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
قال المؤلف رحمه -الله تعالى-: (من أكل أو شرب أو اسقط أو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله )
هنا يذكر المؤلف مفسدات الصوم:
المفسد الأول فيها:هو الأكل والشرب وقد أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب فإن صومه يفسد بذلك، يدل على ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) وبحديث: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) ويثبت الإفساد بقليل والطعام والشراب، فلو ابتلع شيئًا من أسنانه، أو ابتلع قدر الخردلة من طعام فابتلعها فإنه يفطر بذلك.
وهل يفطر بابتلاعه ما ليس بطعام كأن يبتلع حصاه أو خيطًا أو يسف ترابًا أو نحوه؟
قال جمهور العلماء:يفطر بذلك واختار شيخ الإسلام أنه لا يفطر بذلك وهو مذهب الحسن ابن صالح. واستدل شيخ الإسلام بأن ذلك لا يصدق عليه أنه أكل، فالأكل إنما يكون للمطعوم الذي يحصل الغذاء به، أما لو ابتلع شيئًا ليس بغذاء كحصاه ونحوها فإنه لا يفطر لأنه قد بلع ما ليس بمطعوم، وهذا القول أظهر، لأن الله إنما حرم الأكل والشرب، وليس هذا من الأكل والشرب.
إذن:لا يفطر إلا بابتلاع ما يحصل به الغذاء، أما لو ابتلع ما لا يحصل به الغذاء فإنه لا يفطر بذلك وقد تقدم أن من ابتلع ما بين أسنانه فإنه يفطر أما ما يجري مع الريق مما يكون بين الأسنان ثم يجري طبيعة مع الريق، فقد أجمع أهل العلم على أنه لا تثبت به الفطر، لكن أن يطلب ابتلاعه فإنه يحصل على الفطر لأنه يصدق عليه أنه أكل وإن كان ذلك شيئًا يسيرًا إذا ثبت ذلك فاعلم أن ما دلت عليه الأدلة هو أن طريق الأكل أو الشرب وهو الفم والأنف.
[ ١٠ / ٣٠ ]
أم الفم فهذا أمر ظاهر، وأما الأنف فهو قوله ﷺ - فيما رواه أبو داود وغيره -: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) فدل ذلك، خلافًا للظاهر - على أن الأنف منفذ للشراب، وهو ظاهر فيما يقع في هذه الأزمان فيما يقع من إدخال الطعام إلى الأنف للمرضى أما غيرها المنافذ فقد قعد فقهاء الحنابلة قاعدة واسعة في هذا الباب فقالوا:كل ما يصل إلى جوفه أو إلى مجوف في بدنه كالدماغ والحلق – فما يصل إلى المعدة فإنه يثبت به الفطر وعليه:فإذا
وضع قطرة في أذنيه أو اسقط في أنفه فإنه يفطر بذلك، والحقنة في الدبر يفطر بها، والدواء الذي يوضع على " وهي الجرح الذي يصل إلى الجوف أو المأمومة " فكل ذلك يفطر ولذا قال المؤلف هنا: (أو اسقط " أي يكون بالأنف " أو احتقن في الدبر أو اكتحل فالعين منفذة للطعام بما يصل إلى حلقه) فإذا اكتحل ولم يصل ذلك إلى الحلق فلا يكون ذلك قد وصل إلى الجوف ومثل ذلك القطرة التي تكون في الأذن فإن المراد ما يصل إلى دماغه لأن التجويف إنما هو في الدماغ لا في الأذنين.
(أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله)
[ ١٠ / ٣١ ]
فلو وضع دواء على جائفة أو مأمومة فوصل ذلك إلى الجوف فإنه يفطر بذلك، غير الأحليل " وهو الذكر " وذلك لأن الذكر لا يصل منه عندهم إلى المعدة شيء وقد نازعهم بعض أهل العلم في بعض أهل هذه المسائل أو كلها – سوى ما تقدم الإجماع عليه – إلا أن الظاهرية قد نازعوا في الأنف، والحديث حجة عليهم كما تقدم ونازعوا في غير الأكل أيضًا، فإنهم قد خصوا الطعام والشراب بما يصل من الفم لا غير. ونازع الشافعية والحنابلة بما يكون في العين من كحل ونحوه فإذا اكتحل فالمشهور عند الشافعية أنه لا يفطر بذلك وقد نازع الإمام مالك الحنابلة فيما يوضع في الأذنين فإنه عنده أن لم يصل إلى الحلق فإنه لا يفطر به وإن وصل إلى الدماغ وأطلق الليث والأوزعي الخلاف في ذلك وقالوا:بل الأذن ليست منفذًا مطلقًا ونازع في الحقنة الظاهرية وشيخ الإسلام، وقالوا أنها ليست مفطرة، لأنها أشبه بشم ما يكون سهلًا والظاهر أن الحقنة كانت توضع عندهم للإسهال، أما إذا كان ذلك للطعام والشراب فهي مفطرة ونازع الإمام مالك الحنابلة فيما يوضع على الجائفة أو المأمومة فقال لا يفطر. أما شيخ الإسلام فهو مذهب الظاهرية سوى ما تقدم من استثناء الأنف، فرأى شيخ الإسلام:أنه لا يقع الفطر إلا بوصول شيء إلى المعدة على سبيل التغذية، أو يصل إلى الدم بحيث يكون مغذيًا للبدن. فإذا وصل الدواء إلى الجوف عن طريق الجائفة أو المأمومة فإنه لا يفطر لأنه ليس من سببها فالغذاء، والكحل ليس من باب الغذاء وما يوضع في الأذن ليس من باب الغذاء فقاعدة شيخ الإسلام:أن ما وصل إلى جوف الآدمي على سبيل الغذاء فإنه يحصل به الفطر – وما ذكره هو الظاهر فإن الله إنما نهى عن الأكل والشرب وهما اللذان يحصل بهما الغذاء للآدمي، ويقاس عليهما كل ما يحصل به الغذاء، ومن
[ ١٠ / ٣٢ ]
ذلك ما يقع في هذه الأزمنة من الإبر المغذية أو المحاليل المغذية التي توضع في الوريد أو غيره فإنه تحصل بها الغذاء وعليه فإن الإبر التي ليست مغذية بل للدواء ولا يحصل بها غذاء بقول الطبيب الثقة فإنها لا تفطر.
فعليه:إذا وصل الغذاء إلى البدن من منفذ الأنف أو الفم أو جرح شيء من البدن فأدخل الغذاء من خلاله فإن ذلك يفطر أما مجرد دخول شيء من الأدوية أو شيء مما يوضع في الأذن أو العين وليس ذلك على سبيل التغذية فإنه لا دليل تدل على الفطر به.
ومسألة – أي مسألة مفسدات الصوم – مسألة كبيرة واجب بيانها من الشرع ولم يثبت في الكتاب والسنة ما تبين أن ما ذكره هؤلاء الفقهاء وغيرهم أنه من المفطرات ولا شك أنها من المسائل التي يحتاج إلى بيانها فإنها متعلقة بفريضة من فرائض الله تعالى. ثم أن الله قد خاطب العرب بالآية المتقدمة فحينئذ لا يكون مفطرًا إلا ما هو أكل أو شرب في عرفهم وليس أكثر ما ذكر مما تقدم في عرفهم من الأكل والشرب.
قال: (أو استقاء)
أي طلب خروج القيء فحصل له ذلك فإنه يفطر بذلك أما إذا خرج القيء فيه من غير استدعاء ولا بطلب فإنه لا يفطر بذلك بالاتفاق أما أن يطلبه واستدعاه فإنه يفطر عند جماهير العلماء وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود وعكرمة ووجهه صاحب الفروع وهو رواية عن الإمام مالك اختارها بعض أصحابه إلى إخراج القيء ليس بمفطر مطلقًا سواء تطلبه أم لا. استدل أهل القول الأول بما روى أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث عيس بن أيوب عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض) وهذا الحديث إسناده صحيح في الظاهر، ورجاله رجال الصحيح.
واستدل أهل القول الثاني:بالأصل، وأن الأصل أن خروج القيء سواء كان بتطلب أم لم يكن ليس بمفطر وضعفوا هذا الحديث، وقد ضعفه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم.
[ ١٠ / ٣٣ ]
قال البخاري: (لا أراه محفوظًا) وكذا قال غيره.
ولم يتبين لي ما هو طعن هؤلاء الأئمة في هذا الحديث إلا ما ذكره الترمذي من تفرد عيس بن أيوب وهو ثقة من رجال الصحيحين، لكنه لم يتفرد بهذا الحديث بل تابعه حفص بن غياث كما في سنن ابن ماجة وهو من رجال الصحيحين أيضًا، ثم أنه لو تفرد به لقيل وقال عيس بن أيوب: (زعم أهل البصرة أن هشامًا قد أوهم وهذا هو الطعن الثاني، وهذا المطعن مجرد دعوى فإن الأصل هو عدم وهمه، ولم يتبين لنا سند أخر يثبت به الوقف أو نحو ذلك في هذا الحديث المرفوع وقد صححه طائفة من المتقدمين، والمشهور عند المتأخرين هو تصحيح وإن كان ما تقدم من أقوال الأئمة الكبار يجعل في النفس شيئًا من هذا الحكم المبني على هذا الحديث المتكلم فيه لكن لم يتبين للطعن فالأظهر البقاء على تصحيحه لا سيما وأن العمل عليه أهل العلم كما قال الترمذي ﵀، فإنه لما ذكر ما تقدم من تفرد عيس بن أيوب قال: (والعمل عليه عند أهل العلم) وهذا القول هو الأظهر فمن استقاء فليقض كما هو مذهب جماهير العلماء وهل للقي مدد محدد؟
المشهور في المذهب:أن خروج القيء بالتطلب مطلقًا يفطر سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وسوء خرج طعامه الذي في معدته أو شيئًا من الدم أو البلغم أو أو نحو ذلك فأي شيء يخرج من جوفه بسبب تطلبه لإخراج القيء يفطر بذلك.
وعن الإمام أحمد وهو قول ابن عقيل من الحنابلة أنه لا يفطر إلا ملء الفم. والقول الأول أظهر لظاهر الحديث، فإن ظاهره أنه متى ما خرج ما يصح أن يكون ميئًا فإنه يفطر بذلك ولعل العلة من ذلك والله أعلم – خلافًا لما أنكر شيخ الإسلام هذا التعليل – وقد نص على هذا التعليل ابن عبد البر وغيره الأظهر أن خروج الطعام من المعدة إلى الحلق مظنة رجوع شيء منه إليه، وهذا فيه معنى الأكل والشرب والله أعلم.
قال: (أو استمنى أو باشر فأمنى أو أمذى)
[ ١٠ / ٣٤ ]
إذا استمنى أو باشر أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى فإنه يفطر بذلك والمراد بالمباشرة هي ما دون الجماع أما لو باشر أو قبل أو استمنى ثم لم يحصل منه مني ولا مذي فإنه لا يفطر بذلك وهذا بالاتفاق ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أمللكم لأرَبه) أي حاجته، وتصح " الإرْبه " أي
عضوه أما أن حصل مع الاستمناء أو المباشرة أو القبلة أو اللمس حصل مني فإنه يفطر عند جمهور العلماء حتى قال الموفق " خلاف بعلمه " وذلك لأن خروج المني تتم به الشهوة، وقد قال الله تعالى فيما يرويه عنه النبي ﷺ: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فالشهوة قد امتنع عنها الصائم فهي مما يمسك عنه وحيث خرج المني باستدعاء فإن الشهوة قد وقعت تامة له فكان ذلك من مفسدات صومه خلافًا للظاهرية القائلين:بأنه لا يفطر إلا بالجماع فلو أمنى باستمناء أو مباشرة فلا يفطر بذلك. والراجح ما تقدم وهو مذهب عامة العلماء أما كون المني مفطرًا بخروجه بسبب القبلة واللمس فهذا هو مذهب جمهور العلماء كما تقدم.
[ ١٠ / ٣٥ ]
أما قولهم أن خروج المني بالاستمناء والمباشرة يفطر الصائم فإن هذا ظاهر لأن الاستمناء والمباشرة سبب ظاهر لخروج المني بخلاف القبلة واللمس فإن الأصل عدم خروج المني بهما إلا على هيئة نادرة، فوقوع الصائم بإخراج الشهوة بسببهما ليس طبيعًا بل هو واقع على سبيل الندرة فمتى حصل ذلك فلا ينبغي القول بالفطر، لأن القبلة واللمس ليسا سببًا ظاهر في خروج المني، فهو لم يكن مقتصدًا لخروجه بل قد خرج بغير قصد فيه، وقال إلى هذا القول صاحب الفروع وهو القول الظاهر وذلك لأن الشهوة وأن كانت قد وقعت عليه لم يكن ذلك بقصد منه، فإنهما ليسا سببًا لخروج المني في العادة أما لو علم من نفسه خروج المني بسبب القبلة أو اللمس ثم فعل ذلك، فإن موافقة الجمهور تكون ظاهرًا فعلى ذلك يفطر لأنه قد أخرج شهوته بسبب قد تقصده.
قال: (أو أمذى)
كان يباشر أو يستمنى أو يقبل أو يلمس فيمذى فإنه بفطر هذا مذهب أحمد ومذهب مالك وذهب الشافعية والأحناف إلى أنه لا يفطر بذلك أما دليل أهل القول الأول فهو القياس على المني، فقاسوا خروج المذي على خروج المني وأما أهل القول الثاني فقالوا:هذا قياس مع الفارق، مفرق بين المذي والمني، فليس المذي كالمني، وما المذي إلا جزء من الشهوة بل هو دليل على الشهوة وتقدم لها وليس هو الشهوة نفسها وهو اختيار شيخ الإسلام.
واستدلوا:بالأصل، فإن الأصل ألا يكون ذلك مفطرًا ولا دليل يدل على الفطر به – وهذا القول هو الراجح.
إذن:من باشر أو استمنى أو قبل أو لمس فأمذى فإنه لا يفطر بذلك لأن الأصل بقاء الصوم وصحته لا أبطاله ولا دليل على أبطاله:وقد استظهر هذا القول صاحب الفروع وصوبه في الإنصاف.
قال: (أو كرر النظر فأنزل)
أي أنزل منيًا.
[ ١٠ / ٣٦ ]
رجل كرر النظر إلى امرأة فأنزل منيًا فإنه يفطر بذلك قياسًا على القبلة واللمس ونحوها. وذهب الشافعية والأحناف إلى أنه لا يفطر بذلك:إبقاء على الأصل، فالأصل صحة الصوم وبقاؤه ولا دليل على الإفطار.
قالوا:وقياسًا على الفكر، فإنه لو فكر فأنزل فإنه بالاتفاق لا يفطر، والقياس أقرب من القياس المتقدم على أن تكرر النظر في الحقيقة – ليس سببًا ظاهرًا في الإنزال كما تقدم بيانه فإن تكرار النظر لا يقع به في الأصل الإنزال فلو وقع الإنزال حينئذ فإنه لا يقع باختيار من المكلف أما لو علم من نفسه أنه بتكرار النظر يثبت فيه الإنزال فحينئذ نقول به لأنه أشبه الاستمناء فقد طلب خروج المني بهذا الفعل وعلم من نفسه خروجه وهذا نادر ولم يذكر المذي:فالمشهور عند الحنابلة في هذه المسألة أنه لو كرر النظر فأمذى فإنه لا يفطر بذلك، وذلك لمشقة التحرز من ذلك، وللفارق بين المني والمذي وهذا فيه تناقض.
قال: (أو حجم أو احتجم وظهر دم) .
إذا حجم أو احتجم فظهر الدم فإنه يفطر بذلك، فالحاجم والمحجوم يفطران.
ودليل ذلك:ما رواه الخمسة إلا الترمذي من حديث شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) والحديث إسناده صحيح. ويرى شيخ الإسلام هذا القول، ويرى أن الحاجم إنما يفطر حيث كان بمعنى أداة الحجامة بقية فتكون ذلك مظنة لدخول شيء من الدم – ولو كان دلك من نجاره – إلى حلقه فيفطر بذلك، وحينئذ فرأى شيخ الإسلام أنه لو لم تكن ذلك بمعنى أداة الحجامة فإنه لا يفطر. خلافًا الحنابلة في المشهور عندهم من أنه يفطر، وأن ذلك تعبدي والأظهر ما ذهب إليه شيخ الإسلام لأن الأصل في الأحكام أن تكون أحكامًا تعليلية لا تعبديه. وهل يلحق بذلك الفصد أم لا؟
قولان في مذهب الإمام أحمد. اختار شيخ الإسلام أنه ثبت الفطر بالقصد وذلك لثبوت خروج الدم به، فالمعنى ثابت في الفصد كما هو ثابت في الحجامة.
[ ١٠ / ٣٧ ]
وحينئذ يلحق أي طريقة في إخراج الدم كما يقع ذلك في التحاليل الطبية التي يقع بها إخراج الدم فإنها تكون مفطرة هذا مذهب الحنابلة – أي كون الحجامة مفطرة – وهو مذهب أكثر أهل الحديث – كما قال ذلك شيخ الإسلام، وهو اختياره واختيار تلميذه ابن القيم. وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر. واستدلوا:بما ثبت في البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ: (احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم) .
قالوا:ويوافقه أنه مذهب رواية، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (الفطر فيما يدخل لا فيما يخرج) .
[ ١٠ / ٣٨ ]
قالوا:والجواب عما استدل به الحنابلة أن الحديث الذي استدلوا به منسوخ بحديثنا، ودليل النسخ الآثار الواردة في هذا الباب فمن ذلك:ما ثبت في سنن الدارقطني بإسناد قوي عن أنس بن مالك قال: (أول ما كرهت الحجامة أن جعفر بن أبي طالب احتجم فمرَّ به النبي ﷺ فقال:أفطر هذان ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم) وروى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (رخص النبي ﷺ في القبلة للصائم وفي الحجامة) ومعلوم أن لفظ الرخصة لا يطلق إلا عزيمة، وقد كانت العزيمة في الفطر بالحجامة ثم رخص بعد بالحجامة. وثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحاب) فكانت العلة هي الإبقاء على الأصحاب لأن إخراج الدم مضعف لليدين ثم بعد ذلك رخص بالحجامة وثبت في البخاري عن أنس أنه قيل له: (أكنتم) ومثل هذا السؤال يكون الجواب عنه عن مذهب الصحابة عامة وإن كان الصحابة مختلفون في هذا، لكن هذا يدل على أن جمهورهم على هذا القول: (أكنتم تكرهون الحجامة للصائم فقال:لا إلا من أجل الضعف) وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أصحاب النبي ﷺ: (إنما نهى النبي ﷺ عن الحجامة وكرها للضعف) قالوا:وهذه الأحاديث تدل على النسخ.
وقابلهم أهل القول الأول بأن حديثنا ناسخ لحديثكم وهو قول النبي ﷺ.
[ ١٠ / ٣٩ ]
قالوا:لأن حديثنا ناقل عن الأصل، ما فعله النبي ﷺ وأنه احتجم وهو صائم فإنه متفق على الأصل، والقاعدة أن الناقل مقدم على المبقي على الأصل وهي قاعدة ترجح في باب النسخ. لكن يجاب عن هذا بأن ما تقدم من الآثار تدل على عكس هذا القول وأن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ لفعل النبي ﷺ وأجاب الجمهور عن الاستدلال بحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) بأن المراد يؤول أمرهما إلى الفطر فإن ذلك مضعف للمحتجم ومظنة لدخول شيء من الدم إلى الحاجم فيؤول أمرهما إلى الفطر – وهذا ظاهر للجمه بينهما لكن ينكر عليه الآثار والأحاديث المتقدمة فإن ظاهرها أن إفطار الحاجم والمحجوم كان عزيمة على الوجه المتقدم إلا أن يقال إنه كان منهيًا عنه وإن لم يكن مفطرًا والحاصل:أن مذهب جمهور الفقهاء هو القول الراجح في هذه المسألة.
فأن قيل:قد أعل بعض العلماء الحديث الذي رواه البخاري في صحيحيه، فقد أنكر الإمام أحمد – كما أعله شيخ الإسلام وغيره – لفظة (وهو صائم) وأتت (وهو محرم) .
فالجواب:أن الإمام أحمد كما فرد ذلك صاحب القيم قد ساق طرفًا ليس فيها طريق البخاري وأنكر هذه اللفظة في هذه الطرق.
[ ١٠ / ٤٠ ]
أما الطريق الذي خرجه البخاري في صحيحيه فإن الإمام أحمد لم يتعرضى له بإنكار ثم أن السند ظاهره الصحيح وقد قال ابن حجر: (والحديث لا مدفع فيه ولا اختلاف في ثبوته وصحته) فعلى ذلك جماهير العلماء على تصحيح هذا الحديث والحديث من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وقد اختلف فيه على أيوب فرواه وهيب وعبد الوارث موصولًا " أي عكرمة عن ابن عباس ورواه ابن عُلَّبة ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا واختلف على حماد بن زيد بالإرسال الوصل، ومثل هذا لا يؤثر في الحديث بل يكون ثابتًا موصولًا ومرسلًا، فإنه حيث تساوى الواصل والمرسل فإنه لا يقال بترجيح شيء من قوليهما على أن للحديث شواهد تثبت صحته، كيف وقد أخرجه البخاري في صحيحيه الذي تلقته الأمة بالقبول وأحاديث البخاري لا يقال بتعليل شيء منها إلا إذا كانت البينة ظاهرة في ذلك.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (عامدًا ذاكرًا لصومه فسد لا ناسيًا أو مكرهًا) .
ما تقدم من المفطرات – سوى الجماع فسيأتي البحث فيه – مما تقدم من المفطرات وهي الأكل والشرب والاستقاء والاحتجام هذه المفطرات " في فعلها ناسيًا ومكرهًا فإنه لا يفطر، بل لابد أن يفعلها ذاكرًا عامدًا.
عامدًا:يقابله مكرهًا، وذاكرًا مقابله ناسيًا فلابد أن يكون عامدًا أي غير مكره، ذاكرًا أي غير ناس فإن كان ناسيًا أو مكرهًا لم يفطر بذلك.
[ ١٠ / ٤١ ]
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وفي الحاكم بإسناد صحيح: (من أفطر ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة) ودليل المكره الحديث الصحيح: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فمن أفطر مكرهًا فليتم صومه فإن صومه صحيح، فإنما أطعمه الله وسقاه. ولم يستثن المؤلف ﵀ الجاهل، لأن الجاهل في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور يفطر أن أكل أو شرب أو فعل مضطرًا جاهلًا – والمراد الجاهل بالحكم -.
واستدلوا:بقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) لما مر على الرجلين وأحدهما يحتجم والأخر محتجم، قالوا فدل على أنه لا يعذر بالجهل وذهب أبو الخطاب من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب إسحاق ومجاهد والحسن وهو مذهب طائفة من السلف والخلف قالوا:هو معذور بالجهل، قياسًا للجاهل على الناس، فكما أن الناسي لم يتعمد المفسد للصوم فكذلك الجاهل فإنه لم يتعمده إذا لا تعمد إلا بعلم وإن كان تعمد الفعل.
واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن عدي بن حاتم لما نزلت: ﴿فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ قال عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض – فوضعتهما تحت وسادي فجعلت أنظر في الليل فلا يتبين ذلك لي قال:فغدوت إلى النبي ﷺ فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) وفي رواية: (إن وسادك إذًا إذا وسع المشرق والمغرب) فالمراد بذلك:بياض المشرق وسواده، وبياض المغرب وسواده أي سواد الليل وبياض النهار، فلم يأمره النبي ﷺ بالقضاء وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
[ ١٠ / ٤٢ ]
واستدلوا:بحديث أسماء – سيأتي ذكره – من أن الصحابة أفطروا قبل غروب الشمس في يوم غيم فلم يؤمره بالقضاء وكذلك القاعدة الشرعية أن الشارع لا يفرق بين الجاهل والناسي في فعل المحذورات والمفسدات وما ذكروه أصح. وأما حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) فليس صريحًا في أنهما لا يفطران بل المقصود من ذلك أن من فعل ذلك فإنه يفطر على أن هذه قضية عين لا تخالف بها القاعدة الشرعية المتقدمة وهي قاعدة الشربعه في إلحاق الجاهل بالناسي ويحتمل فيها أنه مراد النبي ﷺ مجرد الأخبار بأن من فعل ذلك فإنه يفطر بدليل تعميميه في الأخبار فيها الأخرى من قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) فالأصح ما ذهب إليه أهل القول الثاني من أن الجاهل لا يفطر بذلك لأنه لم يتعمد المفسد فأشبه الناسي والمكره والحديث المتقدم دليل على ذلك، وهو قوله: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والخطأ هو الجهل.
قال: (أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار)
[ ١٠ / ٤٣ ]
أو دخان أو غير ذلك فإنه لا يفطر بذلك لأنه ليس بمتعمد لذلك ولا بمختار، والشرط في المفطرات أن تكون على هيئة الاختيار، فإن دخول الغبار لا يكون منه على هيئة القصد وهذا على القول بأن الغبار مفطر، وإلا فقد تقدم اختيار شيخ الإسلام بأن من سفا ترابًا ونحوه فإنه لا يفطر بذلك لكن على المذهب من القول بأن الغبار ونحوه يفطر فإنه لا يقال بالفطر به حيث كان عن من غير تقصد ولا اختيار ومثل ذلك الدخان أو البخور فإنه إذا دخل من غير قصد فإنه – على المذهب – لا يفطر، لأنه دخل بغير اختياره أما لو دخل بتقصد منه فإنه يفطر بذلك في المشهور من المذهب وعليه يقاس الدخان المشهور عند الناس فإنه يخرج على المذهب من أنه مفطر من مفطرات الصيام والعمل على ما ذهب إليه الحنابلة فيما يشربه الناس من الدخان مما هو محرم في الشريعة وأما البخور فإن في النفس من ذلك شيئًا، وظاهر اختيار شيخ الإسلام في الفتاوى، ومقتضى السابق، أن شم البخور لا يفطر فإنه ليس بمأكول ولا بمشروب ولا بمعناهما – وهذا هو الأظهر – أما شم الروائح الطيبة من طيب ونحوه – من غير دخان يخرج معه – فإنه لا بأس به باتفاق العلماء.
قال: (أو فكر فأنزل)
إذا حدث منه تفكير موضع في ذهنه صورًا فوقع من ذلك إنزال فإنه لا يفطر بذلك.
[ ١٠ / ٤٤ ]
قالوا:لما روى البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس معفو عنه وظاهر كلامهم الإطلاق وفي الإطلاق نظر، فإن الأظهر أنه إذا كان يستحضر الصور بقصد منه وتطلب مع علمه أن ذلك يورثه إنزالًا فالأظهر هو القول بأنه يفطر:وهذا هو اختيار ابن عقيل وأن كان اختياره على هيئة الإطلاق فإن ابن عقيل قال:أن من فكر فأنزل فإنه يفطر واستدل على ذلك بأن الفكر يأتي باستحضاره، وظاهر كلامه إذا لم يأت باستحضار منه بل كان عن غلبة فإنه لا يفطر بذلك وهذا هو الظاهر فإن هذا يشبه ما تقدم من تكرار النظر مع علمه أن ذلك يورثه إنزالًا أما إذا علم من نفسه ذلك واستدعى الفكر فإنه يفطر، لأنه تعاطى سببًا يورث مفسدًا من مفسدات الصوم، تعاطاه باختيار منه فأسبه ذلك المباشرة والاستمناء اللذين يورثان إنزالًا.
قال: (أو احتلم)
فإنه لا يفطر وهذا بإجماع العلماء، والعلة:هي أن هذا الاحتلام لم يكن باختيار منه وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو سبقه فكر، ويعلم أنه إذا وقع منه فكر فبل النوم فإنه يسبب له في الغالب الاحتلام فإنه إذا أوقع ذلك باستحضار عن غلبة فأورثه ذلك احتلامًا وهو يعلم من حاله أن ذلك يحدث منه فإنه يفطر فيما يظهر لي – على ما تقدم في الفكر والنظر ونحو ذلك والله أعلم.
قال: (أو أصبح في فيه طعام فلفظه)
بمعنى:أصبح وفي فيه طعام – أي قد نزل من أسنانه أو نحو ذلك – فلفظه فإنه لا يفطر لأن هذا الطعام الذي قد وقع في فيه وإن كان منه ما تحلل أثناء نومه ودخل في جوفه فإن ذلك لم يكن باختيار منه ولا تقصد أما إذا أبقاه في فيه بعد استيقاظه من النوم ثم تحلل منه بعد ذلك فإن دخل إلى الخوف فإنه يفطر بذلك لأنه حينئذ يكون مختارًا ومتعمدًا للفطر.
قال: (أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو زاد على ثلاث)
[ ١٠ / ٤٥ ]
" اغتسل " يجوز الاغتسال في نهار رمضان ويستدل لذلك بما ثبت في الصحيحين عن عائشة وأم سلمه قالت: (إن كان النبي ﷺ ليصبح جنبًا من غير احتلام ثم يغتسل وهو
صائم) ولو لم يكن الاغتسال جائزًا لما أمره رسول الله ﷺ إلى شروعه في الصوم ويدل عليه ما رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (رأيت النبي ﷺ يسكب على رأسه الماء إما من الحر وإما من العطش وهو صائم) وفي البخاري معلقًا: (وبلَّ ابن عمر ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم) ومثل ذلك المضمضة، فدليلها:ما ثبت من سؤال عمر للنبي ﷺ عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم فقال:لا بأس فقال النبي ﷺ:فمه) أي فلم يكن هذا السؤال فإن هذا قياس ظاهر، فالقبلة من مقدمات الجماع، والمضمضة مقدمة للشرب فالقياس بينهما ظاهر. وكذلك ما ثبت من مضمضة الصائم في الوضوء سواء كان الوضوء واجبًا أو مستحبًا، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو كانت المضمضة منهيًا عنها لما أحدث في الصوم إلا للوضوء الواجب ولسنة النبي ﷺ، وهذا لا خلاف بين أهل العلم وأما الاستنشاق فيستدل له بما تقدم، مع قوله ﷺ: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) وهذا متضمن لجواز أصل الاستنشاق، وإن كانت المبالغة منهيًا عنها وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. ولا بأس أن يدهن، فلو دهن على بطنه أو شعره أو نحو ذلك فلا بأس وأن كان لا يؤمن من تسرب شيء يسير من خلال مسافات اليدين لكن هذا مما عفي عنه، وليس بما تقدم عن الطعام والشراب وهذا مما اتفق عليه العلماء. وقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: (إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلًا) .
[ ١٠ / ٤٦ ]
(أو زاد على الثلاث) في المضمضة والاستنشاق لا يؤثر ذلك في صومه وإن زاد على ثلاث وأما هل هو مشروع أم لا؟ فقد تقدم أن من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم.
قال: (أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفسد)
إذا بالغ في الاستنشاق فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يفطر بذلك هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والصحيح ما ذهب إليه جمهور وهو اختيار المجد ابن تيميه قالوا:يفطر بذلك، ذلك:لأنه بمبالغة بالاستنشاق فعل سببًا لدخول الماء إلى الحلق،، فوقع هذا الدخول بفعل هذا السبب الظاهر فيه فثبت الفطر ثم أنه لا يجوز له فعل ذلك وما ترتب على غير الماء دون فيه فليس بمضمون وتترتب عليه الأحكام الشرعية ثم هو وإن لم يتعمد دخول الماء إلى الحلق لكنه تعمد فعلًا هو سبب
ظاهر في دخول الماء إلى الحلق فكما لو استمنى أو باشر فأنزل، فهو وأن لم يقصد بهما نزول المني فإنه يفطر بذلك فكذلك هنا.
وذهب المالكية والأحناف:إلى أنه أن استنشق ولم يبالغ فنزل الماء إلى الحلق فإنه يفطر بذلك وهذا ضعيف، فإنه قد فعل أمرًا جائزًا ليس سببًا ظاهر لدخول الماء إلى الحلق فدخول الماء لم يكن عن تقصد منه ولا اختيار فلا يفطر به.
إذن:إذا استنشق فإنه لا يفطر إلا بأمر.
أن يكون قد بالغ في الاستنشاق.
أن يصل إلى الحلق شيء من الماء وينزل منه إلى المعدة ومعلوم أنه لا يتيقن وصول ذلك إلى المعدة لكن وصوله إلى الحلق مظنة وصوله إلى المعدة، ولأنه لا يتم الشعور بنزول الماء اليسير إلى المعدة.
قال: (ومن أكل شاكًا في طلوع الفجر صح صومه)
رجل ظن أن الوقت لا زال ليلًا أو تيقن ذلك فأكل، ثم يثبت تبين أنه كان في نهار – فذلك لا يؤثر في صومه. وذلك لأن الأصل هو بقاء الليل، وليس المقصود من ذلك ألا يفعل الأسباب التي يتوصل بها إلى معرفة الوقت من نظر إلى ساعة أو الجو في الخارج أو نحو ذلك، بل المقصود أنه بقدر استطاعته لم يتبين له خروج الليل وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.
[ ١٠ / ٤٧ ]
قال: (لا إن أكل شاكًا في غروب الشمس أو معتقد أنه ليل فبان نهارًا)
هذه مسألة بعكس المسألة المتقدمة فهو في النهار، فالنهار هو المتيقن ثم شك هل غربت الشمس أم لا، فأكل أو شرب فإنه يفطر بذلك لأن الأصل هو بقاء النهار فلا يتزحزح عن هذا الأصل إلا بثبوت غروب الشمس لكن أن ظن غروبها ولم يتمكن أن يتيقن غروبها كأن يكون أعمى أو في موضع ليس أمامه إلا الاجتهاد كأن يكون سجينًا ولم يمكنه السؤال، أو أن يكون الجو غيمًا فظن أن الشمس غربت فأفطر فإنه لا يؤثر على ذلك شيئًا إذا بان أنها لم تغرب وذلك للعمل بغلبة الظن، فإنه من المتقرر في قواعد الشريعة أن العمل بغلبة الظن صحيح ما لم يمكنه العلم " التيقن "، وهو قد علم بقدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وقوله: (أو معتقدًا أنه ليل فبان نهار)
هذا مخالف لما تقدم تقريره من أنه إذا غلب على ظنه غروب الشمس ولم يمكنه العلم فإنه يصح صومه، لكن المذهب أنه يجب على الفقهاء وهو مذهب جمهور العلماء. وهذه مسألة الجاهل في الوقت:فهو جاهل في الوقت ظن أن الشمس قد غربت ولم يمكنه التيقن لوجود غيم فأمطر ثم تبين له بعد ذلك أن الشمس لم تغرب فقد انجلى الغين وطلعت الشمس، فيجب عليه القضاء – وهذا مذهب جمهور العلماء. واختار شيخ الإسلام وهو مذهب إسحاق ومجاهد والحسن كما تقدم:ذهبوا إلى أنه لا يفطر بذلك.
[ ١٠ / ٤٨ ]
واستدلوا:بحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: (أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس) فسئل هشام " وهو راوي الحديث عن أمه عن أسماء " سئل: (أقضوا فقال " بدُ من قضاء " أي لابد من القضاء)، وهذا ليس من روايته بل من رأيه، بدليل ما ذكره البخاري في صحيحه قال: (قال معمر:سألت هشام أقضوا أم لا؟ فقال:لا أدري) فدل على أنه ليس عنده رواية ونقل في هذا الباب بل قال ذلك عن اجتهاده وحينئذ فإن هذا الحديث ليس فيه أن النبي ﷺ ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو كان ثمت أمر من النبي ﷺ لكان أولى بالنقل من مجرد فعلهم، فأسماء ﵂ لو كان عندها أن النبي ﷺ قد أمر بالقضاء، لكان أخبارها بذلك أولى من أن تخبر عن فطرهم في يوم غيم ثم طلعت الشمس فإن هذا خبر يقع في عصرهم وفي غيره، وحيث لم تخبر أن النبي ﷺ أمر بالقضاء مع أن الهمة متوافرة لنقله فذلك يدل على عدم ثبوته عن النبي ﷺ ولأنه جاهل في الوقت فأشبه الجاهل في الحكم، فإنه قد فعل المفطر من غير تعمد منه، بل هو قد ظن تمام صومه فأفطر، وقد اتقى الله ما استطاع لكن إذا طلعت الشمس فيجب عليه الإمساك، لثبوت اليوم ولقوله ﷺ في الناسي إذا أكل قال: (فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) .
مسألة:من فعل مفطرًا عمدًا كالاستيقاء عمدًا ونحو ذلك، فهل يمسك بقية يومه أم لا؟ (انظر لزامًا الدرس التالي فإنه – حفظه الله – قد رجح وجوب الإمساك عليه) يجب عليه القضاء كما هو مذهب جمهور العلماء.
[ ١٠ / ٤٩ ]
الظاهر:أنه لا يجب عليه الإمساك لأن القاعدة عدم الجمع بين القضاء والإمساك ففيه نوع عذاب، فلا يظهر أنه يؤمر بالإمساك بل قد يكون إمساكه وهو فعل هذا المفطر متعمدًا يكون مخففًا للمعصية في نفسه، وحيث لم يؤمر بالإمساك فإن ذلك أعظم في نفسه وأردع من أن يتعاطى شيئًا من المفطرات، لكن مع ذلك لا يجوز له أن يأكل علانية لئلا يتهم في دينه. (انظر الدرس الذي بعده فقد رجح خلاف ذلك) .
مسألة:
رجل يأكل أو شرب ناسيًا أو جاهلًا فهل تبين له ذلك أم يترك ويقال:قد أطعمه الله وسقاه؟
وجهان في مذهب الإمام أحمد:
الوجه الأول:أنه يترك فإن هذا رزق من الله ساقه إليه فلا يمنع منه.
الوجه الثاني:أنه ينكر وهذا أظهر، لوجوب إنكار المنكر، ومعلوم أن من تعاطى محرمًا وهو يظنه حلالًا فهو رزق قد ساقه الله إليه لأنه جاهل بالحكم الشرعي ومع ذلك لا شك أنه تبين له أنه حرام فهذا واجبنا من الإنكار على أنه لا يقطع أن يكون ناسيًا فقد يكون فعله متعمدًا ولا شك من وجوب الإنكار على المتعمد.
فأصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو وجوب الإنكار عليه.
والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن جامع في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة)
[ ١٠ / ٥٠ ]
لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ فهذا يدل أن الجماع نهار رمضان مفسد للصوم، وهذا بإجماع العلماء سواء كان الجماع فيه إنزال أو لم يكن إنزال، وقد قال الله تعالى:في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) شهوته أي الجماع ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:يا رسول الله هلكت وفي رواية: (احترقت) فقال:وما أهلكك فقال:وقعت على امرأتي في رمضان فقال النبي ﷺ:هل تجد ما تعتق رقبة فقال:لا قال:فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين فقال:لا فقال:وهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا قال:لا، ثم جلس الرجل ثم أتى النبي ﷺ بعرق من تمر فقال:تصدق بهذا فقال:وعلى أفقر منا يا رسول الله، فو الله ما بين أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال:أطعمه أهلك) .
قال: (في قبل)
أي في قبل لامرأة سواء كانت أجنيه عنه أو زوجة له أما الزوجة فقد تقدم الحديث المتفق عليه وأم الأجنبية فهي أولى لأن ذلك محرم، ولأن هذا الجماع المحرم فيه ما في الجماع المباح من شهوة، فلا فارق بينهما، بل هو أولى تحريم الشارع له.
قالوا:ولو كان في بهيمة لأنه وطء مفسد للصوم وقال أبو الخطاب من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد أنه يفسد الصوم لكن لا يجب فيه الكفارة – وهذا أظهر، لأنه قياس مع الفارق، فإن هذا جماع قد أباحه الله تعالى، وهو موافق لطبيعة الإنسان مما جعله الله محلًا للحرث والنسل والشهوة، وأما هذا فهو شذوذ وليس بمساو للجماع الذي يكون للآدمية، فمع إفساد للصوم فإنه لا يوجب الكفارة.
قال: (أو دبر)
إذا جامع الرجل زوجته في دبرها فقد فسد صومه ويجب عليه الكفارة في المشهور من مذهب أحمد ومذهب الشافعي ومالك.
[ ١٠ / ٥١ ]
قالوا:لأنه وطء محرم مفسد للصوم فأشبه الجماع من القبل وذهب الأحناف ووجه ذلك صاحب الفروع إلى أنه وأن أفسد الصوم فإنه لا يوجب الكفارة. قالوا:لثبوت الفارق بين الجماع من الدبر والجماع من القبل في أحكام كثيرة فمن ذلك:ثبوت الإحصان فهو في الجماع من الدبر وهو ثابت في الجماع من القبل، ولأن الشهوة لا تتم به وإنما هو على وجه الشذوذ بمخالفة الفطرة – وهذا القول أظهر – فهو مفسد للصوم لكنه لا يوجب الكفارة للفارق بينه وبين الجماع من القبل، فليس بمنصوص عليه، وليس بمعنى المنصوص والأصل هو عدم وجوب الكفارة فلم يثبت بدليل من كتاب الله أو سنة نبيه أو قياس، وهنا لم يثبت في الكتاب والسنة وليس القياس صحيحًا لوجود الفارق بينهما. والله أعلم.
قال: (فعليه القضاء)
هذا هو المشهور عن الحنابلة وغيرهم من أهل العلم أن من جامع في نهار رمضان فإنه يجب عليه القضاء وقد ورد مصرحًا به في رواية أبي داود في حديث المجامع امرأته في نهار رمضان وفيه أن النبي ﷺ قال: (صم يومًا مكانه) والحديث قد صححه الحافظ ابن حجر – وسيأتي البحث في هذه المسألة – عند الكلام على القضاء فيمن فعل مفطرًا عمدًا بلا عذر وقد ذهب جماهير العلماء إلى وجوب القضاء عليه، وقد ورد هنا هذا الحديث الذي له طرق كثيرة يشد بعضها بعضًا، وقد صححه الحافظ.
قال: (والكفارة)
ودليل وجوبها الحديث المتفق عليه المتقدم، فقد أوجب ﷺ على المجامع في نهار رمضان الكفارة وهي عتق رقبه فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل)
إذا باشر الرجل امرأته وأنزل، فلا يجب عليه الكفارة، كما أنه قد فعل مفسدًا من مفسدات الصوم فمع فعل هذه المفسد ويجب عليه القضاء في مذهب الجمهور فإن الكفارة لا تجب عليه.
[ ١٠ / ٥٢ ]
قالوا:لأن الوارد إنما هو فيمن جامع امرأته من فرجها ولا نص من كتاب ولا سنة ولا قياس يدل على أن المباشرة لامرأته المنزل يجب عليه الكفارة، فإن هناك فارقًا بين الجماع وبين المباشرة
وأن كان فيها إنزال فإن الجماع أبلغ فيها وأتم في الشهوة، ولذلك وجبت الكفارة بمجرد الجماع وأن لم ينزل بخلاف المباشرة فإنها بالاتفاق لا تجب الكفارة مع عدم الإنزال بل لا يفطر الصائم كما تقدم، وحيث ثبت الفارق فلا يصح القياس وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو أن المباشر إذا أنزل فإنه يفسد صومه ولا تجب عليه الكفارة لأن الشارع لم ينص على ذلك ولأن ذلك ليس بمعنى المنصوص والأصل هو عدم الكفارة إلا بدليل أو بتعليل صحيح.
قال: (أو كانت المرأة معذورة)
بأن كانت ناسية أو جاهلة أو مكرهة فلا يجب عليها الكفارة لأن الشارع قد عذر بالنسيان والإكراه وظاهره أن الرجل يجب عليه وأن كان معذورًا، فلو أن رجلًا جامع امرأته في نهار رمضان ناسيًا ومكرهًا أو جاهلًا فإن الكفارة تثبت عليه – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة – ففرقوا بين الآكل والشارب، وبين المجامع أن المجامع في نهار رمضان يثبت عليه الكفارة ويبطل صومه وإن كان ناسيًا أو مكرهًا. وأما الآكل أو الشارب فإذا كان ناسيًا أو مكرهًا فلا يجب عليه قضاء ولا كفارة، وأما الجهل فقد تقدم البحث فيه وإن الحنابلة لا يرون العذر بالجهل بالآكل والشرب، فأولى من ذلك ألا يرونه في الجماع.
[ ١٠ / ٥٣ ]
واستدلوا بحديث المجامع المتقدم فيه أن النبي ﷺ أمره بالكفارة، وأمره بالقضاء في رواية أبي داود المتقدمة ولم يستفصل النبي ﷺ أهو ناسي أم ذاكر أهو مكره أم لا، أهو جاهل أم عالم وترك الاستفصال في مقام الاحتمال لترك منزلة العموم في المقال – وهذا ضعيف – ولذا ذهب جمهور العلماء إلى العذر بالنسيان والإكراه في هذا الباب وأما الجهل فكما تقدم ترجيح المسألة لشيخ الإسلام وهن كذلك ولذا يرى شيخ الإسلام يرى العذر في هذه المسألة بالجهل والنسيان والإكراه.
قالوا:لأن قصة الرجل المتقدمة – قوله: (هلكت) ونحو ذلك يدل على أنه لم يقع ذلك منه على سبيل النسيان أو إكراه أو جهل وإنما وقع ذلك على سبيل العلم والاختيار وإلا لما قال ذلك.
قالوا:ولأن الأصل هو عدم النسيان وعدم الإكراه وعدم الجهل فالأصل في الفاعل للشيء أن يكون قد فعله عن علو واختيار وذكر فالحكم قد أنزل على الأصل، ويؤيد هذا ما تقدم من سياق الحديث وأن ظاهر ذلك أنه فعله مختارًا ذاكرًا وما ذكروه هو الأرجح، ودليلهم بعد أن أجابوا عن
دليل الحنابلة دليلهم القياس، قياس المجامع على الآكل والشارب مع عدم تعمد واختيار والمفسد وما ذهب إليه جمهور العلماء واختيار شيخ الإسلام أصح في هذه المسألة وقوله: (أو كانت المرأة معذورة) ظاهره أنها أن لم تكن معذورة بأن كانت مختارة لذلك، فإنه يجب عليها الكفارة كما تجب على الزوج – هذا هو ظاهر قول المؤلف وهو المشهور في مذهب أحمد وهو قول جمهور العلماء -.
قالوا:لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق النساء وكلهم مكلفون بحدود الشريعة من حدود أو كفارات أو أحكام أو غير ذلك، ولأن الكفارات لا يتشارك فيها، فإن الكفارة تتوجه إلى شخص ما من غير أن يكون فيها شيء من التشارك والتداخل.
وذهب الشافعي في أحد قوليه وهو رواية عن الإمام أحمد أن الواجب عليها كفارة واحدة.
[ ١٠ / ٥٤ ]
واستدل:بأن النبي ﷺ – في حديث المجامع امرأته – لم يأمره أن يأمر زوجته أن تكفر قالوا:فدل ذلك على أنه لا يكون ذلك عليها – وهذا الاستدلال ضعيف النظر فإن السؤال إنما صدر عن السؤال في نفسه فليس من الواجب أن يجاب فمن لم يصدر السؤال عنه، وفي حكم النبي ﷺ إشارة إلى إثبات ذلك للمرأة لما تقدم من اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام الشرعية من حدود ونحو ذلك فإن هذا مقرر معلوم عن الصحابة. والسؤال إنما صدر من الرجل فليس واجبًا من البيان أن يذكر حكم المرأة حينئذ – على احتمال أن تكون المرأة معذورة كأن تكون قد طهرت من حيضها فجامعها أو مكرهة ونحو ذلك.
قال: (أو جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة)
رجل مسافر فجامع امرأته في السفر، فإنه يكون بذلك مفطرًا ولا كفارة عليه كما لو أكل أو شرب وهذا ظاهر فيما لو فعل ذلك بغير نية الفطر كأن يكون جاهلًا بجواز الفطر في السفر فجامع امرأته لا يظن إلا أنه قد خالف أمر الله ﷿ معتقدًا أنه فاعل مفسدًا من مفسدات الصوم فهنا لا يتوجه القول بما ذكر المؤلف هنا، بل الأظهر أنه يجب عليه الكفارة – ذلك لأنه لا فرق بين الصوم في السفر والصوم في الحضر إلا بجواز الفطر، وأما أن فرق بينهما بما يترتب على فعل المفطرات فلا، وهذا رواية عن الإمام، وصاحب الفروع أي أنه عليه الكفارة.
قال: (وأن جامع في يومين أو كرر في يوم ولم يكفر فكفارة ثانية) .
إذا كرر الجماع فله حالتان، ولكل حالة صورتان.
الحالة الأولى:أن يكون الجماع في يومين فأكثر بمعنى يجامعها في اليوم ثم يجامعها في اليوم الآخر وهكذا.
الحالة الثانية:أن يكون الجماع في يوم واحد.
وأما الصورتان فيهما.
أ – أن يكون الجماع الثاني بعد الكفارة من الجماع الأول سواء.
ب- يوم واحد أو يومين فتكون الصور أربع صور.
[ ١٠ / ٥٥ ]
أما الصورة الأولى:وهي أن يجامع في يوم واحد يكرر جماعه لامرأته من غير أن يكفر فإن عليه كفارة واحدة لا خلاف بين أهل العلم في ذلك – وهذا ظاهر فإن اليوم المفسد يوم واحد، فهو إنما انتهك حرمة هذا اليوم فكان الواحد عليه كفارة واحدة.
أما الصورة الثانية:أن يجامع امرأته في يوم ثم يكفر ثم يجامعها في يوم أخر، فهنا أيضًا لا إشكال ولا خلاف بين أهل العلم بأنه يجب عليه في هذا اليوم الثاني كفارة أخرى لأن كل يوم عبادة مستقلة بنفسها وقد سبق لليوم الأول كفارة وكان الواجب لليوم الثاني كفارته.
والصورة الثالثة:أن يجامعها في يوم من أيام رمضان ولم يكفر ثم يجامعها في يوم أخر فهل يكتفي بكفارة واحدة؟
جمهور العلماء أنه لا يكفي بكفارة واحدة وهذا الظاهر لأن كل من هذين اليومين عبادة مستقلة قد انتهكت حرمته من هذا المجامع بالجماع فوجب عليه الكفارة.
أما الصورة الرابعة:فهي أن يجامع المرأة ثم يكفر في أول النهار ثم يقع فيه جماع في آخر النهار. فهذا اختلف فيه أهل العلم على قولين:
المشهور في المذهب أنه يجب عليه كفارة ثانية.
قالوا:لأنه يجب عليه الإمساك بعد جماعه الأول وحيث وجب عليه الإمساك فكان فعله هذا محرمًا فأشبه الجماع الأول فيجب فيه كفارة أخرى. فهم قد استدلوا بالإمساك على وجوب الكفارة
[ ١٠ / ٥٦ ]
وقال جمهور العلماء بل لا يجب عليه كفارة أخرى ذلك لأن اليوم المتبقي وإن كان واجبًا فيه الإمساك عليه ليس كأول اليوم الذي وقع فيه الجماع الأول فإن بينهما فارقًا والفارق أن الجماع الأول افسد الصوم وأما الجماع الثاني فإنه ليس هو المفسد للصوم لأنه إنما يجب عليه الإمساك مع وجوب القضاء فهذا الصوم ليس كالصوم المتقدم المقر به الذي لا يجب فيه قضاء وما ذهب إليه جمهور العلماء أصح لأن القياس مع الفارق ليس بصحيح فالقياس هنا مع الفارق، فهما مشتركان بالتحريم لكنهما ليس بدرجة واحدة، فالجماع الثاني جماع ليس بمفسد للصوم والأول مفسد له.
مسألة:
ما ذكره الفقهاء من أن من جامع امرأته يجب عليه الإمساك هذا هو مذهب جمهور العلماء، وذكر الموفق وأنه لا خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة إلا ما حكى عن عطاء في مسألة يمكن تخريج هذه المسألة عليها، وذكر أنه قول شاذ لا يخرج عليه لكن ذكر بعض الحنابلة رواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة وهذه المسألة هي أن من أفطر في رمضان فيجب عليه الإمساك.
قال الموفق بغير خلاف بين أهل العلم إلا ما يثبت إلى عطاء في مسألة يمكن أن تخرج هذه المسألة عليها وذكر بعض الحنابلة عن الإمام أحمد رواية أن من أفطر بلا عذر فإنه لا يجب عليه الإمساك وما ذكره جمهور العلماء يتوجه فيما يظهر لي، ذلك لأن هذا اليوم واجب عليه أن يمسكه من أوله إلى آخره، وحيث فعل ذلك في أوله فإنه ليس بمعذور في آخره وإن كان الصوم فاسدًا ويجب عليه القضاء.
إذن:من أفطر فلا عذر فيجب عليه الإمساك بالاتفاق إلا ما حكى عن الإمام أحمد في رواية عنه ذكرها بعض الحنابلة، وأيضًا تخرج هذه المسألة على قول عطاء كما تقدم.
إذن:الرجل إذا جامع في أول النهار فكفر فيجب عليه الإمساك بعد ذلك فإن جامع مرة أخرى فلا كفارة عليه - كما تقدم -.
قال: (وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع)
[ ١٠ / ٥٧ ]
رجل يجب عليه أن يمسك فجامع فيجب عليه الكفارة إذا قامت النية نهارًا فيجب الإمساك، ويجب القضاء - في المشهور من المذهب – وتقدم أن القضاء ليس بواجب في الأصح فإذا جامع فيجب عليه الكفارة أما على ما ذكره الحنابلة فهو مخرج على المسألة السابقة وأما على الراجح فإنه لا
إشكال في هذا فإنه يوم يعيد به ولا قضاء منه فأشبه اليوم الذي قد ثبت بنية ليلًا لكن ظاهر كلام المؤلف أن الرجل إذا قدم من سفر مفطرًا فجامع امرأته فإنه يجب عليه الكفارة وهذا ضعيف وقد نص الإمام أحمد على أن هذا لا يجب عليه الكفارة خلافًا لما ذكره المؤلف هنا على أنه قد تقدم أنه لا يجب عليه الإمساك لأنه قد أفطر في أول النهار معذورًا فلا يجب عليه الإمساك في يومه – وحيث جامع فلا يؤثر ذلك في صومه. فإطلاق المؤلف فيه نظر. أما إذا كان يجب عليه الإمساك حيث أفطر في أول النهار فلا عذر أو يثبت النية نهارًا فهذا لا إشكال فيه كما تقدم وإنما الإشكال حيث كان مفطرًا في أول النهار ثم جامع في آخره وقد زال عنه العذر فإن هذا ضعيف لأن الإمساك لا يجب في الأصح، وإن قلنا بوجوبه فإنه مع وجوب القضاء مثلًا يشبه اليوم الذي لا يجب القضاء فيه وهو معتد به.
قال: (ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط)
رجل جامع امرأته في أول النهار وهو مكلف ثم كان فيه إن زال تكليفه أما بأنه بجنون أو وقع وطرأ له عذر كالسفر فهل يثبت عليه الكفارة؟
قال المؤلف هنا:يجب عليه الكفارة ولم تسقط – وهذا ظاهر بأن الكفارة قد استقرت في ذمته وقد يؤخر شرطها فهو مكلف فرض عليه الصوم محرم عليه الجماع مفسد لصومه فتعلقت الكفارة في ذمته وتعلق به الإثم وأما كونه مسافر بعد ذلك أو يصاب بمرض فإن ذلك قد طرأ وحيث كان طارئًا فإنه لا يؤثر على ما ثبت أصلًا.
[ ١٠ / ٥٨ ]
فالعبرة إذن:أنه أثناء الفعل، فإن كان مكلفًا مقيمًا فإن جامع فعليه الكفارة والآثم فإن طرأ عليه العذر بعد ذلك فلا يؤثر فقد استقرت الكفارة في ذمته.
قال: (ولا يجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان)
رجل جامع امرأته في صيام نذر واجب، أو في صيام قضاء لرمضان أو في صوم تطوع فلا يجب الكفارة وذلك لأن النص إنما ورد في الجماع في رمضان، فلا يقاس عليه الجماع للفارق فإن المعنى الثابت في رمضان والحرمة الثابتة فيه ليس كالثابتة في غيره، فكونه يفطر في يوم صامه بعذر ليس ذلك متشبهًا لكونه مفطر في نهار رمضان الذي هو الأصل في الصيام – وهذا مذهب جمهور العلماء لأن انفي إنما ورد بالجماع في نهار رمضان وغيره ليس بمعناه.
قال: (وهي عتق رقبه) .
عتق رقبه مؤمنة سليمة من العيوب للحديث المتقدم:وهو قوله ﷺ: (هل ما تعتق رقبه) وقد مثبت في القرآن في باب أخر بعتق رقبه مؤمنة.
قال: (فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين)
فإن لم يجد مالا يشتري به رقبه فإنه يصوم شهرين متتابعين.
قال: (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا)
فإن لم يستطع الصيام فإنه يطعم ستين مسكينًا، كل مسكين مدًا من حنطة أو نصف صاع من غيره، أو يصنع طعامًا فيطعمه لهم وهذه الواجبات إنما هي على الترتيب على التخيير، فإذا قدر على العتق فلا يجوز له الصيام، وإذا عجز عن العتق وقدر على الصيام فلا يجوز له الإطعام، وذلك لأن النبي ﷺ قدر فيها على المجامع امرأته – كما تقدم في الحديث المتفق عليه – وهو مذهب جمهور العلماء.
قال: (فإن لم يجد سقطت)
فإن لم يجد مالًا يعتق به رقبه ولم يجد مالًا يطعم به ستين مسكينًا فإن الكفارة تسقط عنه مع عدم استطاعته لصيام شهرين متتابعين، فإذا عجز عن الكفارة كلها فإنها تسقط عنه ولا تتعلق بذمته إلى ألقى خلافًا للمسألة المتقدمة في الكفارة عن الحامل والمرضع.
[ ١٠ / ٥٩ ]
قالوا:لأن النبي ﷺ لم يعلقها في ذمة المجامع فلم يقل له:يجب عليك أن تفعل شيئًا من هذا الثلاث على الترتيب حيث استطعت وحيث لم يبين له النبي ﷺ ذلك فإنه يدل على عدم الإيجاب لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعن الإمام أحمد أنها لا تسقط قياسًا على سائر الكفارات كما تقدم في كفارة المرضع والحامل.
والصحيح:أن سائر الكفارات تسقط كهذه الكفارة حيث عجز عنها.
والحمد لله رب العالمين.
----------- الدروس ١٦٠، ١٦١، ١٦٢ غير موجودة -----------------
تقدم أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد وإن أصح أقوال العلماء في هذه المسألة صحة الاعتكاف في كل مسجد جماعة.
واعلم أن كل موضع يثبت أنه من المسجد فيصح الاعتكاف به كسطح المسجد ومنارته ورحبته وغير ذلك مما يتصل بالمسجد مما هو يتبع له والمشهور في المذهب أن المرأة إذا حاضت فيجوز لها أن تعتكف في رحبته وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز لها ذلك بل تخرج من المسجد إلى بيتها، وهذا هو الأصح وذلك لأن رحبة المسجد منه، والحائض لا يجوز لها المكث في المسجد.
أما المستحاضة فإنه يجوز لها الاعتكاف كالصلاة.
أما الحائض، فإذا حاضت فيجب خروجها من المسجد لقوله ﷺ: (ويعتزل الحيَّض المسجد) ويدخل في ذلك كل ما يتصل بالمسجد من سطح ورحبة ومنارة وغرف تفتح أبوابها إلى المسجد ونحو ذلك مما هو من المسجد.
قال: (ومن ينو زمنًا معينًا دخل معتكفه قبل الليلة الأولى وخرج بعد آخره)
هذه مسألة في النذر في باب الاعتكاف، من نذر نذرًا معينًا فإنه يجب عليه أن يدخل من أوله ويخرج من آخره.
فإذا نذر أن يعتكف شهر رمضان فيجب عليه أن يدخل قبيل غروب الشمس من الليلة الأولى من رمضان، ويخرج إذا غربت الشمس من اليوم الأخير من شهر رمضان.
[ ١٠ / ٦٠ ]
ومن نذر أن يعتكف نهارًا فيجب أن يدخل قبل طلوع الفجر الصادق ويخرج إذا غربت الشمس وذلك لأن الواجب عليه بالنذر أن يوقعه على من نذره، ولا شك أن الليلة تدخل في اليوم، فأول ليلة من رمضان داخلة في الشهر – بخلاف ليلة العيد فليست من شهر رمضان – وهذا باتفاق العلماء.
أما إن كان الاعتكاف تطوعًا فهنا روايتان عن الإمام أحمد في أول وقته:
الرواية الأولى:أنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين أي يدخل في آخر نهار عشرين.
قالوا لأن الاعتكاف إنما هو للعشر الليالي، بدليل أن الروايات عن النبي ﷺ تقول:اعتكف العشر.
القول الثاني:أنه لا يدخل إلا بعد صلاة الفجر، وهو قول إسحاق والليث والأوزاعي وابن المنذر، واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه) من حديث عائشة.
قالوا:وإنما كان النبي ﷺ يعتكف تطوعًا فكان إذا صلى الصبح دخل معتكفه.
وظاهر هذه الرواية أن ذلك من صبيحة إحدى وعشرين.
لكن قال القاضي من الحنابلة:ويحتمل أن يكون يوم عشرين أي في صبيحة يوم عشرين – وهذا في نظري – أصح.
ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (اعتكفت مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان، وهكذا كان النبي ﷺ يعتكف أولًا العشر الأوسط يلتمس ليلة القدر حتى تبين له أنها من العشر الأواخر)
فخرجنا صبيحة عشرين فخطبنا النبي ﷺ صبيحة عشرين فقال: (إني أريت ليلة القدر وإني أنسيتها ) الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال:من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، قال أبو سعيد: (فدخل الناس في المسجد)
[ ١٠ / ٦١ ]
وظاهر ذلك أن دخولهم كان صبيحة عشرين لما خطبهم النبي ﷺ وهذا هو الأليق لتدخل ليلة إحدى وعشرين، فإن ليلة إحدى وعشرين التي هي مقصودة في الاعتكاف – لا تدخل في اعتكافه – ولا يصح حينئذٍ أن يكون اعتكف العشر الأواخر لأنه لم يعتكف الليلة الأولى.
فعلى ذلك تكون المسألة:يجوز له أن يعتكف قبل غروب الشمس، فيدخل ليلة إحدى وعشرين في اعتكافه، فإن اعتكف بعد صلاة الصبح من يوم عشرين فهو أفضل، وذلك ليتهيأ للاعتكاف لقيام هذه الليلة التي هي من ليالي العشر ويحتمل أن تكون ليلة القدر كما تقدم في حديث أبي سعيد المتفق عليه – هذا هو الراجح – أن المستحب له أن يدخل صبيحة عشرين كما عليه حديث أبي سعيد وذكره القاضي احتمالًا، فإن لم يدخل إلا قبيل غروب الشمس فلا بأس، أما إن لم يدخل إلا صبيحة إحدى وعشرين فإن ليلة إحدى وعشرين لا تدخل في اعتكافه وإن كان اعتكافه صحيحًا لما بعدها من الليالي لكن ليلة إحدى وعشرين لا تكون من اعتكافه.
قال: (ولم يخرج المعتكف إلا لما لابد منه)
لحاجة الإنسان من بول أو غائط، طعامًا يطعمه في المسجد أو من يحضر له الطعام فيخرج ليطعم في بيته، أو أن يحتاج إلى الخروج من المسجد لمرض أو أن يتعين عليه الشهادة في ذلك اليوم لإنقاذ مسلم من هلكة أو لأداء صلاة الجمعة وكل ذلك مما لان كله منه، أي كل واجب وما لا يمكن له أن يستغني عنه من طعام وشراب وحاجة ونحو ذلك فإنه يخرج – هذا ما لم يكن هناك مبدوحة – وذلك أما إذا كانت هناك مبدوحة كأن يؤتى بالطعام إليه في المسجد، أو يكون في نواحي المسجد ما يقضي فيه حاجته أو أن يكون غيره يشهد لحق هذا المسلم أو من ينقذ الغريق غيره أو من يقوم بأمر الجنائز غيره ونحو ذلك فإنه لا يجوز له الخروج.
ودليل ذلك:ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ: (كان إذا اعتكف يبدي له رأسه فترجله ولم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)
[ ١٠ / ٦٢ ]
وتقدم حديثها الذي تقدم ترجيح وقفه، وفيه: (ولا يخرج إلا لما لابد له منه) مما لابد له منه فيجوز أن يخرج له وهذا بإجماع العلماء السنة تدل على ذلك فقد تقدم أن النبي ﷺ كان يخرج لحاجة الإنسان.
أما إذا كان الأمر منه بدّ وله مندوحة عنه فإنه إن خرج له بطل اعتكافه، كأن يخرج إلى البيت لطعام وهو يمكن أن يحضر له في المسجد أو خرج لمبيت فإنه يبطل اعتكافه.
فإن كان الاعتكاف نذرًا فإنه يفسد اعتكافه فيجب عليه القضاء \ن وإن كان تطوعًا فإنه يستأنفه بنيةٍ جديدة ويفوته من الأجر بقدر ما خرجه وقد تقدم أن الاعتكاف يثبت مسماه ولو لساعة من ليل أو بنهار.
أما إذا كان الاعتكاف نذرًا فخرج لما له بد فإنه يفسد اعتكافه لأن هذا منهي عنه في الاعتكاف مفسد له، بدليل ما تقدم من قول عائشة: (إلا لما لابدّ له منه) ومفهوم المخالفة فيه أنه خرج لما له منه بدّ فإنه يبطل اعتكافه.
قال: (ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة)
لقول عائشة في الأثر المتقدم فيما يكون من السنة على المعتكف قالت: (ولا يعود مريضًا) ومثل ذلك شهادة الجنازة ونحو ذلك من الأفعال الصالحة، فهي وإن كانت أفعالًا صالحة لكن فعلها خارج المسجد يبطل الاعتكاف لأن الاعتكاف حقيقته لزوم المسجد وحيث خرج منه بلا ضرورة
فإن ذلك يبطل اعتكافه ولو كان هذا الخروج مستحبًا، بل ولو كان خروجه أفضل من اعتكافه وكما تقدم، فإن كان الاعتكاف نذرًا فيجب عليه القضاء، وإن كان تطوعًا فإنه يستأنف نيته.
قال: (إلا أن يشترطه)
أي من نذر الاعتكاف أو أراد أن يتطوع به، فنوى المتطوع في قلبه أو تلفظ بالنذر فقال:" لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام بشرط أن أخرج لعيادة المريض أو اتباع الجنائز أو نحو ذلك من الشروط "
فهل يجزئ ذلك ويصح الاشتراط؟
قال الحنابلة يصح الاشتراط، وقيل ذلك في الاعتكاف التطوعي فلو اشترط عيادة المريض ونحو ذلك فإنه يصح.
[ ١٠ / ٦٣ ]
قالوا:مثل ذلك:لو اشترط ما له منه بدّ وليس قربة كأن يشترط مبيتًا في بيته أو يشترط أن يطعم في بيته ثم يعود إلى المسجد فإذا اشترط ما له منه بدّ مما يحتاجه ولا ينافي الاعتكاف كتجارة أو نحو ذلك فإن هذا الاشتراط لا يجوز لأنه ينافي الاعتكاف.
وخالف من الحنابلة ابن عقيل والمجد بن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد في مسألة اشتراط ما له منه بدّ مما ليس قربة، كأن يشترط طعامًا أو مبيتًا في البيت.
قالوا:إن اشترط ذلك فإنه لا يصح وأولى منه قالوا:شرط لخروج لتجارة ونحوها، قالوا:لأن ذلك ينافي الاعتكاف فإنه خرج من المعتكف على غير ولغير عيادة أو شهادة لأن العبادة في الأصل لا تنافي الاعتكاف فكلاهما عبادة لله ﷿.
قالوا:بخلاف هذا الأمر الدنيوي الذي له منه بدّ ومع ذلك اشترطه فإن ذلك ينافي الاعتكاف فلا يصح ذلك.
وذهب الإمام مالك إلى أن الاشتراط من أصله لا يصح، لأن حقيقة الاعتكاف هي لزوم الشيء ولا اشتراط فيه يقتضي الخروج من هذا الالتزام في هذا الموضع، فحينئذٍ لا يصح الاشتراط مطلقًا والذي يظهر لي في هذه المسألة:
أما إن طرأ له طارئ من مرض أو خوف أو نحو ذلك فإنه لا يعتكف كأن ينذر رجل أن يعتكف شهرًا في المسجد الحرام إلا أن يعوقني مرض أو يحدث خوف على الناس فإن هذا الاشتراط يصح لقوله
[ ١٠ / ٦٤ ]
ﷺ بضُاعة بنت الزبير قال لها: (اشترطي على ربك فإن لك على ربك ما استثنى) أما أن اشترط أمر من الأمور التي تنافي الاعتكاف منافاة ظاهرة كما يكون ذلك في أمور التجارة ونحو ذلك، فإن القول بعدم جواز الاشتراط ظاهر كما تقدم، ولعله اتفاق بين أهل العلم فلم أر فيه بينهم اختلافًا. وأما اشتراط القربة أو ماله منه بد كميت ونحو ذلك فالذي يظهر لي جوازه أيضًا وذلك لأن غاية الأمر في الناذر أن نذره وقع على هذه مثلًا (نذر أن اعتكف لله اليوم تامًا سوى ما بين الظهر والعصر، ومثل هذا ليس بمؤثر، لاسيما على القول بصحة الاعتكاف ولو ساعة فإن نيته أو لفظه في النذر لم يدخل فيه ما بين الظهر والعصر ويصح الاكتفاء بالنذر ما قبل الظهر وتصح أيضًا ما بعد العصر، فغاية الأمر في نذره أنه كأنه يقول:نذرت لله أن اعتكف من هذا اليوم سوى كذا وكذا وهذا ليس بمؤثر فيه ومثل ذلك التطوع بل أولى منه. فالذي يظهر لي والله أعلم صحة الاشتراط مطلقًا كما ذهب إليه الحنابلة إذ لا دليل يمنع من ذلك، والاعتكاف مسماه الساعة ونحوها بنية الاعتكاف، ومثل هذا يثبت فيه هذا المعنى فلا يظهر لي مانع بل لو رأيت خلافًا بين أهل العلم فيما لو اشترط خروجًا لتجارة ونحوها فلا يظهر لي أن هناك فارق، وأنه لا بأس له أن يشترط تجارة أو عملًا أو وظيفة أو نحو ذلك يخرج إليها، وذلك أن هذه الأعمال وأن نافت الاعتكاف منافاة ظاهرة في المسجد لأن المسجد ليس محلًا للتكسب والعمل ومن هنا أجمع العلماء على تحريم التكسب والتجارة للمعتكف في المسجد فإنها ليست منافية بخروجه من المسجد وهو بمجرد خروجه يكون قد انقطع اعتكافه.
قال: (وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه)
[ ١٠ / ٦٥ ]
لا يجوز بإجماع العلماء الجماع للمعتكف، فإن فعل فسد اعتكافه قال تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ وفي أثر عائشة المتقدم: (ولا يمس امرأة ولا يباشرها) ومثل ذلك لو باشرها بإنزال فإنه بمعنى الجماع في إفساد الاعتكاف كما هو في معناه في إفساد الصوم وبه تكون الشهوة تامة ولكن اختلف أهل العلم فيما يفعله المعتكف فيما هو محرم عليه كأن يقبل امرأة أو يباشرها بلا إنزال، فإن هذا يحرم على المعتكف.
واستدلوا:بأثر عائشة وفيه: (ولا يمس امرأة ولا يباشرها) وإذا فسر المس بالجماع فإن المباشرة هي ما دونه، وإذا فسرت المباشرة بالجماع فإن المس فيما دونه لأن الأصل في العطف
هو التقارب وأن كان كلاهما يطلق على الجماع، كما أنه يطلق على مادون الجماع، فلما جمع بينهماهنا، دل على أن المراد الجماع ومقدماته أي لا يجوز للمعتكف أن يجامع ولا أن يفعل ما هو من مقدماته من جماع أو قبلة أو نحو ذلك. واختلف أهل العلم هل يفسد ذلك الاعتكاف أم لا؟
القول الأول:وهو مذهب الحنابلة والأحناف وأحد القولين في مذهب التناقض أنه لا يفسده.
القول الثاني وهو مذهب مالك والقول الآخر للشافعي أنه لا يفسده.
أما أهل القول الأول:فقالوا:نحن لم نقل بالإفساد به قياسًا على عدم الإفساد به في الصوم، فإنه يباشر ويقبل وهو صائم فكذلك المعتكف.
وأما أهل القول الثاني فقالوا:يفسد صيامه لأنه قد فعل أمرًا محرمًا في الاعتكاف كما لو جامع أو أنزل.
[ ١٠ / ٦٦ ]
قالوا:وأما قياسهم فهو قياس مع الفارق، والفارق ظاهر، فإن قياس عدم إفساده في الاعتكاف على عدم إفساده في الصوم قياس مع الفارق وهو قياس لما به الله على ما أباحه الله فإنه قد حرم على المعتكف أن يباشر أو يقبل فمادون الإنزال والجماع وأما الصائم فلم يحرم عليه ذلك، وكونه لا يفسد الصوم فلا يعني بذلك أنه لا يفسد الاعتكاف، فإنه مباح للصائم وأما المعتكف محرم عليه ذلك ولم يتبين لي في هذه المسألة شيء، فإن ما ذكره المالكية قوي والرد على ما ذهب إليه الحنابلة وغيرهم قوي أيضًا لكن لم أر دليلًا يدل على أن ذلك مفسد حيث قياسهم على المجامع قياس مع الفارق، فإن كوننا نقيس المباشر والمقبل على المجامع الذي تمت له شهوته، وهذا غاية فعله أنه فعل مقدمات الجماع وما يكون ذريعة إلى الاعتكاف فإن هذا أيضًا قياس مع الفارق، فكلا القولين قد أوقع قياسًا مع الفارق فيبقى على الأصل من أن الاعتكاف لا يفسد بذلك، إلا أن يأتي برهان قوي يدل على ذلك وهذا نوع ترحيم في هذه المسألة، وهو أننا نعود إلى الأصل، فالأصل أن الاعتكاف صحيح ولم يأت من أفسده بحجة وأن كان قد أجاب عن حجة لم تفسده سوى الأصل فإن الأصل وإن لم يستدل به هؤلاء فهو دليل قوي لهم، فهذه المسألة الذي يظهر لي البقاء على الأصل فيها وهو صحة الاعتكاف والاعتداء به حتى تبين لنا صحة دليل الإبطال.
قال: (ويستحب اشتغاله بالقرب)
[ ١٠ / ٦٧ ]
فيستحب أن يشتغل بالأعمال الصالحة – باتفاق العلماء – من ذكر ودعاء وقراءة للقرآن وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله ﷿، وهذا هو مقصود الاعتكاف فليس مقصود الاعتكاف أن يحبس الرجل نفسه في موضع وإنما المقصود من ذلك هو حبس النفس في هذا الموضع للإقبال على الله بالعبادة لا سيما قراءة القرآن فهي مستحبة في هذا الشهر، وهي كذلك من أفضل ما يتقرب به العبد، وإن كان اعتكافه في غير شهر رمضان، ويشتغل بذكر ودعاء فإن اشتغل بقراءة علم وحفظه ونحو ذلك فهو حسن أيضًا لكن ينبغي أن يكون له النصيب الوافر والحظ الكبير من الأعمال التي يتقرب بها لله من العبادات اللازمة التي ينتفع بها.
قال: (واجتناب ما لا يعنيه)
لأنه يشغله عن المقصود، وقد قال النبي ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) ولا شك أنه يصد التقرب إلى الله بالعمل الصالح.
تقدم أنه مما لابد له منه الخروج لأداء صلاة الجمعة، فإذا حضرت الجمعة وهو في مسجد آخر من المساجد التي لا تقام فيها جمعة، فهل له أن يتعجل إليها أم لا؟
نص الإمام أحمد على أن له أن يتعجل إليها.
وقال بعض الحنابلة بل الأولى له أن يتعجل لأن الخروج يكون بقدر الحاجة فحينئذٍ يخرج قبيل أدائها.
وهذا الدليل من حيث الأصل له حظ من النظر ظاهر، لكن لما كان الموضع الذي يريد الذهاب إليه موضع في الحكم كالمسجد الذي هو فيه فإنه حينئذٍ لا معنى من كون ذلك خلاف الأولى، فهو إنما يذهب من مسجد إلى مسجد آخر.
ومن هنا أجاز الحنابلة وغيرهم له أن ينتقل إليه، فإذا ذهب من مسجده إلى المسجد الجامع فأحب أن يقيم فيه فلا بأس.
قالوا:لأن المسجد لا يتعين بتعينه فكذلك هنا ولأن المقصود يحصل منه، بل يحصل فيه ما هو أعظم مما لو رجع واحتاج إلى الخروج مرة أخرى، إلا أن تكون مصلحة في مسجده الأول – فإنه حينئذٍ – يعود إليه.
أما إن أتمه في المسجد الجامع فإنه لا بأس بذلك ولا حرج.
[ ١٠ / ٦٨ ]
مسألة:
متى يخرج من الاعتكاف؟
١- قال الحنابلة:يستحب له أن يمكث ليلة العيد في المعتكف، وهو مذهب الأحناف. لما روى سعيد ابن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال:كانوا يستحبون ذلك.
٢ -القول الثاني:وهو مذهب المالكية والشافعية قالوا:بل يكون بانقضاء المدة.
والذي يظهر لي أنه يخرج صبيحة ثلاثين، والدليل على ذلك ما تقدم من حديث أبي سعيد عندما اعتكف العشر الأوسط وفيه أنهم خرجوا صبيحة عشرين.
وصبيحة عشرين تقابلها ليلة ثلاثين فيمن اعتكف العشر الأواخر.
والحمد لله رب العالمين
انتهى كتاب الصيام
[ ١٠ / ٦٩ ]