الدرس الثالث والعشرون
(يوم السبت: ١٢ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
باب مسح الخفين
المسح هو إمرار اليد على المحل.
والمراد به هنا مسحهما: أي الخفان بإمرار اليد بالماء، فعلى ذلك يكون المعنى: إمرار اليد بالماء مبتلة على الخفين من غير إسالة للماء، فلا يكون فيه إسالة وإنما مجرد بلُّ العضو بالماء.
الخفان: هنا: ما يلبس علي الرجل من الجلد الرقيق وهو ما يسمى عندنا بـ" الكنادر " بخلاف الجوارب وهي ما تكون من صوف ونحوه فسيأتي الكلام عليها.
إذن: هذا الملبوس الذي يغطي القدمين ويباشر الأرض لأنه يمشى عليه ويصنع من الجلد ونحوه يسمى الخف.
والمسح على الخفين دل عليه الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فهي آية المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ (١) في قراءة سبعية، فقد قرأ بعض السبعة ﴿وأرجلِكم﴾ بالكسر، فتكون الرجل ممسوحة، وذلك لأنه سبحان وتعالى قال ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم﴾ (٢) هذا على توجيه من توجيهات اللغة في هذه الآية، وهو ما اختاره بعض أهل العلم. وقد بينه النبي ﷺ بفعله بإثبات المسح على الخفين.
وأما السنة: فقد تواترت في الدلالة علي جواز المسح على الخفين، حتى ذكره الإمام أحمد عن سبعة وثلاثين صحابيًا (٣٧) فقال ﵀: " سبعة وثلاثون نفسًا يروون المسح على الخفين " وذكره ابن مندة عن أكثر من ثمانين صحابيـ[ـًا]، منهم العشرة المبشرون بالجنة.
ولعل ذكر الإمام أحمد لذلك العدد إنما هو في الأحاديث الصحيحة، وما ذكره ابن مندة في الأحاديث الصحيحة وغيرها.وقد ذكر صاحب " نصب الراية " عن ثمانية وأربعين حديث (٣) (٤٨) في المسح على الخفين.
_________________
(١) سورة المائدة.
(٢) سورة المائدة.
(٣) وكذا، ولعل الصواب: صحابيًا، أو حديثًا دون " عن ". فليراجع نصب الراية.
[ ٢ / ١ ]
وقد جزم كثير من أهل العلم بأن الأحاديث في هذا الباب متواترة، وممن جزم بذلك شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر وغيرهما من أهل العلم.
وقد أنكر المسح على الخفين طوائف من المبتدعة كالرافضة والخوارج، ومن هنا أدخل أهل العلم هذا الباب في باب العقائد فيشيرون إلي هذه المسألة لخلاف المبتدعة في هذا الباب.
ومن أنكر المسح علي الخفين فهو مبتدع؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، ومن أنكر شيئًا مما ثبت بالتواتر فهو مبتدع كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فمن أنكر شيئًا مما ثبت بالتواتر كأحاديث الحوض ونحوها فهو مبتدع.
أما الإجماع: فقد أجمع العلماء علي جواز المسح علي الخفين وممن ذكره: ابن المبارك وابن المنذر.
فإذن: المسح علي الخفين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
لذا قال المؤلف: (يجوز ) .
فالمسح على الخفين جائز ولا ينكر جوازه عالم بالسنة إذ السنة قد تواترت بجوازه.
لكن إذا ثبت لنا جوازه فهل الأفضل غسل القدمين أم الأفضل المسح على الخفين؟
قولان لأهل العلم:
١- فذهب جمهور الفقهاء إلى: أن غسل القدمين أفضل من المسح وهو راوية عن الإمام أحمد.
قالوا: لأن هذا هو الأصل، فالأصل هو الغسل.
٢- وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى: أن الأفضل هو المسح.
واستدلوا:
[ ٢ / ٢ ]
بما رواه الخمسة إلا أبا داود من حديث صفوان بن عسَّال قال: (كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) (١) والحديث إسناده صحيح لكن في رواية للنسائي: (رخص لنا النبي ﷺ) .
فعلي ذلك يكون الأمر الوارد في حديث صفوان إنما هو أمر لبيان الإباحة والرخصة كما في قوله تعالى ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (٢) .
واستدلوا: بما روى أبو داود إن النبي ﷺ (مسح على خفه وقال: بهذا أمرني ربي) (٣) لكن الحديث إسناده ضعيف.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم (٩٥) باللفظ نفسه، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر (١٢٦) قال: أخبرنا قتيبة قال حدثنا سفيان عن عاصم بن زر عن صفوان بن عسال قال: رخص لنا النبي - ﷺ - إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن ". وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم (٤٧٨) .
(٢) سورة المائدة.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، آخر حديث في باب المسح على الخفين (١٥٦) قال: " حدثنا أحمد بن يونس حدثنا بن حَيٍ هو الحسن بن صالح عن بكير بن عامر البَجَلي عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم عن المغيرة بن شُعبة أن رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين فقلت: يا رسول الله أنسيت؟ قال: (بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ﷿) .
[ ٢ / ٣ ]
وأصح ما استدلوا به " ثبوتًا واستدلالًا " ما رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) (١) .
- واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن الأفضل هو الموافق لحال الماسح أو الغاسل فإذا كان لابسًا لخفيه والأفضل له أن يمسح عليها.
وإذا كان خالعًا لهما كاشفًا قدميه فالأفضل له الغسل ولا يشرع له تكلف لبس الخفين بل يفعل ما يوافق حاله.
وهذا هو الظاهر من فعل النبي ﷺ وأنه إذا كان لابسًا خفيه فإنه يمسح عليه، وإن كان خالعًا لهما فإنه يغسل قدميه، وقد ثبت في الصحيحين إن النبي ﷺ (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) (٢) .
فعلي ذلك: يفعل الموافق لحاله، فلا يتكلف حالًا بل يفعل ما يوافقه، وبذلك يكون قد فعل ما كان يفعله النبي ﷺ، فإنه لم يثبت عنه أنه كان يتكلف شيئًا من الحالين بل كان يفعل الموافق لحاله.
قوله: (يجوز للمقيم يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها)
يجوز للمقيم أن يمسح يومًا وليله أي أربعًا وعشرون ساعة، وأما للمسافر فثلاثة أيام بلياليها أي اثنتان وسبعون ساعة، ولا يحسب ذلك بالصلوات، بل يحسب باليوم والليلة وهما أربع وعشرون ساعة.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، مسند المكثرين ي، مسند عبد الله بن مسعود (٥٨٦٦) (٥٨٧٣) بلفظ: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ".
(٢) أخرجه البخاري كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله (٦٧٨٦)، وأخرجه في كتاب المناقب،باب صفة النبي - ﷺ - (٣٥٦٠) . وفي كتاب الأدب، باب قول النبي - ﷺ - يسروا ولا تعسروا (٦١٢٦) . وأخرجه مسلم (٢٣٢٧) .
[ ٢ / ٤ ]
ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: (جعل النبي ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة) (١) .
- وهذا مذهب جمهور أهل العلم: وأن مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة.
- وذهب المالكية في المشهور عندهم: أنها لا وقت لها بل تفعل مطلقًا من غير مدة محددة
واستدلوا بأحاديث:
الحديث الأول: ما رواه أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه سأل النبي ﷺ عن مسح الخفين فقال: (أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ فقال النبي ﷺ (يومًا) فقال: ويومين؟ فقال: (ويومين) فقال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت) (٢)
لكن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت عن النبي ﷺ.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين (٢٧٦) بلفظ: عن شُريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -، فسألناه فقال: " جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم ".
(٢) أخرجه أبو داود في باب التوقيت في المسح من كتاب الطهارة (١٥٨) قال: " حدثنا يحيى بن معين حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزين عن محمد بن يزيد عن أيوب بن قَطن عن أُبيّ بن عمارة - قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله - ﷺ - القبلتين - أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: (نعم) قال: يومًا؟ قال: (يومًا) قال: ويومين؟ قال: (ويومين) قال: وثلاثة؟ قال: (نعم، وما شئت) . وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ٥٥٧، سنن أبي داود مع المعالم [١ / ١٠٩] .
[ ٢ / ٥ ]
الحديث الثاني: ما رواه خزيمة بن ثابت – كما في أبي داود وغيره – أن النبي ﷺ قال: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، قال (ولو استزدناه لزادنا) (١) .
والحديث فيه انقطاع، وقد ضعفه البخاري ثم إن قول الصحابي لو صح فليس فيه دليل على أن المدة مطلقة، كيف وقد قيدها النبي ﷺ بما تقدم بل فيه أن الصحابي قد ظن وتوقع أنهم لو طلبوا منه الزيادة لزاد ولم يطلبوا منه فلا يحكم بالظن ولا يحكم بأمر لا يعلم.
فهذا الحديث لو صح فلا يدل علي أن المدة مطلقة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في نفس الباب السابق (١٥٧) قال: " حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجَدَلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي - ﷺ - قال: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة) قال أبو داود: رواه منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي بإسناده، قال فيه: " ولو استزدناه لزادنا) . وأخرجه الترمذي في الطهارة ٩٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الطهارة ٥٥٣. سنن أبي داود مع المعالم [١ / ١٠٩] .
[ ٢ / ٦ ]
الحديث الثالث: ما رواه البيهقي وصححه شيخ الإسلام ورواه الحاكم وصححه: أن عقبة بن عامر خرج من الشام إلي المدينة من الجمعة إلي الجمعة فقال له عمر: (متي أولجت الخفين في رجليك) فقال (يوم الجمعة) فقال: (فهل نزعتها) فقال: لا، فقال (أصبت السنة) (١)
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٣٣٢)، في كتاب الطهارة، باب ما ورد في ترك التوقيت قال ﵀: " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر بن سابق الخرلاني – كذا -، ثنا بشر بن بكر، ثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر بن الخطاب، فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة ". قال (١٣٣٣): وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، قال: وثنا بحر بن نصر، قال: قرئ على ابن وهب أخبرنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث اولليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوي أنه سمع علي بن رباح اللخمي يخبر أن عقبة بن عامر الاجهني – كذا، ولعل الصواب: الجهني - قال: قدمت على عمر بن الخطاب بفتح من الشام وعلي خفان لي جرمقانيان غليظان، فنظر إليهما عمر فقال: كم ذلك منذ لم تنزعهما؟ قال: قلت: لبستهما يوم الجمعة واليوم يوم الجمعة ثمان، قال: أصبت. ورواه مفضل بن فضالة عن يزيد بن أبي حبيب وقال فيه: أصبت السنة ". وقال أيضًا (١٣٣٤) أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد، ثنا عبيد بن شريك، نا يحيى بن بكير، ثنا مفضل بن فضالة، عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر عن عمر مثله، وقال: أصبت السنة ".
[ ٢ / ٧ ]
والحديث صحيح.
لا شك أن هذا الحديث يشكل على مذهب الجمهور، ولكن ليس فيه ما يدل علي تمام قولهم بل فيه دليل على ما اختاره شيخ الإسلام من أن المسافر إذا كان يشق عليه خلع الخفين ولبسهما، كأن يكون بريدًا في مصلحة المسلمين وشق عليه لئلا يؤخر الخير على المسلمين ويشق عليه أن ينزل فيخلع الخفين، فإنه يجوز له أن يمسح ما شاء – هذا هو الذي يدل عليه الحديث المتقدم، وهو حديث لأنه قال (أصبت السنة) ففيه رفع إلي النبي ﷺ.
وهذا القول هو الراجح – أي أنه لا يجوز أن يزيد علي الوقت المحدود إلا إذا كان في حال السفر وكان يشق عليه أن يخلع ويلبس فإنه يجوز له ذلك.
ويصح أن تكون هذه المسألة من باب القياس علي الجبيرة فإنها لا تؤقت وهي ما توضع علي الكسر، فإنه يمسح عليها مطلقًا من غير تحديد بوقت.
إذن الراجح: ما اختاره شيخ الإسلام من استثناء من يشق عليه أن يخلع ويلبس كأن يكون بريدًا في مصلحة المسلمين.
قوله: (من حدث بعد لبس):
صورة ذلك:
رجل لبس خفه ثم أحدث، كأن يكون توضأ الفجر ولبس خفيه ثم نام بعد الفجر في حوالي الساعة العاشرة، فإنه حينئذ: يكون قد انتقض وضوؤه بمجرد نومه، ففي أول النوم يكون قد انتقض وضوؤه، وهو نام في الساعة العاشرة فيستمر وقت المسح إلي الساعة العاشرة من الغد فيتم له أربعًا وعشرين ساعة.
إذن: الحساب يكون – من الحدث بعد اللبس – وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
وحجتهم: قالوا: إنه إذا أحدث فإنه – حينئذ – يكون قد جاز له أن يمسح علي الخفين وينقلهما بها الطهارة وسواء فعل الطهارة أم لم يفعلها، فالمقصود أنه جاز له أن يمسح.
لكن هذا فيه نظر فإننا في المثال السابق: إن قلنا إنه نام في الساعة العاشرة واستيقظ في الثانية عشر فهل يمكنه أن يتوضأ في الساعة الحادية عشرة أو الحادية عشرة ونصف وهو غير مكلف وهو نائم، فهذا القول فيه نظر ظاهر.
[ ٢ / ٨ ]
- لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار ابن المنذر، ومن الشافعية النووي وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي: وأنه يكون التوقيت من المسح، ودليل ذلك ظواهر الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية إنما صرحت بالمسح.
وهو قبل أن يمسح لم يشرع به بعد فكيف يكون محسوبًا من وقته، فعلى ذلك يكون الحساب من المسح إلى أن تتم المدة.
ففي المثال السابق إذا نام في الساعة العاشرة ثم استيقظ في الساعة الثانية عشر فتوضأ ومسح علي خفيه فإنه يبدأ التوقيت من الساعة الثانية عشر ويستمر إلي الثانية عشرة من الغد.
فعلي ذلك يكون من المسح لا من الحدث، هذا هو الراجح.
قوله: (على طاهر مباح ساتر للمفروض يثبت بنفسه) .
قوله " طاهر " قيده الشرَّاح بأن يكون طاهر العين، وقد تقدم أن جلد الميتة نجس، فلو كان الخف من جلد ميتة فإن ذلك لا يجوز أن يمسح عليه ما لم يبت فيه الدباغ.
وأظهر منه في التمثيل أن يضرب ذلك بجلد الكلب فهو نجس ولو دبغ، فإذا كان الخف من جلد كلب قالوا فلا يصح المسح عليه؛ لأن ذلك منهي عنه، والمسح رخصة فكيف يستباح بها المحرم، فإن هذا محرم، وهذه رخصة فكيف تجيز الرخصة فعل أمر محرم.
وظاهر قولهم (طاهر العين): أنه لو كان نجس الحكم وليس بنجس العين أنه لا شيء فيه فيجوز المسح عليه.
إذن: نجس العين فهذا لا يجوز المسح عليه كجلد الكلب ونحوه.
أما ما كان نجس الحكم وهو طاهر العين، كأن يكون من جلد حيوان طاهر في الحياة فهو طاهر لكن في أسفله نجاسة فهل يجوز المسح عليه؟
الجواب: يجوز ذلك وإن كانت الصلاة لا تجوز فيه في أصح الوجهين في مذهب الحنابلة، لأن إزالة النجاسة من شروط الصلاة، وأما الوضوء فإنه يصح وإن كان على بعض أعضاء الجسم نجاسة.
فإذن عندنا حالتان:
الحالة الأولي: ما كان نجس العين، فلا يمكن أن يطهر مطلقًا كجلد الكلب ونحوه – فهذا لا يصح أن يمسح عليه.
[ ٢ / ٩ ]
وعللوا ذلك: بأن الشارع قد نهى عنه فكيف يستباح من أجل رخصة.
الحالة الثانية: ما كان نجسًا حكمًا فهو في الأصل طاهر لكن وقعت عليه النجاسة، فيصح أن يمسح على الخف. لأن إزالة النجاسة شرط في الصلاة وليس شرطًا في الوضوء وقد تقدم البحث في هذا في مسألة هل يجوز الوضوء قبل الاستنجاء.
إذن: إن كان نجس العين فلا يصح، وأما إذا كان نجس الحكم فإنه يصح المسح عليه.
وهناك تعليل آخر – في مسألة ما كان نجس العين – وهي أنه عندما يمس الماء فإن الماء ينجس بذلك فتكون الطهارة بماء نجس.
فإن كان جلدًا رقيقًا عليه مادة أخرى بحيث إن الماء لا يتغير بالنجاسة ففي عدم إجزاء المسح عليه نظر، نعم هو محرم لكن في عدم الإجزاء نظر.
إذن: إذا مسح علي خف من جلد نجس العين فقد حرمه الحنابلة وقالوا: هو لا يجزئ.
ونحن نوافقهم علي التحريم.
وأما الإجزاء فإننا نقول:
إن كان الماء ينجس بالملاقاة فما قالوه قوي؛ لأن التطهر حينئذ يكون بماء نجس.
وأما إذا كان لا يتغير كأن يكون مطليًا بمادة أخرى فإن في عدم الإجزاء نظر، بل الأظهر أن ذلك يجزئ مع التحريم.
ومثل ذلك: فيما إذا كان محرمًا، فإنه قيده بقوله (مباح) أي على أن يكون الخف مباحًا أي حلالًا، فإذا كان الخف مما يحرم أن يستخدمه كأن يكون مغصوبًا فلا يجوز المسح عليه. لكن هل يجزئ المسح عليه؟
قالوا: لا يجزئ لأن هذا الخف منهي عن لبسه فلا تستباح بمثله رخصة.
والأظهر ما تقدم: وأنه يجزئ، وهو قول في المذهب مع أنه يكون آثمًا للبسه هذا الخف المحرم.
فإذا كانت هناك ضرورة فلبس خفًا محرمًا فحينئذ يزول التحريم؛ لأن المحرمات تباح عند الضرورة.
إذن: إذا لبس خفًا محرمًا فالمشهور في المذهب أنه لا يجزئ لأنه منهي عنه فلا تباح الرخصة.
وذهب بعض الحنابلة إلي أنه يجزئ عنه وهو أرجح فإن الرخصة في المسح، أما ما فعله فإنه يكون آثمًا عليه، والعلم عند الله تعالى.
[ ٢ / ١٠ ]
قوله: (ساترًا للمفروض) .
أن يكون ساترًا للمفروض فلا يظهر منه شيء من القدمين من أطراف الأصابع إلي الكعبين.
فعلي ذلك: لو ظهرت الكعبان أو أطراف الأصابع فلا يجزئ ولو كان ساترًا من أطراف الأصابع إلي الكعبين ولكن اللون يظهر منه أي لون البشرة فكذلك لا يجزئ.
وظاهر ذلك: ولو كان فيه خرق يسير جدًا فإنه لا يجزئ المسح عليه.
إذن: يشترط أن يكون ساترًا للمفروض سترًا كاملًا فلا يظهر منه (١) البشرة شيء.
فإذا كان واسعًا أو مخروقًا أو كان صافيًا أو لا يغطي الكعبين فإن ذلك كله لا يجزئ، واستدلوا بتعليل: وهو قولهم: إن الأمر إذا كان على خلاف ما تقدم فإنه يجب غسل الظاهر ومسح المغطى فحينئذ: يجمع بين الغسل والمسح وهذا أمر لا يشرع، فلا يشرع الجمع بين الغسل والمسح.
لكن هذا التعليل ضعيف، ذلك لأن المسح إنما يكون لظاهر القدم ولا يعمم العضو كله بالمسح، فليس المسح للمغطى كله بل إنما يكون لظاهر القدم.
والصواب: أن هذه المسائل المتقدمة كلها يجوز المسح.
ونقف عليها واحدة واحدة:
أما إذا كان الخف صافيًا:
- فمذهب الشافعية: جواز المسح عليه؛ لأنه يسمى في الحقيقة خفًا، وهو كذلك – على قاعدتهم - مغط للكعبين وساتر للمفروض وكونه صافيًا لا يمنع من المسح عليه.
ثم إن النبي ﷺ قد أجاز المسح علي التساخين؛ لأنها تسخن القدم، والخف الساتر الذي يكون صافيًا يثبت فيه التسخين، فمذهب الشافعية جواز المسح عليه وهو الراجح.
أما الخف المخرقة:
فلا يخلو هذا الخرق أن يكون يسيرًا أو كبير.
أما إذا كان يسيرًا: فذهب المالكية والأحناف خلافًا للشافعية والحنابلة: إلى جواز المسح عليه.
وعلل المالكية والأحناف جواز ذلك: بأن خفاف الصحابة مع فقرهم لا تخلو من أمثال هذه الخروق ولم يثبت النهي عن ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: من.
[ ٢ / ١١ ]
أما إن كانت خروقًا كثيرة: فالأحناف والمالكية فيها كمذهب الحنابلة والشافعية.
- وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن الخرق وإن كان واسعًا فيجوز أن يمسح على الخف ما دام يسمى خفًا.
فما دام هذا الجلد الملبوس للقدمين يسمى خفًا فإنه يجوز المسح عليه، لأن الشارع أجاز المسح على الخفين مطلقًا ولم يقيده بقيد ولا حدده بحد، فما دام يسمى خفًا فإنه يجوز المسح عليه – وهذا هو الراجح -.
فالراجح: أنه وإن كانت خروقًا كثيرة فيجوز المسح عليه ما دام يسمى خفًا، فما دام يسمى خفًا فما هو الدليل الذي يمنع من المسح عليه وهو ما زال خفًا يدخل في إطلاقات النصوص المتقدمة.
أما إذا كان الخف غير ساتر للكعبين:
- فالجماهير على أنه لا يجوز المسح عليه.
- وذهب الأوزاعي وهو اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنه يجوز المسح عليه، والعلة هي العلة المتقدمة قالوا: لأنه يسمى خفًا فيدخل حينئذ في إطلاقات النصوص الشرعية، فما هو الدليل على المنع منه.
فعلى ذلك: ما يلبس على الأقدام – في هذا الزمان – من الأحذية التي الغالب فيها أن تكون دون الكعبين فإنها على هذا المذهب وهو الراجح يجوز المسح عليها، فهي وإن كانت غير ساترة للكعبين، فما هو الدليل الذي يدل على المنع من ذلك!
فإن إطلاقات النصوص تدل علي دخول ذلك.
وهذا القول مع قوته فإن في النفس منه شيء؛ وذلك أن النبي ﷺ لما ذكر الخفين في الحج أمر بتقطيعهما حتى يكونا كهيئة النعلين أي دون الكعبين، فظاهر هذا أن خفافهم – المعتادة – كانت فوق الكعبين، ولكن لقائل أن يقول: إن خفافهم التي حكم عليها النبي ﷺ بذلك هي المعتادة عندهم.
[ ٢ / ١٢ ]
وأما إطلاقات النصوص فهي شاملة للمعتادة عندهم وغيرها، والنبي ﷺ عندما ذكر قطعها وأن يكون أسفل من الكعبين – ذكر ذلك؛ لأن المعتاد عندهم أن يكون ذلك دون الكعبين، وأما خفاف غيرهم فلا يمنع أن تكون دون الكعبين وهي داخلة في عمومات النصوص الشرعية – والعلم عند الله تعالى -.
قوله: (يثبت بنفسه)
أي لابد وأن يثبت الخف بنفسه من غير أن يكون مشدودًا أو مربوطًا أو غير ذلك.
فلو كان الخف لا يثبت على القدم إلا بربطه بحبل ونحو ذلك فإنه لا يجزئ المسح عليه، فلابد أن يكون ثابتًا بنفسه بصنعته، وأن تكون الصنعة بمجرد ما يلبس الخف يكون ثابتًا بنفسه.
أما إذا كان يحتاج إلى ربط أو نحو ذلك فإنه لا يجوز المسح عليه – وهذا القول ضعيف.
– لذا ذهب بعض الحنابلة وهو وجه عندهم وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه تجزئ عنه إذا كان ثابتًا بنفسه أو كان ثابتًا بغيره؛ وذلك أنه إذا كان ثابتًا بغيره فهو في معنى ما كان ثابتًا بنفسه، فلا فرق بين أن يكون ثابتًا في الصفة (١) أو يكون ثابتًا بغيره بربط أو شد ونحوه.
وعلل الحنابلة عدم جواز ذلك بأن المعتاد من الخفاف على عهد النبي ﷺ الخفاف الثابتة بنفسها.
والجواب على ذلك:
أن يقال: هي وإن كانت العادة على عهد النبي ﷺ لكن القياس يدخل ما كان ثابتًا بغيره فيها.
فما كان ثابتًا بغيره فإنه يقاس على ما كان ثابتًا بنفسه.
إذًا: المشهور عند الحنابلة أنه لابد أن يكون الخف ثابتًا بنفسه، وإن كان ثابتًا بغيره بربط أو شد أو نحوه فإنه لا يجزئ وهذا قول ضعيف.
وهناك وجه عند الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أن ذلك لا يشترط والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الرابع والعشرون
(يوم الأحد: ١٣ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (من خف وجورب صفيق ونحوهما):
شرع المؤلف في بيان ما يجوز مسحه فقال:
_________________
(١) لعلها: الصنعة
[ ٢ / ١٣ ]
(من خف): وقد تقدم تعريف الخفاف وأنها ما يصنع من الجلود، ويتمكن بسبب صنعتها من الجلود من المشي عليها.
ولا شك أن ما يصنع من بعض المواد التي هي شبيهة بالجلود كأن يصنع من البلاستيك ونحو ذلك، فحكمه حكمها أي حكم الجلود وقد تقدم اتفاق أهل العلم على جواز مسح الخفاف.
قوله: (وجورب صفيق):
الجورب: هو ما يصنع على القدمين من الصوف ونحوه من الخرق ونحوها وهو ما يسمى عندنا (بالشرابات) .
وهي لا يمكن أن تباشر الأرض بها علي سبيل الدوام وإنما يمكنه أن يمشي بها، ولكن إذا أكثر فيها من المشي فإنها تفسد وتتقطع.
فهذه الجوارب يجوز المسح عليها وهو مذهب الحنابلة خلافًا لمذهب جمهور الفقهاء، وذهب إلى جواز المسح إسحاق وأبو يوسف.
وما ذهب إليه الحنابلة هو مذهب جمهور السلف بل هو مذهب الصحابة فقد ذكر ابن المنذر عن تسعة من الصحابة، وزاد عليه أبو داود أربعة من الصحابة فثبت عن ثلاثة عشر صحابيًا، ولم يثبت لهم مخالف.
والقاعدة: أن الصحابي إذا قال قولًا ولم يعرف له مخالف فإن قوله حجة.
فهذه الآثار عن الصحابة دلت على جواز المسح علي الجوارب.
وهناك أدلة على جواز المسح علي الجوربين.
منها ما رواه أبو داود في سننه والحديث صحيح أن النبي ﷺ: (بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ أمرهم أن يمسحوا علي العصائب " العمائم" والتساخين) (١) وهي ما يسخن القدم من الخفاف، ومثلها الجوارب فإنها كذلك تسخن القدم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب المسح على العمامة (١٤٦) قال: " حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين ".
[ ٢ / ١٤ ]
واستدلوا: بما رواه الترمذي من حديث هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ: (مسح على الجوربين والنعلين) (١) .
والحديث حسنه الترمذي، ولكن هذا التحسين منه مخالف بعامة أهل الحديث، فإن عامة أهل الحديث خالفوا الترمذي في ذلك، ومن هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي وابن معين وسفيان الثوري والإمام أحمد وكذلك ضعفه النسائي وغيرهم، وتضعيفهم ليس لسنده فإن سنده صحيح وإنما التعليل لأن عامة الرواة عن المغيرة سوى هزيل بن شرحبيل قد رووه بلفظ المسح على الخفين لا المسح على الجوربين، فخالف عامتهم فرواه بلفظ المسح علي الجوربين، فكان الحديث بذلك شاذًا، فالحديث إذن: معلل عند عامه أهل العلم.
واستدلوا: بالقياس الصحيح، فإن الجوربين كالخفين ولا فارق مؤثر بينهما فالخفان وإن كان يمكن المشي بهما على الأرض فإن هذا السبب ليس مما يغير من الحكم شيئًا، فإن الجوارب تلبس معها النعال فتكون كهيئة الخفاف تمامًا.
_________________
(١) أخرجه الترمذيفيكتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين (٩٩) قال: " حدثنا هنَّاد ومحمود بن غيلان قالا حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هُزيل بن شُرحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: توضأ النبي - ﷺ - ومسح على الجوربين والنعلين " قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم تكن نعلين إذا كان ثخينين. وقال وفي الباب عن أبي موسى. قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان فسمح عليهما ثم قال: فعلت اليوم شيئًا لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين وهما غير منعَّلين ".
[ ٢ / ١٥ ]
ثم إن المشي بالخفاف ليس هو العلة الحقيقية في جواز المسح عليها، وإنما العلة الحقيقية لها هي مشقة نزعها، فلما ثبتت المشقة في نزعها والحرج، والشريعة قد أتت برفع الحرج كان هذا الحكم، فحينئذ لا فرق في ذلك بين الجوارب والخفاف.
إذن: ما ذهب إليه الحنابلة وهو مذهب جمهور السلف وهو مذهب الصحابة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وغيرهما من المحققين أن الجوارب يجوز المسح عليها هو الراجح.
وقوله: (صفيقين): الصفيق هو الكثيف أي الذي لا يظهر منه الجلد، فلون الجلد لا يظهر منه.
فعلى ذلك الشرابات التي لا تستر الجلد بل تظهره لا يجوز المسح عليها في المشهور من المذهب، وقد تقدم البحث في مسألة شبيهة لها في الكلام على الخفاف، ومثلها هذه كذلك، فقد ذهب بعض أهل العلم وهو مذهب إسحاق وأبي يوسف إلى: أنه لا حرج في المسح علي الصافية التي لا تستر الجلد بل تظهره، فلا يشترط أن يكون الجورب صفيقًا كما لا يشترط أن يكون الخف صفيقًا بل لو كان غير ساتر فلا بأس؛ لأن العلة ثابتة فيه أي في الجورب غير الصفيق – كما هي ثابتة في الصفيق، فإن مشقة النزع والحاجة إليه ثابتة له كما هي ثابتة في الصفيق، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
كذلك إذا كان فيه خروق وهو باق علي مسماه فيجوز المسح عليه خلافًا للمشهور كما تقدم.
قوله: (ونحوهما):
كأن يكون من مادة أخرى غير الصوف أو غير الجلد فإنه يجوز المسح عليها.
أما اللفائف، فسيأتي الكلام عليها، وأن المشهور في المذهب عدم جواز المسح عليها، وأن الراجح خلاف ذلك.
قوله: (وعلى عمامة رجل محنكة أو ذات ذؤابة)
العمامة: معروفة
وقوله (محنكة): أي مدارة تحت حنكه.
(ذات ذؤابة): الذؤابة هي الطرف المرخى من العمامة خلف الرأس.
إذن هنا مسألتان:
المسألة الأولي: جواز المسح على العمامة.
المسألة الثانية: أن هذا مخصوص بالمحنكة وذات الذؤابة.
[ ٢ / ١٦ ]
أما المسألة الأولي: فهذا هو المشهور في المذهب، وأن المسح على العمامة جائز.
واستدلوا: بما روى البخاري عن عمرو بن أمية قال (رأيت النبي ﷺ مسح على عمامته وخفيه) (١) .
قال الإمام أحمد: " هذا من خمسة أوجه عن النبي ﷺ "
أي ورد عن خمسة من الصحابة لكل واحد منهم طريق منفرد وأن النبي ﷺ مسح على عمامته.
قال ابن المنذر: (ومسح على العمامة أبو بكر، وبه قال عمر وأبو أمامة وأنس) وهولاء الصحابة الذين جزم ابن المنذر بمسحهم على العمامة لا يعلم لهم مخالف.
- وذهب الجمهور: إلى أن المسح على العمامة لا يجوز؛ قالوا: وإنما مسح النبي ﷺ عمامته مع ناصيته، فلم يكتف بالعمامة، بل مسح معها الناصية، كما ثبت ذلك في مسلم من حديث المغيرة بن شعبة.
واستدلوا: بقوله تعالى ﴿امسحوا برؤوسكم﴾ (٢) والمسح على العمامة ليس مسحًا علي الرأس.
والراجح هو القول الأول.
أما الجواب على أهل القول الثاني:
أما قولهم: إن النبي ﷺ مسح على ناصيته، فهذا إنما هو في حديث المغيرة.
وأما الأحاديث الأخرى فمخرجها يختلف.
نعم يستحب له أن يمسح على ما يخرج من رأسه عادة مع العمامة كما فعل النبي ﷺ في حديث المغيرة، وأما الأحاديث الأخرى كحديث عمرو بن أمية فإنما فيها مجرد المسح علي العمامة فقط، والفعل لا عموم له، ففعله في حديث المغيرة لا يقيد به غيره من الأحاديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب الوضوء، كتاب المسح على الخفين (٢٠٤) بلفظ: عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري أن أباه أخبره: أنه رأى النبي - ﷺ - يمسح على الخفين. وبلفظ (٢٠٥): رأيت النبي - ﷺ - يمسح على عمامته ".
(٢) سورة المائدة.
[ ٢ / ١٧ ]
قالوا: وقد أمر الله بغسل الرجلين، ومع ذلك مسح النبي ﷺ على الخفين، كما أننا أجزنا المسح على الخفين فكذلك نجيز المسح على العمامة.
قالوا: والقياس الصحيح يدل على ذلك، فإن الرأس يسقط مسحه في التيمم كما أن الرجلين يسقط مسحهما في التيمم، فيقاس هذا على هذا.
إذن: الصواب مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام من جواز المسح على العمامة – وسيأتي البحث في المسائل المتفرعة على القول بمسح العمامة وشروط ذلك.
ولكن من باب ربط المسائل بعضها ببعض: فإن حكم العمامة كحكم الخف تمامًا، فعلى ذلك – على المذهب – لابد أن يكون طاهر العين مباحًا ونحو ذلك مما تقدم من أحكام الخف وما سيأتي كذلك.
أما المسألة الثانية:
وهي قوله: (محنكة أو ذات ذؤابة) .
إذن لابد أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.
قالوا: لأنها هي عمائم العرب وهي المعتادة في عهد النبي ﷺ فعلى ذلك لا يمسح إلا عليها.
فعلى ذلك: العمامة الصماء - وهي ما ليست بمحنكة ولا ذات ذؤابة - لا يجوز المسح عليها عندهم.
واختار شيخ الإسلام جواز المسح عليها من باب القياس الصحيح من إلحاق النظير بنظيره، فإنه لا فرق مؤثر بين العمامة الصماء وبين ذات الذؤابة والمحنكة.
هل يجوز المسح على القلنسوة؟
القلنسوة: هي شبيهة بالطاقية التي نلبسها لكنها كبيرة تشبه العمامة ويشق نزعها.
صح المسح علي القلنسوة عن صحابيين من أصحاب النبي ﷺ.
الأول: أنس بن مالك كما في مصنف عبد الرزاق (١) .
والثاني: أبو موسى الأشعري كما عند ابن المنذر.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ج: ١ ص: ١٩٠ باب المسح على القلنسوة ٧٤٥ عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن ضرار قال: رأيت أنس بن مالك أتى الخلاء ثم خرج وعليه قلنسوة بيضاء مزرورة فمسح على القلنسوة وعلى جوربين له مِرعزًا أسودين ثم صلى، قال الثوري والقلنسوة بمنزلة العمامة ".
[ ٢ / ١٨ ]
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره بعض أصحابه.
والمشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم: عدم جواز المسح عليها.
والصحيح جواز ذلك؛ لثبوت ذلك عن هذين الصحابيين ولا يعلم لهما مخالف.
ولأن النظير يلحق بنظيره والقلنسوة كالعمامة تمامًا.
أما الطاقية فليست العلة الثابتة في العمامة ثابتة فيها فعلى ذلك لا يجوز المسح عليها، قال الموفق: " لا نعلم في ذلك خلافًا "
إذن: كل ما يوضع على الرأس من العمائم وما يشابهها فإنه يجوز المسح عليه.
قوله: (وخمر نساء مدارة تحت حلوقهن)
هذه المسألة ذات شقين:
الشق الأول: جواز المسح علي خمر النساء، وواحده خمار وهو ما تضعه المرأة على رأسها.
والشق الثاني: وفيه أنه يكون مدارًا تحت حلوقهن.
ودليل هذه المسألة ما رواه ابن المنذر وهو ثابت عن أم سلمة أنها كانت تمسح على خمارها.
أما دليل إدارته تحت الحلق: فلأنه إن لم يكن مدارًا على الحلق فإنه لا مشقة في نزعه مطلقًا فحينئذ لا يجوز أن يمسح عليه بخلاف ما إذا كان مدارًا على الحلق.
فإن المشقة تكون ثابتة في نزعه.
- وهذا خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم جواز المسح على الخمار.
والصحيح هو القول بجواز المسح كما تقدم عن أم سلمة.
ولقياس النظير على النظير، فهذا شبيه بالعمامة وقد قال النبي ﷺ: (النساء شقائق الرجال) (١) أما إن لم يكن مدارًا على الحلق بل كان مرخى مطلق فهل يجوز المسح عليه؟
الجواب: لا يجوز المسح عليه لأنه لا مشقة في نزعه فلم يكن في حكم العمامة.
فإن قيل: فهل يجوز للرجل أن يمسح على شماغه (٢) ونحو ذلك؟
فنقول: إذا أداره على حلقه جاز له المسح عليه وإن لم يدره فإنه لا يجوز أن يمسح عليه.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٤٩٩٩)، باقي مسند الأنصار، باقي المسند السابق، وبرقم (٢٥٨٦٩) نحوه في مسند أم سليم. انترنت، موقع الإسلام.
(٢) أي الغترة.
[ ٢ / ١٩ ]
فإن قيل: فهل له أن يديره مطلقًا أم ليس له ذلك إلا لحاجة؟
فالجواب: ليس له ذلك إلا لحاجة كأن يكون في برد شديد فأداره على حلقه وخشي إذا كشفه أن يحدث له شيء من المشقة من البرد ونحوه فإنه – حينئذ – لا فرق بينه وبين ما تقدم من المسائل.
وهذه من المسائل التي هي مسائل بحث.
إذن: لا بأس أن يقال كذلك بما نلبسه من شماغ ونحوه إذا فعله في برد ونحوه فإنه يجوز له أن يمسحه فإنه شبيه بالخمر وبالعمائم ونحوها لمشقة نزعه.
قوله: (في حدث أصغر)
هذا في الخفاف والجوارب والعمامة والخمر، فحل ذلك إنما يكون من حدث أصغر.
لحديث صفوان بن عسال وفيه: (إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم) (١)
فعلي ذلك: إذا أراد أن يغتسل فلا يجوز له أن يمسح على خفيه ولا عمامته ولا جوربه، ولا المرأة على خمارها، وإنما يجب أن يباشر العضو بالغسل.
إذن: الخفاف وما يلحق بها من العمائم ونحوها إنما يجوز المسح عليها إذا كان ذلك في حدث أصغر، وأما الحدث الأكبر فلا يجوز المسح عليها.
قوله: (وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة)
الجبيرة هي ما يشد به الكسر أو الجرح من خشب أو خرق أو نحوها.
ما حكم المسح عليها؟
قال هنا: (وجبيرة) أي يمسح عليها.
_________________
(١) رواه الخمسة إلا أبا داود كما تقدم صْ ٢.
[ ٢ / ٢٠ ]
ولم يصح عن النبي ﷺ حديث في المسح على الجبيرة، لكن صح ذلك عن ابن عمر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح وذكره ابن المنذر عن ابن عباس ولا يعرف لهما مخالف، وبه قال جماهير أهل العلم من جواز المسح علي الجبائر وهو موضع ضرورة وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١) وقال النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢)
_________________
(١) سورة التغابن ١٦.
(٢) متفق عليه، وقد تقدم. أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨) فقال رحمه الله تعالى: " حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) " وأخرجه مسلم في كتاب الحج (١٣٣٧) [صحيح مسلم بشرح النووي (٩ / ١٠٠)] فقال: " وحدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) فقال رجلٌ: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) ثم قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) ". وأخرجه أيضًا في كتاب الفضائل بعد حديث (٢٣٥٧) [صحيح مسلم بشرح النووي (١٥ / ١٠٩)] فقال: " حدثني حرملة بن يحيى التُّجيبي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيَّب قالا: كان أبو هريرة يحدث أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) . وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف حدثنا أبو سلمة وهو منصور بن سلمة الخزاعي أخبرنا ليث عن يزيد بن الهاد عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله سواء. حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي كلاهما عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا المغيرة - يعني الحِزامي - ح وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ح وحدثناه عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة ح وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، كلهم قال عن النبي - ﷺ - ذروني ما تركتكم، وفي حديث همام: ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم ثم ذكروا نحو حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة ".
[ ٢ / ٢١ ]
أما ما روى أبو داود وغيره من قوله ﷺ (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب علي جرحه خرقة ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده) (١) فالحديث إسناده ضعيف.
فلا يثبت عن النبي ﷺ في الجبيرة حديث وإنما ثبت ذلك عن بعض الصحابة كما تقدم.
لكن قيده بقوله: (لم يتجاوز قدر الحاجة) وذلك بأن تكون في موضع الجرح وما يكون حوله مما يحتاج إليه في وضع الجبيرة.
فإن الجبيرة: إذا كانت في كسر عظم ونحوه فإنها تكون على طرفي الصحيح من أجل أن يستقيم الكسر.
فوضعها على طرفي الصحيح إذا كان بقدر الحاجة لها فذلك جائز.
فإن وضعها زائدة فإنه لا يجوز أن يمسح على هذا القدر الزائد لأنه لا حاجة إليه.
إذن: لابد أن تكون على قدر الحاجة، فتوضع على الكسر وما قارب الكسر مما لا يتم الجبر إلا به، أما إذا زاد على ذلك فإنه لا يجوز.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم (٣٣٦) قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خُريق عن عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجَرٌ فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى – على جرحه خرقة ثم يسمح عليها ويغسل سائر جسده) .
[ ٢ / ٢٢ ]
ولا يجوز كذلك المسح عليه بل يجب عليه أن يزيله ويغسل موضعه – هذا إذا كان هذا الزائد في موضع الغسل – لكن مثلا كان الكسر في المرفق فكان منه أن جبر المرفق ورفقه إلى العضد مع أنه يكفي أن يكون إلى منتصف العضد وكانت الطهارة طهارة صغرى فهذا لا يغيره لأن الموضع ليس موضع غسل.
أما في الطهارة الكبرى فلا يجوز له أن يترك هذا الموضع من غير غسل فهو مغطى من غير حاجة إلى تغطيته.
قال: (إلى حَلِّها):
فهي ليست مؤقتة بوقت لأنها ضرورة، فليست مقيدة بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام بلياليها لأنها ضرورة.
وقوله: (ولو في أكبر):
لأنها ضرورة فليست كالخف أو نحوه يمكنه أن ينزعه ويغسل جسده فليس الأمر في الجبيرة كذلك فإنه يتضرر بنزعها ويتأخر برؤه بل ربما زاد ذلك في مرضه، فحينئذ المسألة مسألة ضرورة فيجوز له أن يمسح عليها سواء كان ذلك في حدث أصغر أو أكبر.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس والعشرون
(يوم الثلاثاء: ١٥ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
تقدم اختيار شيخ الإسلام في أن الخفين لا يشترط في جواز المسح عليهما أن يبلغا الكعبين.
ورأيت اختيارًا له ذكره تلميذه ابن مفلح: " وهو أنه يجوز له أن يمسح على النعلين والقدمين إن كانا " أي النعلان " يشق نزعهما بيد أو رجل كما جاءت به الآثار "
فالحجة في ما وردت به السنة، وذلك نحو النعال السبتية التي يشق نزعها فيحتاج في نزعها إلى اليد أو الرجل ونحو ذلك فإنها في حكم الخفين.
[ ٢ / ٢٣ ]
وهذا كما يدل عليه القياس على الخفين، تدل عليه كذلك الآثار فقد روى أبو داود – والحديث صحيح – من حديث أوس بن أوس (١) الثقفي أن النبي ﷺ: (مسح على نعليه وقدميه) (٢) وصح أيضًا المسح على النعلين في ابن خزيمة والبزار من حديث ابن عمر بإسناد صحيح.
ونحوه من حديث ابن عمر من طريق آخر في سنن البيهقي، فعلى ذلك، يجوز أن يمسح على النعلين إن ثبت فيهما ما ثبت في الخف من مشقة النزع، ويمسح معهما القدمين أي ظاهر القدمين.
قال المؤلف ﵀: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة)
قوله " ذلك ": إشارة إلى ما تقدم ذكره من الخفاف والعمائم والجبائر، أنها لا يجوز المسح عليها إلا إذا لبست بعد كمال الطهارة.
أما الخف والجورب فإن دليلهما، ما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرين) (٣) أي أدخلتهما القدمين وهما أي القدمان طاهرتان.
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب: أوس بن أبي أوس الثقفي كما في سنن أبي داود.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، بعدبابالمسح على الجوربين (١٦٠) قال: " حدثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: حدثنا هُشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه قال عباد: قال أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه وقدميه،وقال عباد: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كظامة قوم - يعني الميضأة – ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة، ثم اتفقا: " فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه ".
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان (٢٠٦)، ولفظه: " كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما. وأخرجه مسلم برقم (٢٧٤) .
[ ٢ / ٢٤ ]
والجورب مثل الخف في الحكم تمامًا فإنه لا فارق بينهما.
وأما العمائم فقالوا: قياسًا على الخفاف والجوارب.
ووجَّه شيخ الإسلام عدم شرطية ذلك في العمائم، وأنه لا يشترط أن يكون لبسها على طهارة
ومثل ذلك: ما تقدم من خمر النساء والقلانس ونحوه مما يلبس على الرأس.
فقد وجه شيخ الإسلام القول بعدم شرطية لبس العمائم على طهارة.
وما قاله قوي، وعلة ذلك: الفرق الواضح بين العمائم وبين الخفين، فإن العمائم يكثر خلعها ونزعها فلم يكن القياس له وجه.
فإذن: العمائم يكثر نزعها بخلاف الخفاف، لذا تقدم أنه يمسح على الخفاف في السفر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يومًا وليله، بخلاف العمائم فإنها يكثر خلعها لذا وجه شيخ الإسلام عدم شرطية ذلك فيها.
ويدخل في قولهم: الجبائر، فعلى ذلك يشترط في الجبيرة أن يلبسها على طهارة كاملة.
فمثلًا: رجل أصيب بكسر أو جرح فعلى هذا القول: ينتظر به حتى يتطهر.
لكن هذا القول ضعيف وذلك لأن الجبيرة إنما تلبس للضرورة، وإذا ثبت هذا فإن تكليف المكلف الطهارة قبلها فيه حرج ومشقة.
لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة وهو الوجه الثاني عندهم: إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الراجح.
فالراجح أنه لا يشترط أن يشدها على بدنه على طهارة لأن الجبيرة موضع ضرورة ويلحق المكلف الحرج في اشتراط ذلك.
فإذن: لا يجوز المسح على الخف والجورب إلا إذا لبس على طهارة.
أما العمائم فالأقوى أنه لا يشترط لبسها على طهارة ومثل ذلك الجبائر.
وفي قوله: (بعد كمال الطهارة) مسألة وهي:
أنه لابد أن يكون هذا اللبس للخفين بعد أن تمت طهارته، فلو لبسهما وقد بعَّض (١) الطهارة ولم يتمها فإن هذا لا يجزؤه.
ومن صور هذه المسألة:
لو أن رجلًا توضأ فلما غسل رجله اليمنى لبس الخف الأيمن ثم لما غسل رجله اليسرى لبس الخف الأيسر.
فإن هذا لا يجزؤه وهذا هو مذهب الشافعية.
_________________
(١) بتشديد العين.
[ ٢ / ٢٥ ]
واستدلوا: بما رواه ابن خزيمة وحسنه البخاري من حديث أبي بكرة الثقفي: أن النبي ﷺ رخَّص للمسافر بثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) .
والشاهد قوله: (إذا تطهر فلبس خفيه) فجعل لبس الخفين بعد التطهر، وهو قبل أن يغسل قدمه اليسرى لم تتم له الطهارة بعد.
ومثله الحديث المتفق عليه (دعهما فإني أدخلتهما طاهرين) (١) أي أنه أدخل الخفين القدمين وهما – أي القدمان – طاهرتان.
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية –: إلى أنه لا يشترط ذلك.
قالوا: لأنه يصدق عليه أنه لبس الخفين على طهارة.
وفيما يظهر القول الأول فيه قوة، فإن الطهارة لا تتم إلا بعد أن يغسل قدميه، والمسألة محل بحث ونظر.
إذن فهنا قولان:
الجمهور قالوا: إنه يشترط أن يتم الطهارة كلها.
والقول الثاني: إنه لا يشترط ذلك، بل لو لبس الخف الأيمن ثم غسل الرجل اليسرى ثم لبس الخف الأيسر فإنه يجوز له بعد ذلك أن يمسح عليها.
وعلة هذا القول: أنه يصدق عليه أنه لبس الخفين طاهرًا، لكن ظاهر الحديث المتقدم أن اللبس يكون بعد التطهر.
فإن قيل: إذا فعل ذلك بمعنى: غسل رجله اليمنى ثم لبس الخف الأيمن ثم غسل رجله اليسرى ثم لبس الخف فما المخرج؟
الجواب: يخلع الخف الأول ثم يلبسه، لأنه لا يشترط الترتيب في لبس الخفين فلو أن رجلًا مثلًا: غسل رجليه ثم لبس الخف الأيسر قبل الأيمن فلا بأس ولا حرج.
فإن قيل: فما الفائدة من هذا الخلع فإنه لا فرق بين الأمرين؟
فالجواب: أنه ثمت فرق بينهما، فإن الفرق أنه لبسه في المرة الأولى وهو لم يثبت طاهرًا بعد، فإنه لا يثبت طاهرًا من الحدث الأصغر أو الأكبر إلا إذا تمت له الطهارة أما لبسه الثاني فإنه قد فعله بعد تمام طهارته.
_________________
(١) تقدم قريبًا.
[ ٢ / ٢٦ ]
قوله: (ومن مسح في سفر ثم أقام أو عكس أو شك في ابتدائه فمسح مقيم)
هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: (من مسح في سفر ثم أقام)
إذا مسح وهو مسافر بأن لبس خفه في سفر ومسح عليها لكنه قبل أن يتم المدة انتقل إلى الإقامة، فحينئذ يتم مسح مقيم، فينظر ما بقي له من مدة المقيم وهذا بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن المنذر ﵀.
المسألة الثانية: عكس ذلك وهي أن يمسح في حال الإقامة ثم يسافر.
قالوا: يتم مسح مقيم، إذن: يتم ما كان قد بدأه فإذا مضى يوم وليلة فإنه يجب عليه أن يغسل قدمه هذا هو مذهب الحنابلة.
وتعليلهم: أنه قد اجتمع عندنا مانع ومبيح فرجحنا المانع على المبيح.
فالمبيح أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن هو السفر، والمانع هو كونه ابتدأه بالحضر، فيرجح الجانب المانع على المبيح تغليبًا له، وهذا من باب الاحتياط
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكر الخلال أن الإمام أحمد رجع إلى هذا القول: وأنه يمسح مسح مسافر.
وهذا هو الراجح، لأنه أصبح مسافرًا فحينئذ جاز له أن يرخص برخص المسافرين ومن ذلك تمام المدة.
ثم أن العلة وهي رفع المشقة والحرج في المسافر ثابتة لمن ابتدأه في حال الإقامة كثبوتها فيمن ابتدأه في حال السفر، وهذا هو الراجح لأنه أصبح مسافرًا ولا نظر إلى ابتدائه.
نعم يبني عليه ابتداء الوقت لكنه لا يمنع من أن يكون قد أتم المدة العليا وهي ثلاثة أيام بلياليها.
فالراجح أن المسافر إذا كان قد مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر لأن الوصف الذي علق الشارع به هذا الحكم ثابت به وهو السفر
وكذلك العلة ثابتة فيه وهي رفع الحرج
المسألة الثالثة: (أوشك في ابتدائه فمسح مقيم)
مثال: رجل مسافر قال: لا أدري هل ابتدأت المسح وأنا مسافر أو مقيم؟
قالوا: يمسح مسح مقيم تغليبًا لجانب الحظر.
[ ٢ / ٢٧ ]
والراجح أنه يتم مسح مسافر لأن هذه المسألة أولى من المسألة السابقة، فإن المسألة السابقة التي تقدم ترجيحها قد تيقن أنه ابتدأه مقيمًا ومع ذلك جاز له مسح مسافر، فهذه المسألة أولى لأنه يجهل هل ابتدأه مسافرًا أم مقيمًا،
فإذا رجحنا في المسألة السابقة أنه يمسح مسح مسافر فأولى من ذلك إذا شككنا فيه.
فالراجح: بناءً على القول الراجح، أنه إذا شك في المسح وهو مسافر هل ابتدأه وهو مسافر أم مقيم فإنه يتم مسح مسافر.
مسألة: إذا شك في المدة يعني مدة المسح هل ما زالت باقية أم إنها انتهت فما الحكم؟
مثال: رجل مسافر وقال: لا أدري هل بقي من مدة المسح شيء أم لا؟
فإنه يبني على الأصل، والأصل هو الغسل، فالأصل أن القدمين يغسلان، والمسح إنما هو رخصة.
فعلى ذلك: تبني على الأصل وهو غسل القدمين – وهذا قد اتفق أهل العلم عليه – كما أنه هو الاحتياط في هذا الباب العظيم الذي هو مرتبط بهذا الباب العظيم وهو الصلاة.
قوله: (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر)
هذا استثناء لما تقدم في المسألة السابقة.
تقدم أن المذهب أنه لو مسح مقيمًا ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم. لكن إذا لبس رجل خفيه وأحدث ثم سافر ومسح عليهما وهو مسافر:
قالوا: يتم مسح مسافر وهذا مما اتفق عليه أهل العلم حتى حكي إجماعًا
وذلك لأنه مسافر، فالوصف الذي علق فيه الشارع الحكم ثابت فيه، والعلة وهي رفع الحرج ثابتة فيه.
وهذا مشكل على المذهب، فإنه قد تقدم أن مدة المسح تبدأ – عندهم – من الحدث وهو مذهب الجمهور، وهو هنا قد أحدث في حال الإقامة، وقد مضى من ذلك مدة ثم سافر، فهذا مشكل على المذهب وعلى غيره ممن قال بهذا القول.
- لذا ذهب الإمام أحمد في رواية: إلى أنه يتم مسح مقيم، وهذه الرواية أصح بناء على القول المتقدم.
[ ٢ / ٢٨ ]
وهذا مما يدل على ضعف القول المتقدم الذي فيه أن الوقت يبدأ من الحدث، وقد قال الموفق في هذه المسألة – أي مسألة من لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح وهو مسافر قال: (لا نعلم في ذلك خلافًا) حتى حكي ذلك إجماعًا، وإن كان فيه رواية عن الإمام أحمد بخلاف ذلك لكن المشهور عنه هو أنه يتم مسح مسافر وهذا من الاضطراب والاختلاف، فإن مما يدل على ضعف القول أن يضطرب فيه أو أن يختلف فيه.
فإذا رأيت القول يختلف فيه في الفروع أو المسائل فإن ذلك يدل على ضعفه.
فإذن على المذهب: رجل لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح فإنه يمسح مسح مسافر.
ولو أنه لبس خفيه ثم أحدث ثم مسح مقيمًا ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم، فخالفوا بين أمرين لا فارق مؤثر بينهما، بل الواجب عليهم أن يتقيدوا بقولهم المتقدم فتكون المدة مبتدأة من الحدث.
فالراجح: أنه من سافر وقد بقيت مدة من مسحه وهو مقيم فإنه يمسح مسح مسافر لأن الوصف وهو السفر ثابت به، والعلة هي رفع الحرج ثابت فيه.
قوله: (ولا يمسح قلانس ولا لفافة ولا ما يسقط من القدم أو يرى فيه بعضه)
قوله: (ولا يمسح قلانس) هذا هو المذهب
وقد تقدم أن الراجح وهو رواية لأحمد جواز المسح عليها.
قوله: (ولا لفافة)
اللفافة هي: ما يلف على الرجل حتى يكون كهيئة الخف أو الجورب.
والعلة أنها لم تثبت بنفسها بل تثبت بالربط والشد.
لكن هذا القول تقدم ضعفه وأنه لا يشترط في الخف والجورب أن يثبت بنفسه، بل لو ثبت بربط أو شد فإنه يثبت له الحكم كما يثبت له لو ثبت بنفسه.
بل – في الحقيقة – أن مسح اللفافة أولى من مسح الجورب أو الخف وذلك لأن مشقة النزع في اللفافة أشد منها في الخف والجورب، فإن خلع الخف والجورب أهون من خلع اللفافة، فهي أولى بهذا الحكم.
لذا اختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب: إن اللفافة يصح المسح عليها وهو اختيار كثير من المحققين كالشيخ السعدي – خلافًا للمشهور في المذهب –
[ ٢ / ٢٩ ]
قوله: (ولا ما يسقط من القدم)
فالذي يسقط من القدم كذلك لا يجوز المسح عليه.
قالوا: لأنه لا يثبت بنفسه.
وقد تقدم تضعيف هذا التعليل وأنه إذا كان يسقط من القدم ثم شد بشيء أو ربط فيه بشيء فإنه يجوز المسح عليه.
ومثل ذلك: قوله: (أو يرى منه بعضه): إذا كان فيه خرق بحيث أنه يرى من خلاله شيء من القدم، فإن المذهب أنه لا يجوز المسح عليه سواء كان الخرق يسيرًا أو كثيرًا.
وسواء كان ذلك لخرق أو كان لشفافيته وصفائه، فلو ظهر من القدم شيئًا لصفاء الخف فلا يجوز المسح عليه.
وتقدم ترجيح جواز المسح على الخف الصافي وكذلك المخروق.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس السادس والعشرون
(يوم الأربعاء: ١٦ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
تقدم شرح قول المؤلف: (إذا لبس ذلك بعد طهارة كاملة)
واعلم أن مما يستثنى من الطهارة التيمم، فإن من تيمم ولبس خفيه فليس له أن يمسح عليهما لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح – وسيأتي تخريجه في موضعه – (فليتق الله وليمسه بشرته) أي عليه إذا وجد الماء أن يتقي الله وأن يمس الماء بشرته.
وهذا يدل على أن طهارة التيمم لا يجوز أن يبنى عليها مسح الخفين – وهذا هو المشهور في المذهب –
واعلم أن لفظة (بعد كمال الطهارة) يدخل فيها من فيه حدث متجدد كسلس البول والاستحاضة ذلك لأن هذه الطهارة كمال في حقه.
فلو أن من به حدث متجدد وهو يجب عليه الوضوء لكل صلاة فلو توضأ فلبس خفيه فيجوز له أن يمسح عليهما لأن هذه هي الطهارة الكاملة في حقه.
واعلم أنه لا يشترط – كما هو والمشهور في المذهب – لا يشترط أن يبني المسح على الخفين علي طهارة خالية من المسح خلافًا لبعض الحنابلة.
فمثلًا: رجل توضأ فمسح على عمامته، فهذا الوضوء مستحل فيه مسح، ثم لبس خفيه، فهل يجوز أن يمسح عليهما؟
[ ٢ / ٣٠ ]
الجواب: نعم لأن هذا المسح منه في طهارة كاملة فهو قد بني هذا على طهارة ذات مسح، فإنه قد استبدل مسح رأسه بمسح عمامته ولكن هذا الوضوء مع ذلك وضوء كامل لأن هذا البدل قام مقام المبدل منه.
قال المؤلف ﵀: (فإن لبس خفًا على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني)
رجل لبس خفًا على خف في كل رجل، أو جمع بين جوربين في كل رجل، فحينئذ ما حكم المسح على الفوقاني؟
هنا ثلاث صور:
الصورة الأولى: وهي ما ذكره المؤلف: رجل توضأ فلبس خفيه ثم مباشرة وقبل أن يحدث لبس خفين آخرين.
إذن: ما زال عليه وضوؤه الأصلي فما زال وضوؤه ذا غسل للرجلين.
فالحكم: إنه يمسح على الفوقاني.
ولا شك أن له أن يمسح على التحتاني أيضًا؛ لأن التحتاني لم تثبت بدليته بعد عن القدم فإنه لم يمسح عليه بعد وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
وحينئذ: يكون الخفاف كالخف الواحد – أي في الحكم –
إذن: إذا لبس خفين ثم لبس فوقهما خفين فإنه يمسح على الفوقاني لأن هذا خف ساتر وقد لبسه على خف لم يمسح بعد ولم يثبت الحدث بعد.
الصورة الثانية: وهي مقابلة لهذه الصورة وهي: أن يلبس الخف الثاني بعد الحدث.
مثال: رجل لبس الخفين ثم أحدث ثم لبس خفين آخرين فهذا اللبس ليس مما يبنى عليه المسح؛ ذلك لأنه لبسه على غير طهارة بل على حدث.
ومعلوم أن اللبس على الحدث لا يجيز المسح على الخفين؛ لأنه ولابد أن يكون لبسه على طهارة، وهنا قد لبس الخفين على حدث ويخرج على قول شيخ الإسلام العمامة المسح عليه لكثرة نزعه.
الصورة الثالثة: أن يلبس الخفين ثم يحدث ثم يمسح عليهما ثم يلبس خفين آخرين.
فهل يجوز له أن يمسح على الخفين الآخرين أم لا يجوز بل يمسح على الخفين الأولين؟
قولان لأهل العلم:
فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز أن يمسح على الفوقانين بل الحكم للتحتانين.
[ ٢ / ٣١ ]
وعللوا ذلك: بأن الخفين الأوليين بدلان عن القدم فهما يمسحان مكان غسل القدم، والبدل لا يجوز أن يوضع عنه بدل، فهو بدل فكيف يكون له بدل آخر.
هذا هو المشهور في المذهب وهو أنه لا يجوز المسح على الفوقاني، لأن الخفين الأوليين بدل عن غسل القدم والبدل لا بدل له.
٢- والقول الثاني، وهو مذهب ذهب إليه بعض الشافعية قالوا: بل يجوز أن يمسح عليهما – أي الفوقانيين؛ لأنه قد أدخل هذين الخفين على طهارة، وهذان الخفان يكون لهما حكم واحد فهما كالخف الواحد فكلاهما غطاء للقدم، فيكون حكمهما كالخف الواحد الذي له ظهارة (١) وبطانة، فهذا ظهارته وهذا بطانته.
فقالوا: يجوز المسح عليهما لأن الخفين في حكم واحد.
وهذا القول أظهر من القول الأول.
نعود إلى الصورة الأولى وهي: ما إذا لبس خفيه بعد الخفين الأولين مباشرة وليس بعد حدث، فقد تقدم أنه يجوز المسح على الخف الفوقاني – فإذا مسح عليه فالمشهور في المذهب أنه يثبت الحكم له دون التحتاني ويكون التحتاني كأنه جزء من القدم.
صورة ذلك:
رجل لبس خفين وقبل أن يحدث فما زالت طهارته طهارة غسل القدمين، لبس خفين آخرين فمسح عليهما، فهذا المسح جائز له عند جمهور أهل العلم، فإذا ثبت هذا المسح فإنه – حينئذ – يكون للفوقاني.
فلو خلع الفوقاني فإنه يثبت ذلك الحكم للتحتاني فيكون كأنه قد خُلع – أي التحتاني – وحينئذ يجب عليه أن يغسل قدميه.
إذن: لو لبس الفوقاني فمسح عليه ثم أراد أن يخلع الفوقاني فيجب عليه أن يخلع التحتاني.
قالوا: لأن المسح ثابت له – أي الفوقاني – فإذا انكشف فقد انكشف محل المسح وبقي الغسل، وهو إنما ثبت للقدمين.
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٢ / ٣٢ ]
والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره جماعة من أصحابه كالمجد وهو مذهب الجمهور: أنه لا يثبت الخلع للتحتاني بخلع الفوقاني قالوا: لأنه إذا خلع الفوقاني فإن القدم ما زالت مغطاة بخف قد لبس على طهارة وهي كخف واحد، وقد تقدم هذا التعليل – فكأن أحدهما ظهارته والآخر بطانته.
وهذا القول أظهر، وأنه إذا لبس الخفين الآخرين ومسح عليهما ثم نزعهما فإنه لا يجب عليه أن ينزع التحتاني ويغسل القدمين بل له أن يمسح على التحتاني ويبقى على المدة الأصلية للخفين أو الأربع خفاف.
واعلم أن الخفين - ونريد بالخفين الخف الأعلى والخف الأسفل - لهما أربع أحوال:
الحالة الأولى:
أن يكونا صحيحين، فهنا لا إشكال في المسألة المتقدمة؛ لأن كليهما يصح أن يمسح عليه منفردًا.
الحالة الثانية:
أن يكونا كلاهما منخرقًا، فكلاهما فيه خرق:
فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز له أن يمسح عليهما جميعًا؛ لأن القدم لم يثبت عليها خف صحيح.
والقول الثاني في المذهب: أنه يجوز أن يمسح عليهما لأنهما بمجموعهما يستران القدم.
وهذا أصح لأن القدم قد ثبت ساتر لها فجاز أن يمسح عليه.
الحالة الثالثة:
أن يكون الأسفل منخرقًا والأعلى صحيحًا، فلا يجوز له أن ينفرد بمسح الأسفل دون الأعلى لأن الأسفل المباشر للرجل منخرق غير ساتر لها – وهذا على القول المرجوح –، خلافًا للراجح الذي تقدم.
وأما الأعلى فإنه يمسح عليه؛ لأنه إذا مسح عليه فيقع المسح على ساتر للقدم.
الحالة الرابعة:
أن يكون الأسفل صحيحًا والأعلى منخرقًا
فهل يجوز أن يمسح الأعلى أم لابد أن يمسح الأسفل؟
قولان في المذهب.
القول الأول: إنه لا يجوز له أن يمسح على الأعلى لأنه بمسحه على الأعلى يباشر المسح بما لا يجوز المسح عليه،
وأما الأسفل فإنه خف صحيح فإذا مسح عليه فإنه يمسح على ساتر صحيح فوجب عليه أن يمسح على الأسفل دون الأعلى.
[ ٢ / ٣٣ ]
وهذا من حيث القواعد المذهبية أصح، وأما من حيث القول الراجح الذي تقدم - وأن المسح على الخفين – يجعلهما كالخف الواحد، فإنه يترجح القول الذي يقول بجواز المسح على الخف الأعلى وإن كان منخرقًا.
وكذلك من باب أولى على القول بأن الخف يجوز المسح عليه وإن كان منخرقًا فإنه لا أشكال في ترجيح هذا القول.
إذا كان أحدهما منخرقًا والآخر صحيحًا فيجوز على القول الراجح أن يمسح على الأعلى – في الصورتين كليهما –.
وأما إذا تقيدنا بقاعدة المذهب من عدم جواز المسح على المنخرق إذا كان هو الأسفل فلا يجوز المسح عليه وإن كان هو الأعلى فكذلك لا يجوز المسح عليه بل يجب أن يباشر المسح بساتر صحيح.
قوله: (ويمسح أكثر العمامة)
قياسًا على الخف، فلا يجب عليه أن يمسح العمامة كلها، بل يجوز له قياسًا على الخف – أن يمسح أكثرها فكلاهما بدل عن عضو، فهذا بدل عن القدمين، والخف يمسح ظاهره – كما سيأتي – فكذلك العمامة يكتفي بمسح أكثرها ولا يجب أن يستوفيها بالمسح.
وذكر الحنابلة أنه يختص المسح بدوائرها أي بكوْر العمامة دون وسطها، ولم أر دليلًا يدل على ذلك.
بل الأظهر أنه يمسح على الإطلاق عمامته، وأن يكتفي بمسح أكثرها من غير أن يحدد ذلك بكورها دون وسطها.
قوله: (وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه)
(وظاهر قدم الخف): أي فلا يمسح أسفله وإنما يمسح أعلاه أي أعلى الخف.
[ ٢ / ٣٤ ]
ودليل ذلك: ما روى أبو داود والترمذي من حديث علي قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولقد رأيت النبي ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) (١)
ويدل عليه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما) (٢)
ولم يصح عن النبي ﷺ أنه مسح على أسفل الخف.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح (١٦٢) قال: " حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص - يعني ابن غياث - عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير، عن علي ﵁ قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه ". ولم أجده في الترمذي، بل قال في حاشية أبي داود: " تفرد به أبو داود ".
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين ظاهرهما (٩٨)، وأخرج أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح عن المغيرة (١٦١): أن رسول الله - ﷺ - كان يسمح على الخفين " وقال غير محمد: على ظهر الخفين ".
[ ٢ / ٣٥ ]
وأما ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من أن النبي ﷺ: (مسح أعلى الخف وأسفله) (١) فالحديث إسناده منقطع، وقد ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وغيرهم من أئمة الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي ﷺ.
إذن: المشروع له أن يمسح ظاهر خفيه.
فإن مسح أسفله دون ظاهره فلا يجزئه ذلك؛ لأن كل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد، وأمره إنما هو مسح ظاهر الخف دون أسفله.
فإذن: يجب أن يمسح ظاهر الخف دون أسفله ولا يشرع له أن يمسح أسفله، فإذا اكتفى بأسفله فإن المسح باطل؛ لأن ذلك خلاف أمر النبي ﷺ.
وقوله: (من أصابعه إلى ساقه):
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله (٩٧) . وأخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح (١٦٥) قال: " حدثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي، المعنى، قالا: حدثنا الوليد، قال محمود: أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حَيْوَة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة قال: وضَّأت النبي - ﷺ - في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفلهما ". وأخرجه ابن ماجه في الطهارة برقم ٥٥٠، سنن أبي داود مع المعالم [١ / ١١٦] .
[ ٢ / ٣٦ ]
لما روى البيهقي من حديث الحسن عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ: (مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر ثم ذهب منهما إلى أعلاه مسحة واحدة) (١)
لكن الحديث إسناده منقطع، فإن الحسن لم يسمع من المغيرة.
قال الإمام أحمد: (كيفما فعل أجزأه باليد الواحدة أو باليدين) سواء بدأ من الأسفل إلى الأعلى، أو من الأعلى إلي الأسفل، وسواء مسح ذلك على الصورة المتقدمة في الحديث: اليمنى على الأيمن واليسرى على الأيسر
أو اليمنى على الأيسر، واليسرى على اليمنى، أو مسح باليمنى كليهما أو باليسرى كليهما، فكل ذلك جائز لا حرج فيه، والحديث الذي تقدم ذكره إسناده ضعيف
قوله: (وعلى جميع الجبيرة)
هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأنه يجب المسح على الجبيرة كلها، فلا يكتفي بمسح بعضها، ولو كان ذلك الممسوح أكثرها، بل يجب أن يعمها بالمسح؛ وذلك لأنها بدل عن العضو الواجب غسله وهي يجب مسحها من باب قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢) .
فإن قيل: ألا تقاس على الخفين؟
فالجواب: لا تقاس على الخفين للفوارق بينهما وقد تقدم ذكر بعضها.
منها إنها لا ترتبط بالمدة.
ومنها إنها لا يشترط فيها الطهارة.
ومنها أنها لا تختص بعضو من الأعضاء وإنما عامة في أي عضو – وغير ذلك من الفوارق الثابتة بينهما.
وكذلك، أنها يمسح عليها من الحدث الأكبر بخلاف الخف.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم [١٣٨٥] قال: " وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو الوليد الفقيه ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثناأبوأسامة عن أشعث عن الحسن عن المغيرة بن شعبة قال: " رأيت رسول الله - ﷺ - بال ثم جاء حتى توضأ ثم مسح على خفيه ووضع يده اليمنىعلىخفه الأيمن ويده اليسرى على خفه الأيسرثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله على الخفين"
[ ٢ / ٣٧ ]
والفرق الخامس كونها تمسح جميعها.
فإذا ثبت الفارق فإنه لا يجوز القياس بل نبقى على الأصل، وهو أن البدل له حكم المبدل، والمبدل: يجب أن يعمم بالغسل ولكن الغسل غير ممكن فحينئذ ينتقل إلى المسح، ولا شك أن غسل الجبيرة يؤثر فيها إفسادًا فناب المسح عنه.
قوله: (ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة)
إذا طهر بعض محل الفرض فإنه يبطل وضوؤه.
صورة ذلك:
رجل عليه خفان وكان منه مسح عليهما فخلعهما فإن الوضوء يبطل – وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء –؛
قالوا: لأنه بخلع خفه قد أزال محل المسح ولأن النبي ﷺ – وهذا في تمام المدة – قد وضع مدة محددة فمتى انتهت هذه المدة يبطل المسح.
إذن: إذا خلع أحد الخفين أو انكشف بعض القدم فإنه يبطل وضوؤه؛ ذلك لأن محل المسح قد زال فما دام قد زال فإنه يبطل الوضوء في القدم، وإذا بطل الوضوء في القدم فإنه يبطل الوضوء في سائر الأعضاء.
وكذلك تمام المدة، فإذا تمت المدة التي حدد النبي ﷺ فيبطل هذا المسح وببطلان المسح تبطل طهارة القدم، وببطلان طهارة القدم تبطل الطهارة كلها.
- وذهب الحسن وقتادة في المسألتين كلتيهما وهو – اختيار شيخ الإسلام ومذهب ابن حزم – ذهبوا: إلى أن الخلع وتمام المدة لا يبطلان الوضوء فإذا خلع خفيه فإن وضوءه باق وكذلك إذا تمت المدة فإن وضوءه باق.
أما الخلع: فقالوا هو نظير حلق الرأس، فمن حلق رأسه فإن وضوءه يبقى.
ثم إن خلع الخفين ليس من نواقض الوضوء فليس بحدث ينقض الوضوء، والأصل بقاء الطهارة وثبوتها ولا يمكن أن ينقض إلا بدليل، فما هو الدليل على النقض.
وزوال الممسوح لا يدل على انتقاض الطهارة بدليل أن حلق الرأس لا ينقض الطهارة بالاتفاق.
[ ٢ / ٣٨ ]
وأما تمام المدة فقالوا إنما وضع النبي ﷺ المدة لبيان الوقت الذي يجوز فيه المسح وقد تقدمت الأدلة التي ظاهرها هذا القول وأن هذه المدة إنما للمسح وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بوضوء ثبت في وقت المسح.
فلو أنه مسح قبل ساعة من انتهاء مدة المسح فإذا تمت المدة فلا يجوز له أن يمسح، هذا هو ظاهر الأدلة، وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بهذا الوضوء الذي قد انبنى على هذا المسح، والأصل بقاء الطهارة ولا دليل يدل على نقضها.
إذن: الراجح: ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار شيخ الإسلام من أن خلع الخفين وانتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب مسح الخفين
باب: نواقض الوضوء
الدرس السابع والعشرون
(يوم السبت: ١٩ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
نواقض: جمع ناقض وهو فاعل النقض.
والنقض: هو النكث وإفساد الشيء بعد إحكامه.
يقال: " نقض الشيء " أي أفسده بعد إحكامه
فيكون المعنى: مفسدات الوضوء أو مبطلاته.
فعندما يقع النقض، فإن ذلك الوضوء الذي ثبت تصحيحه شرعًا يبطل.
والوضوء: تقدم تعريفه لغة واصطلاحًا، وهو هنا بالضم (الوُضوء)؛ لأن المراد فعل الوضوء لا ماؤه.
قال المؤلف ﵀: (ينقض ما خرج من سبيل)
السبيل في اللغة: الطريق، وهو هنا: مخرج البول والغائط.
(ما خرج من السبيل): من بول أو غائط أو مذي أو ودي فكله يخرج من السبيل.
المذي: هو سائل لزج (١) يخرج بسبب تحرك الشهوة – وسيأتي الحكم عليه من حيث النجاسة وعدمها -.
أما الودي: فهو سائل أبيض ثخين يخرج بعد البول.
والبول والغائط والمذي والودي والريح كلها مما يخرج من السبيل – وقد أجمع العلماء على نقضها للوضوء -.
أما الودي فدليله الإجماع.
_________________
(١) في الأصل – المذكرة -: زلج.
[ ٢ / ٣٩ ]
وأما المذي فدليله: ما تقدم مما ثبت في الصحيحين من قول النبي ﷺ: (يغسل ذكره ويتوضأ) (١) .
وأما الريح فقد قال النبي ﷺ: (لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) (٢) متفق عليه.
وأما البول أو الغائط فدليله ما تقدم من حديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول) (٣)
فهذه أشياء معتادة يثبت النقض بها إجماعًا.
* فإن خرج منه شيء غير معتاد كالحيض والدم ونحو ذلك مم قد يخرج من السبيلين مما ليس بمعتاد، فهل ينقض الوضوء أم لا؟
قال الحنابلة - وهو مذهب جمهور أهل العلم –: ينقض الوضوء بخروجه، فلو خرج من السبيلين حيض أو نحوه مما ليس بمعتاد فإنه ينقض الوضوء به عند جمهور الفقهاء.
_________________
(١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في باب المذي من كتاب الحيض (٣٠٣) . وأخرجه البخاري بلفظ (توضأ واغسل ذكرك) في باب غسل المذي والوضوء منه (٢٦٩)، وبلفظ (١٣٢): " فيه الوضوء ".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١٣٧)، (١٧٧) عن عباد بن تميم عن عمه: أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: (لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦١) .
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم (٩٥) باللفظ نفسه، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر (١٢٦) قال: أخبرنا قتيبة قال حدثنا سفيان عن عاصم بن زر عن صفوان بن عسال قال: رخص لنا النبي - ﷺ - إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن ". وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم (٤٧٨) . وقد تقدم صْ ٢.
[ ٢ / ٤٠ ]
وخالف الإمام مالك فقال: بأن الوضوء لا ينتقض، لأن الشارع ذكر نواقضه كما في قوله (ولكن من غائط وبول ونوم) وغير ذلك من الأحاديث.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذلك لدليل من السنة وهو ما رواه أبو داود في سننه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ – وكانت مستحاضة، فقال النبي ﷺ لها: (إذا كان دم الحيضة وهو دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئ فإنما هو عرق) (١) أي دم عرق قد خرج من السبيلين فوجب فيه الوضوء، وقد قال النبي ﷺ – من حديثها – كما في البخاري: (توضئي لكل صلاة) (٢)
قالوا: والدم هنا ليس بمعتاد وقد أوجب الشارع فيه الوضوء.
ثم أيضًا: الإجماع (٣) على الودي، والودي ليس بمعتاد ومع ذلك يجب الوضوء عند خروجه – وهما غير معتادين – فغيرهما – مما قد يخرج وليس بمعتاد – مثل ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (٢٨٦) قال: " حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي عن محمد يعني ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - ﷺ -: (إذا كان دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك أمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق) . وأخرجه النسائي برقم ٢٠١، سنن أبي داود مع المعالم [١ / ١٩٧] .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم، (٢٢٨) بلفظ: عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أظهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (لا، إنما ذلك عرق..) قال: وقال أبي: (ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) .
(٣) كذا في الأصل، ولعل الأقرب: القياس.
[ ٢ / ٤١ ]
ثم إن هذا الغير معتاد يحمل – إلا في أحوال نادرة جدًا، يحمل – شيئًا من البلل أي من بلَّة السبيلين وخروج هذه البلة ينقض الوضوء.
لذا لا يشترط أن يكون الخارج منه خرج هكذا بطبيعته بل لو أدخل شيئًا من الدهن ونحوه كأن يتطيب به فيخرج فإن ذلك ناقض للوضوء أيضًا.
ولو وضعت المرأة خرقة أو نحو ذلك فخروجها ناقض للوضوء؛ لأن هذا خارج من سبيل يحمل بلته فينتقض الوضوء منه.
وأطلق الحنابلة في كل خارج سواء كان فيه بلة أو لم يكن فيه بلة.
وذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى إنه إن لم يكن الخارج فيه بلة فلا ينتقض به الوضوء.
لذا قالوا في مسألة غريبة ذكرها الموفق وذكر أنها لا توجد أصلًا، ولكن هذا الذكر منه إنما هو لما بلغه من العلم وإلا فقد يبلغ غيره من العلم ما لم يبلغه –: وهو خروج الريح من القبل فإذا خرجت فعلى القول الأول ينتقض الوضوء.
وعلى القول الثاني لا ينتقض.
وهذه الريح لا تحمل بلة فعلى ذلك لا ينقض الوضوء على هذا القول، ولكن القول الأول أحوط، وأما الثاني ففيه – في الحقيقة – قوة، ولكن على القياس المتقدم مع الاحتياط المذكور يتقوى ما هو مشهور عند الحنابلة من وجوب الوضوء من ذلك.
قوله: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا)
إذا خرج من بقية البدن، كأن يكون في معدته خرق أو فتح فيخرج منه بول أو غائط، فإذا خرج منه بول أو غائط فإنه ينتقض وضوؤه؛ لأنه بول وغائط، وفي الحديث: (ولكن من غائط وبول) وهذا بول أو غائط، فينتقض الوضوء.
وظاهره سواء كان الخرق فوق المعدة أو تحتها.
وذهب بعض فقهاء الحنابلة والشافعية: إلى إن ذلك إذا كان تحت المعدة.
أما إذا كان من المعدة فأعلى فلا ينقض الوضوء.
قالوا: ودليلنا على ذلك: القيء فإنه لا ينقض الوضوء فإذا ثبت أنه لا ينقض الوضوء فمثله غيره، فالحكم عندهم منوط بما تحت المعدة.
[ ٢ / ٤٢ ]
لكن القول الأول أقوى؛ لأن هذا بول وغائط وقد خرج ولو كان من غير السبيلين فيثبت به الحكم المتقدم.
* وهنا لم يذكروا الريح، فلو خرجت الريح من موضع غير السبيلين فظاهره أن الوضوء لا ينتقض
وقد يقال: إن في هذا شيئًا من الاضطراب فكيف الريح إذا خرجت من القبل فإنها تنقض أما إذا خرجت من غير السبيلين فإنها لا تنقض؟
لذا ذهب بعض الحنابلة: إلى إنها تنقض إذا خرجت من غير السبيلين.
فإذن: إذا خرجت الريح من موضع غير السبيلين فهل تنقض أم لا؟
قالوا: لا تنقض الوضوء، وهناك – أي عند خروجها من الدبر أو القبل – تنقض فما الفارق؟
الفارق: أنها عند خروجها من السبيلين هي رائحة ثبتت في مخرج طبيعي لها أو قريب من الطبيعي، وأما إذا خرجت من قريب من المعدة فهي أشبه بالجشاء وهو متفق أو مجمع على أنه ليس بناقض للوضوء.
لذا يتوجه أن الريح إذا خرجت من المعدة إنها لا تنقض الوضوء (١) .
قوله: (أو كثيرًا نجسًا غيرهما)
إذن: لا ينقض إلا البول أو الغائط أو الكثير النجس كالدم فالدم نجس، وكالقيء فإن القيء عندهم نجس، أو الصديد أو ماء الدم أو القيح ونحو ذلك، كل هذا إذا خرج منه شيء من البدن فإنه ينقض الوضوء.
إذن: إذا خرج النجس من شيء من البدن سواء كان من الفم أو الأنف وهو الرعاف أو أي موضع فإنه ناقض للوضوء من دم أو قيء وهو ما يخرج من المعدة ثم يخرج من الفم، ومثله القلس وهو أقل منه، ومقداره ملء الفم فما دون مما يخرج من المعدة، وأما القيء فهو ما زاد (٢) على ذلك، فهذه كلها أشياء نجسة إذا خرجت من شيء من البدن فإن الوضوء ينتقض.
وهنا احترازان ذكرهما المؤلف:
_________________
(١) وهنا عبارة بخط آخر نصه: " فيترجح أن لها حكم الغائط والبول، فإن خرجت من تحت المعدة نقضت وإلا فهي كالجشاء".
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ما زاد.
[ ٢ / ٤٣ ]
الأول قوله: (كثيرًا) فعلى ذلك إذا كان يسيرًا من دم أو قيء فإنه لا ينقض الوضوء، فالكثير هو الناقض.
والمشهور في المذهب: أن الكثير لكل أحد بحسبه، فكل مكلف ينظر في الدم الذي خرج منه أهو قليل أم كثير.
ولكن هذا القول – في الحقيقة – لا ينضبط؛ لأن الناس يختلفون في النظر إلى القليل والكثير.
- وذهب ابن عقيل من الحنابلة: إلى أن الكثير إنما ينظر فيه إلى أوساط الناس أي غير المتبذلين ولا الموسوسين.
فالموسوسون قد يرون القليل كثيرًا، والمتبذلون قد يرون الكثير قليلًا، فيكون النظر إلى أوساط الناس، فما كان كثيرًا بالنظر إلى أوساط الناس فهو كثير، وما كان قليلًا فهو قليل.
فعلي ذلك القطرات التي تخرج، هذه لا تنقض الوضوء.
ومثلًا: رجل أدخل منديلًا في أنفه فخرج فيه شيء من الدم فإنه لا ينتقض وضوؤه في المذهب.
أما إذا خرج كثير رعافًا فإنه ينتقض الوضوء.
ومثلًا: خرج شيء يسير من معدته فلا ينتقض الوضوء، أما إذا كان يملأ الفم أو نحو ذلك فإنه ينتقض.
وهذا القول أصح؛ لأن الضابط الأول – في الحقيقة – ليس بمنضبط؛ لأن الناس يتفاوتون في هذا الباب.
الثاني: قوله: (نجسًا) فلو كان هذا الخارج من البدن ليس نجسًا بل هو طاهر فلا ينقض الوضوء، فلو خرج منه كالبصاق أو ماء العين أو نحو ذلك – هذه أشياء تخرج من البدن طاهرة وليست بنجسة فلا تنقض الوضوء.
إذن: الناقض للوضوء هو النجس الكثير الخارج من البدن سواء من السبيلين أو غيرهما ينتقض به الوضوء.
أما السبيلان فلا يشترط أن يكون قليلًا أو كثير، بل القليل ينقض الوضوء لإطلاقات الأحاديث، فإن البول أو الغائط أو نحو ذلك ليس فيه هذا التفريق المذكور في الدم ونحوه.
[ ٢ / ٤٤ ]
١- هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة واستدلوا بأدلة منها: ما رواه ابن ماجه من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) (١)
وبما رواه الترمذي بإسناد صحيح أن النبي ﷺ: (قاء فتوضأ) (٢) .
٢- وذهب الشافعية والمالكية: إلى إن هذه لا ينتقض بها الوضوء، فلا ينتقض الوضوء بالدم والقيء قليلًا كان أو كثيرًا واستدلوا:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في البناء على الصلاة (١٢٢١) قال: " حدثنا محمد بن يحيى حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (من أصابه قيء أو رُعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم ".
(٢) أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف من كتاب الطهارة (٨٧) عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قاء فتوضأ.. "
[ ٢ / ٤٥ ]
بما رواه أحمد وأبو داود وذكره البخاري معلقًا: أن النبي ﷺ: (كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه (وهو من حراسه) فنزفه الدم فمضى في صلاته) (١)
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد برقم (١٤٧٦٠) وبرقم (١٤٩٢٦)، وأخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء من الدم (١٩٨) قال: " حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا ابن المبارك، عن محمد ابن إسحاق، حدثني صدَقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يعني في غزوة ذات الرقاع – فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ، فنزل النبي صلى الله وعليه وسلم منزلًا، فقال: (من رجل يكلؤنا؟) فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال (كونا بفم الشِّعْب) قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نَذِروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدم قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها ". وذكره البخاري بلفظ: " ويُذكر عن جابر: أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرُمي رجلٌ بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته " في كتاب الوضوء باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر.
[ ٢ / ٤٦ ]
فهنا هذا الصحابي مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع وهو من حراسه – وهو كما في البيهقي عباد بن بشر وهو من عباد الصحابة وعلمائهم. ومثل هذا يبعد أن يخفى على النبي ﷺ – وهذا الأثر إسناده صحيح – فهو متضمن لإقرار النبي ﷺ إذ يبعد أن يخفى على النبي ﷺ مثل ذلك وهو من حراسه في غزوة قد خرج فيها النبي ﷺ.
وبما رواه مالك في موطئه أن عمر ﵁: (صلى وجرحه يثعب دمًا) (١)
وقال الحسن – كما في البخاري – معلقًا ووصله سعيد بن منصور -: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) (٢)
قالوا: إن هذه مسألة تعم بها البلوى ولم يصح عن النبي ﷺ فيها حديث.
أما الحديث الأول الذي استدل به أهل القول الأول: (من أصابه قيء ..) إلى آخره.
قالوا: فهذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وإسماعيل روايته عن الحجازيين ضعيفة، وابن جريج حجازي.
ورواه الحفاظ غير ابن جريج مرسلًا، فعلى ذلك الحديث ضعيف.
أما حديث الترمذي أن النبي ﷺ: (قاء فتوضأ)، فالحديث صحيح لكنه فعل منه ﷺ، ونحن نقول بمشروعية الوضوء من القيء – ولكنا لا نقول بوجوب ذلك – فإن الحديث ليس فيه ما يدل على الوجوب فهو فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الطهارة، باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف (٧٩): " عن هشام عن عروة عن أبيه أن المسور بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طُعن فيها، فأيقظ عمر لصلاة الصبح، فقال عمر: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى عمر وجرحه يثعب دمًا ".
(٢) ذكره البخاري في كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بلفظ: " وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم ".
[ ٢ / ٤٧ ]
قالوا: ومعنا الأصل، فإن الأصل أن الوضوء ثابت لا نتزحزح إلى بطلانه إلا بدليل، وليس ثمت دليل صحيح صريح يدل على ذلك. واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الراجح.
فالراجح: أن الدم والقيء والصديد ونحوها كل ذلك لا ينتقض الوضوء بخروجها خلافًا للمشهور في مذهب الحنابلة.
إذن: الخارج من بقية البدن غير السبيلين:
إن كان بولًا أو غائطًا فإنه ينقض الوضوء.
- أما غير ذلك فالراجح أنه لا ينتقض الوضوء به - لعدم الدليل الدال على ذلك.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الثامن والعشرون
(يوم الأحد: ٢٠ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد أو قائم)
" وزوال العقل " أي ناقض للوضوء.
فزوال العقل بالجنون أو سكر أو إغماء أو نحو ذلك كله ناقض للوضوء بإجماع العلماء.
ومثل السكر – الأدوية التي يتعاطاها المتداوي فتزيل عقله فإنها في الحكم وما تقدم سواء، فهي ناقضة للوضوء بالإجماع قياسًا على الأدلة الدالة على نقض الوضوء بالنوم ونقض الوضوء بما تقدم أولى.
قوله: " إلا يسير نوم من قاعد أو قائم "
إذن: النوم ناقض للوضوء لأنه يثبت به زوال العقل فيدخل – حينئذ – فيما ذكره من قوله: (وزوال عقل) لكنه استثنى يسير النوم من قاعد وقائم.
إذن: نوم المضطجع والساجد والراكع نوم ناقض للوضوء مطلقًا لا فرق بين يسيره وكثيره.
وأما نوم القاعد المتمكن بخلاف المستند أو المتكئ أو المحتبئ، فنوم القاعد إن كان يسيرًا فلا ينتقض به الوضوء ومثله القائم.
إذن: هناك من النوم ما ينقض الوضوء، ومنه ما لا ينقض.
أما نوم المضطجع وما شابهه فإنه ينتقض به الوضوء مطلقًا لا فرق بين يسيره وكثيره.
وأما نوم القاعد أو القائم فإنه لا ينتقض به الوضوء إلا إن كان كثيرًا أما إن كان يسيرًا فلا ينتقض به الوضوء.
[ ٢ / ٤٨ ]
واستدلوا: على ثبوت النقض بالنوم بحديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول ونوم) (١) فدل على أن النوم ناقض للوضوء.
وأما كونهم فرقوا بين نوم القاعد والقائم وبين غيرهما، فجعلوا يسير نوم القاعد والقائم ليس بناقض، وأما يسير نوم المضطجع فإنه ناقض: استدلوا: بما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون) (٢) وفي رواية لأبي داود: (حتى تخفق رؤوسهم) (٣) أي حتى تضرب أذقانهم على صدورهم.
قالوا: هذا نوم قاعدين، فهم كانوا فيما يرى الحنابلة - ومن وافقهم – أنهم كانوا قاعدين، ولا شك أن رواية أبي داود تشير إلى هذا.
وأما القائم فيما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: (فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي ﷺ بشحمة أذني يفتلها) (٤)
_________________
(١) أخرجه الخمسة إلا أبا داود كما تقدم ص ٢.
(٢) أخرجه مسلم في آخر كتاب الطهارة، (٣٧٦) . وأخرج الترمذي نحوه برقم ٧٨، سنن أبي داود مع المعالم [١ / ١٣٨]
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الوضوء من النوم (٢٠٠) قال: " حدثنا شاذُّ بن فيَّاض، حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله وعليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون ".
(٤) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (١٢٧٧) [انترنت / موقع الإسلام / بواسط ردادي] قال: وحدثنا محمد بن رافع حدثنا ابن أبي فديك أخبرنا الضحاك عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: بت ليلة عند خالتي ميمونة بنت الحارث فقلت لها إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني فقام رسول الله ﷺ فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني قال فصلى إحدى عشرة ركعة ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدا فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين " وأخرجه البخاري في مواضع من صحيحه بألفاظ مختلفة لكن دون قوله " أغفيت "، انظر الأحاديث (٧٤٥٢) (١١٧) (٦٢١٥) .
[ ٢ / ٤٩ ]
وهنا قد وقع منه الإغفاء ومع ذلك لم ينتقض وضوؤه.
كما أنه يقاس على نوم القاعد، فنوم القائم كنوم القاعد.
وأما غيرها فيبقونه على النقض بأصل النوم.
وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ [قال]: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف.
إذن: هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء وأن النوم ينقض مطلقًا يسيره وكثيره إلا نوم القاعد والقائم فلا ينتقض بيسيره وإنما ينتقض بكثيره.
فإن قيل: فما هو ضابط اليسير؟
قالوا: ضابطه: العرف، فما كان يسيرًا عرفًا فإنه لا ينقض الوضوء.
فعندما ينام الرجل قاعدًا أو قائمًا ويسمع كلام الناس حوله وإن لم يفهمه فهذا في العرف يسير، بينما إذا سقط من قيامه، أو قعوده أو رأى رؤيا فهو في عرف الناس قد نام نومًا كثيرًا فينتقض وضوؤه بذلك.
ولا شك إن هذا الضابط حسن، لأن مرجعه إلى العرف وبعبارة أخرى لك أن تقول: النوم المستغرق وغير المستغرق.
فالنوم المستغرق: هو الكثير الناقض للوضوء.
وأما غير المستغرق فهو الذي يحس الإنسان به في نفسه فلا ينتقض به الوضوء.
فإن قيل: فإن شك لا يدري أهو نوم يسير أم نوم كثير؟
فحينئذ: يبني على اليقين واليقين هو بقاء وضوئه فلا يزول هذا اليقين بشك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة،باب في الوضوء من النوم (٢٠٢) قال: " حدثنا يحيى بن معين وهنّاد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، وهذا لفظ حديث يحيى، عن أبي خالد الدَّالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: " كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ " قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) زاد عثمان وهناد: (فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) . وأخرجه الترمذي في الطهارة برقم (٧٧)، سنن أبي داود [١ / ١٣٩] .
[ ٢ / ٥٠ ]
وفي قوله: (إلا نوم) يخرج النعاس والسنة.
والنعاس: يكون في الرأس من غير أن يكون في القلب والعقل فهذا لا ينتقض به الوضوء، وقد قال تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ (١) ففارق بينهما (٢)، فالناقض للوضوء هو النوم، وأما النعاس وهو ما يكون في الرأس فهذا لا ينقض الوضوء. هذا هو تقرير مذهب الحنابلة.
أما ما ذهبوا إليه من أن نوم القاعد والقائم اليسير لا ينقض الوضوء فهو قول قوي.
وأما قولهم إن نوم المضطجع ونحوه ينقض يسيره، فهذا قول ضعيف؛ ذلك لأنا إذا قلنا: [إنْ] كان مناط الأمر ومتعلقه هو النوم الكثير أو اليسير، أو النوم المستغرق أو غير المستغرق فإنه لا فرق بين مضطجع وغيره.
وفي رواية للبزار – من حديث أنس المتقدم – بإسناد صحيح: (يضعون جنوبهم) (٣) أي أصحاب النبي ﷺ، فعلى ذلك منهم من يخفق رأسه ومنهم من وضع جنبه على الأرض، وكلهم لم يثبت بهذا النوم نقض وضوئهم بإقرار النبي ﷺ.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الأوزاعي وربيعة واختيار شيخ الإسلام – وهذا القول هو الراجح لما تقدم –
فعلى ذلك: النوم المستغرق وهو النوم الكثير ناقض للوضوء.
أما غير المستغرق فإنه لا ينتقض به الوضوء.
_________________
(١) سورة البقرة (٢٥٤) .
(٢) في الأصل: ففارق بين بينهما.
[ ٢ / ٥١ ]
ومما يدل على هذا أن النوم مظنة الحدث، لذا ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ (نام حتى نفخ ثم صلي ولم يتوضأ) فقيل له في ذلك فقال: (إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي) (١) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان من كتاب التهجد (١١٤٧) عن عائشة بلفظ: " ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي "، وفي باب كان النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه من كتاب المناقب (٣٥٦٩) وأخرجه كذلك في باب فضل من قام الليل من كتاب صلاة التراويح (٢٠١٣) بلفظ عائشة ﵂، وأخرجه أيضًا في باب التخفيف في الوضوء من كتاب الوضوء (١٣٨) عن ابن عباس قال: بت عند خالتي.. ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى ولم يتوضأ، قلنا لعمرو: إن ناسًا يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه؟ قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبيا وحي.. " وأخرجه مسلم (٧٣٨) بلفظ عائشة ﵂، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ من كتاب الصلاة.
[ ٢ / ٥٢ ]
وفي رواية أبي داود – والحديث حسن – أن النبي ﷺ قال: (العين وكاء - أي باط (١) - السه - أي الدبر - فمن نام فليتوضأ) (٢) .
فهو مظنة للحدث، وإذا كان النوم يسيرًا فإن هذه المظنة تكون يسيرة لأنه يشعر بنفسه ويحس بها، بخلاف ما إذا تمكن منه النوم فإن المظنة تكون قوية فيتعلق الحكم بها وينتقض الوضوء.
إذن: الراجح التفريق بين النوم المستغرق وغيره وهو ما اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.
قوله: (ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيها) .
قوله: " ذكره " المراد به عضو الرجل، والقبل: المراد به عضو المرأة.
(متصل) هنا قيد فيه غرابة، كيف يكون متصلًا؟
قالوا: ليخرج الذكر المقطوع، كأن يقطع لعلاج ونحوه فإنه لا يدخل في هذا الحكم لأنه ليس بمعنى الذكر المتصل.
قوله: (ومس ذكر) لم يقل (ذكره) لتعميم ذكره وذكر غيره، أو القبل من المرأة نفسها أو من غيرها فإذا لمست المرأة ذكر زوجها أو لمس الرجل قبل امرأته فإنه ينتقض الوضوء بذلك.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: رباط.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الوضوء من النوم (٢٠٣) قال: " حدثنا حيوة بن شريح الحمصي في آخرين قالوا: حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) " وأخرجه ابن ماجه في الطهارة برقم ٤٧٧، سنن أبي داود [١ / ١٤٠] .
[ ٢ / ٥٣ ]
ودليل ذلك هذه المسألة: ما ثبت في الخمسة بإسناد صحيح من حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ) (١)
وثبت في مسند أحمد – والحديث حسن – أن النبي ﷺ قال: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء) (٢)
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الطاهرة، باب الوضوء من مس الذكر (١٨١)، والترمذي في الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر (٨٢ – ٨٣ – ٨٤)، والنسائي في الطهارة،باب الوضوء من مس الذكر، وابن ماجه في الطهارة باب (٦٣) الوضوء من مس الذكر (٤٧٩)، ومالك في الطهارة، الوضوء من مس الفرج، قال ابن حجر في البلوغ: " أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان، وقال البخاري: " هو أصح شيء في هذا الباب " سبل السلام [١ / ١٣٩] .
(٢) أخرجه النسائي في كتاب الغسل، باب الوضوء من مس الذكر (٤٤١) [انترنت / موقع الإسلام / بواسط ردادي] قال: أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا محمد بن سواء عن شعبة عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ وهو في مسند الإمام الشافعي بحاشية الأم [٦ / ١٢] وترتيب مسند الإمام الشافعي للسندي [١ / ٣٥]، وليس فيهما: (فقد وجب عليه الوضوء، وفيهما: فليتوضأ "، حاشية المغني [١ / ٢٤٣] . ولم أجده في فهرس المسند طبعة بيت الأفكار، ولا في الانترنت.
[ ٢ / ٥٤ ]
وفي صحيح ابن حبان وصححه أحمد وأبو زرعة – وإسناده صحيح – أن النبي ﷺ قال: (من مس فرجه فليتوضأ) (١)
وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (٢)
بل قد ثبت ذلك من حديث بضعة عشر صحابيًا من أصحاب النبي ﷺ أي في أن مس الذكر ناقض للوضوء وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، أن من مس ذكره فيجب عليه الوضوء.
- وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء واستدلوا: بما رواه طلق بن علي من حديث ابنه قيس عن أبيه طلق أن النبي ﷺ قيل له في الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء قال: (لا، إنما هو بضعة منك) (٣) وقد صححه ابن حبان وابن حزم.
قالوا: فهذا يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء.
ومن أجوبة الجمهور على هذا الحديث ما يلي:
أن الحديث ضعيف، فقد ضعفه الشافعي والدارقطني والبيهقي وغيرهم، بل قال النووي: " ضعيف باتفاق الحفاظ ".
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٧٨٣٧) قال: " حدثنا سفيان عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمعه من عروة بن الزبير وهو مع أبيه يحدث أن مروان أخبره عن بسرة بنت صفوان أن رسول الله ﷺ قال: (من مس فرجه فليتوضأ) قال: فأرسل إليها رسولًا وأنا حاضر فقالت: نعم، فجاء من عندها بذاك ".
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢ / ٢٢، كما في حاشية المغني [١ / ٢٤٤]، ولكن بلفظ (أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) .
(٣) أخرجه أبو داود في باب الرخصة في مس الذكر من كتاب الطهارة، والنسائي في باب ترك الوضوء من مس الذكر من كتاب الطهارة، والترمذي في باب ترك الوضوء من مس الذكر من أبواب الطهارة، وابن ماجه في باب الرخصة في مس الذكر من كتاب الطهارة، وأحمد في المسند: ٤ / ٢٢، ٢٣، المغني [١ / ٢٤١] .
[ ٢ / ٥٥ ]
وقيس بن طلق، قال فيه ابن معين وأبو حاتم وهما إمامان في الجرح والتعديل وقد قالا فيه: " لا يحتج بحديثه ".
وقال البخاري: " سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه " أي هو مجهول.
وقد وثقه ابن حبان والعجلي، وكذلك ينبغي أن يكون موثقًا عند كل من صحح هذا الحديث، لكن تقدم أن الحديث ضعيف كما قال ذلك النووي.
قالوا: ولو قلنا بتحسينه فإنه لا يخالف به هذه الكثرة الكاثرة من الأحاديث الثابتة في هذا الباب فغايته – أي قيس بن طلق – أن يقبل حديثه ما لم يخالف، لذا قال الإمام أحمد في حديثه: " غيره أثبت منه ".
كيف وقد روى النقض بمس الذكر – رواه عن النبي ﷺ - بضعة عشر صحابيًا، هذا الوجه الأول.
والوجه الثاني: قالوا: كيف يكون المس في الصلاة، فإنه يستبعد أن يمس الرجل ذكره في الصلاة، فعلى ذلك المس هنا يخالف الظاهر، نعم الظاهر في لفظة المس أن تكون بلا حائل لكن هنا بحائل؛ لأنه يستبعد أن يكون ذلك في الصلاة.
وقالوا: أيضًا حديث طلق بن علي مبق على الأصل بينما حديث بسرة وغيرها ناقلة عن الأصل، والأحاديث الناقلة عن الأصل مقدمة على المبقية على الأصل.
قالوا: حديث طلق بن علي، وكان ممن أسلم والنبي ﷺ يؤسس مسجده، بينما بسرة قد آمنت في عام الفتح وكذلك أبو هريرة قبل أن يتوفى النبي ﷺ بأربع سنين قالوا: فهذه قرينة قوية تقوي القول بالنسخ، وإن كانت ليست نصًا على النسخ، كما أن كون حديثها ناقل عن الأصل كذلك يقوي القول بالنسخ بخلاف حديث طلق بن علي، ويقوي هذا ما رواه الطبراني لكن الحديث إسناده ضعيف فهو يتقوى لو صح لكن الحديث إسناده ضعيف خلافًا لتصحيح الطبراني له وهو من القائلين بالنسخ لحديث طلق بن علي – أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ) فعلى ذلك يكون قد روى كما روى غيره النقض بمس الذكر.
[ ٢ / ٥٦ ]
وأما حديثه الأول فهو حديث يوم إسلامه ثم بعد ذلك روى أحاديث النسخ كغيره.
وهذه الأوجه كلها تقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ناقض للوضوء.
- واختار شيخ الإسلام الجمع بين الحديثين، أي بين حديث بسرة وغيرها وبين حديث طلق فحمل حديث بسرة وبقية الأحاديث على الاستحباب وحمل حديث طلق على نفي الوجوب.
فعلى ذلك يكون المعنى في حديث طلق: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء " أي أيجب عليه الوضوء "، فقال: (لا، إنما هو بضعة منك) أي لا يجب عليك الوضوء، ولم ينف الاستحباب.
بخلاف حديث بسرة فلفظه: (من مس ذكره فليتوضأ) فهذا يمكن أن يحمل على الاستحباب.
لكن هذا القول فيه ضعف، لما تقدم من قوة الأحاديث الواردة في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر، بخلاف حديث طلق وما تقدم من كلام أهل العلم فيه، فلا تترك ظواهر الأحاديث المتاكثرة لهذا الحديث الذي تقدم ذكر الأوجه في تضعيفه سندًا أو تضعيفه رواية.
إذن: الراجح: أن مس الذكر ينتقض به الوضوء لكن الفقهاء انطلقوا من هذا الحديث الصحيح ففرعوا فروعًا كثيرة جدًا وهي هذه القيود التي ذكرها المؤلف.
فهنا قوله: (ومس) لفظة مس أي بلا حائل فإن كان من حائل فإنه لا يثبت به هذا الحكم، وهذا هو الذي تفيده لفظة (مس) وقد ورد مصرحًا في حديث الإمام أحمد الذي تقدم ذكره: (إذا أفضي أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء) (١) فعلى ذلك إذا كان دونها حجاب فلا وضوء، وهذا باتفاق العلماء.
قال: (ومس ذكر): هنا أطلق سواء كان ذكر نفسه أو غيره قالوا: إذا ثبت هذا في ذكر نفسه مع الحاجة إلى لمسه فأولى منه غيره وهذا هو مذهب الجمهور.
فإذا مست المرأة ذكر زوجها انتقض وضوؤها.
وفي قوله: (مس ذكر) يشمل كذلك الصغير والكبير فالمرأة تغسل طفلها، فمست ذكره فينتقض الوضوء بذلك لأنه ذكر متصل – وهذا هو مذهب الجمهور -.
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٥٧ ]
- وذهب الأوزعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس ذكر الصغير لا ينقض الوضوء – وهذا هو الراجح –؛ لأن ذكر الصبي ليس بمعنى ذكر الكبير المنصوص عليه، فإنه ليس محلًا للشهوة بمسه فبينهما فارق، ففرق بين مس الذكر [من] البالغ ومس ذكر الطفل الصغير.
- وقيَّد المالكية مس فرج الصبية بألا تشتهى فالتي لا تشتهى – لاينقض الوضوء.
فكذلك ينبغي أن يقيد به الصبي، فإذا مست المرأة أو الرجل فرج صبي أو صبية مما لا يشتهون أو مما لا يكونوا (١) محلًا للشهوة، كالأم تمس فرج طفلها فإن ذلك لا ينقض الوضوء، هذا مذهب الأوزعي ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح.
وفي قوله: (ذكر) ينبغي أن يقيده لتتم هذه الفروع، بقوله: (ومس ذكر آدمي) لأنهم اتفقوا على أن مس ذكر الحيوان لا ينقض الوضوء.
وفي قوله: (متصل) يخرج من ذلك المنقطع وهذا لا شك فيه، فلا ينقض بمسه الوضوء.
قالوا: لأن المنقطع ليس في حكم المتصل.
وفي قوله: (ذكر متصل) ظاهره ولو كان من ميت، وهذا هو مذهبهم.
فلو أن امرأة مست ذكر زوجها الميت لتغسيله فإنه ينقض بذلك وضوؤه (٢) – وهذا غريب – فإن ذكر الميت ليس بمعنى ذكر الحي بل هو شبيه بالمنقطع فكيف ينتقض الوضوء بمسه.
إذن: الراجح وهو قول في المذهب أن الميت لا ينقض الوضوء بمس ذكره.
قال: (أو قبل) أي قبل امرأة، للحديث المتقدم: (وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (٣) .
فالمرأة كذلك إذا مست فرجها أو مس أحد فرجها فإنه ينقض، وعلى الماس الوضوء.
واعلم أن الوضوء إنما يجب على الماس دون الممسوس؛ لظواهر الأدلة المتقدمة، وهذا باتفاقهم.
قال: (بظهر كفه أو بطنه):
الكف: من أطراف الأصابع إلى الرسغ، فإذا كان المس في شيء من اليد فإنه ينتقض به الوضوء.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: يكونون، لأن " لا " هنا نافية وليست ناهية.
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وضوؤها.
[ ٢ / ٥٨ ]
قالوا: لقول النبي ﷺ: (إذا أفضى أحدكم بيده)
قالوا: واليد إذا اطلقها الشارع فإنما يطلق الحكم بها إلى الرسغ، كما قال تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (١) وإنما تقطع أيديهم من الرسغ لا من المرفق ولا من المنكب.
قالوا: وظاهر الحديث يدخل ذلك أي ظاهر الكف وباطنها.
وقال الجمهور (٢): بل إذا مس الذكر بظاهر الكف فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء.
قالوا: لأن اليد إنما خصصت لأنها آلة اللمس وإنما موضع اللمس فيها باطنها بخلاف ظاهرها فإنه ليس آلة للمس.
_________________
(١) سورة المائدة.
(٢) مغني المحتاج ج: ١ ص: ٣٥: " والمراد بالمس مس جزء من الفرج بجزء من بطن الكف وبطن الكف الراحة مع بطون الأصابع والأصبع الزائدة إن كانت على سنن الأصابع انتقض بالمس بها وإلا فلا، خلافا لما نقله في المجموع عن الجمهور من بها ". الاسطوانة. القوانين الفقهية لابن جزي في المذهب المالكي ج: ١ ص: ٢٢: " ومنها مس الذكر والمراعى فيه باطن الكف والأصابع وقيل اللذة ". الثمر الداني شرح رسالة القيرواني ج: ١ ص: ٣٠: "ويعتبر المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما ". الثمر الداني شرح رسالة القيرواني ج: ١ ص: ٦٦: " ظاهره أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر إلا إن كان المس بباطن الكف وهو للإمام أشهب ومذهب ابن القاسم يجب الوضوء من مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الأصابع وفي المختصر للشيخ خليل أو بجنبيهما ". وأما الأحناف فإنهم لا يرون النقض بمس الذكر كما تقدم.
[ ٢ / ٥٩ ]
وهذا هو القول الراجح؛ لأنه في الحقيقة لا يكون من فرق بين الذراع وبين ظاهر الكف، والشارع لا يفرق بين المتماثلات، لأنهم قد اتفقوا على أن من مس ذكره بذراعه (١) أو بعضده أو بفخذه أو نحو ذلك فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء، ولا فارق بين هذه المواضع وظاهر الكف، أما باطن الكف فنعم لأنها آلة اللمس.
إذن الراجح: ما ذهب إليه الجمهور من أن باطن الكف هو المُعيَّن بالحكم دون ظاهره.
وهل يدخل في ذلك الظفر؟
قولان في المذهب:
والمشهور أن الظفر لا يدخل قالوا: بل هو في حكم المنفصل.
ولا حاجة لنا وقد رجحنا أن الباطن هو الذي يثبت به الحكم – لا حاجة لنا للكلام في الظفر؛ لأن الظفر من ظاهر الكف وليس من باطنها.
وإن كان الأرجح بالنظر إلى المذهب دخول الظفر؛ لأنها داخلة في عموم اليد، فاليد من أطراف الأصابع إلى الرسغ ويدخل في ذلك الأظفار.
إذن: الراجح أن الحكم إنما يثبت للمس بباطن الكف؛ لأن النبي ﷺ قد حدد اليد بذلك، واليد في باطنها لها من المعنى ما ليس لغيرها لأنها هي آلة اللمس.
وظواهر الأدلة المتقدمة أنه لا فرق عامد وغيره فسواء مس ذكره عامدًا أو ساهيًا – وهذا هو مذهب الجمهور – وظواهر الأدلة تدل على ذلك.
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب طائفة من التابعين: إلى أنه إن مسه غير عامد فإن الوضوء لا ينتقض بذلك.
قالوا: لأنه إذا مسه بغير عمد فإن الفعل منه يكون غير مقصود فحينئذ ليس له معنى مطلقًا.
ولكن الراجح: دخول السهو وغيره في هذا الباب؛ لأنه وإن كان بغير قصد فقد يحصل القصد عند المس فيثبت حينئذ الحكم، أو يترتب المعنى بمجرد المس سواء كان بقصد أو لم يكن بقصد مع أن ظواهر الأدلة تدل على أنه لا فرق بين عامد وغيره.
قال: (ولمسها من خنثى مشكل)
_________________
(١) المغني ج: ١ ص: ١١٧: " فصل ولا ينقض مسه بذراعه، وعن أحمد أنه ينقض؛ لأنه من يده وهو قول عطاء والأوزاعي والصحيح الأول "
[ ٢ / ٦٠ ]
الخنثى المشكل: هو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتميز أهو ذكر أم أنثى لوجود آلتي التناسل فيه فلا يدرى أذكر هو أم أنثى ولم يتبين بعد.
أما إذا تبين فإنه يزول الإشكال.
وهي مسألة – حقيقة – في غاية الندرة وإذا وقعت ففي غاية الندرة أن تقع المسائل التي يفرع عليها الفقهاء.
وهنا قال: (ولمسها من خنثى مشكل): أي هو ناقض.
" لمسهما " أي العضوان جميعًا.
أذن: إذا مس من الخنثى المشكل أحد العضوين فلا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يدرى هل هذا الممسوس أصلي أم زائد ومع الشك نبقى على اليقين المتقدم وهو ثبوت الوضوء.
فإذا لمسهما جميعًا فحينئذ يزول الشك ويتيقن إنه مس فرجًا أصليًا.
إذن: إذا لمسهما من خنثى مشكل فإنه ينتقض وضوؤه أما إذا مس أحدهما فلا ينتقض بذلك الوضوء.
قال: (ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيهما)
" لمس الذكر " الماس ذكر.
" ذكره " الآلة المذكرة من الخنثى المشكل ولم يمس الآلة المؤنثة، بل مس الذكر ذكره ثم قال: (لشهوة) .
إذا مس الرجل الآلة المذكرة للخنثى المشكل فحينئذ يثبت النقض، لأنه إذا كان ذكرًا فقد مس عضوه الأصلي، وإذا كان أنثى فقد مس أنثى لكن لشهوة، لأن الأنثى – عندهم – لا ينتقض الوضوء بمسها إلا إذا كان بشهوة.
فإذن: هذا مفرع على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء.
قال: (أو أنثى قبله بشهوة)
أتت أنثى ومست قبله بشهوة وهذا غريب أنثى تمس أنثى ويكون ذلك للقبل ويكون بشهوة وهذا من غرائب العلم.
قالوا: ينقض الوضوء لأنها إن كانت أنثى حقيقة فقد مست قبلها وهو قبل أنثى أصلي فينتقض به الوضوء.
وإن كانت ذكرًا فقد مست جزء رجل، ومس جزء الرجل ينتقض به الوضوء إن كان بشهوة
فإذن: إذا مس عضوي الخنثى المشكل انتقض الوضوء.
وإذا مس الذكر ذكر الخنثى المشكل بشهوة انتقض أيضًا.
وإذا مست الأنثى قبل الخنثى المشكل بشهوة انتقض الوضوء بذلك.
[ ٢ / ٦١ ]
وهل يقاس على مس الذكر مس الدبر أي حلقة الدبر؟
قال الحنابلة: نعم – وسيأتي ذكرها – والدليل قوله صلي الله عليه وسلم: (من مس فرجه)، والفرج يدخل فيه القبل والدبر خلافًا لمذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد لعموم الحديث المتقدم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس التاسع والعشرون
(يوم الاثنين: ٢١ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها)
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن من مس امرأة بشهوة فإن وضوءه ينتقض بذلك.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (١) الآية.
قالوا: والملامسة هنا هي حقيقة المس، فإذا مس المرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه.
وقد دلت السنة على أن مطلق المس غير المصحوب بشهوة أنه لا ينقض الوضوء، دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنت أنام بين يدي النبي ﷺ وكانت رجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتها) (٢) وفي رواية للنسائي: (مسني برجله) (٣)
_________________
(١) سورة النساء.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب التطوع خلف المرأة (٥١٣) عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: " كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح "،وأخرجه أيضًا برقم (٣٨٢)، وأخرجه مسلم (٥١٢) .
(٣) أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة (١٦٦) قال: " أخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم عن شعيب عن الليث قال أنبأنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت: " إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله ".
[ ٢ / ٦٢ ]
قالوا: فهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ قد مس عائشة برجله فلم ينتقض وضوؤه بل ثبت في صلاته ومضى فيها فهذا يدل على أن مطلق المس للمرأة، وهو المس غير المصحوب بالشهوة أنه لا ينقض الوضوء، والآية الكريمة دلت على أن المس ينقض الوضوء، فعلى ذلك تقيد الآية بمس الشهوة للحديث المتفق عليه – هذا هو مذهب الحنابلة -.
- وذهب الشافعية - استدلالًا بالآية الكريمة –: إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مطلقًا بشهوة أو بغير شهوة.
وأجابوا – عن الحديث المتفق عليه -: بأن هذا المس يحتمل أن يكون فيه بين النبي ﷺ وبينها حائل، وإذا ثبت الحائل أو الحجاب فإنه لا يثبت الحكم، فحينئذ يبقى الحكم على ما هو عليه؛ لأن هذا هو المس الذي يتعلق به الحكم، فإن المس الذي يتعلق به الحكم الشرعي هو المس المباشر الذي لا يقع فيه الحجاب بين الماس والممسوس.
لكن هذا الاحتمال ضعيف، لأن حقيقة المس أن يكون من غير حجاب، بدليل رواية النسائي فإن لفظة: (مسني برجله) .
قال شيخ الإسلام – في هذا القول -: " وهذا أضعف الأقوال وليس له أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ "، وهذا مما تعم به البلوى – أي مجرد مس المرأة – ولم يصح عن النبي ﷺ حديث عن وجوب الوضوء عند مس المرأة مطلقًا.
ولكن القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء مع ما سيأتي من تضعيفه فإنه أقوى من القول بأنه ناقض مطلقًا.
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه كالآجرى – وهو اختيار شيخ الإسلام –: إلى أن مس المرأة لا ينقض مطلقًا لا بشهوة ولا بغيرها.
وأجابوا – عن استدلالهم بالآية – بأن المس في الآية إنما هو الجماع.
فقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ أي واقعتموهن جماعًا وليس المراد مطلق المس، وهذا هو قول ابن عباس وعلي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية وهو اختيار ابن جرير.
[ ٢ / ٦٣ ]
بينما تفسيرها على القول المتقدم هو قول ابن مسعود.
قالوا: وسياق الآية يقرر هذا – أي أنه الجماع – فإن الله ﷿ ذكر الوضوء في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة﴾ (١) إلى أن قال: ﴿وأن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ فذكر الطهارتين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، ثم قال – سبحانه –: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وهذا التيمم بدل عن الطهارتين، عن طهارة الغسل وطهارة الوضوء وذكر الله السبب الأول، في قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ فهذا حدث أصغر، فإذا فسرنا قوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ بالمس الموجب للوضوء فإنه يتعدد السبب لطهارة واحدة، أما الطهارة الأخرى فلا يذكر لها سببًا، والأليق ببلاغة القرآن أن يذكر لكل طهارة سببًا لبيان أن التيمم بدل عن طهارة الوضوء وطهارة الغسل كما دلت علي ذلك السنة.
وابن مسعود ﵁ قد فسر الآية بالحدث الأصغر وهو مس المرأة الموجب للوضوء، وهو لم يكن يرى أن التيمم بدل عن الغسل، وإنما كان يرى أنه بدل عن الوضوء فحسب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، لذا فسر الآية بحدث أصغر ولم يفسره بحدث أكبر لأنه لا يعتقد أن الحدث الأكبر يجزئ فيه التيمم.
إذن: الراجح في تفسير هذه الآية وهو أصح قولي العلماء كما قال شيخ الإسلام وهو اختيار ابن جرير وقول ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ المراد به الجماع والقرآن يكني عن الجماع بالمس، كما في قوله تعالى ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ (٢) وليس المراد إجماعًا مجرد المس، وإنما مراده الجماع الحقيقي.
_________________
(١) سورة المائدة.
(٢) سورة البقرة.
[ ٢ / ٦٤ ]
وكني عنه بالمباشرة مع أن حقيقة المباشرة ما دون الجماع لكن قد كني بها في القرآن عن الجماع، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١) أي لا تجامعوهن والمباشرة قد دلت السنة على جوازها (٢)، إذن المراد بالمس في الآية: الجماع.
_________________
(١) سورة البقرة.
(٢) لعل المراد المباشرة للصائم، وأما المعتكف فقد قال ابن كثير ﵀ في تفسيره [١ / ٢١٣]: " المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معطاهة الشيء ونحره فلا بأس ".
[ ٢ / ٦٥ ]
وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث حبيب بن أبي ثابت (١) عن عروة عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ) (٢)
_________________
(١) قال في التقريب: " حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي، مولاهم، أبو يحيى الكوفي ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة مئة / ع "
(٢) أخرجه أبو داود في باب الوضوء من القبل من كتاب الطهارة (١٧٩) قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قبّل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " قال عروة فقلت لها: منهي إلا أنت؟ فضحكت ". قال أبو داود: ورُوي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء " وقال أبو داود: " وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حدثًا صحيحًا ". سنن أبي داود [١ / ١٢٤] . وأخرجه الترمذي في باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة من كتاب الطهارة (٨٦) قال: حدثنا قتيبة وهنّاد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غَيلان وأبو عمّار الحسين بن حُريث قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قبّل.. " قال أبو عيسى: " وقد رُوي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء، وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، قال: وسمعت أبا بكر العطّار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًا، وقال: هو شبه لا شيء، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّف هذا الحديث وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. وقد رُويَ عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ، وهذا لا يصح أيضًا ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء ". وأخرج النسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة (١٧٠) قال: " أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان قال أخبرني أبو رَوْق عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ "، لكن قال أبو داود [١ / ١٢٤]: " إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا ". فالله أعلم. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الوضوء من القبلة (٥٠٢) . ولم أجده في المسند - طبعة بيت الأفكار - بعد البحث في فهرس الأحاديث والرواة.
[ ٢ / ٦٦ ]
قال الراوي ما أظنها إلا أنت فضحكت ".
وهذا الحديث قد استدل به من يرى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، لأن القبلة لا تكون في الغالب إلا بشهوة من الزوج.
والحديث صححه ابن عبد البر وابن جرير، لكن أكثر الحفاظ قد ضعفوه، وقد ضعفوه بعلتين:
١ - العلة الأولى: أنه من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة قالوا: ولم يسمع من عروة، كما قال البخاري.
وأجيب عن ذلك: بأن حبيبًا قد روى عن طبقة الصحابة كأنس بن مالك وغيره ممن هو أكبر من عروة وأقدم منه موتًا، وقد قال ابن عبد البر: (لا شك أنه لقي عروة) فإذا ثبت أنه لقي أنس بن مالك وهو أقدم منه موتًا فأولى أن يكون قد لقي عروة.
٢ - العلة الثانية: قالوا: ليس هو عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني وهو مجهول، لكن الجواب واضح، فيقال: كيف يتجرأ عروة المزني وهو مجهول ليس من الثقات لذا ضعف به هذا الحديث، لا يمكن أن يتجرأ على أم المؤمنين عائشة. بخلاف عروة بن الزبير فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة فعائشة خالته.
فعلى ذلك تضعيف هذا السند غير وارد، فالصحيح أن هذا الحديث إسناده صحيح.
ومع ذلك فقد ورد من حديثها من عشرة طرق عن عائشة وله شواهد.
فعلى ذلك: لو سلم بتضعيف هذا السند فإن له عشرة أوجه عن عائشة، وله شواهد، فالحديث صحيح. وهو مبق على الأصل – فإن الأصل أن المس غير ناقض للوضوء – والآية الكريمة قد تقدم ترجيح أن المراد بالمس الجماع وليس مجرد مس المرأة.
والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء.
ولكن: إذا كان إذا كان بشهوة فيستحب له أن يتوضأ كما قرر هذا شيخ الإسلام قياسًا على الوضوء عند الغضب بجامع أن الغضب والشهوة من الشيطان، فيستحب له أن يتوضأ من الشهوة كما يستحب له أن يتوضأ من الغضب.
وعلى القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة تتفرع هذه المسائل:
منها: قوله: (أو تمسه بها):
[ ٢ / ٦٧ ]
إذا مست المرأة الرجل بشهوة فإن الوضوء ينتقض؛ لأن النساء شقائق الرجال، فما ثبت للرجال فهو ثابت للنساء إلا أن يدل دليل على تخصيص الرجال به.
فعلى ذلك: المرأة إذا مست الرجل وقلنا: بأن مس المرأة ناقض للوضوء - كما هو مذهب الحنابلة - فإنه ينتقض وضوؤها. أما إذا قلنا: بأن مس المرأة غير ناقض فكذلك إذا مست المرأة رجلًا.
وقوله: (ومس حلقة دبر) تقدم الكلام على هذا في الدرس السابق.
وقوله: (لا مس شعر وظفر)
الشعر والظفر ومثل ذلك السن في حكم المنفصل، فإذا مس من المرأة شعرها أو ظفرها أو سنها بشهوة فإن الوضوء لا ينتقض بذلك.
وهذا في الحقيقة على إطلاقه محل نظر، فإنا لو قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة فإنه إذا مس شيئًا من أجزائها المذكورة مما يورث الشهوة وإن كان في حكم المنفصل فإن الحكم باق. فإذا مس شعرها أو شيئًا من بدنها بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه.
إذن الحنابلة وهم القائلون بأن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء استثنوا ما هو في حكم المنفصل كظفرها وشعرها.
وعلى الترجيح المتقدم نقول: إن مس المرأة كلها ليس بناقض.
ولكن على تسليم ما ذهب إليه الحنابلة فإن إطلاق ذلك فيه نظر، فإن مس الشعر قوي مؤثر فهو قريب من مس شيء من بدنها، فإذا قلنا بنقض الوضوء إذا مسها بشهوة فينبغي أن نقول بنقض مس الشعر بشهوة، لكن الراجح أن مس المرأة غير ناقض مطلقًا.
قوله: (وأمرد)
الأمرد: هو من اخضرَّ أو طرَّ - أي اخضرَّ - شاربه ولم تنبت لحيته، فإذا مس الأمرد فإنه لا ينتقض وضوؤه.
قالوا: لأنه ليس محلًا للشهوة.
[ ٢ / ٦٨ ]
وهذا التعليل ضعيف، فإن الله قد ذكر أنه من أعظم المعاصي وأن طائفة من الناس قد ابتلوا بشهوة المعصية وحب التشهي بمثل ذلك كما قال تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ (١) فعلى ذلك متى أورث مسه شهوة، وقلنا إن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء – فمثله كذلك مس الأمرد – ولكن الصحيح أن مس المرأة لا ينقض مطلقًا فكذلك مس الأمرد.
ولا شك أن مسه محرم إذا كان بشهوة وهذا بإجماع العلماء.
كما أن النظر إليه بشهوة محرم أيضًا. أما النظر بغير شهوة فإنه مباح. فإ
ن كان النظر يخشى منه أن يورث شهوة فحينئذ قولان في مذهب الحنابلة:
القول الأول: إنه ليس بمحرم.
القول الثاني: إنه محرم، وهو أصح واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه ذريعة إلى محرم، والشريعة قد أتت بسد الذرائع.
قوله: (ولا مع حائل)
إذا كان هناك حجاب أو حائل بينه وبين المرأة التي قد مسها فإنه لا ينتقض الوضوء، بل لا ينتقض إلا بمسها مباشرة من غير حائل. وهذا على القول بأن مس المرأة ناقض، والراجح خلافه كما تقدم.
قوله: (ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة)
الملموس بدنه قالوا: لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن اللامس الشهوة فيه أشد، فعلى ذلك لا يقاس الملموس بدنه باللامس لأن الشهوة في اللامس أشد.
وهذا فيه نظر، فإنها وإن سلم أنها أشد لكن الشهوة قد ثبتت ووقعت باللمس، فالقياس الصحيح أن يقال: بأن الملموس كذلك إذا لمس وثارت شهوته باللمس فإنه بذلك ينتقض وضوؤه، فإذا مس الرجل امرأة بشهوة – وقلنا بانتقاض الوضوء بمس المرأة – فكذلك ينتقض وضوء المرأة إن أحدث بها ذلك شهوة.
ولكن كما تقدم الراجح خلاف هذا كله ولكن هذا الترجيح لبيان ضعف هذه العلة المذكورة. وأنّا متى قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء فإن علينا ألا نفرق بين لامس وملموس.
قال: (ولو وجد منه شهوة)
[ ٢ / ٦٩ ]
هنا (لو) إشارة إلى وجود خلاف، فقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والإمام الشافعي في أحد قوليه: إلى أن الملموس بدنه إذا ترتب على هذا المس شهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهو الراجح كما تقدم تعليله، فلا فرق بين لامس وملموس فقد ثبت المس وثبتت الشهوة والقياس يقتضي ذلك.
ولا فرق بين مس امرأة أجنبية أو ذات محرم، فإذا مس ذات المحرم بشهوة وقلنا بأن المس بشهوة ينقض الوضوء فلا فرق بين أن تكون أجنبية أو غير أجنبية، ولا فرق بين صغيرة وكبيرة ولا فرق بين حية وميتة؛ لأن الأمر معلق بالشهوة، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
لكن – كما تقدم – كل هذه التفريعات على القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إذا كان بشهوة.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثلاثون
(يوم الثلاثاء: ٢٢ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (وينقض غسل ميت)
هذا من مفردات المذهب وقال بهذا القول إسحاق بن راهويه: وأن من غسل ميتًا أي باشر غسله سواء كان ذلك من حائل أو لم يكن من حائل ولكنه هو الذي يقلبه بالتغسيل فإنه ينتقض وضوؤه، بخلاف من يصب الماء فإنه لا يتوفر فيه ذلك فلا ينتقض وضوؤه.
إذن المراد من باشر الغسل ولو كان ذلك عن قميص فإن الوضوء ينتقض بذلك.
واستدلوا: بما رواه البيهقي عن ابن عباس أنه سُئل هل على من غسل ميتًا غسل فقال: (أنجستم ميتكم يكفي فيه الوضوء) (١)، ونحوه عن ابن عمر في البيهقي.
قالوا: ولا يعلم لهما مخالف فيكون قولهم حجة.
- وذهب الجمهور: إلى أن غسل الميت ليس بناقض للوضوء، واختار هذا الموفق وشيخ الإسلام.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي [١ / ٤٥٦] بلفظ: " أنجستم صاحبكم يكفي منه الوضوء ".
[ ٢ / ٧٠ ]
واستدلوا: بما رواه الحاكم في مستدركه بإسناد حسن وقد حسنه الحافظ ابن حجر أن النبي ﷺ قال: (ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه]، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (١) .
قالوا: والأصل ثبوت الطهارة وبقاؤها، وما ورد عن ابن عباس وابن عمر لا يتعين أن يكون ذلك للوجوب حتى نبقى على هذا الأصل، ويقوي هذا الأصل الحديث المتقدم وفيه: (فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (٢) . وهذا القول هو الراجح.
ومع ذلك فإنه يستحب أن يتوضأ لما تقدم من الآثار قال شيخ الإسلام: " وأما الاستحباب فمتوجه ظاهر ".
ومثل ذلك الغسل من غسل الميت، فكذلك لا يجب وإنما يستحب، وقد روى الخمسة من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من غَسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) (٣) والحديث صحيح، وقد أعله بعض الحفاظ بالوقف لكن الحديث له طرق كثيرة حتى ذكر ابن القيم أن له أحد عشر طريقًا عن النبي ﷺ وقال: " وهذه الطرق تدل على أنه محفوظ ".
قال الخطابي: " ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب الغُسل من غَسل الميت ولا بالوضوء من حمله ويشبه أن يكون ذلك للاستحباب ".
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الجنائز [١ / ٣٨٦] وقال: " صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه " ورواه البيهقي [١ / ٤٥٧] موقوفًا على ابن عباس وقال: " وروي مرفوعًا ولا يصح رفعه ".
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب في الغسل من غسل الميت (٣١٦١)، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت (٩٩٣)، وابن ماجه في كتاب الجنائز باب (٨) ما جاء في غسل الميت (١٤٦٣)، وأحمد: ٢ / ٢٨٠، ٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢، و٤ / ٣٤٦، سبل السلام [١ / ١٤٤] .
[ ٢ / ٧١ ]
وما قاله هو الذي تدل عليه آثار الصحابة: فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: " كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " (١) .
وروى مالك في موطئه بإسناد صحيح: " أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبا بكر سألت الصحابة وفيهم المهاجرون والأنصار هل عليَّ من غسل؟ فقالوا: لا " (٢) .
وقد تقدم الحديث الذي فيه: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل [إذا غسلتموه] فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) .
إذن: لا يجب بغسل الميت الغسل ولا الوضوء، وإنما يستحب، فيستحب لمن غسل الميت أو أعان في غسله بالمباشرة أن يغتسل أو يتوضأ ولا يجب عليه ذلك، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
قوله: (وأكل اللحم خاصة من الجزور)
الجزور هو: الأنثى أو الذكر من الإبل جمعه جُزُر، وهذا القول هو المشهور في المذهب وأن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، وهو مذهب أهل الحديث، وهو مذهب عامة الصحابة كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة قال: (كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم) (٣) ولا يصح نسبة خلاف ذلك إلى الخلفاء الراشدين - كما ذكر ذلك النووي وغيره -، وإنما روي عنهم عدم الوضوء مما مست النار، وهذا عام في الإبل وغيرها، فالآثار إن صحت عنهم – فهي أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار - وهذا مذهب عامة الصحابة كما تقدم، وهو مذهب أحمد وإسحاق، وذهب إليه بعض الشافعية كالنووي والبيهقي والإمام ابن خزيمة، ومن المالكية ابن العربي ويحيى بن يحيى، بل قال الشافعي: " إن صح الحديث قلت به ".
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب غسل الميت (٥٢١) بلفظ: " عن عبد الله بن أبي بكر أن أسماء بنت عُميس غسّلت أبا بكر الصديق حين تُوفي، ثم خرجتْ فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة، وإن هذا يومٌ شديد البرد، فهل عليّ من غُسْل؟ فقالوا: لا ".
[ ٢ / ٧٢ ]
واستدلوا: بحديثين صحيحين – صححهما أحمد وإسحاق وغيرهما -:
الحديث الأول: ما رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم، قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم قال: نعم قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) (١)
الحديث الثاني: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي – والحديث تقدم تصحيح أحمد وإسحاق وغيرهما له –عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ: (سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: (توضؤوا منها) وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضئوا منها) (٢) .
فهذان الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من لحوم الإبل.
فإن قيل: أولا يحمل الأمر على الاستحباب؟
فالجواب: أن الأصل في الأمر الوجوب، لكن قد يكون هذا أنه أتى جوابًا لسؤال، ولكن مع ذلك هناك قرينة في الحديث تدل على أن الأمر للوجوب، وهي: أن النبي ﷺ ﷺ (سئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ)، والوضوء من لحوم الغنم مستحب.
_________________
(١) أخرجه مسلم بنفس اللفظ في كتاب الحيض، صحيح مسلم بشرح النووي [٤ / ٤٨] .
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء من لحوم الإبل (١٨٤) قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: (توضؤوا منها) وسئل عن لحوم الغنم فقال: (لا توضؤوا منها)، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل.. " وأخرجه الترمذي برقم ٥٨ مختصرًا، وابن ماجه برقم ٤٩٤ مختصرًا. سنن أبي داود [١ / ١٢٨] .
[ ٢ / ٧٣ ]
فقد ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (توضؤا مما مست النار) (١) وهذا الحديث ظاهره وجوب الوضوء من لحوم الغنم ونحوه مما مست النار.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار (٣٥١): أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الوضوء مما مست النار) . وبلفظ (٣٥٢): أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضؤوا مما مست النار)، وبلفظ (٣٥٣): فقال عروة: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: قال رسول الله ﷺ: (توضؤوا مما مست النار) .
[ ٢ / ٧٤ ]
لكن ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (أكل من كتف شاة ولم يتوضأ) (١) وهذا يدل على أن الوضوء مما مست النار من لحوم الغنم ونحوها ليس بواجب، لذا قال جابر كما في سنن أبي داود والنسائي: (كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (٢) أي عدم الإلزام به والإيجاب، بحيث أنه كان يتوضأ ويأمر أصحابه بذلك ثم لم يتوضأ أي بالفعل وإلا فقد بقي استحباب ذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق (٢٠٧)، ومسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار بلفظ: " عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ".
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار (١٩٢) قال: " حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي، حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: " كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيّرت النار "، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار (١٨٥) . وأخرج البخاري في كتاب الأطعمة، باب المنديل (٥٤٥٧): عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سأله عن الوضوء مما مست النار؟ فقال: لا، قد كنا زمان النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلًا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ ".
[ ٢ / ٧٥ ]
إذن: الوضوء من لحوم الغنم مستحب، والنبي ﷺ قال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) أي هذا ليس بواجب عليك، وأما لحوم الإبل فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) ولم يكتف النبي ﷺ بأن قال: (نعم) كما قال ذلك في قوله: (أصلي في مرابض الغنم)، أما هنا فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) فأجابه ثم أن أنشأ أمرًا بالوضوء من لحوم الإبل.
وقد تقدم قول الشافعي وأنه إن صح الحديث فهو مذهبه ولم يكن منه – ﵀ – التوقف في دلالته، وكذلك غيره من الأئمة.
وإنما من قال بخلافه من الأئمة، فإنما قال بالنسخ وأما التوقف في دلالته فليس هناك أي أحد من الأئمة.
- وذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لا يجب الوضوء من لحوم الإبل.
واستدلوا: بحديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) .
قالوا: ولحوم الإبل مما مست النار، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وهي منها
ولكن هذا ضعيف، لأن هذا عام، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، مطلق في لحوم الغنم والبقر وغيرها. وأما الحديث الذي نستدل به فهو حديث خاص فحينئذ: يخصص به هذا العموم المتقدم.
ثم إن جابرًا إنما يحكي فعل النبي ﷺ المتقدم من أكله من لحم ولم يتوضأ، وهو لحم شاة كما تقدم.
والراجح: هو القول الأول وأن لحم الجزور ناقض للوضوء، وهذا هو أصل المسألة.
وقوله: (وأكل اللحم خاصة)
هذا هو المشهور في المذهب وأن اللحم خاصة وهو الأحمر أو الأبيض هو الناقض للوضوء، أما ما يكون على الرأس والطحال والكبد وغيرها فهذا ليس من اللحم فلا ينقض الوضوء.
[ ٢ / ٧٦ ]
فاللحم وهو الأحمر من الإبل والبقر والغنم ونحوها، والأبيض من الطير ونحوه، وهو ما يسمى بالهبر (١)، فدخول اللحم في النقض هذا لا شك فهو داخل قطعًا.
أما غير اللحم كالكبد والطحال والكرش والمصران والمرق ونحوه ففيه قولان:
القول الأول: أنه ليس بناقض، لأن النص ورد في اللحم خاصة وأما غيره فلا يدخل فيه.
القول الثاني: أنه ليس خاصًا باللحم، بل عام فيه وفي غيره مما يؤكل من الإبل، فيدخل في ذلك المرق والدهن وغيره.
واستدلوا: بأن الشارع لما حرم لحم الخنزير دخل في ذلك كل أجزائه من شحم ونحوه، كما ورد في الأحاديث الصحيحة وكما قام على ذلك الإجماع، وإنما نص النبي ﷺ على اللحم؛ لأن هذا أكثره وأغلبه فعلى ذلك: يكون جملة ناقض ثم إنه يتغذى بدم واحد، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي.
إذن: كله ناقض للوضوء، فكل ما يطعم من الإبل فهو ناقض للوضوء.
* أما ألبان الإبل:
فيها قولان في المذهب:
القول الأول: وهو المشهور في المذهب إنها لا تنقض الوضوء.
_________________
(١) قال في اللسان [٥ / ٢٤٧]: " الهَبْرُ: قطع اللحم، والهَبْرَة: بضعة من اللحم أو نَحْضَة لا عظم فيها، وقيل: هي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة.. "
[ ٢ / ٧٧ ]
القول الثاني: إنها تنقض، واستدلوا بما رواه ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ.
وأما أهل القول الأول: فقالوا: إنما نص النبي ﷺ على اللحم وأما اللبن فليس في معناه، ونحن نقول في معناه الكبد ونحوه ولكن اللبن ليس بمعناه.
كما أن النبي ﷺ لما أمر العرنيين أن يشربوا من ألبان الإبل لم يأمرهم أن يتوضؤوا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وهذا القول هو الراجح، وأن من شرب لبن الإبل فإنه لا يجب عليه الوضوء.
وهل يقاس على الإبل غيرها أم لا؟
هذا ينبني على العلة، فما هي العلة التي جعلت الوضوء ينتقض بأكل لحم الإبل؟
المشهور في المذهب: أنها تعبدية، بمعنى: لا يدرى معناها.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (٤٩٦) قال: " حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد الله بن حاتم، حدثنا عبّاد بن العوّام عن حجاج عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم وكان ثقة وكان الحكم يأخذ عنه، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تتوضؤوا من ألبان الغنم، وتوضؤوا من ألبان الإبل ". والحجاج هو ابن أرطاة وهو ضعيف.
[ ٢ / ٧٨ ]
وذهب بعض أهل العلم إلى أن العلة: أن أكل لحم الإبل يورث قوة شيطانية فيطفأ بالماء، وقد قال النبي ﷺ – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود – والحديث لا بأس به: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (١) فقد شرع النبي ﷺ الوضوء من الغضب، وهنا لحم الإبل يورث قوة شيطانية لأنها خلقت من شياطين، فقد ثبت في المسند وأبي داود والترمذي والحديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين) (٢) أي خلقت منها، وهو ثابت مصرح به كما في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إنها خلقت من شياطين) (٣)
_________________
(١) أخرجه أبو داود، باب ما يقال عند الغضب من كتاب الأدب (٤٧٨٤) قال: " حدثنا بكر بن خلف والحسن بن علي، المعنيّ، قالا: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا أبو وائل القاص، قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي، فكلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ،ثم رجع وقد توضأ، فقال: حدثني أبيعن جدي عطية قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشطان خُلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) .
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل (٤٩٣)، وفي باب الوضوء من لحوم الإبل من كتاب الطهارة (١٨٤) . وأخرجه الترمذي في باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل (٣٤٨) مختصرًا بلفظ: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل) .
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب المساجد، باب الصلاة في أعطان الإبل ومُرَاح الغنم (٧٦٨) قال: " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هُشيم عن يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفل المُزني قال: قال النبي ﷺ: (صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلفت من الشياطين) .
[ ٢ / ٧٩ ]
فعلى ذلك أمر الشارع بالوضوء من لحمها لما يورث من قوة شيطانية فعلى ذلك يقاس عليها ما كان فيه هذا الوصف كالسباع ونحوها، كما قال شيخ الإسلام، فما كان فيه هذه القوة الشيطانية كما يكون في السباع ونحوها فإنه يقاس عليه في هذا الحكم، فمن أكله مضطرًا فإنه يجب عليه الوضوء.
قوله: (وكل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا إلا الموت)
هذه قاعدة، فكل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا.
[فـ]ـالحيض والنفاس وخروج المني والكافر أو المرتد إذا أسلم، فهذه توجب الغسل، وهي كذلك توجب الوضوء، لأنها لما أوجبت الطهارة الكبرى فيلزم من ذلك أن توجب الطهارة الصغرى، فعلى ذلك: إذا أرادت المرأة أن تغسل عن الحيض مثلًا، فلا يكفي لها لكي تصلي بهذا الغسل، لا يكفي أن تنوي رفع الحدث الأكبر المتمثل بالحيض، بل يجب عليها أن تنوي رفع الحدث الأصغر – إذا أرادت أن تصلي بعد الغسل –.
ومثلًا: رجل دخل في الإسلام، فاغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فإن هذا الغسل لا يجزئه فلا يستطيع أن يصلي به؛ لأنه لم ينو رفع الحدث الأصغر، لكنه يسقط عنه وجوب الغسل عند الدخول في الإسلام.
ولو أن جنبًا اغتسل بنية رفع الحدث الأكبر ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه لا يحل له أن يصلي بهذا الغسل.
فالقاعدة عندهم: أن كل ما أوجب غسلًا فإنه يوجب وضوءًا ومن ذلك الردة – فهي عندهم من نواقض الوضوء – واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١)
- وجمهور أهل العلم: على أن من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه فإنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن الوضوء عمل، والعمل لا يحبط إلا بالموت على الكفر كما قال تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ (٢) فالأعمال الصالحة لا تحبط إلا بالموت على الكفر فالمرتد يبقى عمله فإذا مات على الكفر حبطت وبطلت.
_________________
(١) سورة الزمر (٦٥)
(٢) سورة البقرة (٢١٧) .
[ ٢ / ٨٠ ]
فإذا حج ثم ارتد، ثم عاد فإن حجه يجزئ عنه. وهذا القيد تقيد به الآية المتقدمة: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، وهذا القول هو الراجح فالردة لا تبطل الوضوء فلو أن رجلًا تلفظ بلفظ يكفر به ثم استتيب فتاب وهو متوضئ قبل ذلك فوضوؤه لا ينتقض بذلك.
فالقاعدة: عند الحنابلة أن كل ما يوجب غسلًا فإنه يوجب وضوءًا إلا الموت، فإنه يوجب الغسل أما الوضوء فلا يجب أن يتوضأ بل يكفي تغسيله.
ولعل ذلك: إما لكون النية منتفية في حق الميت فلا يمكن أن ينوي – ولم أر لهم تعليلًا –.
ولعل ذلك – وهذا أظهر – لكون الغسل للميت ليس عن رفع حدث، فليس عليه حدث، بل وجب عليه الوضوء بسبب الموت، وإنما هو غسل واجب ليس عن حدث، لعل هذه العلة لاستثناء ذلك.
إذن: الموت لا يشترطون فيه ذلك.
فإن قلنا: إن نية الغاسل تكفي، فإنه لا يشترط أن ينوي توضيئه؛ لأن ذلك ليس عن حدث.
والراجح في هذه المسألة كلها أن الوضوء لا يجب، فإن من وجب عليه الغسل فلا يجب عليه الوضوء.
ذلك: لأن الشارع قال ﷾: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ (١) أي الطهارة الكبرى، ولم يأمرنا بالوضوء ولم يثبت دليل صحيح يوجب ذلك.
فعلى ذلك: الصحيح أن من اغتسل من الجنابة مثلًا فإن ذلك يجزئ عنه في رفع الحدث الأصغر وإن لم ينوه؛ لأن الحدث الأصغر داخل في الحدث الأكبر فإذا ارتفع الحدث الأكبر فقد ارتفع الحدث الأصغر – هذا من حيث المعنى –.
وأما من حيث الدليل: فإن الشارع لم يوجب الوضوء على من وجب عليه الغسل، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل صحيح.
إذن القاعدة المتقدمة فيها نظر، والأظهر أن الغسل هو الواجب فقط، فمن نوى رفع الحدث الأكبر فذلك يجزئ عنه. والحمد لله رب العالمين
الدرس الحادي والثلاثون
(يوم الأربعاء: ٢٣ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
[ ٢ / ٨١ ]
قال المؤلف ﵀: (ومن تيقن للطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين، فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما)
فإذا تيقن أنه على وضوء ثم شك هل انتقض وضوؤه أم لا؟
إذن الوضوء متيقن منه، والحدث مشكوك فيه أو العكس بأن يتيقن الحدث ثم شك هل توضأ أم لا لم يتوضأ؟ فهنا الحدث متيقن، والوضوء مشكوك فيه، ومثل ذلك في الغسل.
وقد قال النبي ﷺ: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) (١) وهذا دليل على القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي: (أن اليقين لا يزول بالشك) .
إذن: يجب عليه أن يبني على اليقين فإذا كان المتيقن أنه متوضئ، والمشكوك فيه أنه محدث فهو متوضئ، وإن كان العكس فهو محدث.
وقوله: (فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما):
أي تيقن أنه توضأ وتيقن أنه أحدث، ولكن جهل السابق منهما، لأنه إذا علم السابق من المتأخر فلا إشكال، فإذا علم أن الحدث هو المتأخر فهو محدث وإن علم أن الوضوء هو المتأخر فهو متوضئ.
ولكنه قد جهل السابق أو الآخر، فلا يدري أيهما السابق، وهنا قد علم حاله قبلهما.
مثال: رجل صلى الفجر ثم جلس يذكر الله وهو على طهارة ثم بعد طلوع الشمس تيقن حدثًا وتيقن وضوءًا فما الحكم؟
قالوا: بضد حاله قبلهما بمعنى: ننظر على أي حال كنت سابقًا، هؤلاء – أي اليقين واليقين – قد تعارضا فتساقطا، فما هي حالك قبل ذلك؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١٣٧)، (١٧٧) عن عباد بن تميم عن عمه: أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: (لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦١) .
[ ٢ / ٨٢ ]
فإن كان متوضئـ[ـًا] فهو بضد ذلك، فيكون في حكم المحدث، ويجب عليك الوضوء؛ لأنه هذه الحالة قد تيقن زوالها، لأنه قد طرأ عليها حدث.
أو العكس: بأن كان قبلهما محدثـ[ـًا] فيكون متطهرًا؛ لأن هذه الحالة السابقة قد تيقن زوالها.
إذن: المشهور في المذهب أنه إذا تيقن الطهارة وتيقن الحدث وجهل السابق وله حال سابقة من وضوء أو حدث فيكون حكمه بضد ذلك، أما هذه فقد تعارضت فتساقطت فحكمنا بما يكون بضد حاله قبلها.
وذهب بعض الحنابلة إلى: أنه يجب عليه الوضوء، وهذا هو الراجح، لأن اليقينَيْن قد تعارضا فتساقطا والصلاة لابد لها من وضوء متيقن أو وضوء مستصحب - المراد به ما تقدم –.
فعندما يقول: اليقين أني متوضئ فهذا هو الاستصحاب بمعنى: طرأ عليك شيء من الشك والاحتمال لكنه احتمال قد عارض الأصل فلا يؤثر فيه.
وهنا ليس عندنا لا تيقن ولا استصحاب حال أي ليست حاله السابقة على وضوء فنستصحبها ونقول: هذا شك، فيكون عندنا استصحاب الحال، وليس عندنا تيقن أنه متوضئ.
وهذا القول هو الراجح، وأنه يجب عليه أن يتطهر، فإذا تيقن الحدث والوضوء فلا نقول هو بضد حاله قبلهما بل يجب عليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحالة لم يثبت – في الحقيقة – وضوؤه لا يقينًا ولا ظنًا وقد قال ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (١) والطهارة المتقدمة لو قلنا: أنه كان طاهرًا سابقًا فقد أتاها الحدث، وإذا كان محدثًا سابقًا فإن الطهارة الأخرى لم يتيقن أنها المتأخرة.
إذن: إن تيقن الاثنين فيجب عليه أن يتطهر.
ومثل ذلك - وهو مذهب الحنابلة وهو واضح راجح- أنه إذا كان لا يعلم حاله قبلهما؟
بمعنى: تيقن الوضوء وتيقن الحدث لكنه لا يدري ما حاله قبلهما. فحينئذ: يحكم عليه بفرضية الوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بوضوء متيقن أو مستصحب كما تقدم.
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٨٣ ]
قوله: (ويحرم على المحدث " أي حدثًا أصغر " مس المصحف والصلاة والطواف):
قوله: " مس المصحف ": المصحف يصح بفتح الميم وكسرها وضمها فيحرم عليه أن يمس المصحف.
والمصحف يصدق على الورق التي كتبت عليها الآيات القرآنية، ويصدق على الحواشي، وهي ما يكون أعلى الصفحة وأسفلها ويمينها وشمالها، ويصدق على الغلاف الذي يتصل به، فكل ذلك مصحف فكما يقع عليه التبع، تقع عليه بقية الأحكام، ودليل ذلك ما رواه النسائي والترمذي من حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) (١) .
قالوا: هذا الحديث وإن كان مرسلًا من حيث السند لكن له شهرة عظيمة في الأمة من عصور التابعين فمن بعدهم، حتى قال الشافعي: " يثبت عندهم – أي أهل الحديث – أنه كتاب النبي ﷺ "، وقال الإمام أحمد: " لا شك أن النبي ﷺ كتبه ".
والحديث قد تلقته الأمة بالقبول مما يغني عن النظر في إسناده ومع ذلك فإن هذه القطعة ثبت لها شاهدان شاهد رواه الدارقطني من حديث ابن عمر وشاهد آخر عند الطبراني في الكبير من حديث عثمان بن أبي العاص.
فهذه القطعة صحيحة ثابتة، من غير النظر إلى المعاني المتقدمة من تلقي الأمة لها بالقبول، بل هي كذلك على موازين الاصطلاح المجردة عن تلقي الأمة، هو صحيح بشاهديه.
فإذن: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) قاله: النبي ﷺ.
_________________
(١) قال في بلوغ المرام: " رواه مالك مرسلًا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول ". وقال محققا المغني [١ / ٢٠٣]: " أخرجه الدارمي في باب لا طلاق قبل نكاح من كتاب الطلاق (٢١٦٦)، والإمام مالك في باب الأمر بالوضوء لمن مسّ القرآن، من كتاب القرآن ". أخرجه مالك في كتاب الصلاة، باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن (٤٦٩)
[ ٢ / ٨٤ ]
وقوله: (طاهر) لفظ مشترك أي التي تحمل معان، فيحتمل أن يكون معناها (إلا طاهر) أي: (إلا مؤمن) لذا ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (١) .
ويحتمل أن يكون المعنى: أن لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر لقوله تعالى: ﴿فإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ (٢) ويحتمل أن يكون المعنى: (لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأصغر ودليل تسمية المتطهر من الحدث الأصغر طاهر قول النبي ﷺ: (فإني أدخلتهما طاهرتين) (٣)، فمن تطهر من الحدث الأصغر فهو طاهر، ومن تطهر من الحدث الأكبر فهو طاهر، ومن تطهر من الشرك والكفر فهو طاهر.
فإذن: لفظة: (طاهر) لفظ مشترك.
والراجح عند الأصوليين أن اللفظ المشترك يحمل على كل ما يدل عليه من المعاني، إن لم توجد قرينة تدل على أن المراد به أحد المعاني بعينه، لا سيما في هذه اللفظة النبوية فإنها أي لفظة (طاهر) قد وقعت في سياق النفي فتفيد العموم.
أي: لا يمس القرآن إلا مؤمن ولا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر، بل لا يمس القرآن إلا متوضئ.
وهذا المذهب هو مذهب جماهير الفقهاء، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص كما في الموطأ بإسناد صحيح (٤)، وحكاه شيخ الإسلام عن سلمان الفارسي وعن ابن عمر، وقال الموفق: " ولا نعلم لهم مخالفـ[ـًا] ".
فإذن: هو مذهب أصحاب النبي ﷺ.
وقد حكاه - أي هذا القول – ابن هبيرة في الإفصاح – إجماعًا.
- وخالفت الظاهرية: فقالوا يجوز أن يمس القرآن وإن كان محدثًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو (٢٧٦٨)، ومسلم كتاب الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار (٣٤٧٤) .
(٢) تقدم.
(٣) لم أجده في باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن من كتاب الصلاة، في الموطأ.
[ ٢ / ٨٥ ]
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ (كتب رسالته إلى هرقل وفيها: (بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم – الرسالة – وفيها آية ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ﴾) (١) .
قالوا: وقد وقعت في أيدي كفار ووقوعها في أيديهم أعظم من وقوع المصاحف في أيدي المحدثين من المؤمنين. ولكن هذا الاستدلال ضعيف، ذلك لأن هذه الرسالة ليست بمصحف بل هي كتاب كتب فيه آيات من القرآن.
لذا قال الفقهاء إذا كانت الكتب كتب تفسير أو كتب فقه أو نحو ذلك، أو فيها آيات قرآنية فإنه لا يجب على من أراد أن يمسها أن يتوضأ، بل للمسلم أن يمس كتب التفسير وهو محدث حدثًا أصغر، مع كونها متضمنة للقرآن كله؛ لأنها ليست بمصحف ولا يطلق عليها قرآن.
لكن إذا كانت التفاسير كهيئة المصحف تمامًا، كما يوجد في مثل تفسير الجلالين بأن يكون كهيئة المصحف إلا أن الحواشي قد علقت عليها بعض التفسيرات فهذا في حكم المصحف، لأنه كالمصحف تمامًا إلا أن حواشيه لم يخل من كتابات بل كتب فيها تفسير هذه الآيات، أما الكتب العلمية ككتب الفقهاء وكتب المفسرين وغيرها وإن تضمنت القرآن كله أو تضمنت آيات كثيرة منه فإنها ليست بمصاحف.
إذن الراجح مذهب الجمهور من أن مس المصحف يشترط فيه أن يتوضأ ماسه.
_________________
(١) أخرجه البخاري: في كتاب بدء الوحي، رقم ٧، وأخرجه كذلك برقم ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤٠، ٢٩٧٨، ٣١٧٤،٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل (١٧٧٣) .
[ ٢ / ٨٦ ]
واعلم أن المس يصدق على أي موضع من مواضع اليدين فليس مختصًا بباطن اليد ولا بظاهرها ولا نحو ذلك؛ لأن المس يصدق على كل مباشرة من غير حائل فمتى باشر المصحف من غير أن يكون بينه وبينه حجاب سواء كان ذلك بيديه أو بأي موضع من مواضعه كأن أن يضعه على وجهه أو نحو ذلك، كل هذا محرم وهو من مس القرآن، لأن لفظة المس تصدق على ذلك.
وهل يؤذن للصبيان أن يمسوا المصاحف بلا وضوء كما يكون هذا في الكتاتيب وغيرها؟
قولان لأهل العلم:
فالمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز لهم مسه إلا بوضوء.
وذهب المالكية وهو وجه عند الحنابلة: إلى أنه يجوز لهم ذلك.
والقول الثاني هو الراجح؛ لأنهم غير مكلفين ثم إن في تكليفهم ذلك مشقة وحرج، فلما كان الأمر كذلك لم يشترط أن يتوضؤوا ولكن على وليهم أن يرشدهم إلى الوضوء عند إرادة المصحف من غير أن يجب ذلك عليهم.
وقوله: (والصلاة)
فالصلاة تحرم على المحدث وهذا بالإجماع، وقد قال النبي ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (١) متفق عليه.
وفي مسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (٢) فقد أجمع أهل العلم علي أن الصلاة لا تجوز بغير وضوء ولا فإن فعل فإنه قد فعل معصية من المعاصي وارتكب خطيئة لا يكفر بها خلافًا لأبي حنيفة لعدم الدليل الدال علي تكفيره لكن إن فعل ذلك مستهزءًا بالصلاة أو مستحلًا لهذا الفعل المحرم، فهو كافر لإجماع العلماء علي شرطية ذلك.
إذن: لا يكفر بذلك إلا إذا كان هذا مستهزءًا أو مستحلًا وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيل، باب في الصلاة (٦٩٥٤)، وفي باب لا تقبل صلاة بغير طهور من كتاب الوضوء (١٣٥)، وأخرجه مسلم في باب وجوب الطهارة للصلاة من كتاب الطهارة (٢٢٥) .
(٢) أخرجه مسلم في باب وجوب الطاهرة للصلاة من كتاب الطهارة (٢٢٤) بلفظ: (لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهُور ولا صدقة من غُلُول) .
[ ٢ / ٨٧ ]
قوله: (والطواف)
أي يشترط للطواف بالبيت أن يتوضأ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (لما قدم مكة كان أول ما بدأ أن توضأ ثم طاف بالبيت) وقد قال ﷺ: (لتأخذوا عني مناسككم) (١)
قالوا: فقد فعله وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) واستدلوا: بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير) (٢) وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام) (٣) والحديث صحيح مرفوعًا، وموقوفًا " على ابن عباس ".
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف (٩٦٠) قال: " حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب ". وأخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف (٢٩٢٢) بلفظ: عن رجل أدرك النبي ﷺ قال: " الطواف بالبيت صلاة فأقلوا من الكلام "،وفيه أن: عبد الله بن عمر قال: " أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة " قال فيه الألباني " صحيح الإسناد موقوف " وليس فيه لفظ الترمذي.
(٢) هذا لفظ النسائي كما تقدم (فأقلوا من الكلام) .
[ ٢ / ٨٨ ]
قالوا: وقد قال النبي ﷺ: (الطواف بالبيت صلاة) ومن شروط الصلاة الطهارة، وقد قال ﷺ: (مفتاح الصلاة الطهور) (١) .
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب طائفة من السلف: أن الوضوء ليس بشرط للطواف.
قالوا: لأن الله لم يوجب ذلك ولا رسوله ولا إجماع في هذه المسألة.
قال ابن القيم: " ولا نص ولا إجماع لاشتراط الطهارة – أي في الطواف – بل قد وقع فيه النزاع قديمًا وحديثًا "
وذكر شيخ الإسلام أنه قد وقع النزاع فيه بين السلف.
قالوا: وهذا هو الأصل فإنا لا نوجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو ما أجمعت عليه الأمة.
قالوا: والنبي ﷺ لم تثبت عنه في حججه ولا عمره أنه أمر الناس بالوضوء.
وما ذكرتموه من الأدلة فإنها لا تدل على المطلوب وهو فرضية الوضوء، وإنما تدل على مجرد استحبابه فإن وضوء النبي ﷺ قبل طوافه هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب.
وأما كونكم تستدلون بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) (٢)، فإنكم لم تستدلوا بهذا الدليل على مسائل هي أعظم من الوضوء، فإن المسائل المتصلة بالطواف نفسه كالاضطباع والرمل ونحو ذلك من مسائل الطواف، هذه مسائل متصلة بالطواف نفسه ومع ذلك لم توجبوها، بل جعلتموها من السنن والمستحبات باتفاقكم فأولى منها ما هو خارج عنه وهو الوضوء وغاية الأمر أن يدل ذلك على استحباب الوضوء.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٠٠٦)، (١٠٧٢) من حديث علي بن أبي طالب ولفظه (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وبرقم (١٤٧١٧) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح االصلاة الطهور) . وأخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (٣) .
(٢) أخرجه مسلم [٤ / ٧٩]، وغيره، الإرواء ١٠٧٤.
[ ٢ / ٨٩ ]
فإذن: لا يستدل مطلقًا على إيجاب كل فعله (١) - النبي ﷺ - بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) .
وأما الحديث: فإنه لا يصح الاستدلال به على هذا المطلوب بدليل: أن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي ﷺ أن الله قد أحل النطق، وقال هو موضع استدلالهم: (الطواف بالبيت صلاة)، فظاهر اللفظ غير الواقع، فإن ظاهره أن كل ما في الصلاة ثابت بالطواف، وهذا ليس بصحيح، فإن غالب مسائل الصلاة لا تثبت مسائل بالطواف كالأكل والشرب والحركة الكثيرة والالتفات الكثير ونحو ذلك مما حرم بالصلاة بالإجماع، وهو جائز في الطواف بالإجماع، فغالب مسائل الصلاة ليست ثابتة بالطواف.
وأعظم من ذلك أن الطواف لو كان صلاة حقيقة لافتتح بالتكبير واختتم بالتسليم، كما قال ﷺ: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (٢) وليس في الطواف بالاتفاق تكبير مفترض ولا تسليم مطلقًا.
فإذن: يكون قول النبي ﷺ: (الطواف بالبيت صلاة) ليس مراده أنه صلاة له أحكام الصلاة، وإنما المراد أنه عبادة يتقرب بها إلى الله، وهي عبادة متصلة بالبيت كاتصال الصلاة وأنه مأجور عليها بنية ما يؤجر عليه في الصلاة.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٠٠٦)، (١٠٧٢) من حديث علي بن أبي طالب ولفظه (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وبرقم (١٤٧١٧) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح االصلاة الطهور) . وأخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (٣) .
[ ٢ / ٩٠ ]
فيكون نظير قوله ﷺ: (فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) (١)، فإن الرجل الذي ينتظر الصلاة قد نص الشارع أنه في صلاة مع أنه ليس في الصلاة حقيقة لكنه في عبادة هي انتظار للصلاة، ومع ذلك بالإجماع لا يشترط فيه ما يشرط في المصلي، وكذلك إذا غدا إلى المسجد أو راح فإنه في صلاة كما ثبت في أبي داود – ومع ذلك فإنه لا يجب عليه ما يجب على المصلى.
إذن: يقال: حديث: (الطواف بالبيت صلاة) لم لا تستدلون به على تحريم الأكل والشرب أو غير ذلك من المسائل، فعلى ذلك: ليس المراد أنه في حكم الصلاة، وإنما المراد نظير قوله: (فإن أحدكم في صلاة) أي عليه أن يكون في سكينة ووقار وانضباط، فكما أنه إذا ذهب إلى المسجد فيجوز له ما يحرم على المصلي من الأحكام، لكنه عليه أن يكون في سكينة ووقار فكذلك هنا، عليه أن يكون كهيئة مشيته إلى الصلاة بسكينة ووقار، فيقلّ من الكلام والحركة ونحو ذلك، لكن ذلك كله جائز لا حرج فيه إلا ما دل دليل على تحريمه والنهي عنه.
وهذا – كما تقدم – هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو الراجح.
فالراجح أن الطواف بالبيت لا يشترط فيه الوضوء.
وهل يجوز له أن يطوف وهو محدث حدثًا أكبر وهل تطوف الحائض؟
محل هذا في غير هذا الباب، فسيأتي الكلام على هذا في باب الحج، والمسألة الأولى في باب الغسل إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب نواقض الوضوء
الدرس الثاني والثلاثون
(يوم الجمعة: ٢٥ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
باب الغسل
الغُسل: لغة هو فعل الاغتسال، ويصح أيضًا بالفتح (الغَسل) والأول أشهر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في مسجد السوق (٤٥٧)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (١٠٥٩) (١٠٦٠)، انترنت / موقع الإسلام / بواسطة ردادي.
[ ٢ / ٩١ ]
إلا أن الفتح أشهر في الماء الذي يغتسل به، فإنه يطلق عليه غَسلًا (١) بالفتح على الأشهر، ويطلق عليه غُسلًا بالضم، ويسمى مُغتسلًا وغسولًا، وأما الغِسل بالكسر: فهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو أشنان ونحوهما.
قال المؤلف ﵀: (موجبه خروج المني دفقًا بلذة، لا بدونها من غير نائم)
(موجبه): أي موجب الغسل وستأتي صفته الواجبة وصفته المستحبة.
(خروج المني دفقًا بلذة لا بدونها): هذا موجبه الأول وهو خروج المني دفقًا لقوله تعالى: ﴿من ماء دافق﴾ (٢) بلذة لقوله ﷺ – كما في مسلم -: (إنما الماء من الماء) (٣) وفي أبي داود: (إذا فضخت فاغتسل) (٤)، وفي المسند بإسناد حسن: (إذا حذفت فاغتسل وإن لم تكن حاذفًا فلا تغتسل) (٥) فلا يجب الغسل إلا بخروجه بلذة.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: غَسلٌ؛ لأنه نائب فاعل.
(٢) سورة الطارق.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء (٣٤٣) .
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المني (٢٠٦) قال: " حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبيدة بن حميد الحذاء عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاءً فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذُكر له، فقال رسول الله ﷺ: (لا تفعل، إذا رأيت المَذْي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل) . قال في لسان العرب: " فضْخُ الماء: دَفْعُه ".
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٨٤٧) قال: " حدثنا أبو محمد، حدثنا رِزَام بن سعيد التيمي، عن جوَّاب التيمي عن يزيد بن شريك، يعني التيمي، عن علي، قال: كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي ﷺ فقال: (إذا حذفْتَ فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل) .
[ ٢ / ٩٢ ]
فإن خرج بغير لذة كأن يخرج مرضًا أو نحوه من برد وغيره فإنه لا يثبت به نقض الطهارة الكبرى.
(لا بدونهما): أي لا بدون الدفق بلذة.
(من غير نائم): ونحوه كسكران ونحوه ممن زال عقله أو مغمى عليه، فإن هؤلاء متى خرج المني منهم فإنه يثبت به النقض أي نقض الطهارة الكبرى سواء كان ذلك بلذة أم لا، لأنه قد زال عقله فلا يمكن أن يحكم هل ثبتت اللذة أم لا.
يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن امرأة قالت يا رسول الله: (إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟) فقال: (نعم إذا رأت الماء) (١) فعلق النبي ﷺ الحكم بالاحتلام، وغيره مثله علق برؤية الماء، فبمجرد رؤية الماء يثبت نقض الطهارة الكبرى.
إذن: الناقض الأول هو خروج المني دفقًا بلذة، لا بدونها من غير نائم.
قوله: (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له)
رجل جامع ولكنه لم ينزل لكن المني قد جانب موضعه الأصلي ولم يخرج بعد، قالوا: فينقض بذلك الطهارة الكبرى.
وعللوا ذلك: بأن الجنابة هي مجانبة الماء " أي المني " لموضعه، فإذا جانب الماء موضعه أي باعد فهذه جنابة، وقد قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ .
وذهب عامة أهل العلم وهو اختيار بعض كبار الحنابلة كالموفق وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن النقض لا يثبت بمثل هذا، بل لا يثبت إلا بخروجه، واستدلوا: بحديث: (إنما الماء من الماء) وحديث: (نعم إذا رأت الماء)، والماء لم يثبت خروجه بعد.
وأما من حيث الاستعمال اللغوي فإن الجنابة لا تسمى جنابة إلا إذا فارقت البدن كله وجانبته.
أما وقد فارق موضعه إلى موضع آخر من البدن نفسه فليس بجنب: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ وهذا ليس بجنب حتى يفارق ويباعد الماء البدن كله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الحياء في العلم (١٣٠)، وفي باب إذا احتلمت المرأة من كتاب الغسل (٢٨٢)، وأخرجه مسلم (٣١٣) .
[ ٢ / ٩٣ ]
فإذن الراجح وهو مذهب جماهير العلماء – خلافًا للمشهور من المذهب – أن الماء إذا فارق موضعه فإنه لا يثبت به النقض، بل لا يثبت النقض إلا بخروجه على الصفة المتقدمة.
كما أن تحرك الريح في المعدة لا يعتبر ناقضًا إلا بخروجها وهذا بإجماع أهل العلم – فكذلك هنا في هذه المسألة فيصح قياسها عليها.
قوله: (فإن خرج بعده لم يعده)
رجل خرج منه المني دفقًا بلذة فاغتسل ثم خرجت منه قطرات بعد اغتساله – فلا يجب عليه الغسل.
وعلة ذلك: لأنه لم يخرج بلذة، ولأنه قد اغتسل بعد خروجه وهذا تبع للمتقدم الذي قد ثبت الاغتسال له وإنما هما فعل واحد.
إذن: إذا خرج شيء من المني بعد الاغتسال فإنه لا يجب فيه الغسل مرة أخرى؛ لأنه قد اغتسل لأصله، ولأنه كذلك لا تتوفر فيه الشروط المتوفرة في الماء الناقض للطهارة الكبرى وهي كونه دفقًا بلذة.
* فإذا احتلم ولم ير ماءً أي بللًا بمعني: يذكر احتلامًا ولا يجد بللًا فلا يجب عليه إجماعًا الغسل.
والعكس بالعكس: فإذا رأى بللًا وعلم أنه مني ولم يذكر احتلامًا، فإنه يجب عليه الغسل؛ لقوله ﷺ: (نعم إذا رأت الماء) (١) .
إذن: إذا رأى بللًا وعلم أنه ماء الرجل فإنه يجب عليه الغسل وإن لم يذكر احتلامًا.
والعكس بالعكس فلو ذكر احتلامًا ولم يجد بللًا فإنه لا يجب عليه – إجماعًا – الغسل.
فإذا رأى بللًا وشك أهو مني أم مذي فما الحكم؟
فالحكم أن يقال: إذا سبق نومه دواعي خروج المذي كفكر أو نظر وغيرها – فإنه يحكم بأنه مذي.
أما إذا لم تكن هذه الدواعي موجودة:
- فالمشهور في المذهب: أنه يثبت له حكم المني فيجب الغسل.
قالوا: لأن الغالب فيما يخرج بعد المنام أن يكون منيًا، فما دام هذا هو الغالب ولم يسبقه ما يغير هذا الأصل الذي أصلناه – من عدم وجود سبب المذي من فكر ونظر – نحكم عليه بأنه مني
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢ / ٩٤ ]
إذن: إذا رأى ماءً فلم يدري (١) أمذي هو أم مني، فيقال له:
إن سبق نومك دواعي المذي من فكر ونظر فهو في حكم المذي فيجب عليه الوضوء. أما إن لم تكن هذه الدواعي موجودة فهو مني.
وعن الإمام أحمد – رواية – وهو أقوى من المذهب المتقدم –: أنه يجب عليه الغسل إن ذكر احتلامًا.
بمعني: رجل رأى احتلامًا، ووجد ماءً لا يدري أهو مني أم مذي، فإنه يجب عليه الغسل – على هذا القول –.
فإن لم يذكر احتلامًا فلا.
وهناك قول ثالث – اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم وهو رواية – عن الإمام أحمد، قالوا: لا يجب عليه الغسل مطلقًا؛ لأن الطهارة الكبرى متيقنة فلا تزول بمجرد الشك.
فهنا يشك هل هو مذي أم مني ولم يتيقن فلا نتزحزح عن اليقين المتقدم إلا بيقين.
وأقواها فيما يظهر لي القول الوسط (٢)، والذي جعلنا نتزحزح عن الأصل هو وجود قرائن قوية منها: عدم دواعي المذي، ومنها أيضًا: كونها في منام، ومنها - وهو أقواها -: أنه يذكر احتلامًا.
مع أن القول الثالث فيه قوة لقوله: (نعم إذا رأت الماء) فعلق الحكم برؤية الماء، وهنا لا يمكن أن يقال إنه قد رأى الماء - مع كونه قد احتلم - لكونه قد شك فيه، ولا يعد الشاك رائيًا.
إذن هناك ثلاثة أقوال:
الأول: أنه تنتقض بذلك الطهارة الكبرى.
الثاني: أنها لا تنتقض إلا إذا كان هناك احتلامًا.
الثالث: أنها لا تنتقض مطلقًا.
قوله: (وتغيب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلًا كان أو دبرًا ولو من بهيمة أو ميت)
(حشفة): هي ما يكون أعلى الذكر أو أعلى الفرج.
(تغيب): أي إخفاء.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: يدرِ.
(٢) في حاشية الأصل - المذكرة - ما نصه: " تراجع الشيخ عن ذلك واختار القول الأخير، وذلك بقاءً على الأصل، وأما كونه يذكر احتلامًا، فإنها لا تعتبر قرينة؛ لأنه قد يحتلم ولا ينزل ".
[ ٢ / ٩٥ ]
(حشفة أصلية) (١): ليخرج حشفة الخنثى المشكل فإنها تستثنى؛ لأنها ليست بأصلية – وهذه فروع على نادر جدًا.
(في فرج أصلي): كذلك لابد أن يكون الفرج ليس فرج خنثى مشكل؛ لأنه ليس أصليًا.
(ولو من بهيمة وميت): وكذلك (غير إنسي) كأن يكون جنيًا، على القول بثبوت هذا أي إمكان جماع الإنسي للجنية أو الجني للإنسية، فإذا وقع هذا فإنه يجب الغسل.
فإذن: تغييب الحشفة الأصلية في فرج أصلي قبلًا كان أو دبرًا (ولو من بهيمة وميت) يوجب الغسل وليس البحث هنا في تحريم ذلك بل البحث في فرضية الغسل.
ودليل هذا – أي أنه إذا التقى الختانان وثبت الإيلاج فيجب الغسل، ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي رواية: (وإن لم ينزل) (٢)
_________________
(١) في الأصل: " فرج أصلي "
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب (٢٨) إذا التقى الختانان / رقم (٢٩١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وقوله (وإن لم ينزل) عند مسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل.. (٣٤٨) . قال الحافظ في الفتح [١ / ٤٧٠]: " ثم جهدها بفتح الجيم والهاء، يقال جهد وأجهد أي بلغ المشقة، قيل: كدها بحركته أو بلغ جهده في العمل بها ".
[ ٢ / ٩٦ ]
، وقد قال ﷺ: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
فإن قيل: فما الجواب علي ما ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ (أمر من أكسل أن يغسل ما مس من امرأته ويتوضأ) (٢)
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي [سنن الترمذي ج: ١ ص: ١٨٢ رقم ١٠٩] والنسائي في السنن الكبرى، ولم أجده بهذا اللفظ في أبي داود، وإنما رواه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الإكسال (٢١٦) قال: " حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، حدثنا هشام وشعبة وقتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد بين شُعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل)،. وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (٣٤٩) بلفظ: " إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) . ولم أره في النسائي " المجتبى " باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان من كتاب الطهارة. وإنما هو في السنن الكبرى للنسائي ج: ١ ص: ١٠٨ باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان رقم (١٩٦)، وج: ٥ ص: ٣٥٢ رقم ٩١٢٧. من اسطوانة مكتبة الفقه وأصوله.
(٢) أخرجه البخاري في باب غسل ما يصيب من فرج المرأة من كتاب الغسل (٢٩٣) أن أبي بن كعب قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال: (يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي)، وأخرجه مسلم (٣٤٦) باب إنما الماء من الماء من كتاب الحيض بلفظ: " عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة ثم يُكسل؟ فقال: (يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ ويصلي) .
[ ٢ / ٩٧ ]
فالجواب: أن هذا الحديث منسوخ، فقد ثبت في أبي داود والنسائي والترمذي بإسناد صحيح عن أبي بن كعب قال: (كانت الفتيا التي يقولون (الماء من الماء) رخصةً رخص الله بها ثم أمر بالاغتسال بعد) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الإكسال (٢١٤) قال: " حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، يعني ابن الحارث عن ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك، قال أبو داود: " يعني الماء من الماء ". وقال (٢١٥): " حدثنا حمد بن مهران البزاز الرازي، حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد "، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥ / ١١٥، ١١٦، وابن ماجه في باب ما جاغء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان من كتاب الطهارة، والترمذي في باب ما جاء في أن الماء من الماء من أبواب الطهارة. المغني [١ / ٢٧٢] . ولم أره في فهرس النسائي طبعة بيت الأفكار، ولم يعزه محققا المغني إليه. نصب الراية ج: ١ ص: ٨٢ قال الشيخ تقي الدين في الامام وأعل هذا الحديث بأن فيه انقطاعا بين الزهري وسهل يدل عليه رواية بن ماجة قال قال سهل بن سعد الساعدي فلم يذكر الاخبار وعند أبي داود وقال بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بن شهاب قال حدثني بعض من ارضى ان سهل بن سعد الساعدي أخبره ان أبي بن كعب أخبره ان رسول الله ﷺ فذكره وهذا يقتضى ان الزهري لم يسمعه من سهل وقد جزم بذلك البيهقي فقال وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من سهل انما سمعه من بعض اصحابه عن سهل قال بن خزيمة وهذا الرجل الذي لم يسمعه عمرو بن الحارث يشبه ان يكون أبا حازم بن سلمة بن دينار لان مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسان محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب قال الشيخ قلت قد رواه بهذا السند أبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي جعفر الجمال عن مبشر بن إسماعيل بالسند المذكور ولفظه عن أبي بن كعب ان الفتيا التي كانوا يفتون ان الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد انتهى وأخرجه البيهقي في سننه من طريق أبي داود وقال قبل إخراجه وقد رويناه بإسناد آخر صحيح موصول عن سهل بن سعد ثم ذكره وقال بن حاتم سألت أبي عن أحاديث الماء من الماء فقال كلها منسوخة بحديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب قال الشيخ وقد وقع لي رواية عن محمد بن جعفر من جهة أبي موسى عنه عن معمر عن الزهري وفيها قال أخبرني سهل بن سعد فعليك بالبحث عنها فانها مخالفة لما ذكره عمرو بن الحارث والله اعلم انتهى تلخيص الحبير ج: ١ ص: ١٣٥ لكن وقع في أبي داود ما يقتضي انقطاعه فقال عن عمرو بن الحارث عن بن شهاب حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره أن أبي بن كعب أخبره وفي رواية بن ماجة من طريق يونس عن الزهري قال قال سهل وجزم موسى بن هارون والدارقطني بأن الزهري لم يسمعه من سهل وقال بن خزيمة هذا الرجل الذي لم يسمه الزهري هو أبو حازم ثم ساقه من طريق أبي حازم عن سهل عن أبي أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد وقد وقع في رواية لابن خزيمة من طريق معمر عن الزهري أخبرني سهل فهذا يدفع قول بن حزم بأنه لم يسمعه منه لكن قال بن خزيمة أهاب أن تكون هذه اللفظة غلطا من محمد بن جعفر الراوي له عن معمر قلت أحاديث أهل البصرة عن معمر يقع فيها الوهم لكن في كتاب بن شاهين من طريق معلى بن منصور عن بن المبارك عن يونس عن الزهري حدثني سهل وكذا أخرجه بقي بن مخلد في مسنده عن أبي كريب عن بن المبارك وقال بن حبان يحتمل أن يكون الزهري سمعه من رجل عن سهل ثم لقي سهلا فحدثه أو سمعه من سهل ثم ثبته فيه أبو حازم ورواه بن أبي شيبة من طريق شعبة عن سيف بن وهب عن أبي حرب بن أبي الأسود عن عميرة بن يثربي عن أبي بن كعب نحوه وروى مالك في الموطأ عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان وعائشة كانوا يقولون إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وفي الباب عدة أحاديث في عدم الإيجاب لكن انعقد الإجماع أخيرا على إيجاب الغسل قاله القاضي بن العربي وغيره "
[ ٢ / ٩٨ ]
وهذا مذهب جماهير أهل العلم، أما إذا مس الختان الختان من غير إيلاج فلا يجب الغسل إجماعًا، وإنما يثبت الغسل بالإيلاج.
قوله: (وإسلام كافر)
إذا أسلم الكافر فيجب عليه أن يغتسل سواء كان (١) قد وقع في الجنابة في حال كفره أو لم يكن، وسواء كان كافرًا أصليًا ثم أسلم أو كان مرتدًا، فيجب عليه الغسل؛ لما ثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه بإسناد جيد عن قيس بن عاصم أنه أسلم: (فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) (٢)، وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال لما أسلم ثمامة بن أثال: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) (٣)
_________________
(١) في الأصل: كانت.
(٢) أخرجه أبو داود في باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل من كتاب الطهارة (٣٥٥) قال: " حدثنا محمد بن كثير العبدي، أخبرنا سفيان، حدثنا الأغر، عن خليفة بن حُصين، عن جده قيس بن عاصم قال: " أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر "، والنسائي في باب ذكر ما يوجب الغسل ومالا يوجبه غسل الكفار إذا أسلم، من كتاب الطهارة، كما أخرجه الترمذي في باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل من أبواب الجمعة، والإمام أحمد في المسند ٥ / ٦١. المغني [١ / ٢٧٥] .
(٣) أخرجه أحمد ٢ / ٢٤٦، ٤٥٢، ٤٨٣، في طبعة بيت الأفكار برقم (٨٠٢٤) قال: " حدثنا عبد الرحمن حدثنا عبدا لله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن ثمامة بن أثال – أو أثالة – أسلم فقال رسول الله ﷺ: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل) وبرقم (٩٨٣٢) بسند ولفظ آخر، وبرقم (١٠٢٧٣) . وقال الحافظ: " رواه عبد الرزاق وأصله متفق عليه " سبل السلام [١ / ١٧٩]، أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال (٤٣٧٢) لكن بلفظ: " أنه سمع أبا هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد ، وفيه: " أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نجْل – كذا في طبعة بيت الأفكار، ولعلها نخل كما في صحيح مسلم - قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد.. ". وأخرجه مسلم بلفظ البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه (١٧٦٤) . وأبو داود في كتاب الجهاد (٢٦٧٩) وفيه: " فاغتسل فيه ثم دخل المسجد "، فليس في رواية الصحيحين وأبي داود أمر الرسول ﷺ له بالاغتسال، وإنما فيه فعله فقط ﵁.
[ ٢ / ٩٩ ]
فهذان الحديثان حجة للحنابلة والمالكية خلافًا للشافعية والأحناف – في وجوب الاغتسال لمن أسلم سواء كان كافرًا أصليًا أو مرتدًا أو سواء ثبتت عليه الجنابة قبل إسلامه أو لم تثبت.
وحجة أهل القول الثاني: أن مثل هذه المسألة يجب أن تنتشر انتشارًا واضحًا فيثبت بأحاديث متواترة أو ظاهرة مشهورة؛ لأن الذين أسلموا في عهد النبي ﷺ لا حصر لهم فهم كثرة كاثرة ومع ذلك لم يثبت إلا هذين الحديثين.
لكن هذا التعليل لا يرد بمثله الأحاديث الصحيحة؛ لأنه ليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون متواترًا أو مشهورًا بل متى ثبت وصح فإنه يجب الاحتجاج والعمل به.
قال الأحناف: لا يجب عليه الغسل مطلقًا.
وقال الشافعية: يجب عليه إن أجنب في حال كفره وإن اغتسل في حال كفره، وإلا فلا يجب عليه الغسل.
لكن القول الأول هو الراجح وهو وجوبه مطلقًا.
قوله: (وموت)
كذلك الموت فيجب فيه الغسل وليس ذلك لكونه حدثًا أي لرفع الحدث، لكن هذا الحكم يتعدى، وقد قال ﷺ – فيمن وقصة راحلته فمات -: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) (١)، وقال ﷺ في ابنته: (اغسلنها بماء وسدر) (٢) والحديثان متفق عليهما، وفيهما وجوب غسل الميت.
قوله: (وحيض ونفاس)
_________________
(١) أخرجه البخاري [١ / ٤٧، ] ومسلم [٤ / ٢] وغيرهما، الإرواء [١٠١٢] .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب غسل الميت ووضوئه بالاء والسدر (١٢٥٣) بلفظ: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور..) وانظر (١٢٥٤)، (١٢٥٥)، (١٢٥٨)، (١٢٦١)، (١٦٧) . وأخرجه مسلم (٩٣٩) في كتاب الجنائز، باب في غسل الميت.
[ ٢ / ١٠٠ ]
إجماعًا، فيجب الغسل فيها وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: قال: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (١)
فالحائض يجب عليها أن تغتسل ومثلها النفاس، والنفاس حكمه حكم الحيض، فإنما هو دم يخرج من الرحم.
وما هو إلا الدم المتجمع في الرحم عند توقف الحيض عن الحامل، فهو دم خارج من الرحم بل في الظاهر أنه نفس الدم الذي يخرج من المرأة في أيام عادتها، وقد منع خروجه الحمل، وقد خرج بعد ذلك من رحمها فيجب عليها الغسل.
لكن يستثنى من ذلك قوله:
(لا ولادة عارية من الدم)
وهذا قد يكون في غاية الندرة، فلا يجب عليها أن تغتسل لعدم وجود الدم، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولم يكن بمعنى المنصوص عليه أو المجمع عليه. فإذا ثبت مثل هذا فلا يجب عليها الغسل.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث والثلاثون
(يوم السبت: ٢٦ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن)
(من لزمه الغسل): أي وجب عليه الغسل، فانتقضت طهارته الكبرى فيحرم عليه أن يقرأ القرآن.
وقد تقدم أن الجنب ينهى عن مس المصحف لحديث: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) (٢)، أما هنا فهو حكم قراءة القرآن للجنب، فقال المؤلف: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) فيدخل في ذلك الحائض والنفساء فإنه يجب عليهن الغسل.
فيحرم على من لزمه الغسل – قراءة القرآن آية فصاعدًا بقصد القراءة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره (٣٢٠) بلفظ: عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال: (ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)، وأخرجه مسلم (٣٣٣) .
(٢) تقدم صْ ٦٣
[ ٢ / ١٠١ ]
أما لو دعا أو ذكر الله بآيات قرآنية فلا يثبت عليه هذا الحكم، فلو دعا بقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (١) أو قال دعاء الركوب وفيه: (سبحان الذي سخر لنا هذا) (٢)، أو قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (٣) أو: (الحمد لله رب العالمين) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم) فهي آيات قرآنية لكنه لم يقصد بها القرآن، فإذا لم يقصد بها القرآن فلا بأس.
وما ذكره - من أنه يحرم على من لزمه الغسل قراءة القرآن - وهو مذهب الجمهور، وأنه يحرم على الحائض والجنب قراءة القرآن، واستدلوا:
_________________
(١) سورة البقرة.
(٢) سورة الزخرف.
(٣) سورة البقرة.
[ ٢ / ١٠٢ ]
بما رواه الخمسة عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا) (١) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة،باب في الجنب يقرأ القرآن (٢٢٩) قال: " حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان، رجل منا ورجل من بني أسد أحْسَبُ، فبعثهما علي ﵁ وجهًا وقال: إنكما عِلْجان فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المَخْرج ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسَّح بها ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن،ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبُه أو قال يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة "، وأخرجه الترمذي مختصرًا برقم ١٤٦، والنسائي برقم ٢٦٦، ٢٦٧، وابن ماجه برقم ٥٩٤. وأخرجه الإمام أحمد برقم (٨٤٠) قال: " حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلت على علي بن أبي طالب، فذكره بطوله. وأخرجه مختصرًا برقم (٦٢٧) قال: " حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا)، وأخرجه برقم (٦٣٩) و(١٠١١) و(١١٢٣) .
[ ٢ / ١٠٣ ]
وبما رواه الترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن) (١) .
قالوا: فهذه أدلة تدل على أنه لا يجوز له أن يقرأ القرآن. قالوا: وهو مذهب علي بن أبي طالب، فقد ثبت عنه عند الدارقطني وعبد الرزاق وابن أبي شيبة (٢) بإسناد صحيح أنه قال: (اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنبًا، فأما إن كان أحدكم جنبًا فلا ولا آية) .
إذن هذا هو مذهب جماهير العلماء.
وذهب بعض الفقهاء: إلى أن قراءة القرآن للجنب جائزة وأن الجنب لا يمنع من قراءة القرآن.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن (١٣١) قال: " حدثنا علي بن حُجْر والحسن بن عَرَفَة قالا حدثنا إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن) قال: وفي الباب عن علي، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعّف روايته عنهمه فيما ينفرد به، وقال: إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام، وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح من بقية، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات، قال أبو عيسى: حدثني أحمد بن الحسن قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ذلك ". وأنكره الألباني رحمه الله تعالى. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة (٥٩٦) من طريق إسماعيل بن عياش حدثنا موسى.. "
[ ٢ / ١٠٤ ]
قالوا: كما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ: (كان يذكر الله على كل أحيانه) (١) قالوا: وقراءة القرآن من ذكر الله.
قالوا: والأصل جواز ذلك ما لم يدل دليل صحيح على المنع منه. قالوا: ولا دليل صحيح يدل على ذلك.
أما الحديثان اللذان استدللتم بهما فهما ضعيفان:
أما الحديث الأول: فإن فيه: عبد الله بن سلمة وهو ضعيف، وقد قال فيه الشافعي: " كان أهل الحديث يوهنونه "، وممن ضعفه الإمام أحمد.
أما الحديث الثاني: فإن فيه: إسماعيل بن عياش وقد رواه عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة، لذا اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث وممن نص على تضعيفه شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإذن: هذان الحديثان ضعيفان.
قالوا: والأصل معنا، فإن الأصل هو الجواز حتى يرد الدليل الدال على تحريم ذلك، ولا دليل صحيح يدل عليه.
نعم: يستحب له ذلك فإن النبي ﷺ قال - كما في أبي داود بإسناد صحيح -: (فإني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (٢)
أما أن يذكر الله أو يقرأ القرآن على غير طهر فذلك جائز، ولكن مع ذلك يستحب له أن يتطهر لذلك من غير إيجاب.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها (٣٧٣) عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ".
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب أيرد السلام وهو يبول (١٧) قال: " حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حُضين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قُنْفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهتُ أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر) أو قال: (على طهارة) . قال في حاشية سنن أبي داود [١ / ٢٣]: " أخرجه النسائي في الطهارة برقم ٣٨، وابن ماجه برقم ٣٥٠ ".
[ ٢ / ١٠٥ ]
فيستحب له إذا أراد القراءة أن يتطهر، ولكن من غير إيجاب.
وهذا المذهب هو مذهب ابن عباس، كما صح ذلك عنه في البخاري معلقًا، فقد قال البخاري: " ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا " (١) وقد وصله ابن المنذر.
فعلى ذلك: هذا يعارض ما ثبت عن علي، والصحابة إنما تكون أقوالهم حجة إذا لما تتعارض.
فإذن القول بجواز القراءة هو قول ابن عباس وهو قول البخاري وابن المنذر والطبري وهو مذهب الظاهرية، وهو الراجح، لكن يستحب له أن يغتسل لذلك، وكذلك هو – أي القول بالجواز- مذهب طائفة من التابعين كسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وهو مذهب ذهب إليه أئمة كالبخاري وابن المنذر والطبري، وهو الراجح.
وأولى منه الحائض، فإذا ثبت الحكم للجنب فأولى منه أن يثبت للحائض خلافًا للجمهور أيضًا.
إلا أن الإمام مالك أجازه إذا خشيت أن تنسى المرأة حفظها للقرآن فيجوز لها – وهو اختيار شيخ الإسلام –.
والقول بالتعميم هو الراجح لما تقدم، فإن الحائض أولى من الجنب لأمرين:
١ – الأمر الأول: أن الحائض ما عليها من الحدث بغير اختيارها ولا يمكنها أن تزيله إلا أن يذهبه الله عنها، وأما الجنب فليس أمره كذلك بل يمكنه أن يغتسل بمجرد أن يؤمر بذلك.
وأما الحائض فليس لها ذلك بل هو أمر قد كتبه الله على بنات آدم – كما قال النبي ﷺ (٢) -.
٢- الأمر الثاني: أن الحائض قد تطول مدتها، فقد يبلغ سبعة أيام أو دون ذلك أو أكثر من ذلك فتحتاج أن تقرأ القرآن.
_________________
(١) ذكره البخاري معلقًا في باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت من كتاب الحيض بلفظ: " ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا ".
(٢) ذكره البخاري تعليقًا في باب كيف كان بدء الحيض من كتاب الحيض فقال: " وقول النبي ﷺ: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ".
[ ٢ / ١٠٦ ]
بخلاف الجنب فإن مدته تقصر، لأنه مطالب بالصلاة، وألا يصلي إلا بطهارة كبرى وصغرى، فيجب أن يتطهر، فمدته قصيرة غالبًا.
فإذا ثبت لنا جوازه في الجنب فأولى منه أن يثبت للحائض، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما.
قوله: (ويعبر المسجد لحاجة)
فإن لم يكن هناك حاجة فلا يجوز له أن يعبر المسجد.
ولو قيل: (ولا يعبر المسجد إلا لحاجة) لتبين الحكم ووضحت العبارة، بخلاف: (ويعبر المسجد إلا لحاجة) (١) وإن كان يفهم منها أنه لا يجوز له ذلك لكن لو قال: (ولا يعبر إلا لحاجة) لكان أصرح في الحكم.
هذا هو المشهور في المذهب وأنه لا يجوز للجنب العبور في المسجد إلا لحاجة.
إذن: مكثه في المسجد ولبثه فيه محرم، فلا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد، أما المرور فيجوز إن كانت هناك حاجة. واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾ (٢) قالوا: أي مواضع الصلاة وهي المساجد: ﴿وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا﴾ أي لا تقربوا المساجد وأنتم جنب: ﴿إلا عابري سبيل﴾ فإذا كنتم عابري سبيل فيجوز لكم أن تعبروا المساجد.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ويعبر المسجد لحاجة.
(٢) سورة النساء.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وبما رواه أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (١) وهو مذهب الشافعية كذلك وأن اللبث في المسجد محرم إلا إذا كان على هيئة العابر المار فإنه يجوز له ذلك.
لكنه يكره له ذلك إن لم يكن هناك حاجة؛ لأن اتخاذ المساجد طرقًا مكروه، فلا يجوز للمسلم سواء كان جنبًا أو غير جنب أن يعبر المساجد إلا إذا كانت هناك حاجة، لأن المساجد يكره أن تتخذ طرقًا كما ورد النهي عن ذلك في الطبراني في الكبير وغيره – وسيأتي في باب المساجد – لذا قال: (إلا لحاجة)؛ لأن مروره من غير حاجة مكروه سواء كان جنبًا أو غير جنب.
إذن: الحنابلة والشافعية: قالوا: لا يجوز المكث في المسجد للجنب إلا إذا كان عابرًا للسبيل فإنه يجوز له ذلك. ويكره له أن يعبر لغير حاجة سواء كان جنبًا أو لم يكن جنبًا.
ووافقهم بقية المذاهب الأربعة بأن اللبث محرم استدلالًا بحديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) .
ولكنهم لم يوافقوهم في جواز العبور، بل ذهبت المالكية والأحناف: إلى أنه لا يجوز العبور.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في باب في الجنب يدخل المسجد من كتاب الطهارة (٢٣٢) قال: " حدثنا مسدد حدثن عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جَسْرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجّهوا هذه البيوت عن المسجد) ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد، فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أم سلمة عن النبي ﷺ نادى بأعلى صوته (إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض)،سنن أبي داود [١ / ١٥٩] .
[ ٢ / ١٠٨ ]
وأجابوا عن الاستدلال بالآية، وقالوا: معنى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا: ﴿وأنتم سكارى ولا جنبًا﴾ أي ولا تصلوا وأنتم جنبًا فإن الصلاة لا تحل للجنب ﴿إلا عابري سبيل﴾ أي إلا مسافرين، فإذا كنتم مسافرين فيجوز لكم أن تصلوا وأنتم جنب إذا تيممتم، ثم ذكر الله بعد ذلك التيمم.
وهذا التعبير أصح، ذلك لأن هذا التعبير لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قوله: ﴿لا تقربوا﴾ أي لا تصلوا فإن المعنى هو الظاهر.
وأما إذا قلنا: (لا تقربوا مواضع الصلاة) فقد احتجنا إلى أن نقدر محذوفًا، والأصل ألا يكون هناك تقدير محذوف وهذا هو الراجح في تفسيرها (١)
_________________
(١) قال الشيخ في شرح أخصر المختصرات الذي شرح في رأس الخيمة عام ١٤١٩ هـ ما نصه: " ودليل منع الجنب من اللبث في المسجد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ يعني إلا مجتازين، ولا يصح أن يكون المراد بعابري سبيل: المسافرين، لأنهم يقال لهم: بنو سبيل، ولا يقال: عابري سبيل. فالجنب يمنع من دخول المسجد إلا مجتازا، يعني يدخل من باب ويخرج من باب إن احتاج إلى ذلك. ويدل على ذلك – كما يدل على جواز مكثه إن توضأ – ما رواه سعيد بن منصور عن عطاء بن يسار قال: كان أصحاب النبيﷺ - يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة. مفهومه: أنهم إذا لم يتوضؤوا وضوء الصلاة فإنهم لا يجلسون في المسجد، وفيه أيضا أنهم إذا توضؤوا فإنهم يجلسون، وكما هو معلوم أن الوضوء يخفف الجنابة. إذا الجنب إذا توضأ فلا بأس أن يجلس في المسجد، وأما قبل ذلك فلا يجوز له المكث فيه، ويستثنى من ذلك أن يكون عابرا للسبيل. والمالكية يمنعون من ذلك مطلقا، يقولون: لا يجوز له مطلقا الدخول إلى المسجد ولو كان عابرا للسبيل. والجمهور أيضا: لا يجيزون له المكث في المسجد ولو توضأ. لكن الصواب كما تقدم، وهو المشهور في مذهب أحمد، وتدل عليه الآثار – منها الأثر المتقدم -. إذًا المكث لا يجوز في المسجد للجنب إلا إذا توضأ، وأما الاجتياز فهو جائز عند الحاجة إلى ذلك "
[ ٢ / ١٠٩ ]
إذن: مذهب المالكية والأحناف في تفسير هذه الآية أصح.
لكن ما ذهبوا إليه من تحريم اللبث والمكث في المسجد قد خالفهم فيه بعض العلماء فقالوا: يجوز المكث للجنب في المسجد. وهو مذهب ابن المنذر والمزني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الظاهرية. قالوا: يجوز للجنب أن يمكث في المسجد.
قالوا: والحديث ضعيف، وقد ضعفه البيهقي وعبد الحق الأشبيلي وابن حزم. وفيه جَسْرة وقد ذكر البخاري أن في أحاديثها مناكير، فإذا ثبت ذلك فإنه يجب التوقف في حديثها، فإن في بعض أحاديثها مناكير فوجب أن يتوقف في حديثها، ولم يوثقها إمام معتبر بل وثقها ابن حبان والعجلي فلم يكن من الحق اعتماد حديثها في مسألة من المسائل الشرعية والأمر كذلك.
فإذن: الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ للتوقف في حال جسرة، فإن ثبت التوقف كان العمل كذلك، والحديث المتوقف فيه – كما ذكر ابن حجر في النزهة – كالحديث المردود تمامًا.
إذن: الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ وعلى ذلك فيجوز مطلقًا كما هو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب المزني من كبار أئمة الشافعية، وهو مذهب ابن المنذر وهو إمام مجتهد مشهور، فهذا هو مذهبهم؛ لضعف الحديث، ولأن الآية الكريمة الصحيح في تفسيرها ما ذهب إليه المالكية والأحناف، وأن المراد بقوله: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا، فعلى ذلك لا تصلوا وأنتم جنب، إلا إذا كنتم مسافرين فلم تجدوا ماءً فتيمموا وصلوا – وإنما استثنى في الجنب المسافر؛ لأن الغالب فيمن يفقد الماء إنما هو المسافر. بخلاف الحاضر فإنه يقل فقده للماء فلم يحتج إلى التنبيه عليه.
إذن: الراجح مذهب بعض العلماء وهو مذهب الظاهرية وأن المكث في المسجد – للجنب – جائز مطلقًا.
[ ٢ / ١١٠ ]
أما الحائض فلا يجوز لها كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (أمر الحيض أن يعتزلن المصلى) (١) وثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال لعائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد فقالت: إني حائض فقال: إن حيضتك ليست بيدك) (٢) فهذا يدل على أنه قد تقرر عندها – وقد أقرها النبي ﷺ على ذلك – أن الحائض لا تدخل المسجد ولا يجوز لها ذلك.
ومن ثمَّ نهيت عن الطواف بالبيت، فقد قال ﷺ لعائشة: (غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٣) متفق عليه.
فإذن: الراجح أنه يجوز المكث واللبث في المسجد للجنب، أما الحائض فلا يجوز لها مطلقًا المكث في المسجد واللبث فيه.
وقبل ذلك: مرورها إلا عند الضرورة، لأن المرور نوع مكث، فلا يجوز لها المرور إلا للضرورة.
قوله: (ولا يلبث فيه بغير وضوء)
هذه هي مسألة اللبث، فيكون هذا تصريح منه بأن اللبث ينهى عنه الجنب، والحائض ممن يلزمه الغسل فلا يجوز له اللبث إلا بوضوء.
وهذا من مفردات المذهب وأن الجنب – وهذا على القول بتحريم مكثه في المسجد – لا يجوز له أن يلبث في المسجد إلا إذا توضأ فيجوز له اللبث.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين.. (٣٢٤) عن أيوب عن حفصة قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة.. فلما قدمت أم عطية.. سمعته يقول: (يخرج العواتق وذوات الخدور ويعتزل الحيض المصلى) وفي باب وجوب الصلاة في الثياب من كتاب الصلاة (٣٥١) بلفظ: عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج الحيض ويعتزل الحُيّض عن مصلاهن..)، وأخرجه مسلم (٨٩٠)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها.. (٢٩٨) .
(٣) رواه البخاري [١ / ٨٣ ] ومسلم [٤ / ٣٠] وأبو داود والنسائي والترمذي، الإرواء رقم ١٩١.
[ ٢ / ١١١ ]
وحجتهم: ثبوت ذلك عن الصحابة، كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار قال: (كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة) (١) وسيأتي الكلام على أن الوضوء مخفف للجنابة عند الكلام على استحباب الوضوء عند النوم.
فإذن: مذهب الحنابلة – ولو قلنا بتحريم المكث واللبث لقلنا به - لأن هذا فعل أصحاب النبي ﷺ فلو احتلم رجل في المسجد ثم قام فتوضأ ثم عاد فنام فإنه قد فعل أمرًا جائزًا، فيجوز له أن يمكث إذا توضأ.
ومثله – كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – النفساء والحائض إذا توقف عنهما الدم، فإنهما في حكم الجنب، فإذا توضآ جاز لهما المكث، فإذا قلنا أنه لا يجوز للجنب المكث في المسجد إلا إذا توضأ، فكذلك الحائض والنفساء إذا انقطع عنهما الدم.
وما ذكره شيخ الإسلام قد يقال فيه شيء من النظر وهو أن الحُيَّض في الغالب، فيهن من يتصف بهذا الوصف وهو الانقطاع عن الدم، ولم يستثن النبي ﷺ عند أمرهن باعتزال المصلى، لا سيما النفساء – على القول بأن النفساء لا تطهر بانقطاع دمها – فهذا فيها أوضح.
فأمرهن باعتزال المصلى ولم يستثن النساء اللاتي انقطع عنهن، وهن في الغالب يكن كثيرات.
وقد يقال: لم يستثن النبي ﷺ ذلك؛ لأن الغالب أن من انقطع دمها فإنها تغتسل وتحضر الصلاة فيذهب هذا التنظير.
فعلى ذلك قول شيخ الإسلام لا يحمل على انقطاعه أثناء مدة الحيض أو النفاس وإنما يحمل على انقطاعه الذي يجب منه الغسل، ومتى كان كذلك فلها أن تتوضأ وتلبث أو تمكث في المسجد.
إذن: ما ذكره شيخ الإسلام – وهو على المذهب – وجيه واضح.
فالحائض لا يجوز لها المكث في المسجد فإن انقطع دمها فيجوز لها المكث بعد الوضوء، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قياس واضح بيِّن.
[ ٢ / ١١٢ ]
قوله: (ومن غسل ميتًا أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل)
(ومن غسل ميتًا): تقدم استحباب الغسل من غسل الميت للحديث: (من غسل ميتًا فليغتسل) (١) وقد تقدم تصحيحه. وفيه استحباب الغسل من غسل الميت، وأن من باشر غسل الميت سواء باشره كله أو بعضه فإنه يستحب له الغسل.
(أو أفاق من جنون أو إغماء بغير حلم): لأنه إذا ثبت الاحتلام فقد وجب الغسل، وقد ثبت في الصحيحين (٢) أن النبي ﷺ: (لما أغمي عليه في مرض موته اغتسل بعد أن أفاق) فهذا يدل على استحبابه في المغمى عليه.
ومثله من أفاق من جنون من باب أولى، وقد قال الموفق: " ولا أعلم فيه خلافًا ".
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب في الغسل من غسل الميت (٣١٦١)، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت (٩٩٣)، وابن ماجه في كتاب الجنائز باب (٨) ما جاء في غسل الميت (١٤٦٣)، وأحمد: ٢ / ٢٨٠، ٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢، و٤ / ٣٤٦، سبل السلام [١ / ١٤٤] . وقد تقدم صْ ٥٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة (١٩٨) بلفظ: أن عائشة قالت: لما ثَقُل النبي واشتد به وجعه أن النبي ﷺ قال بعدما دخل بيته واشتد وجعه: (هريقوا عليّ من سبع قرب، لم تُحْلَل أَوْكِيَتُهُنّ، لعلِّي أعهد إلى الناس) وأُجْلِس في مخْضَب لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه تلك، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتنّ، ثم خرج إلى الناس)، وأخرجه في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ (٤٤٤٢) وفي آخره: قالت: ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم ". وأخرجه مسلم (٤١٨)
[ ٢ / ١١٣ ]
قوله: (بلا حلم): أما إذا وقع احتلام في الإغماء أو نحوه فإنه يجب عليه أن يغتسل؛لأن ذلك موجب من موجبات الغسل كما تقدم لقول النبي ﷺ: (نعم إذا رأت الماء) (١) .
والحمد لله رب العالمين
الدرس الرابع والثلاثون
(يوم الأحد: ٢٧ / ١١ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثلاثًا )
قوله: " والغسل الكامل " أي الغسل الجامع بين ما يفترض وما يسن.
قوله: " أن ينوي " لقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الحياء في العلم (١٣٠)، وفي باب إذا احتلمت المرأة من كتاب الغسل (٢٨٢)، وأخرجه مسلم (٣١٣)، وقد تقدم صْ ٧٠.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان برقم (٥٤) فقال: " حدثنا عبد الله بن مسلمة قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: (الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى ) الحديث. في كتاب بدء الوحي (١) فقال ﵀: " حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع عَلْقَمَةَ بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . ومسلم في كتاب الإمارة (١٩٠٧) - شرح النووي المجلد الخامس [١٣ / ٥٣] – قال: " حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى، فما كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . حدثنا محمد بن رُمْح بن المهاجر أخبرنا الليث ح وحدثنا أبو الربيع العَتَكي حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب يعني الثقفي ح وحدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حفص يعني ابن غياث ويزيد بن هارون ح وحدثنا محمد بن العلاء الهَمْدَاني حدثنا ابن المبارك ح وحدثنا ابن أبي عُمر حدثنا سفيان، كلهم عن يحيى بن سعيد بإسناد مالك، ومعنى حديثه وفي حديث سفيان سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يُخبر عن النبي - ﷺ -.
[ ٢ / ١١٤ ]
قوله: " ثم يسمي " قياسًا على الوضوء، فإن الغسل إحدى الطهارتين.
قوله: " ويغسل كفيه ثلاثًا " ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه (وهنا قال المؤلف: ويغسل كفيه ثلاثًا) ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ ثم يأخذ الماء فيُبلغ أصول الشعر، ثم حثى على رأسه ثلاث حثيات ثم غسل سائر جسده) (١) .
فهذا الحديث فيه صفة الغسل وأنه: يبدأ أولًا بغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيخلل به أصول شعره ثم يحثي علي رأسه ثلاث حثيات ثم يغسل سائر جسده، أي بقية جسده، فإن سائر الشيء بقيته.
وهنا عند قوله: (ويعم بدنه غسلًا ثلاثًا) هذا هو المذهب وأنه يستحب أن يعم بدنه غسلًا ثلاثًا قياسًا على الوضوء.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل (٢٤٨) بلفظ: " كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله) (٢٦٢) . وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة بلفظ: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه.
[ ٢ / ١١٥ ]
لكن هذا القياس قياس ليس صحيحًا لمخالفته لظواهر الأدلة الشرعية كحديث عائشة وحديث ميمونة وليس في ذلك أن النبي ﷺ غسل جسده ثلاثًا، فظواهر الأدلة الواردة في غسل النبي ﷺ ظاهرها أن النبي ﷺ إنما اكتفى بغسل يديه مرة واحدة. وقد بوب عليه البخاري بابًا بهذا المعنى وهو اختيار شيخ الإسلام وذهب إليه بعض الحنابلة.
إذن: ذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أنه لا يشرع له أن يعم بدنه ثلاثًا وأنه ليس بمستحب بل إنما يعم بدنه بالغسل مرة واحدة.
أما استحباب الثلاث فلا دليل عليه بل ظواهر الأدلة تدل على أنه يغسل بدنه مرة واحدة وبذلك بوب البخاري.
وقوله: (ويحثي على رأسه ثلاثًا يرويه): عليه أن يروي رأسه ويتأكد من وصول الماء إلى أصول الشعر.
وعلى الرجل أن ينشر رأسه إن كان غير منشور لما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (وأما الرجل فلينشر شعره فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الوضوء بعد الغسل (٢٥٥) قال: " حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عيّاش قال ابن عوف: وحدثنا محمد بن إسماعيل عن أبيه، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد قال: أفتاني جُبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: (أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيّها) .
[ ٢ / ١١٦ ]
وأما المرأة سواء كانت حائضًا أو جنبًا – وقد ضفرت شعرها - فلا يجب عليها أن تنقضه، لما ثبت في مسلم أن أم سلمة سألت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: إني امرأة أشد ضفر شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ فقال النبي ﷺ: (لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (١) .
أما الجنب فهو باتفاق العلماء.
وأما الحائض فهل يجب أن تنقض شعر رأسها عند الغسل أم لا؟
قولان في مذهب أحمد وغيره: أصحهما أنه لا يجب عليها ذلك للحديث المتقدم (٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتسلة (٣٣٠) بلفظ: " عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) .. وفي حديث عبد الرزاق: فأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال (لا)
(٢) قال الشيخ في شرحه لأخصر المختصرات الذي شرحه في رأس الخيمة أواخر عام ١٤١٩ وبداية ١٤٢٠ هـ ما نصه: " المرأة إذا اغتسلت للجنابة فلا يجب عليها أن تنقض شعر رأسها، بل تكتفي بصب الماء على الشعر حتى تروي أصوله، يدل عليه ما ثبت في مسلم أن النبيﷺ - سئل عن نقض الشعر للجنابة، فقالت أم سلمة ﵂: أنا امرأة – يا رسول الله – أشد ظفر شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة. فقال النبيﷺ -: (لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي الماء فتطهرين) . إذا دل هذا الحديث أن غسل الجنابة في حق المرأة لا يجب معه نقض الشعر. وأما الرجل فإنه يجب عليه إن كان شعره ملبدا أن ينقضه، لما ثبت في أبي داود أن النبيﷺ - قال: (وأما الرجل فلينشر شعر رأسه وليغسله حتى يبلغ أصول شعره) . إذا المرأة لا تنقض شعر رأسها من الجنابة، وهذا باتفاق العلماء. وأما الحيض فقال المؤلف هنا: وتنقض المرأة شعرها لحيض. لما ثبت في ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبيﷺ - قال: (انقضي شعرك واغتسلي) قال ذلك للحائض، ولأن غسل الحائض آكد من غسل الجنابة، فإن النبيﷺ - لما سألته أسماء – كما في مسلم – عن غسل الحائض، ذكر لها الماء والسدر، ولما سألته عن غسل الجنابة ذكر لها الماء فقط. ولما ذكر الشعر قالﷺ -: (وتصب الماء على شعرها وتدلكه دلكا شديدا) قاله في شعر الحيض، وأما في الجنابة فقالﷺ -: (فتدلكه دلكا) ولم يقل: شديدا. فغسل الحيض آكد من غسل الجنابة وأبلغ. وغسل الجنابة يتكرر، وشق مع ذلك أن تنقض كلما اغتسلت المرأة للجنابة، وأما الحيض فإنه لا يتكرر. هذا هو الشهور في مذهب الإمام أحمد وعليه نصوصه، وهو من مفردات المذهب. وأما الجمهور فقالوا: يستحب، فلو لم تنقضه فلا بأس. -واستدلوا: برواية في مسلم من حديث أم سلمة – في بعض الروايات – أنها قالت: أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة، فقال النبيﷺ -: (لا) . -والجواب: ما ذكره ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن: أن هذه اللفظة غير محفوظة، فقد تفرد به عبد الرزاق عن الثوري، وعامة الرواة لم يذكروا هذه اللفظة، وكذلك قال ابن رجب في الفتح: ولعلها غير محفوظة. وقد ورد هذا الحديث من طريقين، وفي أحد الطريقين قد تفرد عبد الرزاق عن غيره من الرواة، وأما الطريق الثاني فقد اتفق الرواة فيه على ذكر الجنابة دون الحيضة. فالمقصود أن هذه اللفظة معلولة، وعلى ذلك فإن الحائض تنقض شعرها، ولأن هذا هو الأصل، ولذلك قلنا في الرجل أن ينشر شعر رأسه.
[ ٢ / ١١٧ ]
وأما ما روي ابن ماجه في غسل الجنابة وفيه قال: (انقضي شعرك واغتسلي) فهذا يحمل على الاستحباب لحديث أم سلمة المتقدم وفيه: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات)، فعلى ذلك قوله – في غسل الحائض -: (انقضي شعرك واغتسلي) يكون للاستحباب.
إذًا: أصح قولي العلماء أنه لا يجب على المرأة إذا كانت حائضًا أن تنقض شعر رأسها إذا ضفرته بل تحثي عليه ثلاث حثيات، وأما الرجل فيجب أن ينقض شعر رأسه وأن يصل الماء إلى أصول الشعر.
قوله: (ويدلكه)
فيستحب له أن يدلك بدنه ليتأكد من وصول الماء إلى أجزاء البدن، ليتأكد من ذلك أو ليغلب على ظنه، ولا يجب عليه ذلك – أي الدلك – متى تيقن وصول الماء إلى أجزاء البدن أو غلب على ظنه.
إذن: لا يجب أن يدلك بدنه متى تيقن وصول الماء أو غلب على ظنه. وإنما يشرع له ذلك ليتيقن.
أما إذا علم أن بعض أجزاء بدنه لم يصلها الماء فإنه يجب عليه أن يتأكد من وصول الماء إلى هذه الأجزاء.
قوله: (وتيامن)
استحبابًا، لحديث عائشة: (كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (١) والغسل من الطهور، فيستحب له أن يتيامن فيه بأن يبدأ بشقه الأيمن ثم شقه الأيسر.
قوله: (ويغسل قدميه مكانًا آخرًا)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب التيمن في الوضوء والغسل من كتاب الوضوء، وفي باب التيمن في دخول المسجد وغيره من كتاب الصلاة، وفي باب التيمن في الأكل وغيره من كتاب الأطعمة، وفي باب يبدأ النعل باليمنى، وباب الترجيل من كتاب اللباس، ومسلم في باب التيمن في الطهور وغيره من كتاب الطهارة، وأبو داود في باب الانتعال من كتاب اللباس وبقية الخمسة، المغني [١ / ١٣٦] . أخرجه أبو داود (٤١٤٠) بلفظ: " كان رسول الله يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله ونعله، قال مسلم: وسواكه، ولم يذكر في شأنه كله "
[ ٢ / ١١٨ ]
فيستحب له إذا انتهى من الغسل على بدنه أن يغسل رجليه مكانًا آخر.
ودليل ذلك، حديث ميمونة وفيه: (ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه) .
فعلى ذلك يستحب له أن يتنحى عن موضعه الذي اغتسل فيه ثم يغسل قدميه.
وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يستحب مطلقًا بل عند الحاجة وهي ما إذا كان موضعه الذي اغتسل فيه قد حدث فيه الطين ونحوه، فينتقل إلى موضع آخر، وهذا القول أولى؛ لأن حديث عائشة ليس فيه غسل القدمين بعد غسله.
وأما ما رواه مسلم – من ذكر ذلك أي غسل القدمين بعد الغسل – فهي رواية معلومة، فهي من رواية أبي معاوية عن هشام، وروايته عن هشام فيها مقال، وقد تفرد بها عن أصحاب هشام، فلا يثبت هذا في حديث عائشة.
وإنما الأظهر أنه غسل قدميه لما قالت: (ويتوضأ) وفي ذلك غسل القدمين.
وما ذكره هؤلاء أولى؛ لأن مثل ذلك لا يتعلق بمثله استحباب، ولعدم ثبوته في حديث عائشة؛ ولأنهم كانوا يغتسلون في أراضي ترابية، فإذا اغتسل فإن الماء ينزل على موضعه فيتطين بذلك فيبقى على قدميه طين، فإذا انتقل إلى موضع آخر فغسل قدميه يكون أكمل لطهارته.
فإذن: الأظهر أنه لا يستحب ذلك مطلقًا، وإنما عند الحاجة كأن تكون الأرض قد أصيبت بالطين بسبب تنازل الماء من جسده.
قوله: (والمجزئ أن ينوي ثم يسمي ويعمم بدنه بالغسل مرة) .
(أن ينوي): إذن النية لا يجزئ الغسل بدونها، فهي شرط من شروطه لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) (١) فلابد للغسل لأن يكون مجزءًا أن ينويه، فلو اغتسل لتبريد ونحوه فلا يجزئه ذلك.
لكن إذا اغتسل لرفع الحدث الأكبر عنه أو اغتسل لما لا يصح فعله إلا بالغسل بنية ذلك: فإنه يرتفع حدثه.
وما قيل في النية من مسائل في الوضوء، فهو كذلك في الغسل.
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢ / ١١٩ ]
إذن: النية شرط من شروط الغسل، فإذا نوى رفع الحدث الأكبر أجزأه. وإذا نوى أن يمس المصحف أو يقرأ القرآن – على القول باشتراط الطهارة من الجنابة –. أو اغتسل بنية دخول المسجد – على القول بعدم جواز دخول الجنب – فإن هذه النية تجزئ عنه.
أما إذا اغتسل بنية غسل الجمعة أو غسل عرفات أو غير ذلك من الاغتسال المستحبة فلا يجزئ عنه على الصحيح، ويجزئ على المذهب كما تقدم في الوضوء.
إذن: ما تقدم من نية الحدث الأصغر كذلك هي نفس الأحكام المترتبة على النية بالحدث الأصغر (١) .
قوله: (ثم يسمي): إذن التسمية ركن فيه قياسًا – كما تقدم على الوضوء – (تراجع الشيخ عن ركنية التسمية في الوضوء إلى استحبابها، فكذلك الغسل) (٢) .
(ويعم بدنه بالغسل مرة)
لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال - من حديث عمران بن حصين – لمن أجنب: (اذهب فأفرغه عليك) (٣) فهذا الحديث يدل على أن الواجب عليه في الغسل أن يعم بدنه أي يعم بشرته وأصول الشعر ونحو ذلك وكل أعضاء بدنه أن يعمها بالغسل.
وهل يدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق أم لا؟
قولان لأهل العلم:
فذهب الحنابلة والأحناف: إلى فرضية المضمضة والاستنشاق، فلو غسل بدنه ولم يتمضمض ولم يستنشق فإن غسله ليس بمجزئ.
وذهب الشافعية والمالكية: إلى أجزائه دون المضمضة والاستنشاق.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الأكبر.
(٢) راجع الجزء الأول من الطهارة صْ ١٢١.
(٣) سيأتي قريبًا.
[ ٢ / ١٢٠ ]
أما أهل القول الأول: فاستدلوا بحديث ميمونة في الغسل وفيه: (ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده) (١) .
قالوا: فقد ثبت هنا أن النبي ﷺ قد تمضمض واستنشق والنبي ﷺ إذا فعل فعلًا فيه بيان لمجمل القرآن فإنه يجب، فإن الله قال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ فتمضمض النبي ﷺ واستنشق في غسله فعلى ذلك يجب؛ لأنه بيان لمجمل القرآن.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة (٢٥٩) بلفظ " حدثتنا ميمونة قالت: صببت للنبي ﷺ غسلًا.. . ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه ثم تنحى، فغسل قدميه ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها "، وأخرجه مسلم (٣١٧)، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة (٣١٧) بلفظ: " قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه ثم أتيته بالمنديل فرده " قال مسلم بعد ذلك: " وفي حديث وكيع وصف الوضوء كله يذرك المضمضة والاستنشاق فيه ".
[ ٢ / ١٢١ ]
واستدل أهل القول الثاني: بالحديث المتقدم وهو حديث عمران بن حصين وفيه (اذهب فأفرغه عليك) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم (٣٤٤) قال: حدثنا مسدد قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: حدثنا عوف قال: حدثنا أبو رجاء عن عمران قال: كنا في سفر مع النبي - ﷺ -، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلانٌ ثم فلانٌ ثم فلان – يسميهم أبو رجاء فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي - ﷺ - إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه. فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلًا جليدًا، فكبّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي - ﷺ -، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم قال: (لا ضير أو لا يضير، ارتحلوا) فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس. فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عليك بالصعيد، فإنه يكفيك) . ثم سار النبي - ﷺ - فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف - ودعا عليًا فقال: (اذهبا فابتغيا الماء)، فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمسِ هذه الساعة، ونفَرُنا خُلُوف، قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله - ﷺ -، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ، وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي - ﷺ - بإناء، ففرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ ونودي في الناس: اسقوا واستقوا. فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء قال: (اذهب فأفرغه عليك) وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أُقلع عنها وإنه ليخيّل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي - ﷺ - (اجمعوا لها) فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: (تعلمين، ما رَزِئْنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا) فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء – تعني: السماء والأرض - أو أنه لرسول الله حقًا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يُصيبون الصِّرْم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام ". وأخرجه في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٥٧١) . وأخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل فضائها (٦٨٢) بلفظ: عن عمران بن حصين قال: كنت مع نبي الله - ﷺ - في مسير له، فأدلجنا ليلتنا..) الحديث، وهو طويل.
[ ٢ / ١٢٢ ]
وليس فيه ذكر المضمضة والاستنشاق وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وكذلك في حديث أم سلمة: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (١) .
وهذا القول - فيما يظهر لي – أصح؛ ذلك لأن هذه الأحاديث ليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق.
وأما حديث ميمونة المتقدم فإن المضمضة والاستنشاق فيه ليس صريحًا أنها من الواجبات؛ لأنهم لم يوجبوا ما تضمنه هذا الحديث مما فيه سوى المضمضة والاستنشاق، من وضوئه قبل ذلك وفيما ذلك المضمضة والاستنشاق، فإن الوضوء ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين وبقية الوضوء الذي يكون قبل الغسل بالاتفاق ليس بواجب، ومنه المضمضة والاستنشاق.
والأحاديث التي استدلوا بها ظاهرة في عدم وجوب المضمضة والاستنشاق لاسيما في قول النبي ﷺ لأم سلمه: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين)، والعلم عند الله تعالى (٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتسلة (٣٣٠) بلفظ: " عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) .. وفي حديث عبد الرزاق: فأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال (لا) وقد تقدم صْ ٨٦.
(٢) قال الشيخ في شرحه لأخصر المختصرات ما نصه: " وهل تدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق أم لا؟ قال الحنابلة والأحناف: أنه تدخل فيجب عليه أن يتمضمض ويستنشق ٠ وقال الشافعية: لا يجب عليه أن يستنشق ويتمضمض ٠ الشافعية والمالكية: لا يوجبون المضمضة والاستنشاق لا في الوضوء ولا في الغسل ٠ والحنابلة: يوجبونه في الغسل والوضوء ٠ والأحناف: فلا يوجبونهما في الوضوء ويوجبونهما في الغسل ٠ وأنكر هذا أحمد والشافعي وقد تقدم لنا من الأدلة على وجوب المضمضة والاستنشاق، هذا القول هو أقرب القولين وكذلك الغسل وذلك أن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى. فما ثبت في الطهارة الصغرى يثبت في الطهارة الكبرى ولذا تقدم أن من اغتسل فإن ذلك يجزئه عن الطهارة الصغرى. فما وجب في الطهارة الصغرى يجب في الطهارة الكبرى وإذا كان يجب أن يغسل أسفل شعره مع أنه مغطى بالشعر فكذلك يجب أن يغسل باطن الأنف والفم. وفي حديث ميمونة أن النبيﷺ - تمضمض واستنشق، كما في الصحيحين. وهذا القول هو أقرب القولين والأحوط. والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٣ ]
إذن: المسألة فيها قولان:
وجوب المضمضة والاستنشاق، وهذا مذهب الحنابلة والأحناف.
عدم وجوبهما، وهو مذهب المالكية والشافعية.
قوله: (ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع)
لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ: (كان يتوضأ بمد - وهو ربع الصاع – ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) (١)، هذا هو المستحب وهو فعل النبي ﷺ.
فإن غسل بدنه بأقل من الصاع أو توضأ بأقل من المد، لذا قال:
(فأن أسبغ بأقل أجزأ)
فإذا أسبغ بأقل من الصاع فإنه يجزئ عنه، ولكن عليه أن يتيقن الغسل أي غسل الأعضاء.
أما إذا كان مسحًا فإنه لا يجزئ عنه فلابد وأن يجري الماء على أعضائه.
قوله: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأه)
رجل اغتسل – وسواء قلنا أن المضمضة والاستنشاق من فرائض الغسل أو لم نقل ذلك – رجل اغتسل ونوى رفع الحدثين، الحدث الأكبر والحدث الأصغر، قال: (أجزأ عنه) .
إذن لا يشترط أن يتوضأ، بل يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر.
- وعن الإمام أحمد وهو قول للشافعي: أنه لا يجزئ عنه حتى يتوضأ؛ لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ (٢) فيجب على من قام إلى الصلاة أن يتوضأ.
واستدل الجمهور: بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ (٣) فلم يوجب سوى الطهارة، ولم يوجب وضوءًا، والطهارة من الجنابة الغسل، فإذا اغتسل فقد طهر، وقد قال ﷺ: (ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (٤)، وهذا هو الراجح – وهو مذهب جماهير العلماء - وأنه لا يشترط أن يتوضأ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد (٢٠١) بلفظ: " كان النبي ﷺ يَغْسِلُ أو كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد "، وأخرجه مسلم (٣٢٥) .
(٢) سورة المائدة.
(٣) وأخرجه مسلم وقد تقدم.
[ ٢ / ١٢٤ ]
لكنه إن أحدث أثناء غسله كأن يمس ذكره فحينئذ لا يجزئ عنه الوضوء؛ لأنه قد انتقض أثناء الغسل.
أما إذا لم يحدث أثناء غسله فإن هذا الغسل يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدثين.
إذن: لو أنه رفع الحدث الأكبر فحسب فإنه لا يجزئ عنه عن الوضوء، بل يجب عليه أن يتوضأ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي) (١) .
- وذهب بعض الفقهاء، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي: إلى أنه يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر، ويدخل في ذلك الحدث الأصغر تبعًا له. واستدلوا بالآية المتقدمة وهي قوله: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ قالوا: فلم يوجب الله ﷿ وضوءًا ولا نيته بل أوجب علينا الطهارة، فمن طهر فإنه يرتفع بذلك حدثه الأكبر والأصغر.
وهذا القول هو القول الراجح، وأنه متى اغتسل عن الحدث الأكبر فإنه يرتفع عنه الحدث الأصغر تبعًا؛ لأنه ﷿ قال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾، والطهارة هي الغسل كما تقدم في الأحاديث المتقدمة، ولم يشترط الله ﷿ سوى ذلك فلم يشترط وضوءًا ولا نيته، فعلى ذلك: متى نوى رفع الحدث الأكبر بغسله فإنه يرتفع الحدث الأصغر تبعًا له، والعلم عند الله.
قوله: (ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء)
_________________
(١) متفق عليه وقد تقدم.
[ ٢ / ١٢٥ ]
أما الأكل: فلِما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن ينام أو يأكل توضأ وضوءه للصلاة " (١)، وفي الصحيحين عن عمر أنه قال: (يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب فقال النبي ﷺ: (نعم إذا توضأ فليرقد) وفي رواية: (اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم) (٢)، فهذه الأحاديث واضحة في استحباب الوضوء للأكل والشرب وكذلك النوم. وهي واضحة أيضًا في استحباب غسل الفرج عند النوم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج.. (٣٠٥) عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام "، وبلفظ: " كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة ".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب نوم الجنب (٢٨٧) بلفظ: أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: (نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب)، وفي باب الجنب يتوضأ ثم ينام (٢٩٠) بلفظ: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم)، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب.. (٣٠٦) بلفظ: عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله! أيرقد أحدثنا وهو جنب؟ قال: (نعم إذا توضأ)، وبلفظ: أن عمر استفتى النبي ﷺ فقال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: (نعم، ليتوضأ ثم لينم، حتى يغتسل إذا شاء)، وبلفظ: " ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم) .
[ ٢ / ١٢٦ ]
وأما استحباب غسل الفرج عند الأكل والشرب كما هو ظاهر قول المؤلف فليس هذا بواضح، ولم أر دليلًا يدل عليه. وإنما يستحب له إذا أراد أن يأكل ويشرب أن يتوضأ وأما غسل فرجه فلم أر دليلًا من الأدلة الشرعية يدل على ذلك ولم أرهم استدلوا بدليل لهذه المسألة.
ولا يضره حدث؛ لأن هذا الوضوء ليس لرفع الحدث، لأنه محدث حدثًا أكبر وليس في هذا الوضوء إزالة حدث عنه وإنما فيه تخفيف الجنابة.
فعلي ذلك لو أحدث فيكفيه ما فعله من الوضوء السابق فلو أنه توضأ ثم أكل وشرب ثم أحدث وأراد أن يأكل ويشرب فلا يقال باستحباب الوضوء مرة أخرى؛ لأن هذا الوضوء إنما يراد بها (١) التخفيف للجنابة فلا يؤثر الحدث فيه.
قوله: (ومعاودة وطء) .
لقوله ﷺ: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا) (٢)، وللحاكم بإسناد صحيح: (فإنه أنشط للعود) (٣) .
فالحكمة إذن هي التنشيط، وعليه فإنه إذا أحدث فلا يضره أيضًا؛ لأنه ليس المقصود من ذلك رفع حدث.
* وما ذكرناه في الجنب مستحب أيضًا في الحائض والنفساء اللتين قد انقطع عنهما الدم، فإذا انقطع الدم عن الحائض والنفساء فيستحب لهما أن يفعلا ما يفعله الجنب، فهما في حكم الجنب تمامًا.
والحمد لله رب العالمين.
انتهي باب الغسل بحمد الله.
الدرس الخامس والثلاثون
(يوم السبت: ١٧ / ١٢ / ١٤١٤ هـ)
باب التيمم
التيمم لغة: القصد، يقال: تيممت الشيء أي قصدته.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أني أكل أو يشرب أو ينام أو يجامع (٣٠٨) . بلفظ: " عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ ك (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ) زاد أبو بكر في حديثه: بينهما وضوءًا، وقال: ثم أراد أن يعاود ".
[ ٢ / ١٢٧ ]
اصطلاحًا: هو التعبد لله ﷿ بمسح الوجه واليدين على وجه مخصوص. وسيأتي ذكر صفته.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (١) .
ومن السنة ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي – وذكر منها – وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) (٢) أي بالتيمم.
وقد أجمع العلماء على مشروعيته.
قال المؤلف ﵀: (وهو بدل طهارة الماء)
فالتيمم بدل طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل.
فالبدل له حكم المبدل ما لم يثبت دليل يدل على اختصاص المبدل بحكم من الأحكام الشرعية – هذه قاعدة شرعية – وإلا فالأصل أن البدل له حكم المبدل منه، فكل حكم يثبت للبدل فهو ثابت للمبدل.
فعلى ذلك: كل حكم يثبت للغسل والوضوء فإنه يثبت للتيمم إلا إذا دل دليل على أن الوضوء والغسل لهما حكم مختص بهما.
فعلى ذلك يثبت التيمم للصلاة والطواف ومس المصحف وغير ذلك من الأحكام الشرعية.
فإذن كل حكم يثبت للغسل والوضوء فهو ثابت للتيمم؛ لأنه بدل عنهما.
فإذا قلنا – مثلًا – إن الطواف من شروطه الوضوء فلم يجد الماء فيجب عليه التيمم.
وإن قلنا إنه سنة – كما هو الراجح – فإنه يستحب له التيمم إذا لم يجد الماء، وكذلك غيره من الأحكام.
مسألة:
_________________
(١) سورة النساء والمائدة.
(٢) أخرجه البخاري في بداية كتاب التيمم (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: " أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهرة وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة،وبعثت إلى الناس عامة)، وانظر (٣١٢٢)،وأخرجه مسلم (٥٢١) .
[ ٢ / ١٢٨ ]
رجل ليس بجنب بل الطهارة الكبرى ثابتة له وهو في خلاء ولا ماء عنده فهل يجوز له أن يطأ زوجته فتنتقض بذلك طهارته الكبرى أم يكره أم ما الحكم؟
روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: أنه يكره له ذلك ما لم يخف العنت؛ لأنه يبطل بذلك الطهارة الأصلية.
الرواية الأخرى – وهي المشهورة في المذهب، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية –: أنه لا يكره له ذلك؛ لأن التيمم طهارة وهو عادم للماء، وكونه قد انتقضت طهارته باختياره فإن هذا لا يضر.
فعلى ذلك: لو وطئ من يعلم أنه عادم للماء وإنه متي أجنب فلا يمكنه الغسل بالماء إنما التيمم فإنه يجوز له ذلك ولا يكره له ذلك.
قوله: (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت النافلة)
هذا هو الشرط الأول.
وقوله: (إذا دخل وقت فريضة) فمثلًا صلاة الظهر وقتها إذا زالت الشمس، فإذا زالت الشمس فيجوز له أن يتيمم لها – إن كان عادمًا للماء وتوفرت فيه الشروط الأخرى –.
وكذلك في النافلة، فلا يتيمم إلا إذا أبيحت له.
فمثلًا: رجل أراد أن يتطوع تطوعًا مطلقًا، فليس له أن يتيمم في وقت النهي؛ لأنها لم تبح له النافلة، بل لا يتيمم إلا إذا خرج وقت النهي.
مثاله: رجل أراد أن يصلي تطوعًا مطلقًا بعد طلوع الشمس، فليس له أن يتيمم قبل طلوعها، بل لا يتيمم إلا بعد طلوعها.
ومثل ذلك: إذا ذكر صلاة فائتة، فإن الفائتة وقتها عند ذكرها. فليس له أن يتيمم إلا إذا أراد أن يصليها.
أما إذا قال أريد أن أؤخرها ساعة أو ساعتين فليس التيمم.
ومثل ذلك: إذا اجتمع الناس للاستقاء فإنه لا يتيمم إلا عند اجتماعهم، أما قبل ذلك فلا يتيمم.
ومثل ذلك إذا كسفت الشمس فإنه يتيمم لكسوفها.
- هذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء.
ودليل ذلك – عندهم -: هو أن التيمم مبيح للصلاة ونحوها وليس رافعًا للحدث.
[ ٢ / ١٢٩ ]
بمعنى: أن الصلاة تكون مباحة لكن الحدث باق، فإن من أحدث حدثًا أصغر أو أكبر فتيمم فإن الحدث ما زال باقيًا، لكن الشارع أباح له هذه العبادة التي تشرط لها الطهارة.
فإذن: عندهم أن التيمم مبيح، يعني يبيح الصلاة ونحوها، لكن الحدث باق غير مرتفع، وعلى ذلك: فيكون كمن به حدث متجدد – كالمستحاضة - فإنها تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة، ووضوء المستحاضة لا يرفع حدثها بل يبيح لها الصلاة ونحوها وإلا فالحدث باق عليها.
واستدلوا: على أن التيمم مبيح لا رافع: بما ثبت في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال: (إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن في ذلك خيرًا) (١) .
قالوا: فالشاهد قوله: (فليمسه بشرته) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (١٢٤) قال: " حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجْدان عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير)، وقال محمود في حديثه: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم " قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين " قال أبو عيسى: وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان عن أبي ذر. وقد روى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر عن أبي ذر ولم يسمه. قال: وهذا حديث حسن صحيح، وهو قول عامة الفقهاء أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء تيمما وصليا. ويروى عن ابن مسعود أنه كان يرى التيمم للجنب، وإن لم يجد الماء، ويروى عنه أنه رجع عن قوله فقال: يتيمم إذا لم يجد الماء، وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق ".
[ ٢ / ١٣٠ ]
وبما ثبت في الصحيحين – في قصة سفرٍ للنبي ﷺ – من حديث طويل رواه عمران بن حصين، وفيه أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أصابتني جنابة ولا ماء فقال له النبي ﷺ: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (١) فلما أتى النبي ﷺ بالماء أعطاه إناء من ماء وقال له: (اذهب فأفرغه عليك) .
قالوا: فقد أمره النبي ﷺ أن يفرغه عليه ولو كان رافعًا للحدث لما أمره بذلك.
وقد أجمع أهل العلم على أن المتيمم إذا وجد الماء فعليه أن يمسه بشرته.
وإنما اختلفوا في هل هو في هذه المدة التي يجوز له التيمم، هل التيمم يرفع حدثه أم لا؟
فذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه مبيح.
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره جماعة من محققي العلماء كشيخ الإسلام وتلميذه، ذهبوا: إلى أن التيمم رافع للحدث.
واستدلوا:
بقوله تعالى: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ وقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم) وقوله: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) (٢) .
قالوا: فهذه الأدلة مصرحة بأن التيمم طهور، والطهور هو المطهر فاعل الطهارة.
فعلى ذلك إذا تيمم فإنه تثبت له الطهارة وهي رفع الحدث، فإن حقيقة الطهور هو المطهر أي المثبت وصف الطهارة في فاعل التطهر.
فحينئذٍ: يكون طاهرًا، والطاهر من ارتفع حدثه، فالطاهر في الأصل من ارتفع حدثه كذا لما قال ﷺ: (لا يمس القرآن إلا طاهر) (٣) فهم من ذلك وجوب الوضوء والغسل أي فعل التطهر.
أما أدلة أهل القول الأول: فإن غايتها أن تدل على أنه مؤقت، وأن هذا الرفع مؤقت إلى أن يأتي الماء؛ لأنه بدل عنه، فمتى ما وجد الماء فإنه يبطل، فهو ما قائم مقامه ما لم ينب المبدل.
فما دام قد ثبت المبدل، فإن البدل يبطل، فيعود غير طاهر.
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم صْ ٨٩.
(٢) متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢ / ١٣١ ]
ومن الأدلة على القول الثاني:
قالوا: إن الأصل أن البدل يقوم مقام المبدل منه، فالأصل أن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل، فما دام غير واجد للماء فمقتضى ذلك أن يرتفع الحدث.
وهذا هو القول الراجح.
وعليه: فلا يشترط أن يتيمم بعد زوال الشمس في صلاة الظهر – مثلًا –.
وله أن يتيمم قيل أن تباح له النافلة ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فيجب عليه أن يمسه بشرته.
وعليه كذلك: لا يبطل تيممه بخروج الوقت، بل إذا تيمم لصلاة الظهر فله أن يصلي فيه صلاة العصر والمغرب ونحو ذلك ما لم ينتقض بحدث.
ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتيمم لكل صلاة ولا أمر بذلك، والأدلة الشرعية مطلقة ليس فيها تحديد بشيء من ذلك، فأين بيان الشارع؟! فالشارع قد أطلق التيمم ومقتضى هذا الإطلاق أن يرفع الحدث وأن له أن يتيمم قبل دخول الوقت وأن يبقى بعد خروج الوقت. وهذا هو الراجح وهو أن التيمم رافع للحدث.
قوله: (وعدم الماء)
هذا هو الشرط الثاني وهو أن يعدم الماء فلا يكون واجدًا له، أي ليس ثمت ماء بعد تطلب الماء، فمتى عدم الماء وقد تطلبه بالطريق التي ستأتي ذكرها ثم لم يجده فهو عادم له.
فإذًا: الشرط الثاني أن يكون عادمًا للماء.
فعلى ذلك: إذا كان واجدًا للماء فلا يجوز له أن يتيمم إلا فيما سيأتي من المسائل، وهذا قد أجمع عليه أهل العلم.
وهذا الشرط دل عليه قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١) .
فإذا نسي الماء؟
بمعني: رجل تيمم وصلى ثم تذكر أن عنده ماء فيجب عليه أن يعيد الصلاة ويكون معذورًا لنسيانه، كما لو صلى بلا وضوء فإنه يجب أن يعيد؛ لأن هذا من باب الأفعال، والأفعال لابد من فعلها وإنما يعذر الشخص بجهلها أو نسيانها وأما أن يسقط فلا.
قوله: (أو زاد على ثمنه كثيرًا أو ثمن يعجزه)
رجل غير واجد للماء لكن هذا الماء مملوك لغيره ولم يبذله إلا بثمن فهل يجب عليه أن يشتريه أم لا؟
[ ٢ / ١٣٢ ]
لا تخلو هذه المسألة من ثلاثة أحوال:
ا- الحالة الأولى: أن يبذله له بثمن مثله أي ثمنه العادي، فإنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأنه في حكم الواجد للماء، لأنه مالك للثمن الذي يمكنه أن يشتري به الماء فكان في حكم الواجد للماء، وهذا بإجماع أهل العلم.
* فإن كان المال ليس حاضرًا عنده لكنه يمكنه أن يقترض وهو قادر على الوفاء في الحكم؟
قولان في المذهب:
أظهرهما - وهو اختيار شيخ الإسلام – أنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأنه في حكم من معه المال.
فإن كان المال ليس حاضرًا عنده ويمكنه الاقتراض لكن لا يمكنه الوفاء، فلا يجب عليه أن يشتريه.
* فإذا وُهب الماء إليه:
فالمشهور في المذهب أنه لا يجب عليه قبوله للحرج الواقع بسبب المنة.
فإن لم تكن هناك مِنَّة فيزول ذلك ويجب عليه أن يقبل الماء.
إذًا هذه الحالة الأولى وهي أن يكون الماء بثمن المثل.
٢- الحالة الثانية: أن يزيد على ثمن المثل يسيرًا، كأن يكون ثمنه درهمًا فيبيعه بدرهمين - والمرجع في ذلك إلى العرف – فيجب عليه أن يشتريه؛ لأن هذه الزيادة لا تلحقه حرجًا.
٣ – الحالة الثالثة: أن يكون ثمنه كثيرًا.
ففيه قولان في المذهب:
القول الأول: أنه يجب عليه ما لم يجحف بماله – وهو رواية عن الإمام أحمد –.
فمثلًا: رجل عنده مال كثير جدًا ولا يجحف بماله مئة ألف، فوجد ماء قليلًا يكفيه للوضوء فأرُيد بيعه بمائة ألف فيجب عليه أن يشتريه.
القول الثاني: أنه لا يجب عليه وإن كان لا يجحف بماله، وهذا هو الراجح؛ لأن الله ﷿ شرع التيمم لرفع الحرج وكونه كثيرًا فيه حرج وإن لم يجحف بالمال – هذا هو المشهور في المذهب –، لذا قال المؤلف:
(أو زاد على ثمنه كثيرًا)
أي كثيرًا لم يجحف بالمال.
أما إذا كان كثيرًا يجحف بالمال فلا يجب عليه قولًا واحدًا؛ لأن في ذلك ضررًا.
فعلى ذلك:
[ ٢ / ١٣٣ ]
إذا كان الثمن مثليًا أو زاد يسيرًا فإنه يجب عليه أن يشتريه. أما إذا كان كثيرًا يجحف بماله أو لا يجحف لكنه كثير في إنفاقه حرج، فلا يجب عليه الشراء – هذا هو المشهور في المذهب – وهو الراجح.
ومثل ذلك في الحكم: ما يمكنه إخراج الماء به من حبل ودلو فإن كان بثمن المثل أو زاد زيادة يسيرة فيجب عليه أن يشتريه.
أما إذا زاد على ثمن مثله زيادة كثيرة فلا يجب عليه شراؤه.
ومثل ذلك استئجار من يخرج له الماء، فإنه إذا كان مثليًا أو زائدًا زيادة يسيرة فيجب عليه أن يستأجر لأنه بحكم الواجد للماء.
قوله: (أو ثمن يعجزه):
ولو كان يسيرًا، ولو كان أقل من ثمن المثل لكنه يعجزه فلا يجب عليه؛ لأن العاجز بحكم العادم.
بمعنى: رجل لا يملك قيمة الماء والمراد قيمته الأصلية وثمنه العادي فإنه يتيمم لأنه بحكم العادم للماء فالعاجز في حكم العادم للماء.
قوله: (أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه شرع التيمم)
قوله: (أو خاف باستعماله ضرر بدنه .إلى أن قال (بعطش):
فإذا خاف باستعمال الماء الضرر بالعطش، يعني معه ماء إن توضأ به فإنه يخاف على نفسه العطش فإنه يتيمم ولا يتوضأ ولا يغتسل، لأن في وضوئه منه أو غسله إلحاق لنفسه بالضرر، وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١) وقال ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) (٢)
_________________
(١) قال في الأربعين النووية: " حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا ". أخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام (٢٣٤١) قال ﵀: " حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا ضرر ولا ضرار) .
(٢) حدثنا عبدُ ربه بن خالد النُّميري أبو المُغلِّس حدثنا فُضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قضى أن لا ضرر ولا ضرار ". وأخرجه الدارقطني في سننه (٤ / ٢٢٧) قال: " نا محمد بن عمرو بن البختري نا أحمد بن الخليل نا الواقدي نا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: (لا ضرر ولا ضرار) . نا أحمد بن محمد بن أبي شيبة نا محمد بن عثمان بن كرامة نا عبيد الله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: (للجار أن يضع خشبته على جداره وإن كره، والطريق الميتاء سبع أذرع، ولا ضرر ولا إضرار) . نا إسماعيل بن محمد الصفار نا عباس بن محمد نا عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن نا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: (لا ضرر ولا إضرار) . نا أحمد بن محمد بن زياد نا أبو إسماعيل الترمذي نا أحمد بن يونس نا أبو بكر بن عياش قال: أراه قال عن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه) ".
[ ٢ / ١٣٤ ]
، وثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص قال: (بعثني النبي ﷺ في غزوة ذات السلاسل قال: فاحتلمت وكانت ليلة شديدة فخشيت على نفسي فتيممت فصليت بأصحابي فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بما منعني من الاغتسال قلت: قد سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ (١) قال: فضحك النبي ﷺ ولم يقل شيئًا) (٢) أي أقره ولم ينكر فعله.
فإذا خشي على نفسه الضرر أو استعمل الماء بعطش أو مرض، فإن المرض مبيح للتيمم كما قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة النساء ٢٩.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟ (٣٣٤) قال: " حدثنا ابن المثنى، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جُبير المصري عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) فضحك رسول الله صلى الله ﷺ ولم يقل شيئًا ".
[ ٢ / ١٣٥ ]
فإذا كان استعمال الماء يزيد مرضه أو يؤخر برؤه فيشرع له التيمم، وكذلك من خاف على نفسه المرض لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ولأن في ذلك حرجًا وقد قال تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج﴾ (١) وإيجاب شيء يظن ثبوت المرض به ممنوع شرعًا، فلا يوجب الشارع أمرًا يثبت به غالبًا المرض، فما دام أن هذا الرجل متى توضأ خاف على نفسه فيجوز له التيمم.
ولا شك أن هذا الخوف مع توفر الأسباب، أما إذا كان خوفًا من غير وجود أسبابه فإن هذا الخوف ليس معتبرًا.
وإنما كأن يكون في ليلة باردة وخشي المرض أو نحو ذلك من الأسباب.
أما إن تيمم بمجرد توهم فإنه لا يجوز ذلك، وكل الخوف المذكور إنما هنا مع توفر الأسباب التي هي مظنة وقوع الأمر الذي يخاف منه.
قال: (أو هلاك):
كذلك إذا خشي على نفسه الهلاك باستعمال الماء فكذلك كما تقدم في حديث عمرو بن العاص، كأن يكون ذلك في ليلة شديدة البرد ولا يمكنه أن يسخن الماء أو كان في مكان مكشوف ويخشى أن يصيبه الهواء فيضر بدنه فيلحقه موتًا أو – كما تقدم – مرضًا أو نحو ذلك.
قال: (أو رفيقه):
خشي العطش على رفقائه.
أو على (حرمته): أي امرأة أو أخت أو نحو ذلك مما معه فإنه يتيمم.
بمعنى: رجل لا يخشى على نفسه العطش لكنه يخشى على رفيقه والمراد به رفيقه المحترم وهو من له حرمة كالمسلم والذمي.
وأما الحربي فليس له ذلك؛ لأنه حربي دمه هدر ومثل ذلك الزاني المحصن أو نحو ذلك فإن هؤلاء لا حرمة لهم.
(أو ماله)
بأن يكون معه دواب ونحو ذلك من ماشية ونحوها فخشي عليها العطش فكذلك يجوز له التيمم مع وجود الماء.
إذن: متى خاف باستعمال الماء أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه من الضرر فإنه يشرع له التيمم.
_________________
(١) سورة الحج، الآية الأخيرة.
[ ٢ / ١٣٦ ]
أو – كذلك خاف هذه المخاوف على بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله – خاف ذلك بطلبه وليس باستعماله.
يعني: الماء قريب منه يمكنه أن يأتي به لكنه يخشى على نفسه كأن يكون بينه وبينه لص أو سبع أو امرأة وبينها وبينه فساق ويخشى على عرضها أو نحو ذلك فيجوز لهؤلاء أن يتيمموا.
فهم في الأصل واجدون للماء لأن الماء قريب منهم ويمكنهم استعماله ولكن المانع إنما هو وجود ما يلحقه الضرر، فيوجد بينه وبين هذا الماء القريب لص أو سبع أو نحو ذلك يخشون الضرر على أبدانهم وأموالهم أو تخاف المرأة على عرضها فإنهم يتيممون ويصلون بهذا التيمم.
إذن: القاعدة: (أنه إذا لم يجد الماء أو وجده لكنه خشي الضرر باستعماله أو بطلبه فيجوز له التيمم) سواء كان الضرر به أو برفقته أو حرمته أو بماله أو بمن معه من الناس.
ومثل ذلك من أتاه رجل فطلب منه الماء فإنه في مثل الرفيق وكان له حرمة ومتى منعه الماء فإنه يموت عطشًا فيلحق هذا الطالب الضرر، فإنه يجب عليه أن يدفع لهذا الطالب الماء ويتيمم للخوف من الضرر، ولهذا حرمة كما أن لنفسه حرمة.
والحمد لله رب العالمين
الدرس السادس والثلاثون
(يوم الأحد: ١٨ / ١٢ / ١٤١٤هـ)
قال المؤلف ﵀: (ومن وجد ماءً يكفي بعض طهره يتيمم بعد استعماله) .
صورة هذه المسألة: فيمن وجد ماء يكفي لبعض غسله أو بعض وضوئه، فلفظة (طهره) شاملة للغسل والوضوء.
كأن يجد رجل ماءً يكفي غسل وجهه ويديه ومسح رأسه دون غسل رجليه فما الحكم؟
[ ٢ / ١٣٧ ]
قال هنا: (تيمم بعد استعماله) إذن: يجب عليه أن يستعمله لقوله: (بعد استعماله) فيجب عليه أن يستعمل هذا الماء فيغسل ما أمكنه من بدنه أو ما أمكنه من أعضاء وضوئه، لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨) فقال رحمه الله تعالى: " حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) " وأخرجه مسلم في كتاب الحج (١٣٣٧) [صحيح مسلم بشرح النووي (٩ / ١٠٠)] فقال: " وحدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) فقال رجلٌ: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) ثم قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) ". وأخرجه أيضًا في كتاب الفضائل بعد حديث (٢٣٥٧) [صحيح مسلم بشرح النووي (١٥ / ١٠٩)] فقال: " حدثني حرملة بن يحيى التُّجيبي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيَّب قالا: كان أبو هريرة يحدث أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) . وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف حدثنا أبو سلمة وهو منصور بن سلمة الخزاعي أخبرنا ليث عن يزيد بن الهاد عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله سواء. حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي كلاهما عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا المغيرة - يعني الحِزامي - ح وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ح وحدثناه عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة ح وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، كلهم قال عن النبي - ﷺ - ذروني ما تركتكم، وفي حديث همام: ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم ثم ذكروا نحو حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة ". وقد تقدم صْ ١٦.
[ ٢ / ١٣٨ ]
ويجب عليه أن يتيمم لقوله: (يتيمم)؛ وذلك لأن هذا الماء الذي غسل به بعض بدنه أو بعض أعضاء وضوئه ليس متمًا لطهارة البدن فوجب عليه أن يتيمم ليتم طهارته.
والواجب أن يكون هذا التيمم بعد الاستعمال، فلو تيمم قبل الاستعمال أو معه لم يجزئه، بل يجب أن يكون التيمم بعد استعماله للماء.
وعلة ذلك: أن العذر هو عدم الماء، فلو تيمم قبل أن يستعمل هذا الماء فإنه تيمم مع وجود الماء والواجب أن يكون التيمم عند عدم الماء، فإن عذره ليس لمرض أو حرج وإنما هو لعدم الماء، ولو تيمم قبل استعماله الماء فهو ليس عادمًا له، بل الماء موجود فوجب أن يكون التيمم بعد استعماله، هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية.
إذن: من وجد ماءً يكفي لبعض طهره فإنه يجب عليه أن يغسل ما يمكنه غسله بهذا الماء ثم بعد ذلك يتيمم، فيجمع بين غسل ما أمكنه لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وبين التيمم للتعليل المتقدم.
- وذهب المالكية والأحناف: إلى أنه يكتفي بالتيمم وأنه لا يغسل جسده، وعللوا ذلك بعلتين:
العلة الأولى: أن التيمم بدل عن الغسل والوضوء، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه.
وأجيب عن هذا من أهل القول الأول: بأن التيمم هنا إنما هو بدل عن الأعضاء التي لم تغسل.
ففي المثال المتقدم: التيمم إنما هو بدل عن غسل الرجلين فحسب، وليس بدلًا عما تم غسله من أعضاء البدن، بل هو بدل عما لم يغسل دون ما تم غسله.
وأوضح من ذلك أن يقال: إنما هو هنا متمم للطهارة فلما غسل بعض بدنه وبقيت أعضاء لم يمسها الماء وعدم الماء فإنه يتيمم عن الباقي، فيكون التيمم هنا متممًا للطهارة.
ولنا أن نضرب على هذا نظيرًا، وهو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا﴾ (١)
_________________
(١) سورة المجادلة.
[ ٢ / ١٣٩ ]
قالوا: فلو أمكنه أن يعتق بعض الرقبة فإنه لا يفعل ذلك بل يعدل – بالاتفاق – إلى صيام شهرين متتابعين، لأن الله إنما أمر بعتق رقبة كاملة وكذلك قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١) والمراد فلم تجدوا ماء تتطهرون به الطهارة الكاملة، فإنه – حينئذ – تعدلون إلى التيمم.
والعلة الثانية: أن غسل بعض البدن ليس هو الطهارة وإنما الطهارة غسل البدن كله، أي أن هذا الفعل منه لا تتم به الطهارة وإنما تثبت الطهارة بالماء بغسل البدن كله في الغسل، وبغسل الأعضاء الأربعة كلها في الوضوء، وأما غسل بعض الأعضاء أو غسل بعض البدن فليس طهارة.
وهذا هو قول أكثر أهل العلم كما قال ذلك البغوي وهو قول قوي إلا أن الاحتياط هو ما ذهب إليه الحنابلة من الجمع بين التيمم وغسل بعض البدن أو بعض الأعضاء فيغسل بعض بدنه أو بعض أعضاء وضوئه ثم يتيمم عن الباقي بعد استعمال الماء.
قوله: (ومن جرح تيمم له وغسل الباقي)
إذا أصيب بجرح في بدنه وكان – مثلًا – جنبًا وإذا مس الماء هذا الجرح فإنه يضر به أو يخشى الضرر وقد يكون هذا ليس خاصًا بمحل الجرح بل قد يكون فيما حوله ويعلم أنه متي غسل ما حوله فإن الماء يتساقط على هذا الجرح فيتضرر.
فالحكم هنا أنه: يغسل ما ليس مجروحًا من بدنه أو أعضاء وضوئه ويتمم عن الجرح.
ولو مسحه فكذلك حتى لو كان عليه جبيرة فمسح عليها فإنه يتيمم كذلك، لأن الواجب إنما هو الغسل، وهذا إذا مسح فإنما ذلك لأن ذلك استطاعته ويبقى واجب الغسل فيجبره بالتيمم.
وهنا لم يوجب أن يكون التيمم بعد الوضوء أو الغسل كما أوجبه في المسألة السابقة.
وعليه: فلو تيمم أثناء الوضوء، أو الغسل أو قبله أو بعده فإنه يجزئ عنه، فإنه قال هنا:
(ومن جرح تيمم له وغسل الباقي) ولم يقل: (تيمم له بعد غسل الباقي) كما تقدم في المسألة السابقة.
* واعلم أن من كان مجروحًا فإنه لا يخلو حكمه من حالتين:
[ ٢ / ١٤٠ ]
الحالة الأولى: أن يكون الواجب عليه هو الغسل كأن يكون جنبًا وجرح فإذا تيمم قبله أو معه أو بعده فإنه يجزئ عنه؛ لأن التيمم بدل غسل هذا الجرح، ومعلوم أن الترتيب في الغسل ليس بواجب فلو غسل أسفل بدنه قبل أعلاه أو أيسره قبل أيمنه فإنه يجزئ عنه فالغسل لا يجب فيه الترتيب، والتيمم بدل عن غسل هذا الجرح الذي أصابه.
فلو تيمم ثم اغتسل وترك موضع الجرح فإنه يجزئ عنه.
ولو غسل بعض بدنه ثم تيمم ثم أتم الباقي دون موضع الجرح فإنه يجزئ عنه.
ولو تيمم بعد الغسل فإنه يجزئ عنه.
الحالة الثانية: أن يكون الواجب عليه وضوءًا، والوضوء الترتيب فيه واجب، وعليه: فإنه يجب عليه أن يتيمم في موضع غسل هذا العضو.
فإذا كان مثلًا الجرح في يده فإنه يغسل وجهه ثم يتيمم ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه.
وإن كان الجرح ليس عامًا في اليد كلها فإنه يغسل ما أمكنه من اليدين ويتيمم أو يتيمم ثم يغسل ما أمكنه من اليدين ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه؛ لأن التيمم هنا بدل عن غسل هذا الجرح، فإذا كان بدلًا عنه فإنه يجب أن يكون في موضعه لأن الترتيب واجب في الوضوء.
إذن: على ذلك يجب على من أصيب بجرح أن يغسل بدنه الذي لم يصبه الأذى، وما أصابه الأذى فإنه يتيمم عنه، وإن كانت عليه جبيرة مسح عليها مع التيمم.
وعليه - إن كان وضوءًا - أن يتيمم مرتبًا التيمم مع الوضوء، فيجعل التيمم في موضع العضو الذي سقط غسله بسبب هذا الجرح.
وأما إن كان غسلًا فلا يجب فيه الترتيب هذا هو المذهب.
- وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن الترتيب ليس بواجب فلا يجب أن يجعل التيمم موضع العضو المجروح.
قال: - أي شيخ الإسلام -: لأن إدخال التيمم بين أعضاء الوضوء بدعة، فالمشروع أن يتوضأ ما أمكنه ثم بعد ذلك يتيمم أو يتيمم قبل ذلك.
[ ٢ / ١٤١ ]
أما أن يدخل التيمم أثناء الوضوء فإن إدخال شيء من الطهارة بين أعضاء الوضوء بدعة، وما دام بدعة فإنه لا يكون مشروعًا. ولكن إن فعل ذلك فإنه يجزئ عنه لكونه قد فعل ما وجب عليه، وإنما الابتداع في كونه قد فعله أثناء الوضوء.
فشيخ الإسلام – إذن – يقول: الأصل في الوضوء الوارد عن الشارع أن يتوضأ الوضوء بقدر ما استطاع من غير أن يدخل بينه التيمم.
والعلة الأخرى: أن التيمم طهارة أخرى، والوضوء طهارة، فكل طهارة متباينة عن الطهارة الأخرى، فهذه طهارة بالماء، وهذه طهارة بالتراب، والأصل في مثل ذلك أن يفرق بينهما.
إذن الراجح - هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام من - أنه لا يجب عليه الترتيب بوضع التيمم في موضع العضو الواجب عليه التيمم عنه لوجود جرح أو نحوه. بل له أن يتيمم قبل الوضوء وله أن يتيمم بعده؛ لأن الشارع قد ثبت عنه الوضوء من غير أن يثبت في خلاله التيمم، ولأن التيمم طهارة أخرى.
وقال الحنابلة أيضًا – يجب الموالاة – فعلى ذلك يكون التيمم كأنه غسل للعضو تمامًا.
فعلى ذلك إذا قلنا إن التيمم مبيح – كما هو مذهب الحنابلة – فإذا خرج الوقت فإنه يبطل التيمم، فما حكم الغسل؟
بمعنى: رجل غسل بدنه كاملًا أو رجل توضأ وضوءًا تامًا سوى موضع جرح تيمم له فخرج الوقت، فإنه يبطل التيمم ويبطل الغسل أيضًا، فيجب إعادة الغسل لوجوب الموالاة.
وقد تقدم ترجيح: أن التيمم أولًا طهارة منفردة، وتقدم أن الصواب أن التيمم رافع لا مبيح.
فعلى ذلك: الصحيح أنه إذا حدث فيه ذلك وخرج الوقت فإن التيمم يبقى صحيحًا ولا يبطل بخروج الوقت.
ولو قلنا إنه مبيح فإنه لا يجب عليه أن يعيد ما غسله من الأعضاء بل يكفيه التيمم لأن التيمم طهارة منفردة.
إذًا: يجب على من كان في شيء من بدنه جرح أن يغسل بدنه ويتيمم للباقي.
وذهب – من ذهب من أهل القول المخالف في المسألة السابقة – إلى خلاف هذه المسألة فقالوا: يكتفي بالتيمم.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وهذا فيه شيء من النظر، لأن الله ﷿ قال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقال ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (١) وهنا ليس عادمًا للماء كما في المسألة السابقة – بل الماء موجود لكنه عجز عن استعمال الماء في موضع من المواضع فناب عنه التيمم.
ويستأنس له بالحديث الضعيف الذي تقدم ذكره، وهو ما رواه أبو داود أن النبي ﷺ قال: (قتلوه قتلهم الله ألا سئلوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها) (٢) .
فجمع بين المسح والتيمم – وهو الاحتياط -. فعلى ذلك: إذا أصاب شيء من جسده جرح فإنه يغسل سائر جسده ويتيمم لجرحه.
والمشروع أن يكون ذلك التيمم قبل الغسل أو بعده، ولا يشرع أن يكون أثناءه خلافًا لما ذهب إليه الحنابلة في الوضوء وجوبًا، وما ذهبوا إليه في الغسل جوازًا، بل المستحب والسنة ألا يفعل ذلك أثناء الوضوء والغسل وإنما يفعله قبلهما أو بعدهما.
قوله: (ويجب طلب الماء في رحله وقربه)
فيجب عليه أن يتطلب الماء.
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم صْ ١٦.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم (٣٣٦) قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خُريق عن عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجَرٌ فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى – على جرحه خرقة ثم يسمح عليها ويغسل سائر جسده) . وقد تقدم صْ ١٦.
[ ٢ / ١٤٣ ]
بمعني: رجل ليس الماء حاضر عنده فإنه لا يكتفي بمجرد ذلك من غير أن يتطلبه ويبحث عنه، بل يجب عليه أن يتطلبه عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه، وإذا كان هناك محلًا خضرًا أو ربوة أو مكانًا مرتفعًا يحتمل أن يكون فيه الماء وهو قريب إليه فعليه أن يبحث فيه.
إذن: عليه أن يتطلب الماء في الأماكن القريبة منه وإذا كان هناك أهل خبرة - ممن معه – بمواضع الماء فإنه يسأله، فإن كان قريبًا عرفًا فيجب عليه أن يذهب إليه، وإن كان بعيدًا فلا يجب عليه ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يحكم عليه بأنه غير واجد للماء إلا بفعل ذلك.
كما أنه لا يحكم عليه بأنه غير واجد للرقبة فينتقل إلى صيام شهرين إلا بمثل هذا من التطلب.
فلابد من تطلب الماء والبحث عنه في المواضع القريبة وسؤال أهل الخبرة وسؤال من معه من الرفقة، فإذا لم يجد ماءً فإنه يتيمم ولا شيء عليه في ذلك وهو في حكم غير واجد للماء.
لذا قال: (ويجب طلب الماء) للدليل المتقدم وهو قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ ولا يحكم عليه بأنه غير واجد للماء إلا بتطلبه والبحث عنه بحيث لا يلحقه الحرج في ذلك، لذا قلنا إنه إذا كان يعلم أن هناك ماء لكنه بعيد يلحقه الحرج والمشقة في الذهاب إليه فإنه لا يجب عليه أن يتطلبه ويذهب إليه، بخلاف ما إذا كان قريبًا فإنه يجب أن يذهب إليه.
قوله: (في رحله): الرحل هو المنزل.
(وقربه): أي ما قرب من منزله، والقرب هنا قرب عرفي.
أما إذا كان بعيدًا في العرف – وهذا يختلف من زمن إلى زمن باختلاف وسائل النقل – فإنه لا يجب عليه أن يذهب إليه.
قوله: (فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد)
نسي أنه قادر على وجود الماء ليس الماء بعيدًا عنه بل هو قريب إليه وهو يعلم قربه إليه ونسي ذلك فتيمم فإنه يجب عليه أن يعيد – تقدمت هذه المسألة في الدرس السابق.
[ ٢ / ١٤٤ ]
إذن: من ترك الوضوء وهو قادر على أن يتوضأ فالماء قريب إليه لكنه نسي ذلك وتيمم فإنه يجب عليه أن يعيد كما لو نسي الوضوء فيجب عليه أن يعيد.
قوله: (وإن نوى بتيممه أحداثًا)
أي نوى بتيممه أحداثًا كأن ينوي إباحة الصلاة – على القول بأنه مبيح – وحدث النوم وحدث أكل لحم الجزور وغيرها فينوي عدة من الأحداث فإنه يجزئ عنه.
أو نوى حدثًا واحدًا منها كأن يتيمم عن أكل لحم الجزور أو النوم ولم ينو دخول شيء من الأحداث، فكذلك يجزئ عنه؛ لأن حكمها واحد وهو إيجاب الوضوء أو الغسل.
فلو أن رجلًا تيمم عن أكل لحم الجزور فكما لو توضأ عنه، وقد تقدم أنه إذا توضأ عن حدث من الأحداث ولم ينو غيره ولم ينفيه (١) فإنه يثبت له ما يثبت للمتوضئ عن الأحداث كلها، ولأن التيمم بدل عن الوضوء والبدل له حكم المبدل.
قوله: (أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها)
بمعنى: عليه نجاسة لا يمكنه أن يزيلها أو عجز أن يزيلها فما الحكم؟
كأن يكون عليه دم على بدنه – وقلنا إن الدم نجس – ولا يمكنه أن يزيله، أو أن عليه نجاسة يمكنه أن يزيلها ولا ضرر عليه في إزالتها لكنه عادم للماء الذي تزول به النجاسة، فما الحكم حينئذ؟
قال: تيمم، وقيَّد ذلك بالبدن، أما التيمم عن النجاسات الواقعة على الثياب أو البقاع فإنه لا يجزئ التيمم فيها وهذا من مفردات مذهب أحمد.
فمذهب الحنابلة: إذا كان على بدنه نجاسة لا يمكنه أن يزيلها إما لعدم الماء أو للضرر بإزالتها فإنه يتيمم ما دامت النجاسة على البدن.
أما إذا كانت على الثوب أو البقعة فإنه لا يتيمم عنها.
قياسًا على التيمم عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر الواقعين على البدن.
لكن هذا القياس ضعيف؛ للفارق بين الأصل والفرع؛ ذلك: لأن الحدث الأكبر والحدث الأصغر معنويان، وأما الخبث أو النجاسة فهي حسية.
_________________
(١) كذا، ولعل الصواب: ينفه.
[ ٢ / ١٤٥ ]
فكون الشارع أجاز لنا أن نتيمم عن الجنابة وهي حدث أكبر أو عن أكل لحم الجزور – مثلًا – وهو حدث أصغر، فإن هذا الحدث معنوي، وأما النجاسة فهي خبث حسي.
الأمر الآخر: أن إزالة النجاسة لا تشترط فيها النية، وأما رفع الحدث فيشترط فيه النية.
فعلى ذلك ثبت لنا فوارق بينهما، وإذا ثبتـ[ـت] الفوارق، فلا قياس صحيح. وهذا هو المذهب الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين.
فالراجح: أن التيمم عن النجاسة لا يجزئ، بل إذا كان على بدنه نجاسة ولم يمكنه أن يزيلها فإنه يصلي على حسب حاله ولا بدل عن إزالتها، فالتيمم ليس بدلًا عن إزالة النجاسة، وإنما هو بدل عن رفع الحدث الأصغر أو الأكبر.
إذا ثبت لنا هذا: فإذا وقع على رجل نجاسة وهو محدث حدثًا أصغر وعنده ماء يكفي لإحدى الطهارتين، إما أن يغسل هذه النجاسة وإما أن يتوضأ، ولا يكفي الطهارتين كلتيهما فما الحكم؟
الجواب: أنه يزيل النجاسة بالماء، ويتيمم عن الحدث؛ ذلك: لأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وأما رفع الحدث بالوضوء أو الغسل فإن بدله التيمم.
قوله: (أو خاف بردًا)
خاف بردًا فتيمم سواء كان في حضر أو سفر، فخشي على نفسه فإنه حينئذٍ يتيمم.
قوله: (أو حبس في مصر)
أي: في (١) حصر في مدينة من المدن الحاضرة فحبس فيها فيتيمم لعدم الماء، فهو حاضر وليس بمسافر ويتيمم لعدم وجود الماء بسبب هذا الحبس فقد حبس عنه الماء.
قوله: (أو عدم الماء والتراب)
بمعنى: كان في موضع من المواضع لا يمكنه أن يتوضأ ولا أن يتيمم، لا يمكنه أن يغتسل ولا أن يتيمم، وهو عادم للماء والتراب كليهما فإنه يصلي.
قال: (ولم يعد)
في هذه المسائل كلها.
يعني: رجل نوى بتيممه أحداثًا أو نجاسة على بدنه يضره إزالتها أو عدم ما يزيلها فإنه يصلي ولا يعيد.
_________________
(١) كذا في الأصل، والأولى حذف " في ".
[ ٢ / ١٤٦ ]
أو خاف بردًا فإنه يتيمم ويصلي ولا يعيد أو حبس في مصر فتيمم أو عدم الماء والتراب فإنه يصلي ولا يعيد ودليل هذه المسائل كلها: قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١) وحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) .
وما دام أنه فعل ما أمر به فإنه يخرج من عهدته ويحتاج إيجاب القضاء إلى دليل آخر ولا دليل على ذلك.
وما دام أنه فعله فالأصل أنه يجزئ عنه إلا أن يأتي دليل يدل على خلاف ذلك ولا دليل.
إذن: القاعدة: أن من تيمم أو ترك الوضوء والتيمم جميعًا سواء كانت الحال التي تيمم بها أو الحال التي ترك فيها الوضوء والتيمم جميعًا، سواء كانت هذه الحال حالًا نادرة أو حالًا كثيرة، فإنه يجزئ عنه تيممه أو تجزئ عنه صلاته التي ترك فيها الوضوء والتيمم ولا يجب عليه الإعادة.
فإن قيل: إن الله ﷿ قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ الآية. فهنا قوله تعالى: ﴿على سفر﴾ أليس يخرج الحضر.
فالجواب على ذلك: أن هذا التقييد إنما هو تقييد للحال الغالبة.
لأن الحال الغالبة لإعواز الماء وفقده إنما يكون في السفر دون الحضر فإنه يندر أن يفقد فيه الماء.
لقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ (٣) الآية.
وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
والحمد لله رب العالمين
الدرس السابع والثلاثون
(يوم الاثنين: ١٩ / ١٢ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف - رحمه الله تعالى: (ويجب التيمم بتراب طهور غير محترق له غبار)
_________________
(١) سورة النساء.
[ ٢ / ١٤٧ ]
" ويجب التيمم بتراب ": لقوله ﷺ – فيما رواه مسلم -: (وجعلت تربتها لنا طهورًا) وقد قال ﷺ: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) (١) وهنا في رواية لمسلم:: (وجعلت تربتها لنا طهورًا) (٢) .
قالوا: فدل هذا على أن التيمم إنما يشرع بالتراب من الأرض دون غير التراب الرمل، والسبخة – وهي الأرض المالحة التي لا تنبت – أو الأرض الطينية ونحو ذلك فإنه لا يصح التيمم بها.
وأما التراب فإنه هو الذي يتيمم به أما غيره كالرمل والسبخة وغيرها مما هو على وجه الأرض – فإنه لا يصح التيمم به – لقوله ﷺ: (وجعلت تربتها لنا طهورًا) .
قوله: (له غبار): بمعنى: يكون ترابًا ليس ترابًا نديًا وهو التراب الذي ليس فيه غبار بل لابد أن يكون التراب ذا غبار، فإن لم يكن فيه غبار فلا يجوز التيمم به.
واستدلوا - على ذلك -: بقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه﴾ (٣)
وقالوا: " من " تبعيضة أي لابد وأن يعلق بعض التراب وهو غباره، لابد وأن يصيب وجوهكم وأيديكم، وإذا كان التراب لا غبار له فإنه لا يعلق منه شيء في الوجه ولا اليدين. هذا تقرير مذهب الحنابلة.
- وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه يجزئ بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب ورمل وسبخة ونحو ذلك مما يصعد على الأرض مما هو من جنس الأرض أما ما لم يكن من جنسها كعشب أو جبل أو نحو ذلك فلا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في بداية كتاب التيمم (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: " أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهرة وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة،وبعثت إلى الناس عامة)، وانظر (٣١٢٢)،وأخرجه مسلم (٥٢١) . وقد تقدم صْ ٩٥.
(٢) سورة المائدة.
[ ٢ / ١٤٨ ]
أما ما كان من جنس الأرض فإنه يجزئ التيمم به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (١) .
قالوا: والصعيد هو ما صعد على وجه الأرض وقال ﷺ: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وفي رواية لأحمد: (وجعلت لي الأرض كلها مسجدًا وطهورًا) (٢) .
قالوا: والنبي ﷺ وأصحابه كانوا في سفراتهم وغزواتهم لم ينقل عنهم أنهم كانوا يحملون التراب وكانوا يمرون بالأراضي الطويلة من الرمال والسبخة ونحو ذلك ولم يكونوا يحملون من الماء ما يكفيهم ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يحملون التراب، فهذا ظاهر في أنهم كانوا يتيممون بما يمرون عليه من الأراضي.
وقد قال ﷺ: (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) (٣)
وهذا – كذلك – ظاهر أن من بالأراضي السبخة أو الطينية أو الرملية أو غيرها فإنه يدخل في عموم هذا الحديث وهذه الأرض طهور له.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٤٣١٤) من حديث جابر وفيه: (وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا..)، ومن حديث ابن عباس (٢٧٤٢) وفيه: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) . ومن حديث أبي موسى (١٩٩٧٣) وفيه: (وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا) . ومن حديث علي (١٣٦٢) و(٧٦٣) وفيه: (وجعل التراب لي طهورًا) . ومن حديث أبي هريرة (١٠٥٢٤) و(٧٣٩٧) وفيه: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا..)
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وأجابوا - على الحنابلة في استدلالهم بقوله: (وجعلت تربتها لنا طهورًا) –: بأن ذكر فرد من أفراد العموم بحكمه لا يفيد تخصيصًا، وهذه قاعدة ذكرها جمهور الأصوليين من أن ذكر فرد من أفراد العام لا يعد تخصيصًا، وهنا قد ذكر التراب، والتراب فرد من أفراد ما يكون على وجه الأرض من الصعيد، فذكره لا يفيد التخصيص، وإنما ذكر لكونه هو الغالب كما أن قوله: (وجعلت تربتها لنا طهورًا): هنا قد سيق في مساق الامتنان، وما كان كذلك فإنه لا يفهم منه مفهوم مخالفة فلا يفهم منه أن ما سوى التراب لا يتيمم به.
إذًا: الصحيح أن كل ما كان على وجه الأرض مما هو من جنس الأرض، فإنه يتيمم به.
وأما الجواب: على الاستدلال بالآية: ﴿فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه﴾ (١)
فالجواب: أن (مِنْ) هنا لابتداء الغاية وليست تبعيضية، أي: ابتدؤا فعل التيمم من الصعيد بأن تضرب بيديك على الأرض، كما يقال: سافر من البلدة الفلانية إلى الأخرى، فإن (من) هنا ابتدائية، ومنه قوله تعالى: ﴿وروح منه﴾ (٢) أي روح مبتدأة من الله ﷿.
والظاهر أن (من) هنا ابتدائية لا تبعيضية؛ لأن الله ﷿ قال بعد ذلك: ﴿ما يريد ليجعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣) .
فهنا نفى الحرج، وقدمه بـ"من" التي تفيد التنصيص على العموم، فلفظة (حرج) وقعت نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، وقدم عليها لفظة (من) التي تفيد التنصيص على العموم.
أي: أن الله إنما شرع التيمم على الصعيد الطيب لئلا يجعل عليكم أي حرج كان، ولا شك أن إيجاء التراب دون غيره فيه حرج؛ لأن كثيرًا من الأراضي تكون سبخة أو رملية أو طينية، فإيجاب التراب يكون فيه حرج ومشقة لذا الراجح أن (من) هنا ابتدائية.
- وذكر الحنابلة: أنه إذا كان على الثوب والفراش ونحوهما إذا ضربتهما فخرج منهما غبار فإنه يجزئ التيمم فيهما.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وكما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: " في النفس من هذا شيء "؛ ذلك لأن هذا ليس من الصعيد الطيب، فإن هذا ثوب أو فراش أو حصر أو نحو ذلك وليس من الصعيد الطيب الذي أمرنا الله بالتيمم به.
قوله: (طهور):
لا نجس، لقوله تعالى: ﴿صعيدًا طيبًا﴾، أما الصعيد النجس فلا يجوز التيمم به، فيشترط أن يكون الصعيد طيبًا أي طهورًا ليس بنجس.
قوله: (غير محترق)
فإن كان محترقًا كما يكون في الخزف ونحوه من إحراق التراب، فإنه لا يجزئ التيمم به، ذلك لأن هذا التراب قد تغير بسبب إحراقه بالنار، فلم يبق كهيئته السابق.
وقيل بجوازه – كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف –.
والأظهر ما ذكره الحنابلة من أنه لا يجزئ أن يتيمم به لتغير مسماه، فقد تغير مسماه من تراب إلى خزف أو نحو ذلك، إلا إذا كان قد احترق احتراقًا لا يغير مسماه فإنه يجزئ أن يتيمم به.
قوله: (وفروضه: مسح وجهه ويديه إلى كوعيه وكذا الترتيب والموالاة بينهما في حدث أصغر)
قوله: " كوعيه " هو العظم الناتئ المقابل للإبهام أي إلى الرسغ.
فعليه أن يمسح كفيه، ولا يشرع له أن يمسح العضد أو الذراع، وإنما يكتفي بمسح اليدين إلى الرسغ (الكوع) .
قوله: (مسح وجهه): أي كل وجهه، ويستثنى من ذلك الفم والأنف.
وقد تقدم أن الراجح أن الفم والأنف ليسا من الوجه.
وأما الحنابلة فذكروا دليل استثنائهم: تقذر الفم والأنف بذلك.
والدليل الواضح أن الفم والأنف - أي داخل الفم والأنف - ليس من الوجه، أما الظاهر فيجب أن يمسحه.
[ ٢ / ١٥١ ]
إذن: يمسح وجهه ويديه إلى كوعيه لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (١) واليد إذا أطلقت في كتاب الله فإنها تقيد إلى الرسغ، كما قال تعالى في السارق والسارقة: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ (٢) وكان ذلك إلى الرسغ وهذه هي القاعدة الشرعية وأن اليد إذا أطلقت في الأدلة الشرعية فإنها تقيد إلى الرسغ كما قرر هذا أهل العلم. وهنا كذلك، وقد ورد في السنة ما يدل عليه وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال: (إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه) (٣) فعلى ذلك إنما يمسح في التيمم اليدين إلى الرسغ دون بقية اليد.
ومن فروضه – أيضًا – التسمية عند فقهاء الحنابلة – كما تقدم عند الكلام على فرضية التسمية عند الوضوء.
قوله: (وكذا الترتيب والموالاة في حدث أصغر)
أما الحدث الأكبر فلا يجب فيه هذا.
إذن: يجب الترتيب والموالاة في الحدث الأصغر، أما التيمم عن الحدث الأكبر فلا يشترط فيه الترتيب ولا الموالاة. أما عدم وجوب الترتيب: فقالوا: لأن التيمم فرع عن الغسل ولا يجب في الغسل الترتيب.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب التيمم ضربة (٣٤٧) عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري فقال له أبو موسى: لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا وفيه: فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد ماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (إنما يكفيك أن تصنع هكذا) فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه.. ". وأخرجه أيضًا في أبواب أخرى من كتاب التيمم مختصرًا بألفاظ مختلفة، وأخرجه مسلم (٣٦٨) .
[ ٢ / ١٥٢ ]
فإذا: ثبت أنه لا يجب في الغسل الترتيب فكذلك لا يجب في التيمم الذي هو فرعه.
وأما الموالاة: فالظاهر وجوبها لأن النبي ﷺ لما وُصف لنا غسله فإنه كان فيه الموالاة، وهذا بيان مجمل في القرآن.
فيجب الموالاة في الغسل وهو الحكم الأصلي، وكذلك يجب في التيمم عن الحدث الأكبر القائم مقام الغسل.
أما وجوب الترتيب والموالاة في الحدث الأصغر؛ فقالوا: لأن الترتيب والموالاة واجبان في الوضوء وهو أصل التيمم هنا فوجب كذلك في فرعه وهو التيمم.
والتفريق بين التيممين محل نظر، فالظاهر أن التيمم عن الغسل وعن الوضوء أن حكمهما واحد لأن صفته واحدة وهي طهارة كاملة تنوب عن الاثنين ولها صفتها المنفردة عنهما.
فالأظهر أن ما يجب من الأحكام في التيمم من الحدث الأصغر (١) واجب كذلك في الحدث الأصغر، فالأظهر أن حكمهما واحد.
ومع ذلك: فالراجح أن التيمم لا يجب فيه الترتيب كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية سواء كان التيمم عن الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر فإنه لا يجب فيه الترتيب.
وأما الموالاة فإنها واجبة لأن النبي ﷺ لما تيمم وفسر بفعله مجمل القرآن تيمم مواليًا فكان الواجب أن يكون التيمم على هيئة الموالاة، والموالاة تقدم الخلاف في ضابطها وهنا: لو تأخر عن مسح العضو الآخر فإن الغبار ليس فيه جفاف فإنه يقيد بالماء أي لو أن ذلك كان بماء فجف الماء بزمن معتدل، أما إذا لم يجف فلا تبطل الموالاة.
وتقدم أن الراجح في ضابط الموالاة وهو ألا يكون بين غسل الأعضاء فاصل طويل عرفًا، فالأمر في التيمم كذلك، فإذا مسح وجهه بالتراب ثم مكث زمنًا طويلًا عرفًا ثم مسح يديه فإن التيمم يبطل وأما إن كان يسيرًا فإن التيمم لا يبطل.
_________________
(١) كذا ولعل الصواب: الأكبر.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وأما الترتيب فالراجح عدم وجوبه وهو اختيار شيخ الإسلام ذلك، لأن الله قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ وقد قال ﷺ: (ابدؤا بما بدأ الله به) (١) معنى ذلك أن التيمم يمسح الوجه أولًا ثم يمسح اليدين.
وثبت في السنة الصحيحة أن النبي ﷺ مسح يديه أولًا ثم مسح وجهه مما يدل على أن هذا الترتيب ليس بواجب، وذلك فيما رواه البخاري وأبو داود وغيرهما، وفيه أن النبي ﷺ: (ضرب بكفيه الأرض ومسح شماله بيمينه ويمينه بشماله ثم مسح وجهه) (٢) و(ثم) تفيد الترتيب.
فعلى ذلك الترتيب ليس بواجب وهذا مذهب شيخ الإسلام وهو الحق وهو مذهب المالكية والأحناف.
فعلى ذلك: التيمم تجب فيه الموالاة سواء كان من حدث أكبر أو أصغر، وأما الترتيب فلا يجب على الراجح.
قوله: (وتشترط النية)
لقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (٣) وهذا مما اتفق عليه أهل العلم.
(وتشترط النية لما تيمم له من حدث أو غيره)
المراد بقوله: (أو غيره) النجاسة.
وقد تقدم تقيده بالنجاسة البدنية.
فعلى ذلك ينوي استباحة الصلاة أو نحو ذلك من العبادات فينوي استباحتها بالتيمم عن الحدث الفلاني أو عن الأحداث الفلانية أو عن النجاسة البدنية على القول بها.
وما يذكره المؤلف هنا: بناءً على ما ذهب إليه الحنابلة من أن التيمم مبيح لا رافع.
وإذا قلنا بأن التيمم رافع وهو الراجح، فإن المسائل التي تقدم في النية في باب الوضوء تثبت للتيمم؛ لأنه بدل عنه، فكل ما تقدم من المسائل في النية في الوضوء هي ثابتة للتيمم لأنه فرع عنه.
_________________
(١) أخرجه النسائي باب القول بعد ركعتي الطواف رقم ٢٩٦٢، من كتاب المناسك.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب التيمم ضربة من كتاب التيمم (٣٤٧)، وأخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب التيمم (٣٢١) .
(٣) متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢ / ١٥٤ ]
أما إذا قلنا إنه مبيح فهنا: هذه المسائل عليه أولًا: ألا ينوي رفع الحدث؛ لأنه متى نوى رفع الحدث فإنه لا يجزئ عنه لأنه ليس رافع بل هو مبيح.
وعلى الراجح إذا نوى رفع الحدث فإنه يجزئ عنه.
قوله: (فإن نوى أحدهما لم يجزئه عن الآخر) .
إذا تيمم عن الحدث الأصغر فهل يجزئ عنه عن الحدث الأكبر؟
الجواب: لا يجزئ عنه؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمتى نوى أن يرتفع حدثه الأصغر وكانت عليه جنابة نسيها فإن هذه الجنابة لا ترتفع بهذه النية، كما تقدم فيمن توضأ وعليه جنابة فإنه لا يجزئ عنه عن الغسل.
والعكس كذلك – عند الحنابلة – فلو نوى أن هذا التيمم للحدث الأكبر ولم ينوه عن الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ عنه، وقد تقدم ترجيح أن من اغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه يرتفع عنه على القول الراجح.
فإذن: لو أن رجلًا عليه جنابة فتيمم عنها فإنه يجزئ عن الحدث الأصغر من غير أن ينويه لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ وقد تقدم أن الغسل طهارة وقد أمر الله المجنبين بالغسل للصلاة فمتى اغتسلوا حلت لهم الصلاة وإن لم يتوضؤوا وأن لم ينووا الوضوء فكذلك هنا.
أما إذا تيمم بنية رفع الحدثين الأصغر والأكبر فإنه يجزئ قولًا واحدًا.
إذن: إذا نوى رفع الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر فإنه لا يجزئ عنه، وأما إذا نوى رفع الحدث الأكبر " وهذه الألفاظ على القول الراجح " فإنه يجزئ عنه عن الحدث الأصغر على القول الراجح.
وعلى قولي العلماء: يجزئ عنه إذا نوى الحدثين بلا استباحة.
قوله: (وإن نوى نفلًا أو أطلق لم يصل به فرضًا)
بمعنى: رجل تيمم للسنة القبلية للظهر أو لسنة الضحى أو نحو ذلك، فتيممه لنفل لا لفرض.
أو أطلق: بأن قال: أتيمم لاستباحة الصلاة هكذا أطلق من غير أن يعين بقلبه أن تكون الصلاة فريضة، والواجب عندهم التعين لأن التيمم مبيح فوجب التعين.
[ ٢ / ١٥٥ ]
(لم يصل فرضًا): رجل تيمم لسنة الضحى فتذكر صلاة فائتة من الفرائض فهل يجوز له أن يصلي هذه الصلاة بهذا التيمم؟
الجواب: لا يجوز له ذلك.
ذلك لأن ما نواه نفل أو صلاة لم تعين، فإذا كان كذلك فلا يجزئ عنه أن يصلي ما هو أعلى منها لأنها لا تتضمن ما هو أعلى منها.
والقاعدة عند المذهب في هذه المسألة وما يأتي بعدها: " أنه إذا نوى استباحة شيء مما تشترط الطهارة له سواء كان نفلًا أو فرضًا إذا نواه فإنه يفعله ويفعل ما يساويه وما هو دونه ولا يفعل ما هو أعلى منه "
فإذا نوى استباحة صلاة تطوع فإنه لا يصلي به صلاة فرض وله أن يفعل ما هو تطوع كأن يمس المصحف أو ما هو دون ذلك كدخول المسجد ونحوه.
وعليه: إذا تيمم لصلاة فرض فإنه يصلي بها الفائتة ويصلي ما دونها كالنفل وله أن يمس المصحف ونحو ذلك وهذا كله على أن التيمم مبيح، والراجح أنه رافع – كما تقدم –.
فعلى الراجح: متى نوى ما لا تصح العبادة إلا به فإنه يجزئ كما تقدم هذا في الوضوء.
فمثلًا: رجل نوى بتيممه مس المصحف، فالرجل لا يجوز له مس المصحف إلا بوضوء، فله أن يتطوع ما شاء ويصلي ما شاء من الفرائض؛ ذلك لأن هذا وضوء شرعي مفترض لمن أراد أن يفعل هذه العبادة.
بخلاف الوضوء المستحب، فلو أنه تيمم استحبابًا كأن يكون أراد أن ينام فلم يجد ماء فتيمم فهذا التيمم مستحب للنوم وليس مفترضًا فعلى ذلك لا يجوز أن يصلي في هذا التيمم.
إذن على الراجح: جميع ما تقدم من المسائل في نية الوضوء هي ثابتة في نية التيمم لا فرق في ذلك؛ لأن التيمم بدل عنه والبدل له حكم المبدل إلا أن يدل دليل على خروج شيء من مسائله ولا دليل على خروج شيء من ذلك.
قوله: (وإن نواه صلى كل وقته فروضًا ونفلًا (١»
(إن نواه): أي نوى الفرض، فيفعل الفرض وما يساويه من الفرائض وما هو دونه.
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي نسخة بين يدي: " ونوافل ".
[ ٢ / ١٥٦ ]
وهنا على المذهب: لو أن رجلًا تيمم لتطوع فهل يجزئه أن يطوف به في البيت؟
الجواب: يجزئ عنه على المذهب.
قالوا: لأن الطواف بالبيت شرط الطهارة فيه مختلف فيه، فلما اختلف فيها أصبح كقوة ذلك في التطوع.
مسألة:
الإمام أحمد استحب حمل التراب في الأراضي التي لا يكون فيها تراب.
واختار شيخ الإسلام خلاف ذلك وأن هذا مكروه، وهذا هو الراجح، واستظهره صاحب الفروع وصوبه في
الإنصاف؛ إذ لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن أحد من السلف فعل ذلك وهذا هو الراجح.
فإذا كانت أرض ليس فيها تراب، كأن يكون في أرض فيها فرش أو غير ذلك مما تتبلط به الأرض فأدركته الصلاة وليس معه ماء ولا يمكنه أن يخرج من هذا الموضع ليتيمم في غيره، كأن يكون مريضًا لا يمكنه الخروج ولا يمكنه إحضار التراب وليس هناك من يحضره له فإنه يصلي على حسب حاله لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ .
وعند الحنابلة لو كان في أرض رملية أو سبخة فإنه يصلي بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن هذه هي قدرته ولا يجزئ إلا التراب وتقدم ذكر الراجح.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثامن والثلاثون
(يوم الثلاثاء: ٢ / ١٢ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (ويبطل التيمم بخروج الوقت)
هذا شروع من المؤلف بمبطلات التيمم أي نواقضه.
(ويبطل التيمم بخروج الوقت): للتعليل المتقدم وهو أن التيمم مبيح لا رافع، وما دام مبيحًا فإن الطهارة طهارة ضرورة، وطهارة الضرورة تنتهي بخروج الوقت كطهارة من به حدث متجدد كاستحاضة ونحوها، وقد قال ﷺ: (توضئي لكل صلاة) (١) .
لكن الراجح أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت؛ لأن التيمم رافع لا مبيح كما هو الصحيح من قولي العلماء، فهو رافع وما دام رافعًا فإن له حكم الوضوء أو حكم الغسل فلا يبطل بمبطلات الوضوء أو الغسل أو بوجود الماء.
_________________
(١) أخرجه البخاري كما في البلوغ. وقد تقدم صْ ٣٢.
[ ٢ / ١٥٧ ]
إذن: لا يبطل التيمم على الراجح بخروج الوقت وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال: (وبوجود الماء)
لقوله ﷺ: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) (١) وهذا بإجماع العلماء، وأن التيمم في الجملة ينتقض بوجود الماء.
ومثل ذلك: ذهاب العذر المبيح للتيمم، فإذا تيمم لمرض فبرأ فيجب عليه أن يمس الماء بشرته كما لو كان عادمًا للماء.
إذن: يبطل التيمم بوجود الماء أو بزوال العذر المبيح للتيمم، كأن يتيمم عن الجنابة في ليلة باردة فيجب عليه أن يغتسل إذا ذهب العذر.
قال: (وبمبطلات الوضوء)
وكذا الغسل، فمبطلات الوضوء أو الغسل تبطل التيمم؛ ذلك لأن التيمم بدل عنهما والبدل له حكم المبدل، فهذه نواقض تبطل المبدل فكذلك تبطل بدله.
قال: (أو بوجود الماء ولو في الصلاة)
لذا تقدم في التقرير السابق أن هذا – أي بطلان التيمم بوجود الماء – أن هذا في الجملة.
وهذا له صور:
الصورة الأولى: أن يوجد الماء قبل الصلاة.
مثال: رجل أذن الظهر وهو عادم للماء فتيمم ولم يصل بعد ثم وجد الماء قبل الصلاة، فتيممه ينتقض وعليه أن يتوضأ لهذه الصلاة.
الصورة الثانية: أن يوجد الماء بعد الصلاة، فلا يخلو من حالتين:
- الحالة الأولى: أن يكون هذا بعد خروج الوقت.
مثال: رجل تيمم لصلاة الظهر وصلاها ثم وجد الماء بعد خروج الوقت.
- الحالة الثانية: أن يوجد قبل خروج الوقت.
ففي هاتين الصورتين الصلاة صحيحة باتفاق العلماء، وأما التيمم فهو باطل، ويجب عليه أن يمس الماء بشرته بغسل أو وضوء ولكن الصلاة صحيحة باتفاق العلماء.
الصورة الثالثة: أن يوجد الماء أثناء الصلاة.
قال المؤلف: (ولو في الصلاة) ولفظة (ولو) إشارة إلى خلاف:
_________________
(١) أخرجه الترمذي، وقد تقدم صْ ٩٧.
[ ٢ / ١٥٨ ]
١- فمذهب الحنابلة: أن الصلاة تبطل ويجب عليه أن يتوضأ؛ قالوا: لأنه بمجرد حضور الماء يبطل التيمم وهو في الصلاة فحينئذ إذا بطل التيمم تبطل الصلاة أيضًا – فحينئذ – يجب عليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة.
إذن: دليلهم ظاهر قوله ﷺ: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) وهذا في الصلاة وفي غيرها.
وقالوا: من التناقض أن يجعله مبطلًا في خارج الصلاة وليس مبطلًا فيها.
٢- وذهب المالكية والشافعية: إلى أن التيمم لا ينتقض إذا وجد الماء في الصلاة.
واستدلوا: بدليل وتعليل:
أما الدليل: فهو قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (١) قالوا: وفي ذلك إبطال للعمل.
ولكن هذا الاستدلال بها ضعيف؛ ذلك لأن المبطل هو الله أي الشارع، فالتيمم عند وجود الماء يبطل، والذي أبطله ليس المكلف بل هو الله ﷿.
وأما الآية: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ أي بسوء تصرف منكم إما برياء أو بمنٍّ في الصدقات أو نحو ذلك مما يبطل العمل ويحبطه، وهذا من فعل المكلف فإن النهي هنا موجه للمكلف.
أما كون الصلاة تبطل بوجدان الماء فإن هذا ليس من حكم المكلف ولا من تصرفه بل هو حكم الله.
وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بهذه الآية.
وأما التعليل: فإنهم قالوا: إن من لم يجد رقبة في كفارة القتل فإنه يفعل بدلها وهو صيام شهرين متتابعين، فإذا شرع في هذا الصيام ثم أمكنه أن يعتق الرقبة فإنه لا يجب عليه أن يعتقها بل يستمر في صيامه، قالوا: فكذلك هنا.
وهذا التعليل ضعيف؛ ذلك لأن التيمم هو بدل الوضوء أو الغسل وليست الصلاة، ونحن وإياكم متفقون على أنه لو وجد الماء وهو يتيمم أو بعد أن تيمم وقبل أن يصلي فإن تيممه بطل وهنا قد شرع بالبدل بل قد انتهى منه.
_________________
(١) سورة محمد ٣٣.
[ ٢ / ١٥٩ ]
ثم إن الشارع لم يأمر من شرع بالصيام بعتق الرقبة مع تجدد الغنى وإمكان العتق لما في ذلك من المشقة وقد شرع في الصيام وفي ذلك مشقة فلم يوجب عليه الشارع أن يعود إلى الرقبة فيعتقها وقد شرع في صوم شاق عليه.
إذن: الراجح: مذهب الحنابلة من إنه إذا وجدا الماء في الصلاة فإن التيمم يبطل بذلك وعليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة.
إذن: تبقي عندنا قاعدة واضحة وهي: " أنه متى ما وجد الماء بطل التيمم ".
فإذا كان لم يصل بعد فيجب أن يعد تيممه فيصلي.
وأما إذا كان قد صلى فإن صلاته صحيحة فإنه أداها على ما أمره الله ﷿ به، وسواء كان ذلك في الوقت أو بعده، وكذلك إذا وجده في الصلاة.
فعلى ذلك تكون القاعدة منضبطة وأنه متى وجد الماء فإن التيمم يبطل.
ومعلوم أن بطلان التيمم بعد العبادة كبطلان الوضوء بعد فعلها، فتبقى العبادة صحيحة ويكون الوضوء منتقضًا.
قال: (والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى)
التيمم آخر الوقت أولى إذا كان يرجو وجود الماء.
بمعنى: رجل أدركته صلاة الظهر ولم يجد ماءً يتوضأ به، ويقول: أنا أرجو أن أجد الماء بعد حين من الزمن قبل خروج الوقت، فنقول له: الأولى لك أن تؤخر صلاتك إلى أن يحضر الماء فتوضأ به أو تغتسل.
وأولى من ذلك إذا كان يتيقن وجود الماء
مثال ذلك: رجل أذن الظهر وهو دون المدينة بمسافة قصيرة يعلم أنه يصل إلى المدينة ويتوضأ بها قبل خروج الوقت فحينئذ الأولى له أن ينتظر فيدخل المدينة ويتوضأ.
وكذلك – صورة ثالثة –: وهو ما إذا كان قد استوى عنده الأمران، يقول: يحتمل أن يوجد الماء ويحتمل ألا يوجد، وهذه أضعف من رجاء وجود الماء.
إذن: عندنا ثلاث صور:
الصورة الأولى - وهي أضعفها –: أن يقول أنا لا أدري هل أجد الماء أم لا أجده، ولكن يحتمل أن يوجد الماء قبل خروج الوقت كما أنه يحتمل ألا يوجد ففي ذلك شيء من الرجاء.
أعلى من ذلك: أن يكون كفة وجود الماء هي الراجحة.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وأعلى من ذلك أن تكون هي المتيقنة.
فهذه الصور، قالوا: المستحب له أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت.
قالوا: لأن الصلاة بالطهارة الأصلية فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، فيترجح الشق الأول وهو كونه يصلي في آخر الوقت بفريضة الطهارة الأصلية.
وحقيقة هذا التعليل مقتضاه وجوب ذلك؛ لأن ترجيح الفريضة على الفضيلة واجب ومفترض.
لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: أنه متى كان يرجو الماء فيجب عليه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت.
وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه يصلي عند دخول الوقت استحبابًا مطلقًا إلا إذا تيقن وجود الماء، فإذا تيقن وجود الماء، فإنه ينتظر آخر الوقت.
فإذا كان يرجو وجود الماء فحسب أو استوى عنده الأمران أو يغلب على ظنه عدم وجود الماء أو يئس من وجود الماء فإنه في هذه الصورة الخمس كلها يصلي في أول الوقت.
إلا الصورة السادسة وهي ما إذا تيقن وجود الماء كمن أدركته الفريضة وهو قريب من المدينة وتيقن أنه سيصل قبل أن يخرج الوقت.
وهذه صورة التيقن؛ لأن اليقين في الحقيقة ممتنع؛ لأنه قد يحدث له ما قد يقدره الله ﷿ من الأمور التي تعوقه ولكن المقصود من ذلك مع بقاء الأمور على السلامة، وأما احتمال أن يحدث شيء فهذا أمر موجود.
لا شك أن مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام أصح من مذهب الحنابلة.
ولكن الأظهر أنه يصلي مطلقًا في أول الوقت، وهذا مذهب ابن عمر فقد ثبت عنه عند ابن المنذر: " أنه تيمم قبل المدينة بميل أو ميلين ثم دخل والشمس مرتفعة فلم يعد " (١) .
" والشمس مرتفعة ": أي في وقت العصر والشمس مازالت مرتفعة، وهذا في أوائل وقت صلاة العصر، ومعلوم أن من بعد ميل أو ميلين عن المدينة فإنه يتيقن أنه سيصل إلى المدينة قبل خروج الوقت، ومع ذلك فإن ابن عمر قد صلى الصلاة في أول وقتها.
[ ٢ / ١٦١ ]
وهو الذي يفيده قوله ﷺ: (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) وفي رواية: (فعنده مسجده وطهوره) (١)، وهذا حديث عام فيمن أدركته الصلاة وهو عادم للماء غير واجد له، سواء كان يرجو الماء أو يتيقن وجوده قبل خروج الوقت مادام أن الماء ليس حاضرًا عنده.
ومع ذلك فإن الاحتياط له أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها إذا كان قد تيقن وجود الماء.
إذن: الراجح إذا حضرت الصلاة وليس ثمت ماء موجود وليس الماء قريبًا – فإنه – وقد حكمنا له بأنه غير واجد للماء وأذنا له بالتيمم فإن التيمم بدل الوضوء، فإنه – حينئذ – يكون قد صلى بالفريضة، فإن الطهارة بالتراب تنوب تمامًا عن الطهارة بالماء، فما دام قد أذن له بالتيمم فلا مانع حينئذ أنه يقال باستحباب تعجيل الصلاة والحديث المتقدم ظاهر في العموم.
قال: (أن ينوي ثم يسمي ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ويمسح وجهه بباطنهما وكفيه براحتيه ويخلل أصابعه)
قوله: (أن ينوي) تقدم الكلام في النية.
قوله: (ثم يسمي) وقد ذكرنا أن الحنابلة يوجبون ذلك، فإن التيمم يقاس على الوضوء فمتى قلنا بوجوب التسمية في الوضوء فكذلك في التيمم.
(ويضرب بيديه) أي ضربة واحدة – هذا هو المستحب – وقد تقدم حديث عمار أن النبي ﷺ قال له: (إنما يكفيك أن تفعل بيديك هكذا) وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه " (٢) .
وفي قوله: (مفرجتي الأصابع) نظر؛ فإن الأحاديث لم تدل على ذلك، وإنما فيها مجرد ضرب التراب بيديه، وليس في شيء من الروايات أن اليدين مفرجتا الأصابع، فإن هذا فعل يحتاج إلى دليل عن النبي ﷺ ومثله بل أضعف قوله: (يمسح وجهه بباطنهما وكفيه براحتيه) .
قوله: (بباطنهما) أي باطن الأصابع.
و(راحتيه) أي راحتي كفيه.
_________________
(١) تقدم.
(٢) متفق عليه وقد تقدم.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وهذا عندهم بناءً على أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث، فكذلك التيمم قياسًا.
وقد تقدم تضعيف هذا في الماء فأولى أن يضعف في التراب فإنه فرع عنه.
فهم إذن قالوا: يمسح وجهه بباطن الأصابع، والكفين بالراحة؛ ليكون لكل عضو تراب طهور لم يستعمل.
ولكن هذا ضعيف بل هو بدعة – كما قال شيخ الإسلام – ولا أصل له في الشريعة.
وقال شيخ الإسلام أيضًا: " ولا أصل له في كلام أحمد ﵀ وظواهر الأحاديث تدل على خلافه ".
فإن ظواهر الأحاديث تدل على أنه يمس بيديه هكذا عامة بباطن الأصابع وراحتيه، ويمسح كفيه كذلك.
وقد تقدم حديث عمار وفيه: (أنه يمسح شماله بيمينه وظاهر كفيه ووجهه) (١) وظاهر هذه الأحاديث أنه مسح ذلك بباطن اليدين من غير تجزئة، فإنها بدعة لا أصل لها في الدين، ولا أصل لها في كلام الأئمة كأحمد رحمه الله تعالى.
قال: (ويخلل أصابعه)
وهذه كذلك قياسًا على الوضوء، ولكن هذا القياس يصادم ظواهر الأدلة الشرعية فإن ظواهر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها أنه كان يخلل أصابعه.
فإذن: ليس هذا بمشروع لعدم دلالة الأدلة الشرعية عليه.
ونختم هذا الباب بمسألتين:
المسألة الأولى:
فيما إذا كانت الصلاة مما يخاف فوتها كصلاة الجمعة فإنها إذا فاتت فإنها تصلى ظهرًا ومثل ذلك صلاة العيد وصلاة الجنازة وسجود التلاوة، فإن هذه الصلوات وهذا السجود متى لم يفعلها في الوقت فإنها تفوت بأن يخرج عن هيئتها وصفتها وتكون لها هيئة مختلفة عن الهيئة السابقة.
فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أن [من] لم يجد الماء بحيث يمكنه أن يصليها على صفتها الأولى فإن له أن يتيمم، وإن كان الماء حاضرًا، لكنه يعلم أنه متى توضأ فإن هذه الصلاة تفوت عليه.
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢ / ١٦٣ ]
كأن يذكر حدثًا في صلاة الجمعة ويعلم أنه متى توضأ أو اغتسل فإن صلاة الجمعة تفوت عليه أو صلاة الجنازة مع الإمام أو نحو ذلك فإن له أن يصليها بالتيمم.
والمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن هذه الصلوات تشترط فيها الطهارة المائية.
والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام، لأن حضور هذه الصلوات بالتيمم أولى من فوتها ولا يمكنه حضورها على وجهها إلا بالتيمم، فلما كان ذلك جاز له [هذا] الحكم.
فإن الشارع لما شرع لنا التيمم كان من الممكن لنا أصلًا أن نؤمر بقضاء هذه الصلاة التي لم نجد فيها الماء، فنقضيها إذا حضر الماء، ومع ذلك فإن الشارع أمرنا بالتيمم لمصلحة حضور الصلاة في وقتها وخشية فواتها.
المسألة الثانية:
فيما إذا خاف فوات الفريضة، كأن يقول: متى اغتسلت أو توضأت فإن الفريضة تفوتني.
وهذه له صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون مستيقظًا من أول وقت الصلاة، ويقول: الماء قريب وأنا متى طلبت الماء وأحضرته فتوضأت أو اغتسلت فإن الوقت يخرج أو يكون الماء في بئر ويعلم أنه متى عالج الماء بإحضاره من البئر ونحو ذلك مما يحتاج إليه في إخراجه، فإن الصلاة تفوت عليه.
وهنا ذكر شيخ الإسلام على أن جمهور أهل العلم: على أن التيمم يجوز له في هذه الحالة، وأن المشروع في حقه هو التيمم، فله أن يصلي بالتيمم.
وذكر الموفق ﵀: أنه لا يصلي بالتيمم، وإنما ينتظر الماء حتى يأتي به من البئر أو حتى يأتي به من المكان الذي بقربه ولو خرج الوقت فيصلي به.
لأن الله إنما أجاز التيمم مع عدم الماء، فإن الله قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وهذا واجد للماء.
[ ٢ / ١٦٤ ]
والراجح: ما ذكره شيخ الإسلام عن الجمهور واختاره ﵀؛ ذلك – لما تقدم – وأن التيمم إنما شرع لإدراك الصلاة في وقتها، وهذا متى ذهب إلى الماء ليتوضأ به أو يغتسل أو متى عالجه بتسخين أو إحضار من بئر فإن الوقت يخرج، ومصلحة الصلاة في وقتها بالتيمم أولى من فوات وقتها بالوضوء.
فالراجح: مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام من أنه إذا كان مستيقظًا في الوقت وعلم أنه متى يطلب الماء أو اشتغل بتسخينه أو إحضاره أو نحو ذلك فإن الصلاة تفوته، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي بل المشروع له أن يتيمم ويصلي في الوقت.
الصورة الثانية: أن يكون نائمًا فيستيقظ في آخر الوقت: كأن يستيقظ قبل أن يخرج وقت صلاة الفجر مثلًا بدقائق يسيرة، ويعلم أنه متى استعمل الماء في الوضوء أو الاغتسال من الجنابة فإن الوقت يخرج.
ففي هذه المسألة: ذهب الجمهور: إلى أنه لا يتيمم بل يصلي بعد الوقت.
فإن هذه الصورة مفارقة للأولى فإنه لم يستيقظ إلا قبل خروج الوقت بوقت يسير وعلم أنه متى توضأ أو اغتسل فإن الوقت يخرج.
وعلة هذا – أي إنه يجب الوضوء ولا يجوز التيمم – وهذا مذهب الجمهور –: أن من استيقظ من النوم فإن وقت الصلاة له عند استيقاظه، فإنه إنما يخاطب بالصلاة عند استيقاظه، وقد قال ﷺ: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (١) فالنائم إنما يكون وقت الصلاة له من استيقاظه.
- وذهب المالكية في المشهور عندهم: إلى أنه كالمسألة السابقة وأنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا ينتظر حتى يجد الماء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١ / ١٥٧) ومسلم (٢ / ١٤٢)، وأبو داود (٤٤٢)، وكذا أبو عوانة (٢ / ٢٦٠، ٢٦١) والنسائي (١ /١٠٠) والترمذي (١ / ٣٣٥) وغيرهم، الإرواء [١ / ٢٩١] رقم ٢٦٣.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وعللوا قولهم هذا: بأنه إذا صلى في الوقت فإنه يكون في ذلك مصلحة الصلاة في وقتها قبل خروج الوقت، وهذا مرجح على أن يصلي بعد خروج الوقت بالطهارة المائية.
إذن قالوا: كونه يصلي بالتيمم في الوقت، أولى من كونه يصلي بعد خروج الوقت بالوضوء أو بالغسل.
وهذا القول - فيما يظهر لي – راجح قوي.
ذلك: لأن الشارع – كما تقدم – إنما أباح التيمم لمصلحة الصلاة في وقتها وإلا لكانت الصلاة إنما تشرع قضاءً، فلو كان المرجح أن تصلى الصلاة بالوضوء أو الغسل لكان ذلك سببًا في عدم شرعية التيمم.
فلو كان المحبوب عند الشارع أن يصلي الصلاة خارج وقتها بالوضوء لأَمَر من لم يجد الماء أن ينتظر حتى يجد الماء فيصلي الصلاة المكتوبة خارج وقتها بالطهارة المائية.
فلما لم يكن ذلك علمنا أن مراد الشارع ومطلوبه هو أن يصلي الصلاة بالوقت بالتيمم.
فعلى ذلك: الراجح أنه يصلي بالتيمم في الوقت.
وكون الصلاة – إنما يكون وقتها في حقه - من استيقاظه، هذا لكونه معذورًا، وهكذا من كان الماء قريبًا إليه كأن يكون في البئر أو باردًا ويعلم أنه إذا سخنه فإنه يخرج الوقت، فإنه لا فارق في الحقيقة بينه وبين النائم لأن كليهما معذور.
فهذا معذور لعدم استيقاظه، وهذا معذور لأن الماء يحتاج إلى معالجة، فلا فرق بين الاثنين.
فلو كان من حكم في المسألة الثانية فيما ذكره الجمهور لكان في المسألة الأولى ولقلنا: أنت معذور في معالجتك الماء وتسخينه وتصلي بالوضوء ولو كان ذلك خارج الوقت، وهذا هو أول وقتك لكونك معذور.
فالراجح: في هاتين المسألتين كليهما: أنه متى خشي فوات الوقت سواء كان مستيقظًا في أول الوقت أو في آخره أنه متى علم أنه إذا استعمل الوضوء في (١) الغسل وكان الماء يحتاج إلى معالجة أو تسخين، وعلم أنه لا يمكنه فعل ذلك إلا وقد خرج الوقت فإنه يتيمم ويصلي الصلاة في وقتها.
والحمد لله رب العالمين
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: أو.
[ ٢ / ١٦٦ ]
الدرس التاسع والثلاثون
(يوم الأحد: ٢٥ / ١٢ / ١٤١٤ هـ)
بابُ: إزالةُ النجاسةِ
" إزالة ": الإزالة هي التنحية، أزال الشيء أي نحَّاه وأقصاه.
" النجاسة ": هي الشيء المستقذر شرعًا.
فهذا الباب بوبه المؤلف لبيان الطريقة الشرعية في إزالة النجاسات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجزئ في غسل النجاسات كلها ..)
هذه المسألة في القدر المجزئ في غسل النجاسات كلها سواء كانت هذه النجاسة نجاسة آدمي أو كلب أو خنزيرًا ونحو ذلك فما حكمها؟
قال: (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) أي وأثرها فيذهب رائحتها ولونها.
فهذه المسألة في حكم النجاسات الواقعة على الأرض.
حكمها: أنها تغسل غسلة واحدة أيًا كانت هذه النجاسة فما دامت النجاسة على الأرض فطريقة إزالتها أن تغسل غسلة واحدة، بأن يغسل الموضع الذي وقعت فيه النجاسة تغسل غسلة واحدة تذهب بالنجاسة.
وعليه إن لم تذهب النجاسة فيجب عليه تكرار الغسل مرة أخرى حتى تزول النجاسة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فإن قيل: ما الدليل على أن الكلاب – التي سيأتي حكمها في غسل الإناء عند ولوغها سبعًا إحداهما بالتراب – ما الدليل على إدخالها في هذا الحكم؟
[ ٢ / ١٦٧ ]
فالجواب: الدليل ما ثبت في أحمد والبخاري وأبي داود وهذا لفظه عن ابن عمر قال: (كنت أنام في المسجد في عهد النبي ﷺ ﷺ وكنت فتى شابًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فلم يكونوا يرشون من ذلك شيئًا) (١)
فهنا اكتفى بزوال النجاسة بالشمس أو نحوها – ولم يكونوا يرشون على هذه النجاسة شيئًا؛ لأن مثلها يزيله الشمس.
وسيأتي أن الراجح أن النجاسة متى زالت فإن حكمها يزول.
فما دامت النجاسة واقعة على الأرض فإنه يزول حكمها بزوالها – يدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (أتى أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه) (٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في طهور الأرض إذا يبست (٣٨٢) قال: " حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني حمزة بن عبدا لله بن عمر، قال: قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنت فتى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك " قال الخطابي: " يتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة " سنن أبي داود مع المعالم: [١ / ٢٦٥] . وأخرجه البخاري في الطهارة في كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.. وممر الكلاب في المسجد (١٧٤) [باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا] . سنن أبي داود [١ / ٢٦٥] .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب يهريق الماء على البول (٢٢١) وباب صب الماء على البول في المسجد (٢٢٠)، وباب ترك النبي ﷺ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد (٢١٩) . وأخرجه مسلم ٢٨٥) (٢٨٤) .
[ ٢ / ١٦٨ ]
وليس في ذلك ذكر للعدد، بل ظاهره أن الماء وضع على موضع النجاسة مكاثرة ومغامرة، فمتى ذهبت فقد ذهب حكمها.
فنصب الماء على الأرض التي وقعت عليها النجاسة حتى يغمر الماء النجاسة، فإذا ذهبت فقد ذهب حكمها.
أما إذا كان لا يمكن زوالها بمثل ذلك ولو كثر الماء بحيث أنه لا يمكن أن تزول إلا بأن يزال التراب فإنه يفعل به ذلك؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
إذن: يصب الماء على موضع النجاسة ولا يشترط تكرار غسل ولا إزالة موضع إلا إذا كان لا يمكن إزالة النجاسة إلا بمثل ذلك.
قال: (وعلى غيرها سبع)
قوله: " وعلى غيرها " غير الأرض كثوب أو حائط أو نحو ذلك.
اعلم أن جمهور أهل العلم أن الكلب والخنزير نجسان، أما الكلب فدليله قوله ﷺ – فيما رواه مسلم وأصله في الصحيحين قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا أولاهن بالتراب) (١) والشاهد قوله: (طهور) وهذا دليل على ثبوت النجاسة في المحل، فدل هذا الحديث على أن ولوغه نجاسة في المحل وهذا هو طهورها.
قالوا: ويقاس على ذلك الخنزير؛ لأنه أخبث منه وأشد تحريمًا وأشد استقذارًا فيقاس عليه.
وقد حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم على نجاسة الكلب والخنزير.
إلا أن هذا الإجماع منتقض بمخالفة الإمام مالك فإنه خالف في ذلك ورأى أن الخنزير ليس بنجس والكلب ليس بنجس.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب (٢٧٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، وبلفظ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرارٍ)، وبلفظ (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) . وأخرجه البخاري ١٧٢، في كتاب الوضوء، باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا بلفظ: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا) .
[ ٢ / ١٦٩ ]
واستدلوا على ذلك: بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (١) قال: فلو كان ذلك نجسًا لأمر الشارع بغسله.
* واعلم أن أهل العلم في غسل أثر الكلب المعلم في الصيد على قولين:
أظهرهما كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك أنه لا يجب ذلك؛ لأن الشارع لم يأمر به وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإذا ثبت هذا فإن هذا يدل على أن ريقه ليس بنجس، فدل على أن الكلب ليس بنجس.
ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، فإن الشارع من قواعده رفع الحرج فيما تلحق الأمة به المشقة، ومن المشقة أن يؤمر صاحب الصيد بغسل ما أصابه الكلب، فلما كان الأمر كذلك لم يأمر الشارع بغسله وكان من النجاسات المعفو عنها، كما أن الدم الذي يكون بين اللحم معفو عنه، بخلاف الدم المسفوح فإن الشارع قد نهى أن يطعم – كل ذلك – لرفع الحرج عن الأمة.
وما دام أن الإمام مالك استدل بهذا الدليل على الكلب فكذلك عنده الخنزير.
والأظهر ما ذهب إليه الجمهور من نجاسة الكلب وقياس الخنزير عليه، والعلم عند الله تعالى
قال: (سبع أحدها بالتراب في نجاسة كلب وخنزير)
الحديث إنما فيه ذكر الولوغ وهو أن يدخل الكلب لسانه بالإناء ويحركه، فيدخل من ريقه في هذا الإناء، فأمر الشارع بغسله تطهيرًا له، وهذا فيه إثبات نجاسة ريقه – ومثله غيره من بول وروث وغير ذلك فإنها في الحكم سواء – فما دام ريقه نجس فبوله وروثه من باب أولى.
لذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أن نجاسة الكلب وهي ما تخرج منه وما يتولد منه كل ذلك نجس من ريق أو بول أو نحو ذلك.
وذهب شيخ الإسلام: إلى أن الرطوبة (العرق) التي تكون على شعر الكلب أنها معفو عنها، وأن شعر الكلب طاهر.
وقد تقدم ترجيح هذا المذهب في الحكم على شعر الميتة وحكم الكلب كذلك هنا.
_________________
(١) سورة المائدة.
[ ٢ / ١٧٠ ]
ثم إن القول بالتنجيس بالرطوبة التي تكون على الكلب محل حرج ومشقة، فإن الشارع قد أباح من الكلاب ما أباح فعندما تتنجس الأيدي أو الثياب بالرطوبة فهذا فيه مشقة.
بخلاف ما يكون من الريق - والرطوبة المراد بها العرق - ونحوه الذي يكون في الأواني فإن هذا لا يلحق به المشقة، ويمكن أن يكون له إناء خاص به.
وأما ما يكون رطبًا على شعره فقد يصيب اليد وقد يصيب الثوب ففيه مشقة فكان الأولى ألا يقال بالتنجيس به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ﵀.
وهذا كما أن الشارع قد أباح لنا الصيد الذي يقع في فمه رفعًا للحرج لاحتياج الناس إلى ذلك فكانت الرطوبة الواقعة على شعره كذلك.
إذن: الراجح أن شعره طاهر كما تقدم في باب الآنية وكذلك الرطوبة التي تكون على شعره لا يثبت التنجيس بها؛ لكون ذلك فيه حرج ومشقة فيكون – حينئذ – من النجاسة المعفو عنها
قوله: (إحداها بالتراب):
ولا يشترط أن تكون الأولى ولا الثانية ولا السابعة، فالمشروط أن تكون إحدى هذه الغسلات بالتراب، يدل على ذلك حديث مسلم المتقدم وفيه: (أولاهن بالتراب) ولكن في الترمذي: (أولاهن أو أخراهن) (١) فدل ذلك على أن الموضع من الغسل ليس مشترط إنما المشترط أن يغسل الموضع بالتراب ولا يشترط أن يكون ذلك في الأولى ولا في السابعة، وأن كان الأولى أن تكون الأولى؛ ليزيل الماء الوارد بعد ذلك على التراب - ليزيل - التراب وما يحمله من النجاسة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ (٩١) قال: " حدثنا سوَّار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغتْ فيه الهرة غُسل مرة) . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ".
[ ٢ / ١٧١ ]
قوله: (في نجاسة كلب وخنزير)
أما الكلب فقد تقدم الحديث الدال عليه، وأما الخنزير فقالوا: هذا من باب القياس، لكن هذا القياس ضعيف؛ ذلك لأن العلة من أمر الشارع بهذا الحكم في نجاسة الكلاب تعبدي لا تظهر لنا علته، والقياس واقع إذا كانت علة الأصل معقولة كما هو مقرر في علم الأصول، فلابد أن يكون الأصل معقول المعنى، وهذا الأصل ليس بمعقول المعنى – هذا إذا قررنا ما يقرره الفقهاء المتقدمون وأن العلة تعبدية.
وأما إذا قررنا ما يقرره المتأخرين وأن العلة في ذلك وجود دودة شريطية في الكلب لا يزيلها إلا التراب فإن هذا الحكم لا يمكن أن يثبت في الخنزير إلا إذا ثبت وجود هذه الدودة الشريطية، فما دام أنه لم يذكر ثبوته فحينئذ لا يمكن القياس.
فالراجح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن الخنزير لا يلحق بالكلب في هذا الحكم وإنما نجاسته كنجاسة غيره من النجاسات.
قوله: (ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه)
كصابون ونحوه.
قالوا: لأن هذه في معنى التراب، فعلى ذلك تقاس على التراب فتعطى حكمه، فيقاس النظير على نظيره.
لكن في هذا القياس نظر أيضًا؛ ذلك لأن الشارع قد خصص التراب والعلة تعبدية، فما دامت العلة تعبدية فالقياس غير صحيح.
وإذا قلنا ما ذكره المتأخرون مما نقلوه من الاكتشافات العلمية من وجود مادة في التراب تزيل هذه الدودة الشريطية لا يزيلها سواه، فإن إلحاق غير التراب به واضح البطلان وأن الحكم مخصوص به.
إذن: الراجح أنه لا يجزئ سوى التراب وهذا أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد.
إذن: في هذه المسألة في المذهب وجهان:
الوجه الأول: – وهو المشهور – أنه يجزئ ما سوى التراب من المنظفات.
الوجه الثاني: أنه لا يجزئ إلا التراب، وهذا هو الراجح؛ لأن القياس يشترط أن يكون فيه معقول المعنى، فإن لم يكن معقول المعنى فإن القياس يكون باطلًا.
قال: (وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب)
[ ٢ / ١٧٢ ]
أي نجاسة غيرهما: أي غير الكلب والخنزير.
والراجح: - في غير الكلب – فالخنزير له هذا الحكم.
(سبع بلا تراب): قالوا: لما روى ابن عمر قال: (أمرنا النبي ﷺ أن نغسل الأنجاس سبعًا) (١) وقد ذكر الموفق في المغني ولم يعزه. وقد ذكر الشيخ الألباني أنه لم يجده بهذا اللفظ، وهو كما قال، فإن هذا الحديث في الحقيقة لا أصل له.
_________________
(١) راجع الإرواء [١ / ١٨٦] برقم (١٦٣) حيث قال رحمه الله تعالى: " لم أجده بهذا اللفظ ".
[ ٢ / ١٧٣ ]
لكن روى أبو داود بإسناد ضعيف – وسبب ضعفه أيوب بن جابر وهو ضعيف – أن ابن عمر قال: (كانت الصلاة خمسين وكان الغسل من الجنابة سبع مرار، وكان غسل الثوب من البول سبع مرار فلم يزل النبي ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا وغسل الجنابة مرة وغسل الثوب من البول مرة واحدة) (١) .
هذا هو الحديث الوارد عن ابن عمر ولو صح فإن فيه النسخ وأن الأمر بغسل النجاسة سبعًا قد نسخ.
وأما أن يكون محكمًا فلا، على أن الحديث الدال على الناسخ والمنسوخ حديث لا يصح.
- لذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو اختيار الموفق من الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام: أن النجاسات كلها سوى نجاسة الكلب – والخنزير على الخلاف المتقدم – أنها يجزئها غسلة واحدة تذهب النجاسة، فمتى غسلت غسلة واحدة تذهب النجاسة فإن ذلك يجزئ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة في الغسل من الجنابة (٢٤٧) قال: " حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عُصْم عن عبد الله بن عمر قال: " كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرارٍ، وغسل البول من الثوب سبع مرارٍ، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جُعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة "، وضعفه الألباني في الإرواء (١٦٣) فقال: " وهذا إسناد ضعيف، أيوب هذا ضعفه الجمهور، وشيخه ابن عُصم مختلف فيه " وقال أبو داود في سننه برقم (٢٤٦): " حدثنا حسين بن عيسى الخراساني، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة، قال: إن ابن عباس كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني كما أفرغت؟ فقلت: لا أدري، فقال: لا أمّ لك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضو [ء] هـ للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر ".
[ ٢ / ١٧٤ ]
واستدلوا: بما تقدم من حديث الأعرابي (١) فإنه فيه أنه قد غسل مرة واحدة ولا فرق بين النجاسة في الأرض ولا في غيرها.
وأصرح منه – وهو ما يكون في غير الأرض – ما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر – وقد سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب فقال ﷺ: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) (٢) ولم يشترط النبي ﷺ عددًا.
والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فقد حكمنا على هذا الثوب بأنه نجس لوجود هذه النجاسة، فإذا زالت بغسلة واحدة وذهب أثرها فإن المحل يكون طاهرًا؛ لأن هذا الثوب إنما حكم عليه بالتنجيس وهو ما تسمى بالنجاسة الحكمية –إنما حكم عليه بذلك لوجود هذه النجاسة – فما دام أنها ذهبت بغسلة واحدة فإن المحل يطهر.
فإن لم تذهب بواحدة – فحينئذ – يكرر حتى تزول النجاسة.
_________________
(١) أي لما بال في المسجد، فأهريق عليه ذنوبًا من ماء، وهو في الصحيحين.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم (٢٢٧) بلفظ: " جاءت امرأةٌ النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال: (تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه)، وأخرجه مسلم (٢٩١) في كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله بلفظ: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: (تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه) .
[ ٢ / ١٧٥ ]
فإن بقي ما لا يمكن إزالته كرائحة أو لون ونحو ذلك فلا حرج في ذلك لما ثبت في الترمذي – والحديث حسن – فإنه من حديث ابن لهيعة وقد رواه عنه بعض العبادلة، وروايتهم عنه حسنه وله شواهد من الشرع تدل عليه أن خولة قالت للنبي ﷺ: فإن لم يذهب الدم؟ أي دم الحيض، فقال ﷺ: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) (١) .
فإذا عجز المكلف عن إزالة أثر النجاسة فإن الحرج مرفوع، فيكفيه ما فعل من الغسل ولا يضره هذا الأثر.
إذن: مذهب الحنابلة أن الموضع إذا وقعت عليه نجاسة سوى النجاسة المتقدمة فإنه يغسل سبع مرات.
والمراد بسبع مرات: هكذا على الحقيقة وليس المراد بعد التطهير، فلو كانت السادسة وقعت على النجاسة، والنجاسة ما زالت ثم أزالته السابعة فإن هذه سبع غسلات.
إذن: يغسله الغسلة الأولى وإن كانت النجاسة لم تذهب بها ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك، المقصود أن تذهب بالسابعة، فإن لم تذهب بالسابعة فيغسله ثامنة أو تاسعة حتى تزول النجاسة.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الأربعون
(يوم الاثنين: ٢٦ / ١٢ / ١٤١٤هـ)
قال المؤلف ﵀: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك)
إذا وقع على ثوب نجاسة فأصابتها الشمس فزالت ولم يبق لها أثر لا طعم ولا ريح، أو ذهبت تلك النجاسة بالريح، كأن تذهب بسبب ريح شديدة، والمقصود من ذلك: ذهاب تام بحيث لم يبق لها أثر في المحل.
أو كان المحل نحو مرآة أو سيف أو سكين فوقعت عليه نجاسة كالدم – على قول من قال بنجاسته – فدُلك فزالت نجاسته، فهل يحكم بنجاسة المحل أم لا – في كل هذه المسائل؟
قال هنا: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك)
_________________
(١) لم أجده في فهرس الترمذي طبعة بيت الأفكار، ولا في باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب من كتاب الطهارة في سنن الترمذي.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وقد تقدم الكلام في هذا في باب المياه، وأن الماء الطهور هو ما لا يزيل النجس الطارئ غيره، وقد تقدم دليل المذهب.
وتقدم رجحان ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن هذا المحل طاهر.
ودليل ذلك: ما روى البخاري وأبو داود من حديث ابن عمر من أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم تكن تغسل محالها (١) .
ولو كانت باقية، لوجب تغسليها، فتبين أنها كانت تذهب بنحو شمس أو ريح إذ لو كانت باقية لوجب تغسيلها.
وبما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ماذا رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) (٢) فأمر بالمسح وهو الدلك – الذي تثبت فيه إزالة النجاسة.
فالراجح: أن النجاسة متى زالت بأي مزيل من المزيلات بحيث إنه لم يبق للنجاسة أثر سواء كان ذلك بدلك أو ريح أو شمس فإن المحل يطهر، ومحل هذا حيث تذهب النجاسة فلا تبقى لها أثر.
قال: (ولا استحالة)
يقال: استحال الشيء عما كان عليه: أي زال، وذلك بأن يتحول من صورة إلى أخرى أو من مادة إلى مادة أخرى.
_________________
(١) تقدم صْ ١٢٦.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل (٦٥٠) قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي نُعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يُصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القول ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: (ما حملكم على إلقاء نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليْك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ: (إن جبريل أتاني فأخبرني أنفيها قذرًا) أو قال: أذى، وقال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما) .
[ ٢ / ١٧٧ ]
كتحول الدم والصديد واللحم في الميتة إلى تراب وكتحول الروث النجس إلى رماد ونحو ذلك فهل هذه المتحول إليها طاهرة أم نجسة؟
هنا: المذهب يقول: إنها نجسة وإنها لا تطهر.
فعلى ذلك: التراب الذي دفن فيه الإنسان فتطاول الزمن عليه فتحول بما فيه من صديد ودم – وهذا على القول بأن الصديد نجس – أو كانت ميتة أخرى من التي يحكم بنجاستها، فتحولت إلى تراب أو إلى ملح أو تحول هذا الروث إلى رماد أو الدخان المتحلل من الشيء النجس كأن يحرق شيء نجس فيخرج منه غبار:
- فذهب الحنابلة إلى إنها نجسة
واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما أن النبي صلي الله عليه وسلم: (نهى عن الجلالة) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها (٣٧٨٥) قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ع ابن عمر قال: نهى رسول الله عن أكل الجلالة وألبانها " وقال (٣٧٨٧): حدثنا أحمد بن أبي سريج أخبرني عبد الله بن جهم حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل: أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها " وقال (٣٧٨٦) " حدثنا ابن المثنى، حدثني أبو عامر، حدثنا هشام، عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صى ﷺ نهى عن لبن الجلالة " أخرجه النسائي في البيوع حديث ٤٤٥٣، باب النهي عن لبن الجلالة. أخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها قال: " حدثنا هنَّاد حدثنا عَبْدَة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها " قال: وفي الباب عن عبد الله بن عباس. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب،وروى الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال (١٨٢٥): " حدثنا محمد بن بشّار حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن المُجَثَّمة ولبن الجلالة وعن الشرب من في السقاء " وصححهما الألباني. وأخرجه ابن ماجه في في الذبائح حديث ٣١٨٩، باب النهي عن لحوم الجلالة، سنن أبي داود [٤ / ١٤٩] .
[ ٢ / ١٧٨ ]
وسيأتي الكلام على هذا الحديث في بابه – إن شاء الله -.
قالوا: إنما هذا النهي لنجاستها، لكون هذه النجاسات ثابتة فيها باقية، ومعلوم أن هذه النجاسات قد تحولت إلى دم ونحوه فإنها ليست كهيئتها السابقة بل تحولت في هذا الحيوان إلى مادة أخرى، ومع ذلك فإن الشارع نهى عنها.
لكن هذا الاستدلال ضعيف، إذ ليس في الحديث أن ذلك لنجاستها ولكن لقاعدة الشريعة في تحريم ما خبث طعمه كما حرم ما يأكل الجيف، وسيأتي الكلام عليه في باب الأطعمة.
والحنابلة – وهم القائلون هنا بأن الاستحالة لا تحول الشيء إلى شيء ظاهر، مستدلين كذلك بالجلالة – هم أنفسهم يقولون إنها متى حبست – أي الجلالة – ثلاثة أيام كما هو مذهب ابن عمر فمتى حبست فإنها تطهر.
ومعلوم أن هذا الدم قد نبت منه بعض اللحم، ومجرد الحبس لا يغير الحكم، فإنه متى نبت لحمها وحبست بعد ذلك أيامًا يسيرة فإن هذا لا يغير من الحكم شيـ[ـئًا] .
إذن: يدل على حرمتها بجريان هذا الدم الذي ما زال قريبًا بالنجاسة فمتى منعت من الطعام زمنًا وتؤكد بعد هذا الزمن من أن هذا الخبث قد ذهب وإن كان قد تحول إلى مادة أخرى فإنها تحل.
- وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: إلى أن الاستحالة تطهر بها الأعيان.
ولكن مع ذلك ينبغي ألا يقال إنها تطهر بالاستحالة؛ ذلك: لأن ليس مجرد الاستحالة هو سبب الطهارة، بل سببها إنها انتقلت إلى عين أخرى هذه العين عين طاهر.
واستدلوا: بأن الشارع وقد حكم بتنجيس هذه العين التي قد استحالت إلى مادة أخرى قد حكم بنجاستها لما فيها من الخبث، وأما وقد تحولت إلى مادة أخرى وهي مادة حكم الشارع بطهارتها كتراب أو ملح أو رماد أو نحو ذلك، فهذه مادة طيبة قد حكم الشارع بطهارتها ولم يبق اسم ولا معنى مما حكم الشارع بنجاستها.
[ ٢ / ١٧٩ ]
فما حكم الشارع بنجاسته كالروث مثلًا: قد تحول إلى رماد فلم يبق فيه ما في الروث من المعنى، وكذلك لم يبق فيه التسمية فهي مادة طاهرة، وكذلك الملح والتراب.
والنبي ﷺ لما بنى مسجده أمر بنبش ما فيه من قبور المشركين ولم يأمر النبي ﷺ بحمل التراب الذي حوله ومن المعلوم أن من الدم والصديد ما تحول إلى تراب – وهذا على القول بأن الدم والصديد نجس فيكون رد على المذهب ومن قال بقوله -.
فالراجح: مذهب أهل القول الثاني وأنه متى استحال إلى مادة أخرى فإن هذه العين تكون طاهرة فلا معنى للحكم بنجاستها وهي مادة أخرى، مادة لها نظير آخر قد حكم الشارع بطيبه ولم يبق للنجاسة اسم ولا معنى وهذا حيث زالت النجاسة تمامًا فلم يبق لا لون ولا طعم ولا ريح.
قوله: (غير الخمرة)
أي الخمر
فالخمر إذا تحول إلى مادة طيبة من الطيبات فإنه – حينئذ – يكون طاهرًا.
واعلم أن الخمر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو نجس أم طاهر؟
فذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الخمر نجس واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ (١) .
قالوا: والرجس هو النجس، كما قال تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتا أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٢) قالوا: أي نجس فالآية الأولى نظير الآية الثانية.
قالوا: فيدل هذا على نجاسة الخمر.
فإن قيل: فلم لم تحكموا على الأزلام والميسر والأنصاب – بالنجاسة فهي ليست نجسة حسًا عندكم؟
قالوا: هذه أخرجها الإجماع، فقد أجمع العلماء على أن نجاستها ليست حسية بل معنوية.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وقد حكى هذا القول إجماعًا، لكن هذا الإجماع ليس بصحيح لوجود المخالف.
[ ٢ / ١٨٠ ]
- وقد ذهب بعض أهل العلم وهو قول داود والمزني والليث بن سعد وربيعة وذهب إليه بعض المتأخرين وممن اختاره الصنعاني وغيره: أن الخمرة طاهرة وليست بنجسة.
واستدلوا: بالأصل وأن الأصل في الأشياء الطهارة وكون الشيء يحرم لا يعني تنجسه،فإن الشارع قد حرم الأنصاب والأزلام وهي ليست نجسة بالأصل فليس كل محرم نجس، فالأصل في الأشياء الطهارة وهذه منها.
قالوا: وقد ثبت في البخاري عن أنس بن مالك قال: (لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات) (١) .
قالوا: والاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
الوجه الأول: إيقاع النجاسات في طرق الناس محرم فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في طرقات الناس كما تقدم من تحريم التبرز ونحوه في الطريق فهذا محرم وكذلك غيره من النجاسات، فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في الطرقات.
والوجه الثاني: أنه لابد وأن يصيب الماشي وهو ذاهب إلى الصلاة شيء منها، ومع ذلك فإن النبي ﷺ لم يأمرهم أن يغسلوا ما تقع عليه الخمرة في أبدانهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
لكن في الاستدلال بهذا الدليل من هذين الوجهين نظر:
أما الوجه الأول: وهو قولهم: أن في إراقتها في الطرقات تنجيس لها وهو محرم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب صب الخمر في الطريق (٢٤٦٤) عن أنس ﵁ قال: كنتُ ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخَ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا يُنادي: ألا إنّ الخمر قد حُرّمتْ قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهْرقْهَا، فخرجتُ فهرقتُها، فجرتْ في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، وأخرجه مسلم (١٩٨٠) . في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر.. .
[ ٢ / ١٨١ ]
فلأهل القول الأول أن يقولوا: إن فعل ذلك لمصلحة شرعية راجحة وهي إظهار ترك هذا المحرم الذي قد اعتاد عليه العرب وألِفوه، وفي ذلك تشجيع للناس على تركه فلهذه المصلحة العظيمة جاز أن يراق وإن كان نجسًا ولا شك أنه سيذهب بعد زمن يسير بالشمس أو الريح أو نحو ذلك، وبقاؤه على هذه الصورة فيه مصلحة عظيمة للتعاون على ترك هذا المنكر وإظهار حرمته.
وأما الوجه الثانية: وهو قولهم: أنه لو كان نجسًا لأمر النبي ﷺ من يأتي إلى المسجد أن يغسل ما يصيبه منه، وهو كثيرًا ما يصيب المشاة إلى المسجد.
فهذا فيه نظر – على قول الجمهور – وهو أن يقولوا: إن الله قال ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ فما دام أن الله قال ذلك فلا يحتاج إلى أن يبين النبي ﷺ ذلك.
ومع ذلك: فإن الراجح القول الثاني وذلك لصحة الدليل الأول وهو الأصل فإن الأصل في الأشياء الإباحة.
وأما الاستدلال بالآية: ﴿إنما الخمر والميسر ﴾ فإن الرجس في لغة العرب هو القذر ولا يلزم في ذلك أن يكون نجسًا حسيًا فلا يلزم من القذارة النجاسة الحسية فكم من شيء قذر ومع ذلك ليس بنجس فليس كل شيء مستقذر يستقذره الناس ويحكمون عليه بالقذارة ليس كل ذلك نجسًا، فإذا ثبت هذا فإن الآية لا تدل إلا على أنه قذر.
والأظهر فيها أن المراد بالنجاسة هنا: المعنوية وليس الحسية وذلك لقرينتين اثنتين:
القرينة الأولى: قوله تعالى عاطفًا الثلاث على أن نجاستها نجاسة معنوية وهي قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ فهذه الثلاثة بالإجماع طاهرة العين نجسة المعنى، فكذلك الخمر فهذه القرينة تقوي أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية.
القرينة الثانية: قوله: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ فحكم عليها بالنجاسة مرتبطًا ذلك بكونه من عمل الشيطان.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وأما النجاسة التي يخلقها الله طبيعة فإنها نجاسة لا يقال فيها إنها من عمل الشيطان فإنها نجاسة طبيعية أصلية حقيقة في هذا الشيء.
فدل على أن قوله: ﴿من عمل الشيطان﴾ أي نجاسة عملية معنوية، أي هذا من عمل الشيطان في الناس من النجاسة التي يزرعها الشيطان في الناس لما في الخمر من إلقاء العداوة والبغضاء وترك ذكر الله والصلاة ونحو ذلك مما هو من عمل الشيطان.
فعلى ذلك: الراجح أن الرجس هنا: هو الرجس المعنوي.
إذن: الخمر طاهرة وليست بنجسة، فإذا أصاب البدن منها شيء – ومن ذلك هذه الأطياب التي يتطيب بها فإنها من الخمر – فإنها ليست بنجسة على الراجح من قول أهل العلم.
والمسألة المرتبطة بالمسائل السابقة: هي أن الخمر إذا تحولت بنفسها فتحولت إلى خل بعد أن كانت خمرًا فحينئذ يحكم بطاهرتها.
وقد قالوا بطهارتها: لأن الخل عين أخرى فليست خمرًا وإنما خل، والخل طاهر.
لكنهم: قالوا: هي في الأصل أشياء طاهرة فحولت إلى خمر ثم رجعت إلى أصلها.
والجواب على ذلك: أن يقال: كذلك النجاسات فقد كانت في الأصل أطعمة ثم تحولت إلى قذر ثم تحولت بالاستحالة إلى مواد أخرى، فالدم مثلًا – إذا حكمنا بنجاسته – أصله طعام وشراب طاهر فتحول إلى شيء نجس وهو الدم ثم عاد بعد ذلك إلى عين أخرى طاهرة.
* واعلم أن الخمر إذا تخللت بنفسها من غير عمل فإن ذلك جائز بإجماع العلماء، فلا حرمة في ذلك، فبالإجماع هي طاهرة، فهذا هو فعل الله ﷿ فيها وهذا قول عمر كما في البيهقي (١) ولا يعلم في هذه المسألة خلافًا.
[ ٢ / ١٨٣ ]
أما إذا خللت الخمر ووضعت إليها مواد فرجعت إلى خل، فهذا الفعل اتفاقًا محرم لا يجوز؛ لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ: سئل عن الخمر تتخذ خلًا قال: (لا) (١) أي لا يجوز ذلك، فلا يجوز تحويل الخمر إلى خل بل يراق.
* لكنها إن خللت فهل تكون طاهرة أم نجسة؟
قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد وغيره.
والراجح: أنها طاهرة كما تقدم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة،وقول في مذهب الإمام أحمد، وأنها إذا خللت فهذا الفعل محرم ولا يجوز أن تطعم لكنها مع ذلك طاهرة فهي طاهرة، لكن هذا التخليل منه هو آثم لمخالفة النبي ﷺ.
لذا قال: (فإن خللت – إلى أن قال - لم تطهر)
هذا هو المذهب، فالمشهور في المذهب أنها إذا خللت فإنها لا تطهر.
والراجح وهو قول في المذهب أنها تطهر كما تقدم.
قوله: (أو تنجس دهن مائع لم يطهر)
إذا كان عندنا دهن مائع يبلغ الشيء الكثير جدًا، فوقعت فيه نجاسة، ولو كانت هذه النجاسة يسيرة – وهو مائع – فإنه نجس ولا يحل أن يطعم، ولا يطهر.
وقيَّد ذلك بمائع، لأنه لابد أن يكون مائعًا لترتب هذا الحكم.
أما إذا كان جامدًا فإنه تزال النجاسة وما حولها ويطعم الباقي.
وأما المائع فإنه يراق مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا – إذا وقعت فيه نجاسة – ولا يطهر.
وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر (١٩٨٣) . وأخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب النهي أن يتخذ الخمر خلا (١٢٩٤) .
[ ٢ / ١٨٤ ]
واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: (إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب في الفأرة تقع في السمن (٣٨٤٢) قال: " حدثنا أحمد بن صالح والحسن بن علي، واللفظ للحسن، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا وقعت الفأرة في السمن: فإن كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه)، وأخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن (١٧٩٨) قال بعد أن ذكر حديث ميمونة (ألقوها وما حولها وكلوه) قال: " وقد رُويَ هذا الحديث عن الزهري عن عبيد الله بن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل، ولم يذكروا فيه عن ميمونة، وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح. وروى معمرٌ عن الزهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه، وهو حديثٌ غير محفوظ. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: وحديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وذَكَرَ فيه أنه سئل عنه فقال: (إذا كان جامدًا فألقوها، وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه) هذا خطأٌ، أخطأ فيه معمر،قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة ". اهـ سنن الترمذي،طبعة بيت الأفكار صْ ٣٠٧. وحديث ميمونة أخرجه أبو داود أيضًا. وأخرجه النسائي في الفرع والعتيرة، باب الفأرة تقع في السمن حديث (٤٢٦٣) .
[ ٢ / ١٨٥ ]
- وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه لا يتنجس إلا بالتغير كحكم الماء تمامًا، ويمكن أن تزال النجاسة بأي طريقة من طرق الإزالة كما تقدم في الماء تمامًا.
فإذا وقع شيء يسير من النجاسة في زيت كثير ولم يغيره فهو طاهر، وإذا غيره فأضيف إليه شيء من الزيت فذهب التغير وزال أثر النجاسة فهو طاهر.
واستدلوا: بما روى البخاري من حديث سفيان عن الزهري إلى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (في فأرة سقطت في سمن فماتت: (ألقوها وما حولها وكلوه) (١) ولم يفرّق النبي ﷺ بين أن يكون مائعًا أو جامدًا.
وهذا مذهب ابن عباس وابن مسعود – كما رواه عنهما الإمام أحمد في مسائله، وهو مذهب طائفة من السلف وهو اختيار شيخ الإسلام – وأنه لا فرق بين جامد ومائع بل تلقى النجاسة وما حولها ثم ينظر في المتبقي، فإن كان هذا الزيت - مثلًا – المتبقي متغير بالنجاسة فهو نجس وإن لم يتغير بالنجاسة لا طعمًا ولا لونًا ولا ريحًا فإنه طاهر.
وأجابوا عن الحديث الأول بأنه معلول، فإن معمرًا باتفاق علماء الرجال – كما قال شيخ الإسلام – كثير الغلط على الزهري، وهذا من غلطه عليه، فإن الرواة عن الزهري كما رووه بهذا اللفظ المتقدم، وغلط معمر فرواه بسند آخر إلى أبي هريرة فأخطأ في الإسناد ثم أخطأ في المتن بذكر الجامد، فهو وهم وغلط منه كما قرر ذلك البخاري والترمذي وأبو حاتم والدارقطني وكذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم، فعلى ذلك الحديث ضعيف لأنه معلول.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح (٧ / ١٢٦) باب إذا وقعت الفأرة في سمن، سنن أبي داود [٤ / ١٨٠] .
[ ٢ / ١٨٦ ]
وعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني: وأن النجاسة إذا وقعت في المائعات من دهن أو غير ذلك أو وقعت في بعض الأطعمة ونحوها، فإننا نزيل النجاسة وما حولها مما تنجس، وإن كان الزيت أو غيره طاهرًا لم يتغير بالنجاسة فهو على ظاهره طاهر، وأما إن كان متغيرًا بالنجاسة وأمكن إزالة النجاسة عنه بأي طريقة فأزيلت فإنه يطهر أيضًا، كحكم الماء تمامًا.
ولا شك أن هذا أولى من الماء؛ لما فيه من إفساد المال بوقوع أدنى نجاسة فيه.
قوله: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يُجزم بزواله)
إذا خفي موضع نجاسة وكان الموضع ضيقًا لا مشقة في تغسيله كله كأن تقع نجاسة على ثوب أو على موضع صلاة صغير أو نحو ذلك يمكن أن ينظف كله ولا مشقة في ذلك فوقعت النجاسة ولا يدرى موضعها فإننا نغسل كل الموضع حتى نتيقن من زوال النجاسة.
أما إذا كان واسعًا كأن يكون بقعة من الأرض في فضاء أو نحو ذلك فإنه – حينئذ – لا يجب عليه ذلك بل يتحرى في أي موضع النجاسة ثم يغسله لمشقة غسل الموضع كله، بل يغسل ما يتوقع فيه النجاسة أو يتحرى فيغسل هذا الموضع الذي يظن أن النجاسة واقعة فيه.
فإذا لم يكن هناك ظن فإنه يصلي حيث شاء من المواضع ولا شيء عليه في ذلك.
أما إذا يمكن أن يغسله كله ولا مشقة في ذلك فيجب عليه أن يغسله كله.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الحادي والأربعون
(يوم الثلاثاء: ٢٧ / ١٢ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه)
" بول " دون غائطه.
" غلام " وهو الصبي الذي لم يبلغ، ويقابله الجارية وهي الصبية التي لم تبلغ.
" لم يأكل الطعام " فطعامه لبن أمه أو غيره، ولا يكون الطعام أي ليس الطعام المأكول من خبز أو نحوه فليس هو مطعمه بخلاف ما قد يوضع فيه مما لا يكون عن اختيار منه فإن هذا لا يعتبر أكلًا يثبت تغير الحكم عليه، كأن يوضع في فيه شيء من التمر أو يلعق عسلًا أو نحو ذلك.
[ ٢ / ١٨٧ ]
" بنضحه " النضح هو الرش أي الغمر والمكاثرة بالماء من غير أن يجري الماء كما يجري في الغسل، بل مجرد ما يريق الماء على موضع النجاسة مكاثرة وغمرًا لها به غير أن يكون بإزالته واستخراجه، فهذا هو النصح.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية) (١) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب (٣٧٥) قال: " حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع أبو توبة، المعنى قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن قابوس، عن لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي ﵁ في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: (إنما يُغسل من بول الأنثى،وينضح من بول الذكر)، وفي لفظ من وجه آخر (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)، وفي لفظ من وجه آخر موقوفًا على علي ﵁: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم) . وأخرجه ابن ماجه برقم ٥٢٥، والترمذي في آخر الصلاة برقم ٦١٠، وقال: " حديث حسن "، سنن أبي داود [١ / ٢٦٣] . وأخرج البخاري في كتاب الوضوء، باب بول الصبيان حديث عائشة (٢٢٢) قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه ".
[ ٢ / ١٨٨ ]
وثبت في الصحيحين من حديث أم قيس ﵂ قالت: (جئت النبي ﷺ بابن لي لم يأكل الطعام فأجلسه النبي ﷺ في حجره فبال عليه فدعا بماء ونضحه ولم يغسله) (١)
فإذن وهذا مختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام أما غيره والجارية فإنه يجب فيه الغسل.
وهل يقاس عليه القيء أم لا؟
قالوا: ويقاس عليه القيء إذا كان من غلام لم يأكل الطعام، وهذا مبني على ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن القيء نجس، والقيء هو: ما يخرج من الطعام من المعدة. وجمهور العلماء على أنه نجس، فعلى ذلك يجب غسل ما يصيب من الثياب.
وهذا من باب القياس، فقاسوه على البول والغائط، فكما أن هذا مستخرج من الطعام فكذلك هذا فهذا من باب القياس.
وهذا قد حدث به من النتن والفساد كما حدث في البول والغائط ولما روى الدارقطني والبيهقي عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال له: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والمذي والدم والقيء) (٢) .
لكن الحديث ضعيف وقد ضعفه البيهقي والدارقطني.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء،باب بول الصبيان (٢٢٣) بلفظ: " عن أم قيس بن محصن: أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حِجْرِه، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنَضَحَه ولم يغسله " وأخرجه مسلم (٢٨٧) .
[ ٢ / ١٨٩ ]
* وذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الظاهرية: إلى أن القيء ليس بنجس واختاره الشوكاني؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وقياسه على البول والغائط ليس أولى من قياسه على المخاط والعرق فإنها – كذلك – يخرج من البدن وقد ظهر فيها نتن وفساد وهي متحللة من طعام، وقد دلت الأدلة الشرعية – وهو مذهب الحنابلة – على أن المخاط والعرق طاهر، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليفعل هكذا فتفل في ثوبه فمسح ببعضه بعض) (١) وهذا في الصلاة، فإذا ثبت فمعلوم أن الصلاة لا يحل أن يقع في ضمنها شيء من النجاسة فهذا يدل على أن النخامة (٢) ليست بنجسة.
وقياس القيء به أولى من قياسه بالغائط والبول، وحقيقة القيء إنما هو هذا الطعام الذي دخل إلى المعدة فخرج بسبب المرض متغيرًا بشيء من الفساد والنتن فمثل هذا لا يقال بنجاسته، فإن نقل هذا الطعام إلى النجاسة بسبب تغيره في المعدة لا يدل على نجاسته.
فالراجح: أن القيء ليس بنجس.
وإذا قلنا بنجاسته فإن ما يقع من الصبي الغلام الذي لم يأكل الطعام فإنه يكفي في قيئه النضح، ويجب الغسل فيما يكون من الجارية والغلام الذي يأكل الطعام كما يكون ذلك في البول.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد (٤٠٥) عن أنس بلفظ: أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكّه بيده، فقال: (إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنه يناجي ربه، أو: إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قِبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: (أو يفعل هكذا)، ورواه في أبواب أخرى بألفاظ متخلفة، وأخرجه مسلم (٤٩٣) و(٥٥١) .
(٢) كذا في المطبوع، وفي الأصل: النخاعة.
[ ٢ / ١٩٠ ]
قوله: (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر)
" ويعفى ": فهذا في النجاسة المعفو عنها.
" في غير مائع ": من ماء أو زيت ونحوهما.
" ومطعوم ": كالخبز أو نحو ذلك.
" عن يسير ": عرفًا.
" دم نجس ": لا دم طاهر، فإن الدم الطاهر معفو عنه كله، فكله عفو.
ومثلوا للدم الطاهر بدم الشهداء فإنه طاهر؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله.
ومثل ذلك: دم مأكول البحر، فما يخرج من مأكول البحر من الدم فهو طاهر.
إذن: إذا وقع دم نجس كالدم الذي يخرج من البهيمة، أو من الآدمي على المذهب فإذا وقع شيء من هذه الدماء - الدماء خاصة ليس سائر النجاسات – إذا وقع على ثوب أو بقعة – لا على ماء أو زيت وكان ذلك على (١) حيوان طاهر ليس من حيوان نجس ككلب أو خنزير فإنه لا تعفى منه.
إذن: يعفى من النجاسات عن الدم النجس اليسير إذا كان من حيوان طاهر وكان وقوعه على ثوب أو نحوه.
وهذه التفاصيل في الحقيقة لا دليل عليها.
- لذا ذهب شيخ الإسلام ﵀ وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أنه يعفى عن يسير النجاسات مطلقًا سواء كانت في مائع أو غيره ولكن بقيد: وهو أن يكون يشق التحرز منها.
قياسًا على النجاسة المعفو عنها في موضع الاستجمار، فإن الاستجمار لا يذهب أثر النجاسة كما هو معلوم، وما يبقي بعد الأثر معفو عنه، فقد عفي عنه لمشقة التحرز منه فكذلك عامة النجاسات التي يشق التحرز عنها فإنه يعفى عن يسيرها.
والمراد باليسير: اليسير عرفًا.
مثال ذلك: رجل يشتغل بالجزارة فإنه قد يتساقط على ثوبه قطرات من الدم يشق عليه أن يتحرز منها ليصلي – دائمًا – بثوب خال من ذلك، فإنه عندما يصلي وعليه شيء من القطرات اليسيرة فلا بأس بذلك.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: من.
[ ٢ / ١٩١ ]
ومثاله أيضًا: في المجروح، فإنه إذا توقف عنه الدم فإنه يبقى في موضع الدم قطرات – وقلنا: على المذهب بأن الدم من الآدمي نجس – فإن هذه القطرات التي تكون في موضع الجرح معفو عنها.
قال: (وعن أثر استجمار بمحله)
كما تقدم.
" بمحله ": أي موضع الاستجمار.
وأما إذا خرج بسبب عرق أو نحوه إلى الثوب فإنه لا يعفى عنه.
وهذا ضعيف، فإنه من المعلوم أن مثل هذا يقع غالبًا كما يكون هذا في الاستجمار، فإذا وقع على الثوب المقابل لموضع الاستجمار فإنه لا حرج فيه، فإن النبي ﷺ لم يأمر بغسله وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهما.
* وعند لفظة الدم:
اعلم أن جماهير العلماء على أن الدماء الأصل فيها النجاسة سوى ما دلت الأدلة الشرعية على استثنائه كدم الشهداء، وكدم مأكول اللحم البحري وكالدم الذي يكون في اللحم المذبوح وما يكون في العروق فإن هذا كله معفو عنه وأما سواه من الدم فإنه نجس – هذا مذهب جمهور الفقهاء -.
فعلى ذلك: دم الآدمي نجس، ودم مأكول اللحم البري كالشاة ونحوها نجس، وكذلك غيرها من الدماء.
واستدلوا: بقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس " أي نجس " أو فسقًا أهل لغير الله به﴾
أي لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا من الأطعمة إلا هذه الأربع وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير فإنها رجس، والرابع هو الفسق الذي أهل به لغير الله وهو ما خرج به عن طاعة الله وأمره وشرعه ولو حيدة بأن ذبح لغير الله، فهذه الأربعة هي المحرمة وقد دلت الأدلة الشرعية على عدم الاكتفاء بها، فقد ورد بعد ذلك آيات وأحاديث مدنية تدل على مزيد من المحرمات وسيأتي ذلك – في باب الأطعمة إن شاء الله –.
[ ٢ / ١٩٢ ]
- وذهب الظاهرية وهو اختيار الشوكاني: إلى نقيض القول المتقدم، وهو أن الدماء كلها طاهرة إلا (١) ما استثني بالنجاسة فدم الحيض قد دلت الأدلة الشرعية على نجاسته كقوله ﷺ: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) (٢) قالوا: فهذا يدل على أن دم الحيض والنفاس نجس.
وأما ما لم يرد الدليل بنجاسته فهو طاهر.
واستدلوا: بالأصل، فإن الأصل في الأشياء هو الطهارة.
والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء، فإن الرجس في هذه الآية هو النجس وقرينة ذلك أن الله لما ذكر هذه الثلاثة وحكم عليها بالرجسية أضاف إليها بعد ذلك ما أهل به لغير الله من الفسق، ومعلوم أن ما أهل به لغير الله من الفسق رجس – كذلك – معنوي فإنه نجاسة معنوية كما أن الأزلام والميسر والأنصاب رجس معنوي، فإن هذا الذي أهل به لغير الله رجس معنوي، فعلم من ذلك أن المراد بالرجس في الثلاثة الأولى أنه الرجس الحسي وهو القذر الشرعي فالمراد به النجاسة التي حكم الشارع عليها بالنجاسة، فعلى ذلك: الميتة والدم ولحم الخنزير أنجاس لهذه الآية الكريمة.
إذن: الراجح أن الدماء كلها نجسة سوى ما دلت الأدلة على استثنائه كدم الشهيد ونحوه.
وهذا هو القول الراجح إلا أنه ينبغي أن يستثنى دم الآدمي مطلقًا خلافًا للجمهور، لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك:
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: إلا.
(٢) متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فمنها ما تقدم في قصة عباد بن بشر وعمار بن ياسر فلما صلى في ثوبه عباد أصابه السهم فانتزعه وقد أهريق الدم على ثوبه ثم أتى السهم الثاني ثم الثالث وهو في صلاته وكان ذلك في غزوة مع النبي ﷺ ولابد أن مثل هذا يبلغ النبي ﷺ وقد أقره على أن هذا ليس بنجس إذ لو كان نجسًا لبين له النبي ﷺ أنه يجب عليه أن يقطع صلاته وما زال المسلمون يصلون بجراحاتهم، كما قال الحسن البصري (١) وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب سابق فالراجح أن دم الآدمي طاهر.
ويقاس كذلك على ما يكون من الحيوانات طاهرًا في الممات كميتة البحر وكما لا دم له فإنها طاهرة في الممات فيقاس عليها الآدمي فإنه طاهر في الحياة.
فالراجح: أن دم الآدمي طاهر وأما سائر الدماء فإنها نجسة إلا دم الحيض والنفاس فإنه نجس للحديث.
قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت)
الآدمي من مسلم وكافر لا ينجس بالموت، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: (إن المؤمن لا ينجس) (٢) متفق عليه.
ولما دلت عليه الأدلة الشرعية من وجوب غسل الميت فإن ذلك يدل على طهارته إذ لو كان نجسًا بمماته لما شرع تغسيله إذ لا فائدة من ذلك.
_________________
(١) ذكره البخاري تعليقًا، وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب عَرَق الجنب، وأن المسلم لا ينجس (٢٨٣) بلفظ: " عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة وهو جُنُبٌ، فانخنستُ منه، فذَهَبَ فاغتسل ثم جاء، فقال: (أين كنت يا أبا هريرة) قال: كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: (سبحان الله، إن المسلم لا ينجس)، أخرجه مسلم (٣٧١) .
[ ٢ / ١٩٤ ]
ويقاس عليه الآدمي الكافر فإن حكم الطهارة والنجاسة فيهما واحد، وهي الطهارة الحسية وإنما الفارق بينهما في الطهارة أو النجاسة المعنوية، فالمؤمن طاهر حسًا ومعنى، وأما الكافر فإنه طاهر حسًا ونجس معنى، قال تعالى ﴿إنما المشركون نجس﴾ (١) أي في شركهم بالله تعالى بدليل جواز نكاح الكتابيات وحل ذبائحهم ولو كان الكفار أنجاسًا حسًا لما جاز ذلك ولأمر الناس أن يغسلوا أيديهم بمسهم فدل ذلك على أنهم طاهرون، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
فالآدمي مطلقًا سواء كان كافرًا أو مسلمًا فهو طاهر وأما الكافر فنجاسته معنوية، فعلى ذلك لا تغسل الأيدي ولا الثياب التي لبسوها ومست أبدانهم ووقع عليها شيء من عرقهم فإن كل ذلك لا يؤثر لأنهم طاهرون حسًا.
وعرق الآدمي وريقه ومخاطه كل ذلك طاهر باتفاق العلماء.
ودليل ذلك: ما تقدم من حديث النخامة وغيرها مثلها أو هو أولى منها بهذا الحكم.
قال: (ومالا نفس له سائلة متولد من طاهر)
" ومالا نفس ": أي ما لا دم له، فالنفس هنا هي الدم، وهذا معروف في لغة العرب؛ وذلك لأن قوام النفس بالدم فسمي نفسًا.
" سائلة ": أي ليس له دم يسيل إذا حدث قتل أو جرح فإنه لا يسيل دمه كالجراد والذباب والبعوض وغير ذلك مما لا دم له سائل.
" متولد من طاهر ": هذا قيدٌ، فلا بد أن يتولد من طاهر، فإن تولد من نجس كما يكون من الحشرات في الحشوش ونحوها فهذا لا يدخل في هذا الحكم، لكن هذا مبني على عدم الطهارة بالاستحالة وهذا كما تقدم ضعيف.
فالراجح: الطهارة بالاستحالة، إذن: هذا الاستثناء ليس بوجيه.
فعلى ذلك: كل ما لا نفس له سائلة سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس فإنه طاهر ولا ينجس الماء ونحو ذلك، فإذا وقع شيء مما تقدم ذكره حيًا كان أو ميتًا – في ماء ونحوه - فإنه لا ينجس هذا الماء ولو تغير به.
فإذن: كل ما لا نفس له سائلة فإنه طاهر حيًا وميتًا.
_________________
(١) سورة التوبة.
[ ٢ / ١٩٥ ]
إذ العلة عند جماهير العلماء من تحريم الميتة والحكم بنجاستها هو الدم وهذا ليس له دم سائل.
وقد دل على ذلك ما في البخاري أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) (١) وهذا يدل على أن كل ما ليس له نفس سائلة فإن له هذا الحكم وأنه لا ينجس الإناء وأن ميته طاهر، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني والأربعون
(يوم الأربعاء: ٢٨ / ١٢ / ١٤١٤ هـ)
قال المؤلف ﵀: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه – إلى أن قال – طاهر)
هذا في حكم بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه وأنها طاهرة.
وما يؤكل لحمه: كبهيمة الأنعام وغيرها مما هو من المطعومات فإن بوله وروثه وريقه ومنيه طاهر.
فإن بوله وروثه طاهران وكذلك من باب أولى منيه وريقه ودمعه ومخاطه وغير ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في آخر كتاب الطب، باب إذا وقع الذباب في الإناء (٥٧٨٢)، وراجع (٣٣٢٠) .
[ ٢ / ١٩٦ ]
ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (قدم ناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من أبوال الصدقة وألبانها) (١) أي أبوال الإبل وألبانها ولو كانت نجسة لما أمرهم النبي ﷺ أن يشربوا منها، لأنها نجسة والنجس محرم أن يطعم لقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٢) فالأنجاس لا يجوز أن تطعم ولو كان ذلك للتداوي بها.
فإن الدواء لا يكون لأمة محمد بما حرم الله عليها كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ – في صحيح مسلم وغيره (٣) – ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يغسلوا أفواههم ولا أوانيهم فدل ذلك على أنها طاهرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها (٢٣٣) بلفظ: " عن أنس قال: قدم أناس من عُكْلٍ أو عُرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بلقاحٍ، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا فلما صَحُّوا، قتلوا راعي النبي ﷺ، واستاقوا النَّعَمَ، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر فقَطع أيديهم وأرجلهم، وسُمِرَتْ أعينُهم، وألْقُوا في الحَرَّة يستسقون فلا يُسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله)، وأخرجه مسلم ١٦٧١.
(٢) أخرج مسلم في كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر (١٩٨٤) حديث: (إنه ليس بدواء، ولكنه داء) أي الخمر.
[ ٢ / ١٩٧ ]
ويدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (صلوا في مرابض الغنم) (١) ومعلوم أن مرابضها ومباركها لا تخلو من بول وروث فدل ذلك على أنها بقعة طاهرة مع وجود ما يكون فيها من البول والروث.
فدل ذلك على أن أبوالها وأرواثها طاهرة، ومثل ذلك – بل أولى منه – المني والدمع والريق – ونحو ذلك.
أما بول ما لا يؤكل لحمه وبول الآدمي فإنها نجسة بالاتفاق.
أما الآدمي، فإن الأدلة عليه ظاهرة كقول النبي ﷺ: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) (٢) وقوله ﷺ – في الصحيحين -: (كان لا يستنزه من البول) (٣)
ولفظة البول هنا: " أل" فيها عهدية بدليل ما ورد في البخاري: (من بوله)، فلا يرد هذا على القول بطهارة أبوال الإبل، فإن البول هنا لا يدخل فيه بول الإبل ونحوها، بل المراد بذلك البول المعهود وهو بول الآدمي.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل (٣٦٠) حديث جابر بن سمرة: " أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ) قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم) .. ".
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب نجاسة البول والأمر بالتنزه منه، والحكم في بول ما يؤكل لحمه، حديث ٧ [١ / ١٢٨]، وقال: الصواب مرسل ". سبل السلام [١ / ١٦٩] .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله (٢١٦) (٢١٨)، وبرقم في كتاب الجنائز (١٢٦١) (١٣٧٨)، وفي كتاب الأدب، باب الغيبة (٦٠٥٢) من حديث ابن عباس ولفظه (يُعذبان وما يُعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله..) وبلفظ (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول..)، وأخرجه مسلم (٢٩٢)
[ ٢ / ١٩٨ ]
ويقاس عليه: بول ما لا يؤكل لحمه – بل أولى في هذا الحكم من بول الآدمي.
بخلاف ما يؤكل لحمه فإنه طاهر.
إذن: كل بول وروث فهو نجس سوى ما يكون مما يؤكل لحمه فإنه طاهر.
قال: (ومني الآدمي)
مني الآدمي طاهر.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (كنت أفركه من ثوب النبي ﷺ فركًا فيصلي فيه) (١) .
وثبت في مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ يسلت المني بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا فيصلي فيه " (٢) .
إذا كان رطبًا فإنه، فإنه يسلته بعود الإذخر، وإذا كان رطبًا فإنه يحته ثم يصلي فيه.
ومثل هذا يدل على أنه ليس بنجس لأن الأنجاس يجب غسلها أو نضحها، فلما كان كافيًا في ذلك الفرك أو الحك أو الحت دل ذلك على أنه ليس بنجس.
- وذهب الأحناف والمالكية: إلى أنه نجس.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يغسل المني) (٣) وقالت: (كنت أغسل المني من ثوب النبي ﷺ) (٤)
قالوا: فلما ثبت الغسل دل على أنه نجس.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب (٣٢) حديث رقم (٢٨٨)، سبل السلام [١ / ٧٧] .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٦٥٨٧) قال: " حدثنا معاذ، حدثنا عكرمة بن عمار، عن عبد الله بن عُبيد بن عُمير عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يَسْلُت المني من ثوبه بعرْقِ الإذْخِرِ، ثم يصلي فيه، ويَحتُّهُ من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه ".
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب (٦٤) حديث (٢٢٩، ٢٣٠)، حديث (٢٣١)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب (٣٢) حكم المني حديث (٢٨٩)، سبل السلام [١ / ٧٧] .
[ ٢ / ١٩٩ ]
لكن هذا ضعيف لثبوت الفرك، فدل هذا على [أن] الفرك والغسل ثابتان، فدل على أن الفرك يجزئ في المني، وما دام يجزئ فهذا يدل على أنه ليس نجس.
فعلى ذلك يفرك ويغسل وكلاهما يثبت به السنة، ثم إنه أصل الخليقة بما فيهم أنبياء الله ورسله والصديقون والشهداء وبقية عباد الله الصالحين فلا يستقيم مع ذلك أن يكون نجسًا (١) .
ثم إن الأصل في الأشياء الطهارة، ولم يرد دليل صريح يدل على نجاسته بل ولا دليل ظاهر، بل الأدلة دالة على أنه طاهر وليس بنجس.
قال: (ورطوبة فرج المرأة)
رطوبة فرج المرأة طاهر أيضًا
قالوا: قياسًا على المني – هذا هو المذهب –.
- وذهب الشافعي: إلى أنه نجس.
واستدل: بما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: قلت لعثمان بن عفان: أرأيت الرجل يجامع امرأته ثم لا يمني فقال: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره (٢) سمعت ذلك من النبي ﷺ ".
أما الشطر الأول: وهو قوله: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فقد دلت الأدلة الشرعية على نسخه كما تقدم هذا في باب الغسل وأن من جامع زوجته وإن لم ينزل يجب عليه الغسل ولا يجزئه الوضوء، وأن الوضوء رخصة في أول الإسلام.
وأما الشطر الثاني: فهو محكم قال (ويغسل ذكره) وذلك من رطوبة فرجها فدل ذلك على نجاسته.
وهذا القول أصح؛ فإن لفظة: (ويغسل ذكره) خبر بمعنى الإنشاء فيكون ذلك يدل على وجوب الغسل.
_________________
(١) راجع نيل الأوطار.
(٢) كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر (١٧٩) عن أبي سلمة: أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد أخبره أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ قلتُ: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟ قال عثمان: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره) قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ " وانظر (٢٩٢) باب غسل ما يصيب من فرج المرأة من كتاب الغسل، وأخرجه مسلم ٣٤٧ في كتاب الحيض.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وأما أهل القول الأول فقالوا: هذا على الاستحباب.
والأظهر هو الوجوب وأن رطوبة فرج المرأة نجس.
وهل ينقض الوضوء أم لا؟
جمهور أهل العلم على أنه ينقض الوضوء، فإذا سال من فرجها انتقض وضوؤها من ذلك، لأنه خارج من السبيلين وكل خارج من السبيلين – كما تقدم- سواء كان معتادًا أو لم يكن – فإنه ينتقض به الوضوء – والمراد بالرطوبة الخارج، فما خرج من رطوبتها انتقض به وضوؤها.
قال: (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر)
السؤر: هو بقية الشيء، والمراد به: بقية الطعام أو الشراب.
فسؤر الهرة وما كان دونها في الخلقة من الطير أو الدواب التي تدب على الأرض، فكل ما كان مثلها في الخلقة أو دونها فإنه طاهر، وسؤره طاهر.
[ ٢ / ٢٠١ ]
فإذا شرب من الماء فإنه لا ينجس بذلك، ودليل ذلك: ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال – في الهرة -: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) (١) فهذا يدل على أنها ليست بنجس ويقاس عليها كل ما ماثلها في الخلقة أو كان دونها – كذا في المذهب –.
لكن هذا القياس فيه نظر، لأن الشارع لم يعلل ذلك بحجمها وإنما علله بكونها من الطوافين علينا فيشق التحرز من نجاستها لقوله: (إنها من الطوافين عليكم) فهذا يدل على أن العلة كونها من الطوافين فيشق التحرز من نجاستها.
ومع ذلك فإن ما ذكروه صحيح ولكن ليس لهذا القياس بل للأصل، فإن الأصل في الأشياء الطهارة فالهرة وما دونها في الخلقة طاهر، االهرة فقد دل الحديث على ذلك، وأما ما قابلها في الخلقة أو كان دونها فليس للقياس عليها وإنما لدليل آخر وهو الأصل.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة (٧٥) قال: " حدثنا عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة، أن أبا قتادة دخل، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، وأخرجه النسائي في الطهارة برقم ٢٤١، وابن ماجه ٣٦٧، والترمذي برقم ٩٢ وقال: حديث حديث حسن صحيح " سنن أبي داود مع المعالم [١ / ٦٠] . وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٢٩٥٠) و(٢٢٨٩٥) . قال الحافظ في البلوغ: " وصححه الترمذي وابن خزيمة " اهـ، ورواه مالك في الموطأ في كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء (١٣)، سبل السلام [١ / ٥٤] .
[ ٢ / ٢٠٢ ]
فإن أكلتْ شيئًا نجسًا فإن ريقها يطهره إذا طال الفصل كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وهو قول في مذهب أحمد وغيره: أنها متى أكلت شيئًا من النجاسات فإن الفصل إذا أطال بحيث يظن أو يعلم أن النجاسة قد ذهبت بريقها، فإن ريقها مطهر له.
وهذا مقتضى الدليل فإن الهر يأكل النجاسات كما هو معلوم ومع ذلك حكم الشارع بطهارة سؤره فدل ذلك على أن ريقها مطهر لما تضع من (١) فمها من النجاسات.
قال: (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة)
" والبغل منه ": أي البغل من الحمار الأهلي، بخلاف البغل من الحمار الوحشي أي المتولد منه، لأن الحمار الوحشي طاهر لأنه يباح أكله فعلى ذلك بوله وروثه وغير ذلك – من الوحش – طاهر.
فقيده هنا بالأهلي ليخرج الوحشي، لذا قال: (والبغل منه) أي من الحمار الأهلي.
" سباع البهائم ": كالأسد والذئب ونحو ذلك.
" والطير ": كالنسر والصقر أو غير ذلك.
فهذه كلها نجسة هذا هو المذهب ودليل ذلك: ما ورد في مسند أحمد والثلاثة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ: (سئل عن بئر بضاعة وما يرد إليه من السباع والدواب فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (٢)
_________________
(١) لعل الصواب: في.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة (٦٦) قال: " حدثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأزدي قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله ﷺ: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحم الكلاب والنتن، فقال رسول الله ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وأخرجه النسائي برقم ٣٢٧، ٣٢٨، والترمذي برقم ٦٦، قال الإمام أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح، سنن أبي داود [١ / ٥٤] .
[ ٢ / ٢٠٣ ]
والشاهد قوله: (وما يرد عليه من السباع والدواب) ولو كانت طاهرة لما سكت النبي ﷺ عن قول ذلك ولقال له: إن السباع طاهرة وليست بنجسة.
وذهب الشافعية إلى أن هذه الأشياء طاهرة تمسكًا بالأصل، لأن الأصل في الأشياء هو الطهارة.
ولما روى ابن ماجه أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وما يرد إليها من السباع فقال: (لها ما شربت ببطونها ولنا ما غبر " أي بقى" طهور) (١) لكن الحديث ضعيف لا يحتج به.
ومع ذلك: فإن الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني ذلك للأصل الذي تمسكوا به.
ولأن النبي ﷺ لم يبين للأمة مع كونهم يركبون البغل والحمار، لم يبين لهم أنها نجسة وأن عرقها الخارج منها نجس وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الحِياض (٥١٩) قال: " حدثنا أبو مصعب المدني، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب والحُمُر وعن الطهارة منها، فقال: (لها ما حمَلَتْ في بطونها، ولنا ما غَبَر طهورٌ)، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، عبد الرحمن بن زيد قال فيه الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. رواه أبو بكر بن أبي شيبة من قول الحصين، وضعفه الألباني " من زيادات طبعة بيت الأفكار على سنن ابن ماجه صْ ٦٨.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وأما قول النبي ﷺ: (إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) (١) متفق عليه
فإنها نجسة ميتة، فلحمها نجس ولا شك أنها إذا ماتت فهي نجسة ولو كانت بذكاة لأن الذكاة لا تغير شيئًا فهي ميتة وأن ذكيت فلحمها نجس.
وهذا لا يدل على أنها نجسة في حال الحياة، فكم من طاهر في الحياة وهو نجس في الموت، فالهرة ونحوها هي نجسة في الممات وهي طاهرة في الحياة.
فإن قيل: فما الجواب عما استدلوا من قوله: (وما يرد إليه من السباع والدواب)؟
فالجواب: أن هذا ليس صريحًا في أن النجاسة المسكوت عنها أن ذلك بسبب سؤرها، بل يكون ورودها مظنة بولها وروثها في هذه المياه، فلما كان ورودها مظنة ذلك سئل عنها النبي ﷺ فهي غالبًا ما يقع شيء من نجاستها في هذه المياه عندما ترد إليها، فيكون هذا السؤال من هذا السائل كناية عن ذكر بولها وروثها وغير ذلك من نجاستها أي هي ترد عليه فلا يسلم أن يقع فيه شيء من بولها أو غيره وهي أشياء نجسة فهل ينجس الماء بذلك أم لا؟ فقال ﷺ: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) .
وقد ذهب الموفق وبعض الحنابلة كصاحب الإنصاف إلى اختيار القول بطهارة البغل والحمار؛ للدليل المتقدم وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
ومثله – على الراجح – بقية هذه الحيوانات.
فإذن: كل الحيوانات طاهرة إلا الكلب والخنزير فإنها نجسة هذا على الراجح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب (١٣٠) التكبير عند الحرب رقم (٢٩٩١)، وفي كتاب المغازي باب غزوة خيبر، وفي كتاب الذبائح باب لحوم الحمر الأنسية، ومسلم في كتاب الصيد باب (٥) تحريم أكل لحم الحمر الأنسية (١٩٤٠)، والنسائي باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وابن ماجه في كتاب الذبائح، باب لحوم الحمر الوحشية (٣١٩٦) . سبل السلام [١ / ٧٤] .
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فعلى ذلك سباع البهائم والطير كل هذه طاهرة سواء كانت كالهرة فما دون أو كانت أعظم منها خلقة فكلها طاهرة.
وقياس الحمار الأهلي على الهرة أولى من قياس ما دونه في الخلقة لكونه من الطوافين، فكونه يقاس أولى من أن يقاس
ما دون الهرة في الخلقة لأن العلة منضبطة فيه وليست منضبطة فيما دون الهرة لكونها قد لا تكون من الطوافين علينا.
إذن: الراجح: أن كل الحيوانات طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته كالكلب والخنزير.
وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية.
مسألة:
حكم المذي والودي:
أما المذي: فإنه نجس اتفاقًا لقوله ﷺ في المتفق عليه قال: (يغسل ذكره ويتوضأ) (١) .
واعلم أن الواجب عند جمهور العلماء الغسل لا النضح وأن النضح لا يجزئ بل يجب أن يغسل ما أصاب ثوبه من المذي غسلًا لا نضحًا.
وعن الإمام أحمد رواية اختارها شيخ الإسلام وهي جواز النضح وإجزاؤه.
لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (توضأ وانضح فرجك) (٢) .
_________________
(١) تقدم صْ ٣٠.
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وبما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح من حديث سهل بن حنيف: أنه سأل النبي ﷺ وقال: (فكيف بما أصاب الثوب منه) فقال النبي ﷺ: (إنما يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح منه ما أصاب ثوبك منه) (١) .
فهذا يدل على صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يجزئ النضح أي الرش وغمر الماء كما تقدم في نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام.
ويجب غسل الذكر والأنثين لما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (يغسل ذكره وأنثييه) (٢)
وأما الودي: فقد أجمع أهل العلم على نجاسته.
فعلى ذلك: يجب غسله لأن الأصل في النجاسات هو الغسل، فعلى ذلك يجب أن يغسل وليس في حكم المذي في جواز النضح بل يجب غسله لأن هذا هو الأصل في إزالة النجاسات وأن النضح لا يجزئ إلا ما دل الدليل عليه، وليس هناك دليل، فعلى ذلك يجب الغسل ولا يجزئ فيه النضح وهو ليس بمعنى المذي.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المذي يصيب الثوب (١١٥) قال: " حدثنا هنّاد، حدثنا عَبْدَة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن عبيد هو ابن السبّاق عن أبيه عن سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدّة وعناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ وسألته عنه، فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء، فقلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه، قال: (يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق في المذي مثل هذا ".
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المذي (٢٠٨) قال: " حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، عن هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب قال للمقداد،وذكر نحو هذا قال، فسأله المقداد، فقال رسول الله ﷺ (ليغسل ذكره وأنثييه) .
[ ٢ / ٢٠٧ ]
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث والأربعون
(يوم السبت: ١ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
باب الحيض
الحيض: أصله في لغة العرب: السيلان، ومنه حاض الوادي إذا سال.
أما في الاصطلاح فهو: دم طبيعة وجبلة يرخيه رحم المرأة عند بلوغها في أوقات معتادة وهو دم أسود كأنه محترق كريه الرائحة.
والحيض يترتب على معرفته أبواب كثيرة من أبواب العلم، من أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج والطلاق وغيرها من الأحكام التي ترتبت على معرفته، فكان من أهم الأبواب الفقهية.
قال المؤلف ﵀: (لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين سنة)
" قبل تسع سنين ": أي قبل تمامها والشروع في العاشرة فإذا لم يتم للمرأة تسع سنين فإن الدم الخارج منها وإن كان فيه علامات الحيض تمامًا فلا يحكم بأنه حيض.
فإذا خرج منها دم فإنه يعتبر دم فساد ولا يكون له حكم الحيض، فحينئذ لا يعطى هذا الدم حكم الحيض بل يكون دم فساد فلا يثبت به البلوغ، ولا يترتب على هذا الدم أي شيء من أحكام الحيض.
وكذلك لا حيض بعد الخمسين، فإذا بلغت المرأة الخمسين أي تم لها خمسون سنة ثم أتاها دم كدم الحيض، فإن هذا الدم ليس بدم حيض.
واستدلوا: على هذه المسألة بالواقع وعدم المعرفة، وأنه لا يعرف أن امرأة حاضت قبل تسع سنين ولا حاضت بعد خمسين سنة.
لكن هذا الدليل ضعيف إذ عدم العلم ليس معناه العدم فكونك لا تعلم ولم يبلغك العلم بشيء من الأشياء لا يعني أن هذا الشيء معدوم.
فكون هؤلاء الفقهاء لم يبلغهم أن امرأة حاضت قبل تمام التسع أو بعدم تمام الخمسين، لا يعني أن هذا لم يقع أو أنه لا يقع مطلقًا.
والراجح: ما ذهب إليه شيخ الإسلام في هاتين المسألتين وهو مذهب المالكية والشافعية في المسألة الثانية، أما في المسألة الأولى فقد وافقوا الحنابلة.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فالراجح: أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى ما رأت الحيض فهي حائض سواء كان ذلك قبل تمام التسع أو كان بعد تمام الخمسين؛ ذلك لأن هذا الدم دم حيض وهو أذى وقد توفرت فيه صفات الحيض الطبيعي فهو دم قد خرج من رحم المرأة وتوفرت فيه صفات دم الحيض فحينئذ يعطى حكم الحيض، لعدم الدليل الدال على أنه ليس بحيض.
والأصل أنه ما دام قد خرج من رحم المرأة بصفاته المعتبرة فإنه – حينئذ – دم حيض وكوننا لا نطلق عليه دم حيض ولا نعطيه حكمه هذا يحتاج إلى دليل يدل على ذلك إذ الأصل أنه دم حيض ولا دليل يدل على [خلاف] ذلك.
والواقع كون هذا يبلغه شيء وهذا لا يبلغه لا يعني أن يحتج من لم يبلغه هذا الشيء على من بلغه فإن القضية قضية وقوع وكونه لم يبلغ وقوعه من قال بهذه المسألة لا يعني أن الأمر ليس واقعًا حقيقة.
إذن: الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام في المسألة الأولى وكذلك في المسألة الثانية، وهو مذهب المالكية والشافعية وأنه لا أقل لسن الحيض - كما أنه لا أكثر له، بل متى رأت الدم الذي توفر فيه شروط دم الحيض فإنه يجب عليها التكاليف الشرعية وحينئذ: يترتب على هذا الدم الخارج فيها أحكام الحيض تمامًا.
قال: (ولا مع حمل)
فالحيض مع الحمل ليس بمعتبر.
فلو أن امرأة رأت الدم وهي حامل فإن هذا الدم لا حكم له، وحينئذ يكون دم فساد، وحينئذ تكون طاهرة وتتوضأ وتصلي لأنه خارج من السبيل، فحينئذ يكون لها حكم المستحاضة، أن تحفظ هذا الدم وتتوضأ وتصلي.
إذن: المذهب أن الحامل لا تحيض فإذا خرج منها دم وإن كان كدم الحيض تمامًا فليس له حكم الحيض وإنما كحكم دم المستحاضة فحينئذ تتوضأ وتصلي ولا يترتب على هذا الدم شيء من أحكام الحيض مطلقًا وهو مذهب الأحناف.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
- وذهب المالكية والشافعية: إلى أن الحامل تحيض، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو أن الحامل تحيض، فمتى ما وقع ذلك فإنه حيض تثبت له الأحكام الشرعية المترتبة على الحيض.
قالوا: لأنه دم خرج من رحمها، وقد توفرت فيه شروط دم الحيض، فحينئذ هو حيض، وله أحكام الحيض وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن هذا أي عن كونه حيضًا.
والقول الأول أظهر وعليه الأدلة الشرعية، منها ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي ﷺ قال سبي أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض) (١) فهنا نهى النبي ﷺ عن وطء السبايا حتى تستبرأ، أي حتى يعلم براءة رحمها من الحمل.
فلا توطأ من ثبت حملها وظهر حتى تضع حملها، ولا توطأ غير ذات حمل أي لم يظهر حملها أي يشك هل هي حامل أم لا – حتى تحيض – فحينئذ يستبرأ رحمها ويعلم بالحيض أنها ليست بحامل.
قالوا: فهذا الدليل يدل على أن الشارع قد جعل الحيض علامة على عدم الحمل، فإذا ثبت أنه علامة على عدم الحمل فإن هذا يدل على أن الحامل لا تحيض.
إذن: الشارع جعل استبراء غير ذوات الحمل بأن تحيض ليعلم أنها ليست بحامل.
قالوا: ومثله ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: في حقه وقد طلق امرأته وهي حائض: (ليطلقها طاهرًا أو حاملًا) (٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب في وطء السبايا (٢١٥٧) قال: " حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد الخدري،ورفعه أنه قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق ١٤٧١، ولم أجده في البخاري بهذا اللفظ.
[ ٢ / ٢١٠ ]
قالوا: فقد قال: (أو حاملًا) فدل على أن الحامل لا تحيض لأنها لو كانت تحيض لاستثنى النبي ﷺ كونها غير حائض وهذا هو قول عائشة ﵂ كما ثبت ذلك في سنن الدارمي بإسناد صحيح أنها قالت: (الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصلي) (١) وهذا من باب الاحتياط.
وهذا القول هو الراجح، فقد دلت الأدلة الشرعية على أن الحامل لا تحيض.
إذن: هذا الدم الخارج وإن توفرت فيه صفات دم الحيض فإنه لا حكم له، وبه أفتت عائشة ولا يعلم لها مخالف.
* واعلم أن محل الخلاف، كما قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن محل الخلاف: فيما إذا رأت الدم وهي حامل يعتاد عليها كما يعتاد عليها وهي ليست بحامل.
بمعنى: يأتيها في الشهر الأول في وقته المعتاد ثم تطهر كما تطهر وهي غير حامل وهكذا في الشهر الثاني والثالث أما مجرد خروج الدم بها وإن كان قد توفرت فيه صفات دم الحيض وهو غير معتاد فإنه لا تعتد به ولا تلتفت إليه، وإنما تلتفت إليه إذا جاءها على هيئته المعتادة قبل حملها فهذا هو محل البحث.
أما مجرد خروج الدم كأن يخرج منها وليس على وجهه المعتاد فهذا الدم لا يمنعها من الصلاة ونحوها ولا تلتفت إليه بل تحفظ فرجها بشيء وتتوضأ وتصلي لأن له حكم دم الفساد.
وهكذا في كل دم قلنا أنه ليس بدم حيض فإن المرأة تحفظ فرجها بشيء وتحبسه وتتوضأ وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة.
إذن: الراجح ما ذكره الحنابلة من أن الحامل لا تحيض.
_________________
(١) أخبرنا زيد بن يحيى الدمشقي عن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت إن الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصل سنن الدارمي، الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم (٩٣٠)، انترنت / موقع الإسلام / بواسطة ردادي.
[ ٢ / ٢١١ ]
كما أن هذا هو المعتاد عند النساء في معرفة الحمل وثبوته، كما قال الإمام أحمد: " إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم "، فانقطاع الدم دليل على ثبوت الحمل.
قال: (وأقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا)
هذه مسألة أخرى وهي: ما هي أقل أيام الحيض وأكثرها؟
هنا قال: إن أقلها يوم وليلة، فأقل الحيض أربعًا وعشرين ساعة.
وأكثره خمسة عشر يومًا.
ودليلهم على هذه المسألة هو دليلهم على المسألة السابقة وهو الوقوع – وأن أقل مدة علمت في الحيض هي يوم وليلة – وأكثر مدة علمت خمسة عشر يومًا.
لكن هذا الدليل ضعيف.
- لذا ذهب شيخ الإسلام: إلى أنه لا حد لأقله ولا لأكثره، فلو حاضت ساعة فهو حيض، ولو حاضت أكثر من خمسة عشر يومًا فهو حيض ما لم يكن استحاضة.
وهذا هو الراجح كما تقدم، وهذا هو الأصل وأن الدم الذي يخرج من الرحم وهو دم حيض له أحكام الحيض إلا أن يدل على (١) دليل على تحديده ولا دليل على تحديد أقله ولا أكثره، فحينئذ: نبقى على إطلاق الشارع فقد أطلقه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فإذن: الراجح أنه لا تحديد لأقله ولا أكثره.
قال: (وغالبه ست أو سبع)
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب: عدمها.
[ ٢ / ٢١٢ ]
فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أبعة وعشرين ليلة بأيامها أو ثلاثة وعشرين ليلة) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب (١١٠) من قال إذا أقلبت الحيضة تدع الصلاة ٢٨٧ قال: " حدثنا زهير بن حرب وغيره، قالا، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمْنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله،إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: (أنعتُ لك الكرسف، فإنه يذهب الدم) قالت: هو أكثر من ذلك، قال: (فاتخذي ثوبًا) فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا، قال رسول الله ﷺ: (سآمرك بأمرين، أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليها فأنت أعلم) قال لها: (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي،وصومي إن قدرت على ذلك) قال رسول الله ﷺ (وهذا أعجب الأمرين إليّ) . وأخرجه الترمذي برقم ١٢٨، وابن ماجه برم ٦٢٢، ٦٢٧، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والإمام أحمد في المسند ٦ / ٤٣٩، سنن أبي داود مع المعالم [١ / ٢٠١] .
[ ٢ / ٢١٣ ]
والعدد يختلف بحسب تحيضها، فإذا تحيّضتْ ٦ فإنها تصلي ٢٤، وإن تحيضت ٧ فإنها تصلي ٢٣ " فإن ذلك يجزئك، وكذا فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وتطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (١) .
والشاهد قوله: " كما تحيض النساء " وقد قال قبل ذلك " فتحيضي ستة أو سبعة أيام "
قال: (وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يومًا)
فلو أن امرأة حاضت ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ستة أيام، فإن الثلاثة الأيام الأولى لست بحيض، بل تتوضأ وتصلي، والثلاثة الأيام الأخيرة هي الحيض، ويكون الدم في الثلاثة الأولى دم فساد لا دم حيض.
لأنه لابد أن يكون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا.
ودليل ذلك ما رواه البخاري معلقًا أن امرأة جاءت إلى علي بن أبي طالب فذكرت أنها قد خرجت من عدتها في شهر أي يعني حاضت ثلاث حيض في شهر، فقال علي لشريح: " قل فيها، فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يرضى دينه وأمانته فشهد لها بذلك وإلا فهي كاذبة " (٢)
قالوا: وأقل مدة للحيض هي يوم وليلة، فعلى ذلك هذه المرأة حاضت يومًا وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا ثم حاضت يومًا وليلة فهذه خمسة عشر يومًا ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا ثم حاضت ثم طهرت فهذه ثلاث حيض.
ولما قال شريح ذلك قال له علي – وهذا موضع الشاهد -: (قالون) وقالون لغة رومية بمعنى جيد.
وهذا مما يدل على أنه لا حرج بأن يتلفظ المتلفظ بالألفاظ الأعجمية أحيانًا من غير أن يتخذها على سبيل الدوام أو على سبيل التقليد.
لكن هذا الدليل ليس بظاهر على ما قالوه، فما المانع أن تكون حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت أربعة أيام ثم حاضت أربعة أيام ثم طهرت، فهذا الدليل ليس بظاهر على ما ذكروه.
لذا الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام: أن المرأة متى أتاها الحيض بعد حيضها الأول فإنه يحكم به وإن كانت المدة أقل من ثلاثة عشر يومًا.
_________________
(١) ذكره البخاري بصيغة التمريض، فتح الباري لابن حجر [١ / ٥٠٥] .
[ ٢ / ٢١٤ ]
إذ لا دليل على هذه المدة المذكورة، فإذا حاضت ثم طهرت ثم أتاها الحيض بعد ذلك فهو حيض قصرت المدة أم طالت فإنها يحكم لها بالحيض لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
وهذا هو ظاهر الأدلة الشرعية من الإطلاق قال تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (١) وهذا محيض فترتب عليه الأحكام الشرعية فهو حيض وله صفاته المعتبرة شرعًا فوجب حينئذ أن يحكم على المرأة بالحيض وأن يحكم عليه بأنه دم حيض يمنع المرأة مما يمنعها الأحكام.
فإذن الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ليس هناك حد للطهر بين الحيضتين لا قلة ولا كثرة.
فيحتمل أن يكون بين الحيضتين الشهر والثلاثة لا مانع من ذلك، ويحتمل أن يكون بينهما ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين لا مانع من ذلك.
فعلى ذلك: تكرر الحيض على المرأة في الشهر مرتين أو ثلاث فلا مانع من ذلك ما دام أنه دم أرخاه الرحم طالت مدة الطهر أم قصرت.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الرابع والأربعون
(يوم الأحد: ٢ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة ولا يصحان منها بل يحرمان)
هذه المسألة مما أجمع عليه العلماء، وأن الحائض يحرم عليها الصلاة والصوم ولا يصحان منها، ولا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم.
_________________
(١) سورة البقرة.
[ ٢ / ٢١٥ ]
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) (١)، وثبت في الصحيحين من حديث معاذة أنها سألت عائشة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقال: " كنا نحيض على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (٣٠٤) عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: (يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: (تكثرنْ اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازم من إحداكن) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها)، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها)، وانظر (١٩٥١)، وأخرجه مسلم باختلاف في الحوار رقم (٨٠) .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (٣٣٥) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلتُ: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، وأخرجه أيضًا بلفظ: " أحرورية أنت، قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله - ﷺ - ثم لا تؤمر بقضاء " وبلفظ: " أحرورية أنت؟ قد كن نساء رسول الله - ﷺ - يحضن أفأمرهنّ أن يَجْزينَ؟ " أي يقضين كما قال محمد بن جعفر كما في صحيح مسلم، وأخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة (٣٢١) بلفظ: حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طَهُرت؟ فقالت: أحرورية أنت، كنا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله ". ومعني أَتَجْزي: أي أتقضي.
[ ٢ / ٢١٦ ]
والعلة من ذلك: أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها والشريعة قد أتت برفع الحرج عن المكلفين، بخلاف الصوم فإنه لا يشق قضاؤه فإنما هو شهر من السنة فتفطر فيه ستة أو سبعة أيام أو نحوها ثم تقضي ولا مشقة عليها في ذلك.
ولا يشرع لها أن تقضي الصلاة بل هو بدعة محدث، فقد تقدم حديث عائشة وقولها: (كنا نحيض على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) وقول معاذة: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة) فدل على أن الذي كان عليه النساء في عهد النبي ﷺ أنهن يقضين الصوم ولا يقضين الصلاة، وأن هذا هو أمر النبي ﷺ.
قال: (ويحرم وطؤها في الفرج) .
لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (١) والمحيض كالمبيت والمقيل أي محل الحيض وهو الفرج، فهو محرم أي وطؤها في الفرج وتجب فيه الكفارة.
قال ابن عباس – كما رواه ابن جرير -: " فاعتزلوا نكاح فروجهن " (٢) .
فقوله تعالى ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ أي في الفرج لأن المحيض في اللغة هو محل الحيض، وقد ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (٣) فاستثنى الفرج فدل على تحريمه.
قال: (فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفارةً)
_________________
(١) سورة البقرة.
(٢) أخرجه مسلم في نهاية باب جواز غسل الحائض رأس زوجها.. (٣٠٢) عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ - النبي - ﷺ - فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض، قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، فبلغ ذلك.. "
[ ٢ / ٢١٧ ]
هذه كفارة وطء الحائض، فكما أنه يأثم في لو (١) وطئها، فإن عليه الكفارة، والكفارة هي دينار أو نصف دينار، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال فيمن يأتي امرأته وهي حائض: (ليصدق بدينار أو نصفه) (٢)
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في إتيان الحائض (٢٦٤) قال: " حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مِقسم عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) . قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيح، قال: دينار أو نصف دينار، وربما لم يرفعه شعبة " ومسدد: هو ابن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبو الحسن، ثقة حافظ، مات سنة ثمان وعشرين ومئتين، يقال: إنه أول من صنف المسند بالبصرة، وقيل: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقبه ". يحيى: هو ابن سعيد بن فروخ القطان أو سعيد البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة. شعبة: بن الحجاج بن الورد العَتَكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة ستين بعد المئة. الحكم: بن عُتْبة أبو محمد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، مات سنة ١١٣. عبد الحميد بن عبد الرحمن: بن زيد بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني ثقة من الرابعة، توفي بحرّان في خلافة هشام. مِقسم: بن بُجْرة، ويقال له مولى ابن عباس للزومه له، صدوق، وكان يرسل، مات سنة ١٠١، وما له في البخاري سوى حديث. كما في التقريب. فالحديث على ذلك إسناده حسن إن سلم من تدليس الحكم، وإرسال مقسم. وأخرج برقم (٢٦٦) قال: " حدثنا محمد بن الصباح البزاز، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مِقْسَم، عنا بن عباس عن النبي - ﷺ - قال: (إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار)، قال أبو داود: وكذا قال علي بن بذيمة عن مقسم عن النبي - ﷺ - مرسلًا.
[ ٢ / ٢١٨ ]
فقوله " ليتصدق " خبر بمعنى الأمر، أي تصدق بدينار أو نصفه.
وظاهر المذهب أنه على التخيير وهي أشهر الروايتين عن الإمام أحمد، وأنه سواء وطئها أول الحيض أو في آخره أو بعد انقطاع الدم ما لم تغتسل فعليه أن يتصدق بدينار أو نصفه على التخيير.
وذهب قتادة من التابعين: إلى أنه إن وطئها أثناء حيضها فإنه يتصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فعليه نصف دينار.
وهذا هو مذهب ابن عباس راوي الحديث المتقدم فقد قال ابن عباس – كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (إذا جامعها في أول الدم فدينار وإذا جامعها بعد انقطاع الدم فنصف دينار) (١) .
إذن: مذهب ابن عباس هو الأظهر كما تقدم؛ فإنه هو راوي الحديث ثم إن التخيير في مثل هذا الموضع فيه نظر، فكونه يخير بينهما إنما محل هذا لو قلنا باستحباب هذه الكفارة، وإلا فالأصل في الكفارات أن تكون معينة أو منوعة أنواعًا مختلفة.
أما أن تخير بين إطعام عشرة مساكين أو خمسة فإنه لا أصل له في الشريعة.
فالأظهر أن يقال: إنه إن جامعها في أول الدم فإنه يتصدق بدينار، وإن جامعها بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فإنه يتصدق بنصف دينار.
وعن الإمام أحمد – وقد يقال إن هذا مذهب ابن عباس وقتادة –: أنه إذا جامعها في أول الدم وعند فورانه فإنه يتصدق بدينار.
وأما إذا جامعها عند تقطعه قبل انقطاعه فعليه نصف دينار – وهي رواية عن الإمام أحمد –.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في إتيان الحائض (٢٦٥) قال: " حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، يعني ابن سليمان، عن علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم عن ابن عباس قال: (إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار) قال أبو داود: وكذلك قال ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم ".
[ ٢ / ٢١٩ ]
ولفظة ابن عباس تحتمل ذلك فقد قال: (انقطاعه) أي عند تقطعه، بدليل قوله: (عند أول الدم) وهي رواية عن الإمام أحمد كما تقدم، وهذا فيما يظهر هو الأولى
فيقال: إنه إذا جامعها في أول الدم فعليه دينار وأما إذا جامعها في آخر حيضها عند تقطع الدم وخفته فيتصدق بنصف دينار.
قال: (ويستمتع منها بما دونه)
أي بما دون الفرج لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (١) وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) (٢) .
وثبت في أبي داود أن النبي ﷺ: (كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا) (٣) فهذا يدل – وهو مذهب الحنابلة – على أنه له أن يباشرها فيما سوى النكاح فيباشرها مباشرة كاملة سوى الجماع.
- وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنه لا يجوز أن يباشرها فيما بين السرة والركبة.
واستدلوا: بحديث عائشة: (أن أتزر) قالوا: والظاهر أن الإزار يغطي الفخذين.
والجواب على هذا أن يقال: إن هذا الفعل من النبي ﷺ لا يدل على تحريم إتيانها دون فرجها، بدليل قوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) لما ثبت في سنن أبي داود أنه كان يلقي على فرج الحائض ثوبًا ، ثم إن النبي ﷺ قد يدع الشيء كراهية له واستقذارًا مع كونه مباحا كما ترك أكل الضب.
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (٣٠٠) وانظر (٢٠٣٠)، وأخرجه مسلم (٢٩٧) .
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع (٢٧٢) قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ -: كان إذا أراد من الحائض شيئًاَ ألقى على فرجها ثوبًا ".
[ ٢ / ٢٢٠ ]
فالراجح: مذهب الحنابلة وأنه يجوز أن يباشرها في كل موضع إلا أنه يحرم عليه الجماع أي إتيانها من فرجها، وهذا هو ظاهر الآية الكريمة، في قوله تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (١) أي اعتزلوهن في محل الحرث وهو فرجها، لذا تقدم قول ابن عباس: (اعتزلوا نكاح فروجهن) (٢) .
قال: (وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق)
إذا انقطع الدم عن المرأة فقد طهرت من الحيض لكنها لم تغتسل.
والغسل واجب على الحائض، لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال – للمستحاضة -: (دعي الصلاة قدر أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي) (٣) فالغسل من الحيض واجب باتفاق العلماء كالغسل من الجنابة.
لكن قبل اغتسالها وبعد انقطاع الدم عنها ما الذي يجوز لها؟
قال هنا: لم يبح غير الصيام والطلاق.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض (٣٢٥) عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي - ﷺ - قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)، وأخرجه مسلم (٣٣٣) .
[ ٢ / ٢٢١ ]
فلا يحل سوى الصوم والطلاق، أما الصوم؛ فلأن المرأة إذا انقطع دمها فقد طهرت من حيضها وأصبحت كالجنب، والجنب يصح صومه فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ ﷺ: (كان يصبح صائمًا وهو جنب) (١) فالمرأة إذا انقطع دمها قبيل آذان الفجر فيجوز لها أن تنوي وتصوم، ثم تغتسل بعد آذان الفجر، لأنه لا يشترط في الصوم الطهارة من الجنابة، فكذلك الطهارة من الحيض وقد انقطع دمها.
ومثل الصيام الطلاق، فإنه إنما حرم – أي حرم طلاق المرأة وهي حائض؛ لأن في ذلك زيادة وتطويلًا في عدتها، فإذا طلقت وهي حائض انتظرت حتى تطهر ثم استأنفت ثلاث حيض فيكون في ذلك زيادة في عدتها.
أما وقد طهرت من الدم وما بقى إلا فعلها وهو أن تغتسل فإنه لا يكون فيه هذا المعنى، فحينئذ يجوز طلاق المرأة إذا طهرت من الحيض وإن لم تغتسل كما يجوز صومها.
ولا يستثنى إلا هذين، فعلى ذلك: الصلاة لا يصح فيها ذلك؛ لأنها في معنى الجنب، فكما أن الجنب لا يصح صلاته فكذلك هي.
ولكن الصلاة متعلق بذمتها لأنها يمكنها فعل ما تتمكن به من الصلاة، فإنها قد طهرت من دم الحيض وما بقى عليها إلا أن تغتسل وتصلي وهذا بإمكانها فهو فعلها المختص بها، بخلاف الطهارة من الحيض فإن هذا ليس فعلًا لها ولا من صنعها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب اغتسال الصائم (١٩٣٠) قالت عائشة ﵂: كان النبي - ﷺ - يدركه الفجر في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم، وبرقم (١٩٣١) قال الراوي: أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن: كنت أنا وأبي، فذهبتُ معه حتى دخلنا على عائشة ﵂ قالت: أشهد على رسول الله - ﷺ - إن كان ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصومه " ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك، وانظر (١٩٢٦)، وأخرجه مسلم (١١٠٩) .
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وكذلك مما لم يستثن فيبقى على التحريم: الجماع، فالمرأة إذا طهرت من الحيض ولم تغتسل فيحرم جماعها.
وهذا هو مذهب الحنابلة ومذهب عامة العلماء: وأن المرأة لا يجوز وطؤها في فرجها إلا إذا تطهرت أي اغتسلت.
وذهب طائفة من العلماء من التابعين كعطاء والأوزاعي وهو مذهب الظاهرية: إلى أنه يجوز وطؤها إذا طهرت فرجها من الدم بالماء.
والخلاف في هذه المسألة يبنى على الخلاف في تفسير الآية المتقدمة – قال تعالى ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (١) أي حتى ينقطع الدم ولم يكتف الله ﷿ بذلك بل قال ﴿فإذا تطهرن﴾ وهذا من فعلهن أي التطهر وتكلف الطهارة فعل لهن ويحصل بها، بخلاف الطهارة المتقدمة فإنها ليس من صنع المرأة.
فقوله ﴿حتى يطهرن﴾ أي ينقطع الدم وهذا باتفاق العلماء.
لكن بعد انقطاعه قبل الغسل فقد قال: ﴿فإذا تطهرن﴾ فهنا وقع الخلاف في تفسيرها.
- قال الجمهور: أي اغتسلن، وهو قول مجاهد وهو قول عامة أهل العلم.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ (٢) فكما أن الطهارة هي الاغتسال هناك، فكذلك هنا، فإن الطهارة هنا مسبوقة بالحيض، وهناك مسبوقة بالجنابة.
- وذهب بعض العلماء: إلى تفسيرها ﴿فإذا تطهرن﴾ فسروها بغسل الفرج.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل فقال: (خذي فِرْصة " أي قطعة من صوف أي خرقة " من مسك فتطهري بها، فقالت: كيف أتطهر؟ فقال: (تطهري) فقالت: كيف؟ فقال: (سبحان الله تطهري) فقالت عائشة: فاجتذبتها إلى وقلت: تتبعي أثر الدم) (١) فهنا النبي ﷺ قال " تطهري " وفسرته عائشة ﵂، وهذا بإقرار النبي ﷺ بتتبع أثر الدم.
وهذا القول في الحقيقة فيه قوة، وهو أن التطهر هو مجرد غسل فرجها، وكذلك من الأدلة عليه القياس على الجنب، فإن جماع الجنب يجوز اتفاقًا، والمرأة التي قد طهرت من دم الحيض وبقي غسلها في حكم الجنب.
والحمد لله رب العلمين.
الدرس الخامس والأربعون
(٣ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف ﵀: (والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي)
المبتدأة هي: المرأة ترى الدم في زمان يمكن أن يكون هذا الدم حيضًا ولم تكن حاضت قبل ذلك.
وقد تقدم ذكر الخلاف في زمنه، وعلى المذهب أن تراه بعد شروعها بالسنة العاشرة، فما حكم هذه المبتدأة؟
قال: (تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي)
تجلس أقل الحيض وهو يوم وليلة ثم تغتسل وتصلي وإن رأت الدم.
فمثلًا: امرأة حاضت عشرة أيام، وهذا هو أول دم رأته.
فالحكم: أنها تدع الصلاة يومًا وليلة وكذلك تدع كل ما يدعه الحائض فتعطى في هذا اليوم والليلة حكم الحائض تمامًا ثم تغتسل.
قالوا: لأن المتيقن في الحيض أن يكون يومًا وليلة، فهذا هو التيقن وهنا يحتمل أن يكون الدم ليس بدم حيض، وإنما دم استحاضة، فلما كان بذلك أمرناها أن تجلس يوم وليلة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض،، باب دَلْك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض (٣١٤)، وأخرجه مسلم (٣٣٢) .
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ونحن متى حكمنا بأن تجلس الأيام كلها فإنه يترتب على ذلك براءة ذمتها مما يجب عليها من صلاة ونحوها، فلما كان كذلك أمرناها بجلوس يوم وليلة ثم بعد ذلك تغتسل وتصلي.
قال: (فإن انقطع لأكثره فما دونه اغتسلت عند انقطاعه)
إذا انقطع هذا الدم لأكثر الحيض وهو١٥ يومًا – عندهم – أو قبله، فإنها تغتسل عند انقطاعه اغتسالًا آخر، لأنه يحتمل أن يكون حيضًا، فلما كان كذلك كان من الاحتياط أن تغتسل لاحتمال أن يكون حيضًا.
قال: (فإن تكرر ثلاثًا فحيض)
إن تكررت المدة التي بلغتها المبتدأة في الشهر الأول والثاني والثالث، فهذه هي مدة الحيض.
بمعنى: حاضت في الشهر الأول ١٠ أيام وفي الثاني والثالث كذلك فتكون عادتها عشرة أيام.
فإن لم تكن الأيام متساوية بأن كان أحد الأشهر خمسة والآخر أربعة والثالث ثلاثة، فيحكم بالأقل لأنه قد تكرر، فإن الأربعة متضمنة لتكرار الثلاثة، وكذلك الخمسة فإنها متضمنة للثلاثة.
فإذا كانت المدة متساوية في الشهر الأول والثاني والثالث فإننا نحكم بها في الشهر الرابع؛ لأننا قد تيقنا أن هذه عادتها.
مثال: إن كانت المدة في الشهر الأول ٨ وفي الثاني ٨ وفي الثالث ٦، فإننا نحكم بستة، فإن كان في الشهر الرابع ٨، فإننا نحكم بالعدد ثمانية، فنحكم بما تكرر؛ لأنه إعادة للعادة.
هذا هو المذهب.
والصحيح خلاف ذلك، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام وهو: أن كل الدم الذي يخرج من رحم المرأة أنه دم حيض، فهذا هو الأصل، فالأصل أن ما يخرج من رحمها حيض.
فإذا ابتدأت المرأة فإنها تجلس الأيام كلها التي خرج فيها الدم منها.
بمعنى: ابتدأت بعشرة أيام فإنها تجلس هذه العشرة كلها؛ لأن هذا دم خرج من رحمها، والأصل في الدم الخارج من الرحم أن يكون حيضًا؛ لأن الأصل هو ذاك، وليس الأصل أن يكون استحاضة، بدليل أن الاستحاضة دم مرض، بخلاف الحيض فإنه دم طبيعة وجبلة، والمرض طارئ ليس بأصل.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
فالراجح: أنها لا تمكث يوم وليلة بل تمكث بقدر خروج الدم منها، وهذا هو الذي عليه عمل النساء.
ثم إن النبي ﷺ لم يأمر من ابتدأت في عصره بأن تجلس يوم وليلة عن الصلاة ونحوها، بل أطلق، وكذلك أطلق القرآن، وظاهر إطلاق القرآن وإطلاق السنة ظاهر ذلك أنها تمكث مدة خروج الدم.
ثم إن هذا التحديد بيوم وليلة يقتضي أن النبي ﷺ حكم بأن أقل الحيض يوم وليلة، وقد ذكر شيخ الإسلام: أن المحدثين قد اتفقوا على أنه لم يثبت عن النبي ﷺ تحديد في ذلك.
فالراجح: أنها لا تمكث يومًا وليلة بل تمكث قدر أيام خروج الدم منها كلها، ولا تكتفي بالمكث يومًا وليلة.
ثم إن هذا التكرار لا دليل عليه، فإن الحكم معلق وجودًا وعدمًا بخروج الدم.
إذن هذه المسألة مرجوحة، والراجح فيها ما ذهب إليه شيخ الإسلام.
أما مذهب جمهور أهل العلم فإنهم ذهبوا إلى قريب من قول شيخ الإسلام، فإنهم قالوا: تمكث أكثر الحيض.
لكن تقدم أن الراجح أنه لأحد لأكثر الحيض ولا لأقله.
قال: (وتقضي ما وجب فيه)
وهذا مما يدل على ضعف هذا القول، أنهم يوجبون عليها قضاء ما فعلته في حال حيضها.
فمثلًا: امرأة ابتدأت بعشرة أيام، فعلى المذهب يجب أن تمكث يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي وتصوم، فإذا ثبت لها بعد ثلاثة أشهر أن حيضها عشرة أيام، فيجب عليها أن تقضي صوم هذه الأيام التي صامتها، بخلاف الصلاة فإنها لا يجب قضاؤها.
وهذا مما يضعف هذا القول، فإنه لا يؤمر بأن يفعل الشيء مرتين، كما نهي أن تصلي الصلاة مرتين وكذلك غيرها.
فالراجح مذهب شيخ الإسلام كما تقدم.
قال: (وإن عبر أكثره فمستحاضة)
يعني: امرأة ابتدأت بعشرين يومًا مثلًا، فإنها قد تجاوزت أكثر الحيض على المذهب؛ لأن أكثره ١٥ يومًا، فإذا جاوز أكثر الحيض فيثبت أنها مستحاضة.
والراجح أنها لا تحديد لأكثره، لكن هذا على تقرير المذهب.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ونحتاج أن نميز دم الحيض عن دم الاستحاضة، لأن الدم الخارج من المستحاضة منه ما هو حيض ومنه ما هو مستحاضة.
والاستحاضة هي: سيلان الدم من أدنى الرحم من عرق يقال له " العازل " فهو دم عرق لا دم حيض، بمعنى عرق ينفجر على المرأة في أدنى رحمها.
وهو دم أحمر يخالف لونه لون دم الحيض، فإن دم الحيض أسود وهو كذلك دم رقيق بخلاف دم الحيض فإنه ثخين.
وهو دم رائحته طبيعية أي كرائحة سائر الدم، بخلاف دم الحيض فإنه دم كريه الرائحة.
وهو دم يمكن أن يتجمد على الجسد بخلاف دم الحيض فإنه لا يتجمد كتجمده قبل ذلك في رحمها.
هذه من مميزات دم الحيض عن دم الاستحاضة فهو دم أحمر رقيق ليست رائحته بكريهة ويمكن تجمده.
قال: (وإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود ولم يعبر أكثره لم ينقص عن أقله فهو حيضها)
هذا نوع من أنواع التميز، فدم الاستحاضة دم أحمر، ودم الحيض دم أسود.
فهنا الدم قد تجاوز بمجموعه ١٥ يومًا، لكن بعضه أحمر وبعضه أسود.
والأسود لم يتجاوز خمسة عشر يومًا ولم يقل عن يوم وليلة - وهذا على القول المرجوح -.
فعليها أن تجلس أيام خروج هذا الدم الأسود، وقعت (١) - تجلس - في هذا الباب أن تدع الصلاة ونحوها مما تمنع عنه الحائض، فإذا انقطع الدم الأسود، وبدأ الدم الأحمر فإنها تغتسل وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة.
ودليل على هذه المسألة حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت لرسول الله ﷺ: إني امرأة استحاض فلا أطهر أفادع الصلاة فقال: (لا إنما ذلك عرق وليس بالحيض فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) (٢) .
وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب الوضوء عليها لكل صلاة.
_________________
(١) كذا في الأصل، أو كلمة نحوها، ولعلها: قعدت.
(٢) متفق عليه، وقد تقدم نحوه.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقد ثبت هذا الحديث في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح – وفي بعض روايات هذا الحديث -: (إذا كان الحيض فإنه أسود يعرِف) أي له رائحة كريهة، وضبطت " العرَف " بفتح الراء، أي تعرفه النساء (فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئ وصلي) (١)
إذن هذا في حكم المبتدأة المميزة التي يمكنها أن تميز الدم هل هو دم حيض أم دم استحاضة.
فإن كانت هذه المبتدأة تميز الدمين بعضهما عن الآخر فإنها تجلس أيام الحيض.
ومتى انقطع الدم الأسود فإنها تغتسل وتصلي وتتوضأ لكل صلاة مع خروج هذا الدم.
وكذلك إذا عرفت دم الحيض من دم الاستحاضة بأي علامة أخرى، كالثخانة أو الرائحة الكريهة أو غيرها من المميزات.
قال: (وإن لم يكن دمها متميزًا جلست غالب الحيض من كل شهر)
يعني: امرأة ثبت أنها مستحاضة وليس عندها تميز للدم أو الدم الذي يخرج منها دم مخلط في هذه الفترة لا يمكن تميز الحيض عن الاستحاضة.
فالحكم أنها تجلس غالب الحيض، وقد تقدم أن غالبه ست أو سبع، كما تقدم في حديث حمنة بنت جحش: (تحيض ستة أيام أو سبعة أيام – إلى أن قال: (كما تحيض النساء ويطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (٢٨٦) قال: " حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد - يعني ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - ﷺ -: (إذا كان دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق) . وأخرجه أيضًا في باب من قال توضأ لكل صلاة من كتاب الطهارة، بنفس السند واللفظ دون قوله (فإنما هو عرق)
(٢) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وقد تقدم صْ ١٥٨.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فإن قيل: هل هذا على التخيير والتشهي أم إلى الاجتهاد؟
فالجواب: إنه ليس على التخيير والتشهي، وإنما ذلك راجع إلى الاجتهاد، فتجتهد وتختار ستة أو سبعة أيام بناء على التحري والنظر، فتنظر إلى ما يظن أن يكون عادتها ستة أو سبعة، فتنظر إلى عادة نسائها أمها وأخواتها ونحو ذلك فتحكم على نفسها.
فحينئذ: تمكث ستة أيام أو سبعة على الاجتهاد ثم تغتسل وتصلي.
فإن قيل: متى يكون تحيضها في أول الشهر أم آخره؟
فالجواب: أنه يكون في أول الشهر كما ورد في الحديث المتقدم وفيه: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام وصلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثًا وعشرين يومًا) فتحيض في أوله.
وحينئذ: ينظر إن كانت تعرف أول يوم خرج الدم فيه فإنه تبدأ منه.
فإذا لم تعرف ذلك فإنها تبدأ من أول الشهر الهلالي.
إذن: المبتدأة: إما أن تكون مميزة أو لا.
فإن كانت مميزة فإنها تجلس متى تعرف أنه دم حيض، وتغتسل وتصلي فيما تعرف أنه دم استحاضة وتتوضأ لكل صلاة.
أما إذا كان دمها لا يتميز أو هي ليست بمميزة فإنها تمكث ستة أيام أو سبعة أيام من بداية نزول الدم معها من كل شهر، فإن لم تذكر ذلك فإنها تبدأه من أول الشهر الهلالي، لأن الاستحاضة تمكث في المرأة الشهر كله أو غالبه فلا تنقطع عنها إلا زمنًا يسيرًا اليوم واليومين.
والحمد لله رب العالمين
الدرس السادس والأربعون
(يوم الثلاثاء: ٤ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف ﵀: (والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها)
المستحاضة هي: التي أصيبت بالاستحاضة وهي - كما تقدم -: سيلان الدم من أدنى الرحم من عرق يقال له: العاذل ويكون ذلك في الشهر كله أو غالبه.
فقد تقدم الحكم في المستحاضة المبتدأة التي لم يسبق لها عادة، والعادة هي خروج دم الحيض، وسميت عادة لكونها تعود في كل شهر.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وهنا المستحاضة المعتادة وهي التي أصيبت بالاستحاضة لكنها مسبوقة – أي الاستحاضة – بعادة، فكانت تحيض مثلًا ستة أيام أو سبعة أيام في كل شهر ثم بعد ذلك أصيبت بالاستحاضة – وهذه أنواع:
منها: أن تكون غير مميزة أي لا تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة.
أن تكون مميزة – تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة –.
فالمستحاضة المعتادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة حكمها قال:
(والمستحاضة المعتادة ولو مميزة) لكي يدخل النوعان (تجلس عادتها) .
فإنها تجلس عادتها فإذا كانت عادتها السابقة ١٠ أيام فإنها تجلس عشرة أيام وهكذا.
أما إذا كانت غير مميزة فهذا لا إشكال فيه.
لكن الإشكال في المميزة، فيقال: كيف تجلس عشرة أيام، وقد تكون هذه العشرة أيام توافق الدم الأحمر، لأنها عندما تستحاض المرأة قد يضطرب حيضها فيكون في أول الشهر – مثلًا – بعد أن كان في آخره، ويكون – مثلًا – ستة بعد أن كان سبعة أو بالعكس ونحو ذلك مما يحدث من الاضطراب بسبب الاستحاضة.
فلماذا لا يقال: إنها ترجع إلى التمييز؟
وقد قال المصنف: (ولو) إشارة إلى خلاف.
قالوا: إن النبي ﷺ قال - في حديث حمنة بنت جحش (١) -: (دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي) (٢) ولم يستفصل النبي ﷺ منها هل هي مميزة أو غير مميزة مع أنه احتمال كبير أن تكون مميزة.
والقاعدة: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
_________________
(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: فاطمة بنت أبي حُبيش كما في البخاري.
(٢) تقدم أنه أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي - ﷺ - قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال: (لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي)، وأخرجه مسلم (٣٣٣) .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
أي يكون الحكم شاملًا للنوعين كليهما.
فهنا يحتمل أن تكون مميزة، ويحتمل ألا تكون مميزة، فلما لم يستفصل النبي ﷺ دل على دخول هذين النوعين كليهما في العموم، فدل على أن المرأة التي سبق لها حيض أنها تجلس عادتها وإن كانت مميزة.
فعلى ذلك: لنفرض أنها كانت تحيض عشرة أيام من أول كل شهر هلالي، ثم استحيضت فإنها تمكثها من كل شهر ولو كان الدم معها متميزًا على أنه دم استحاضة بلونه أو رائحته أو نحو ذلك.
قالوا: والعلة من ذلك أنه أضبط، لأن دم الحيض قد لا يكون منضبطًا، فتارة يكون في أول الشهر وتارة في وسطه وتارة في آخره، وتارة يكون ستة أيام وتارة سبعة، فيلحق المرأة المشقة في متابعة التمييز، فإنه لا يكون ثابتًا فأحيانًا يكون على حالة وأحيانًا يكون على حالة أخرى، ولها عادة سابقة فحينئذ ترجع إليها، والمشقة تجلب التيسير.
قال: (وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح)
إذن: هي مستحاضة معتادة لكنها نسيت عادتها.
فحينئذ: تعمل بالتمييز الصالح، والمراد به - أي الصالح لأن يكون حيضًا – ألا يكون أقل من يوم وليلة ولا أكثر من خمسة عشر يومًا – وهذا على المذهب -، والراجح عدم تحديده بأقل ولا أكثر.
فإذن: إذا نسيت عادتها عملت بالتمييز الصالح، فمثلًا رأت أن الدم أحمر في الشهر كله سوى يومين فإنه أسود فحينئذ: تجلس هذين اليومين، لأنهما أكثر من أقل الحيض وهما يوم وليلة.
وإذا كان الدم الأسود خمسة عشر يومًا فإنها تجلسها لأنه تمييز صالح.
أما إذا لم يكن كذلك: كأن يكون – أي الدم الأسود – ساعات يسيرة أو بعض يوم أو أكثر من خمسة عشر يومًا فإن له حكمًا آخر سيأتي، فلا ينطبق عليه هذا الحكم.
إذن: إنما ينطبق عليه هذا الحكم بشرطين:
الأول: أن يكون لها تمييز.
الثاني: أن يكون التمييز صالحًا.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وإلا فإنه ليس بتمييز صالح أن يحكم به عليه بأنه دم حيض، وهذا كله على تقرير المذهب، وإلا فالراجح خلاف ذلك.
وعلى الراجح: فإنها تمكث مدة خروج الدم الذي ميزته ورأت أنه دم حيض سواء كان أقل من يوم وليلة أو أكثر من ١٥ يوم.
ودليل التمييز: حديث فاطمة بنت أبي حبيش – الذي رواه أحمد وأبو داود والنسائي وفيه أن النبي ﷺ قال لها: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعرف فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما ذلك عرق) (١) فهذا الحديث يدل على الإرجاع إلى التمييز، ومحل هذا حيث كانت ناسية.
وقد ذكر الإمام أحمد: أنها – أي فاطمة – كانت كبيرة فيحتمل عليها النسيان، وعلى أنها كانت لها عادة فنسيتها جميعًا بين الأحاديث.
قال: (فإن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض)
يعني: امرأة مستحاضة كانت لها عادة سابقة فنسيتها ولا يمكنها أن تميز، فإنها تجلس غالب الحيض وهو ٦ أو ٧ أيام، كما تقدم في حديث حمنة بنت جحش وفيه: أنه ﷺ قال لها: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله – إلى أن قال – كما تحيض النساء ويطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (٢) فهذا الحديث يدل على أن غالب مدة الحيض ستة أيام أو سبعة، وهذه المرأة ليس لها عادة يمكن أن ترجع إليها، وليس لها تمييز.
فحينئذ: ترجع إلى غالب عادة النساء وقد تقدم أن هذا التخيير ليس على التشهي وإنما على الاجتهاد، فتجتهد وتبني حكمها بالنظر إلى نسائها وقريباتها، فالمقصود أنها تتحرى وتجتهد وتقرر ستة أيام أو سبعة.
قال: (كالعالمة بموضعه الناسية لعدده)
كذلك من كانت عالمة بموضعه ناسية لعدده، أي تعلم أن حيضها في أول الشهر لكنها لا تعلم عدده، فهي نسيت العادة لكن ليس نسيانًا مجملًا وإنما تذكر موضعه لكن نسيت عدده.
_________________
(١) تقدم صْ ١٦٩، وقد أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما.
(٢) تقدم صْ ١٥٨، وقد أخرجه أحمد وأبو داود.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فحكمها: أنه يكون تحيضها في نفس الموضع الذي تذكره، ولكن العدد ستة أو سبع أيام على الاجتهاد.
قال: (وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلست من أوله كمن لا عادة لها ولا تمييز)
هذه عكس المسألة السابقة.
فهي تعلم العدد، ولنفرض أنه عشرة أيام لكنها نسيت موضعه فلا تدري في أول الشهر أو في أوسطه أو في آخره.
فحينئذ: يجب إرجاعها إلى العادة السابقة كما تقدم، ولكن الإشكال أنها نسيت موضعه من الشهر.
(ولو في نصفه): يعني لو قالت: أنا أذكر إني أحيض في نصف الشهر لكن لا أدري أي يوم بالتحديد، أو قالت: في آخر الشهر لكن لا أدري أي يوم بالتحديد فإنها حينئذ: يكون لها نفس الحكم، لذا قال:
(جلست من أوله)
إذن: تجلس في أول كل شهر هلالي.
إذن: امرأة تذكر العدد لكنها نسيت الموضع، سواء نسيته تمامًا، أو كانت تذكر أنه في وسط الشهر من غير تحديد فإنها تجلس من أول الشهر الهلالي.
وقوله: (ولو في نصفه): يشير إلى خلاف عند الحنابلة، فقد ذهب بعض الحنابلة: إلى أنها تتحرى فإذا كانت مثلًا: تذكر أنه في وسط الشهر لكن من غير تحديد، فإنها تتحرى ويكون إلى أقرب وقت كانت تحيض فيه.
فحينئذ: يكون حيضها من أول نصف أوسط الشهر، فحينئذ: تبدأ من اليوم الحادي عشر، وإذا كانت في آخره فيقال: تبدأ من الحادي والعشرين وهكذا، وهذا القول هو الأرجح؛ لأن هذا التحديد أقرب من الرجوع إلى أول الشهر.
إذن: الراجح أنها تتحرى الموضع فيقع فيه حيضها كما تقدم.
فإذا قالت: في أول الشهر لكن لا أدري بالتحديد فيقال لها: ليكن حيضك من أول الشهر، وهكذا أوسط الشهر وآخره.
قوله: (كمن لا عادة لها ولا تمييز)
وهي المبتدأة، فقد تقدم أنها – إن كانت لا تذكر بداية خروج الدم منها فإنها تبدأ من أول الشهر الهلالي -.
وهذا القول هو الراجح إلا إذا أمكنها التحري فيجب العمل به لكونه أقرب إلى عادتها.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
والحمد لله رب العالمين
الدرس السابع والأربعون
(يوم الأربعاء: ٥ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف ﵀: (ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت فما تكرر ثلاثًا فهو حيض)
" من زادت عادتها ": كأن تكون عادتها في الأصل خمسة أيام، فزادت إلى ستة أيام أو سبعة أو أكثر.
" أو تأخرت ": كأن تكون تأتيها في أول الشهر فأتتها في آخره.
" أو تقدمت ": كأن تكون تأتيها في آخر الشهر فأتتها في أوله.
فما الحكم؟
قال هنا: (فما تكرر ثلاثًا فهو حيض)
فإذن هذه المسائل كلها لا يحكم عليها بأنها حيض حتى يتكرر ثلاثًا.
فمثلًا في المسألة الأولى: إذا كان حيضها خمسة أيام فزاد إلى سبعة أيام، ففي الشهر الأول الذي رأت فيه حيضها سبعة أيام، لا تمكث إلا خمسة أيام ثم تغتسل وتصلي وتتوضأ لكل صلاة، وفي الشهر الثاني كذلك، وفي الشهر الثالث كذلك، فإذا جاء الشهر الرابع والعادة سبعة أيام فحينئذ: تمكث هذه السبعة أيام كلها وتقضي ما وجب عليها في هذه الأيام التي قامت فيها بواجبات لا تصح من الحائض، فإذا صامت في اليومين الزائدين فإنها تقضيهما لأنهما من أيام الحيض، كما تقدم في المسألة السابقة.
وقد تقدم النظر في تلك المسألة، فكذلك هذه المسألة.
فالراجح فيها – ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية واختارها بعض الحنابلة، واختارها شيخ الإسلام – الراجح أن ذلك كله حيض، وأن هذه الزيادة يكون لها حكم الحيض مطلقًا من غير اشتراط تكرار.
وهذا القول تدل عليه عمومات النصوص الشرعية، كقوله تعالى ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (١) فأطلق الله ﷿، فمتى رأت المرأة دم الحيض سواء في وقت عادتها الأصلي أو زائدًا عليها، أو متقدمًا أو متأخرًا فإنها يجب عليها أن تمكثه وتجلسه، لأنه دم حيض، كما قال تعالى: ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾
قال: (وما نقص عن العادة طهر)
_________________
(١) سورة البقرة.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
هذه الصورة الرابعة، لأن الصور المتصورة أربع: إما تقدم أو تأخر، وإما زيادة أو نقص، فتقدمت صور ثلاث وهنا صورة النقص، فما نقص عن العادة فهو طهر.
فمثلًا: امرأة عادتها سبعة أيام فنقص إلى خمسة أيام، فطهرت بعد خمسة أيام، فهل تمكث هذين اليومين أم لا؟
الجواب: لا، لأنها قد رأت علامة الطهر، وقد قال تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ وهذه قد طهرت.
فإذن: إذا مضت عليها خمسة أيام من عادتها ثم طهرت فإنها تغتسل وتكون في حكم الطاهرات.
قال: (وما عاد فيها جلسته)
يعني: امرأة عادتها عشرة أيام، فمرت خمسة أيام فرأت الطهر فإنها – كما تقدم تغتسل وتصلي، فانقطع عنها يومين أو ثلاثة ثم عاد إليها في وقت عادتها الأصلي، فالحكم قال (جلسته)، فتجلس هذه الأيام.
وهذا مشكل على مذهبهم؛ لأنهم يرون أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا، وهذه أقل من ثلاثة عشر.
لكنهم يقولون: إنهما في حكم الحيضة الواحدة، وهي ما يسمى بمسألة " التلفيق " وهي – على هذا المذهب – أن تكون الأيام المشتملة على الحيض والطهر مجموعها لا تزيد على أكثر الحيض، فإذا كان مجموعهما عشرة أيام أو خمسة عشر فنعم، أما ستة عشر يومًا فأكثر فلا.
فحينئذ: تكون هذان الحيضان وما بينهما من الطهر في حكم الحيضة الواحدة، وهذه مسألة التلفيق ما لم يتعد أكثر الحيض.
إذن: ما عاد منه جلسته، وهذا القول راجح واضح، إلا ما سيأتي من البحث في مسألة النقاء في الحيض.
لكن على – القول الراجح في حد الطهر – وهو أنه ليس له حد مقدر، بل قد يكون ما بين الحيضين يوم وليلة أو يومان أو أكثر أو أقل.
قال: (والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض)
[ ٢ / ٢٣٥ ]
لما روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن أم عطية قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا) (١) وأصله في البخاري (٢): بدون قوله: (بعد الطهر) .
والصفرة هي: كالصديد يعلوه صفرة.
وأما الكدرة فهي شبيهة بالماء العكر الوسخ.
فالصفرة والكدرة إن كانتا في أثناء الحيض أو أثناء مدة الحيض فإنهما من الحيض.
وأما إن كانتا بعد الطهر من الحيض فإنهما ليسا بشيء.
فالصفرة والكدرة إذا استقلتا عن الحيض فلا حكم لهما؛ لأنهما ليسا بدم، بل يثبتان تبعًا، وأما إذا كانتا أثناء الحيض فإنهما يكونان بحكمه.
قال: (ومن رأت يومًا دمًا ويومًا نقاءً فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر لأكثره) .
وقوله: " يومًا " ليس للتحديد وإنما للتمثيل، وإلا فقد يكون أقل من يوم أو أكثر منه وإلا فالضابط فيه أن يكون هذا الوقت يتسع لعبادة من العبادات الشرعية.
فمثلًا: امرأة عادتها سبعة أيام فأصبحت ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء، فالدم حيض، والنقاء طهر.
ففي هذا المثال: الدم في أثناء هذه المدة يخرج منها إلا أنه يتوقف عنها في بعض الأيام بحيث يمكنها في وقت الانقطاع أن تعبد الله بعبادة من العبادات الواجبة، فيمكنها أن تغتسل وتصلي.
فمثلًا: انقطع عنها الدم فنأمرها بالاغتسال ثم الصلاة، ومثلًا: طهرت قبل الفجر فإنها تنوي وتصوم ذلك اليوم وإن عاد إليها الدم بعد غروب الشمس.
إذن: النقاء المتخلل لعادتها طهر، فيجب عليها أن تغتسل فيه وأن تصلي – هذا هو المذهب –.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الكُدْرة والصفرة بعد الطهر (٣٠٧) قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن قتادة، عن أم الهذيل، عن أم عطية، وكان بايعت النبي - ﷺ -، قالت: " كان لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا) .
(٢) أخرجه البخار يفي كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وهذا القول ضعيف، لأنه من عادة الدم أن يتجزأ وأن يتقطع، وفي إلزامها بهذا الحكم المتقدم مشقة وحرج إذ قد يتخلل عادتها عدة اغتسالات.
ثم إن هذا الانقطاع في الحقيقة أمر طبيعي، والنبي ﷺ لم يأمر النساء – مع وجود هذا الأمر الطبيعي – لم يأمرهن أن يغتسلن فيه ويصلين فهذا أمر طبيعي يحدث للنساء.
وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء وهو اختيار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد – وهذا القول هو الراجح الذي لا يسع النساء إلا هو – وإلا ففي القول المتقدم مشقة وحرج إذ أن من طبيعة الدم التوقف.
فالراجح: أنها لا تطهر حتى يثبت لها شيئان:
الأمر الأول: القصة البيضاء وهي: سائل أبيض يخرج من المرأة علامة لطهرها.
وقد روى البخاري معلقًا: أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدُرجة " الخرقة " فيها الكرسف " القطن " فيه الصفرة فتقول: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) (١)
والعلامة الثانية: أن ينقطع عنها الدم بحيث إذا وضعت القطن أو نحوه لا يخرج صفرة أو كدرة، ويكون ذلك آخر عادتها.
لأن بعض النساء لا يرين القصة البيضاء فعلامته انتهائه: انقطاع الدم في آخر عادتها.
فإذا وقع أحد الأمرين فإنها يجب عليها أن تغتسل وتكون في حكم الطاهرات.
وقوله: (ما لم يعبر أكثره)
هذه تدخل فيها المسألة السابقة وهي مسألة التلفيق.
يعني: قد يشكل فيقال: إن هذا الطهر أقل من ثلاثة عشر يومًا التي هي أقل الطهر بين الحيضين!
فالجواب: إنها بمجموعها في حكم الحيضة الواحدة، لذا قال: (ما لم يعبر أكثره)
فإذا كان مجموع النقاء والطهر يتجاوز أكثر الحيض، كأن يمضي عليها ١٨ يومًا، يومًا نقاء، ويومًا دم، فتكون هذه الأيام الزائدة عن أكثر الحيض في حكم الاستحاضة – هذا على المذهب –
قال: (والمستحاضة ونحوها تغسل فرجها وتعصبه)
_________________
(١) ذكره البخاري في باب (١٩) إقبال المحيض وإدباره، من كتاب الحيض.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
(ونحوها) مما به سلس بول ونحوه من الأحداث المتجددة.
(تغسل فرجها) لأن الدم نجس فيجب غسله لنجاسته، وكذلك من به سلس بول لأن البول نجس فيجب غسله.
قال: (وتعصبه) بخرقة أو نحوها لئلا يخرج، فتضع على فرجها عصابة تحفظ الدم من الخروج.
يدل على ذلك، ما روى أبو داود والترمذي وهذا لفظه من حديث حمنة بنت جحش أنها شكت إلى النبي ﷺ كثرة الدم فقال: (أنعت لكِ " أي أصف " الكرسف فإنه يذهب الدم) فقالت: إنه أكثر من ذلك فقال النبي ﷺ: (فتلجمي) أي ضعي خرقة شبيهة بلجام الفرس الذي يوضع عليه (١) ليكون ذلك حافظًا لخروج الدم.
إذن يجب عليها حفظ دمها من الخروج، بحيث لا تتضرر، أما إذا كان هذا الحبس يلحقها بالضرر فلا يجب إذ لا ضرر ولا ضرار.
قال: (وتتوضأ لوقت كل صلاة)
كما روى البخاري أن النبي ﷺ قال في المستحاضة: (وتتوضأ لكل صلاة) (٢)
وهكذا من به سلس بول ونحوه من الأحداث المتجددة وتصلي فرضًا ونفلًا.
فمثلًا: تتوضأ لصلاة الظهر وتصلي بهذا الوضوء نوافلها وما يلحقها من العبادات التطوعية.
وهذا باتفاق أهل العلم وأنها تصلي بالوضوء الفرائض والنوافل.
هل تُصلي به الصلاة المقضية؟
بمعنى: امرأة توضأت لصلاة الظهر، فهل لها أن تصلي بهذا الوضوء صلاة فائتة أم لا؟
ومحل هذا حيث خرج الدم، أما إذا توضأت فلم يخرج الدم فهي على وضوئها.
بمعنى: امرأة توضأت فلم يخرج الدم فإنه لا ينتقض وضوؤها فلها أن تصلي فيه ما لم يخرج الدم.
لكن محل هذا حيث خرج الدم بعد وضوئها فهل تصلي فيه الصلاة المقضية أم لا؟
مذهب جمهور أهل العلم: أن لها أن تصلي الصلاة المقضية بهذا الوضوء.
وذهب الشافعية: إلى أنها لا يجوز لها أن تصلي بهذا الوضوء الصلاة المقضية.
_________________
(١) تقدم صْ ١٥٨.
(٢) قال في البلوغ: " وللبخاري (ثم توضئي لكل صلاة) وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدًا " صْ ٢٧.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وهذا القول أظهر؛ لموافقته لظاهر الحديث (توضئ لكل صلاة) (١) .
ولولا المشقة وإجماع أهل العلم لقلنا بوجوب الوضوء للنوافل لقوله: (لكل صلاة) .
أما المشقة هنا – أي في الصلاة المقضية – فهي منتفية ولا إجماع بل الخلاف فيها ثابت.
أما الصلاة المجموعة فإنها يكفيها الوضوء الواحد، لأن وقتهما واحد.
وقد يقال: بأنها يجب عليها أن تصلي الصلاة المجموعة بوضوء آخر.
لكن لكون الصلاتين أحدهما متصلة بالأخرى وهذا هو فعل النبي ﷺ وهو المشروع.
فالراجح: أن يقال: إنها تكتفي بالوضوء الذي توضأته للصلاة الأولى، والعلم عند الله.
قال: (ولا توطأ إلا مع خوف العنت)
يعني: إذا خشي أن يقع في الزنا أو نحوه فإنه يجوز أن يطأها.
فعلى ذلك: المستحاضة لا يجوز وطؤها على المذهب.
قالوا: قياسًا على الحائض.
ودم الاستحاضة دم نجس فوجب أن يجتنب وألا يباشر.
ومذهب أكثر الفقهاء: أنه يجوز أن توطأ، وهذا هو الراجح؛ لأن القياس قياس مع الفارق، والفارق هو: أن المستحاضة تصلي وتصوم وتفعل ما لا تفعله الحائض من الأحكام الشرعية ولا تمنع مما تمنع منه الحائض، فإذا ثبتت هذه الفوارق فهو قياس مع الفارق.
وأما كون هذا الدم دم أذى، فنقول: هو وإن كان نجسًا وأذى فإنه لا يعني أنه لا يجوز له أن يجامعها؛ لأن الأذى الذي نهى الشارع عنه إنما هو دم الحيض فقط: ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (٢) أي دم المحيض دم أذى، أي إنه أذى يعتزل النساء فيه، ولا يعني أن كل دم يقع في المرأة وإن كان جرحًا يجب أن تعتزل فيه، ولا يجوز أن توطأ مع جروحه، كيف والأدلة تدل على جواز ذلك فإن المستحاضات على عهد النبي ﷺ لم يثبت في السنة نهي عن أن توطأ إحداهن.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
بل قد ثبت في سنن أبي داود بإسناد جيد: أن حمنة كانت مستحاضة وكان زوجها يطؤها " (١) فالمستحاضات كن ذوات عدد ولم يثبت أن نهي زوج إحداهن أن يطئها، وعدم نقل ذلك مع الحاجة إلى نقله يدل على عدم ثبوته إذ الدواعي متوفرة على نقله ومع ذلك لم ينقل.
وكون هذا قد تكرهه النفوس فإن هذا لا يعني أنه محرم.
فالراجح: جواز وطئها.
- قال فقهاء الحنابلة: فإذا وطئها فلا كفارة عليه.
قالوا: لأننا وإن قلنا بأن وطئها محرم فإنه ليس كوطء الحائض فهي دون ذلك فبينهما فوارق كبيرة، فعلى ذلك: على القول بأنها لا يجوز وطؤها فلا كفارة في ذلك.
فالراجح: جواز وطئها، ومن الأدلة أيضًا: المشقة في اعتزالها بخلاف الحيض، فالاستحاضة تكون الشهر كله أو أغلبه فاعتزالها فيه مشقة، والمشقة تجلب التيسير.
قال: (ويستحب غسلها لكل صلاة)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب المستحاضة يغشاها زوجها (٣١٠) قال: " حدثنا أحمد بن أبي سُريج الرازي، أخبرنا عبد الله بن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن عكرمة عن حمْنَة بنت جحش أنها كانت تستحاض وكان زوجها يجامعها ".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
لما روى الشيخان في صحيحهما: أن أم حبيبة أستحيضت فسألت النبي ﷺ: (فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة) (١) .
وهذا الحديث كما قال الشافعي: ليس فيه أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة وإنما فعلت ذلك تطوعًا من عند نفسها.
فالنبي ﷺ أمرها أن تغتسل من الحيض كما أمر غيرها من المستحاضات أن يغتسلن إذا ذهبت الحيضة وأمرهن أن يتوضأن لكل صلاة كما في غير حديث غير أنها باجتهادها كانت تغتسل لكل صلاة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب عِرْق الاستحاضة (٣٢٧) بلفظ: عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأمرها أن تغتسل فقال: (هذا عِرْقٌ) فكانت تغتسل لكل صلاة "، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها (٣٣٤) بلفظ: " عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أن أم حبيبة بنت جحش خَتَنَة رسول الله - ﷺ - وتحت عبد الرحمن بن عوف استُحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرف فاغتسلي وصلي) قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حُجْرة أختها زينب بنت جحش، حتى تعلو حمرةُ الدم الماءَ ".
[ ٢ / ٢٤١ ]
وأما ما روى أبو داود: أن النبي ﷺ: (أمرها أن تغتسل لكل صلاة) (١) فإنه ضعيف عند الحفاظ فلا يثبت عن النبي ﷺ.
وقد أمرها النبي ﷺ أن تغتسل وهذا الأمر لا يقتضي التكرار، فإن الأمر لا يقتضي التكرار كما هو معلوم في أصول الفقه وكما هو مقرر في قواعد اللغة.
فقد أمرها النبي ﷺ أن تغتسل وهذا اللفظ إنما يفيد الاغتسال مرة واحدة وهي الاغتسال من الحيض ثم كانت تغتسل لكل صلاة ولذا لم يوجب ذلك أحد من الأئمة وإنما هو عندهم على الاستحباب.
مسألة:
امرأة مثلًا: يؤذن الظهر وتمر خلال الوقت نصف ساعة ينقطع فيها الدم، فهل يجب أن تتوضأ في هذه النصف ساعة وتصلي ويكون الدم متوقفـ[ـًا] إلى صلاتها ومن بدايتها بالصلاة إلى انتهائها منها؟
الجواب: يجب عليها ذلك، لأن الصلاة تكون سالمة مما يجيز فعله العذر، فحينئذ إذا كان ينقطع عنها أحيانًا ويمكنها أن تصلي فيه فيجب فعل ذلك.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثامن والأربعون
(يوم السبت: ٨ / ٢ / ١٤١٥ هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال: تغتسل من طُهر إلى طهر (٢٩٨) قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة،قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فذكر خبرها، وقال: (ثم اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة، وصلي) . قال أبو داود بعد أن ذكر حديثين بعده: " وحديث عدي بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيوب أبي العلاء كلها ضعيفة لا تصح، ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديث، أوقفه حفص بن غياث عن الأعمش، وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعًا، وأوقفه أيضًا أسباط عن الأعمش، موقوف عن عائشة.. " اهـ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
النفاس: في اللغة مشتق من النفس، والنفس هو الدم، وقيل مشتق من النفس لما فيه من زوال الكرب.
أما في الاصطلاح: فهو دم يرخيه الرحم بسبب الولادة، وهذا الإرخاء إما أن يكون بعد الولادة أو معها أو قبلها.
أما الدم الخارج معها أو بعدها فواضح حكمه.
وأما الدم الذي قبل الولادة وهو ما يخرج من الدم أثناء مقدمات الوضع مع الطلق، فإن هذا الدم الخارج وقت مخاض المرأة واستعدادها للوضع دم سببه الولادة.
وقد حدده أهل العلم بثلاثة أيام فأقل.
فالدم الخارج من المرأة قبل ولادتها بثلاثة أيام فأقل دم نفاس.
ويعرف ذلك بالأمارات التي تبين قرب الوضع، فإن هذا الدم الخارج منها دم نفاس.
وعليه فإذا خرج قبل أربعة أيام أو خمسة فإنه ليس بدم نفاس بل دم فساد، وليس بدم حيض لأن الحبلى لا تحيض – كما تقدم –.
فعلى ذلك هو دم فساد فتصلي وتصوم وغير ذلك وهي بحكم المستحاضة.
وما ذكره الفقهاء من تحديد ذلك بثلاثة أيام فأقل موضع نظر؛ فإنه لا دليل على ذلك، بل الأمر متعلق بكون هذا الدم خارج مع مقدمات الوضع سواء كان ثلاثة أيام فأقل أو أكثر من ذلك.
- وهذا ما ذهب إليه الشيخ عبد الرحمن السعدي، ونظَّر في مذهب الفقهاء بما تقدم وأن هذا التحديد لا دليل عليه شرعًا ولا عرفًا، والأمر متعلق بمقدمات الولادة.
فالدم الخارج عند مخاض المرأة وطلقها هو دم نفاس، فعلى ذلك: تدع المرأة الصلاة والصوم ونحو ذلك من الأحكام.
وأما الدم الخارج مع الولادة أو بعدها فهو واضح.
ولكن على القول بتحديد النفاس بأربعين يومًا وسيأتي الدليل عليه، هل الثلاثة الأيام السابقة للولادة هل تحسب من النفاس أم لا؟
إذا قلنا إنها تحسب فيكون نفاسها إذا ولدت سبعة وثلاثين يومًا.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قال الفقهاء: لا تحسب هذه المدة من النفاس؛ وذلك لأنه قد ثبت في الحديث الحسن أن أم سلمة قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا) (١) في رواية لأبي داود: (بعد نفاسها) أي بعد ولادتها، والحديث حسن رواه الخمسة إلا النسائي.
قوله: (أكثر مدة النفاس أربعين يومًا): هذه أكثر مدته فلا يتجاوز النفاس أربعين يومًا.
- وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر أهل العلم، بل قد ذكر الترمذي إجماع أهل العلم عليه فقال: " وأجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ فمن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي ".
قال أبو عبيد: " وهو قول جماعة الناس ".
وهذا القول قد دل عليه حديث أم سلمة المتقدم فإنها ذكرت أن النفساء كانت تمكث على عهد النبي ﷺ أربعين يومًا ومعلوم أن النساء يختلفن في الطبيعة والواقع فلما ذكرت أم سلمة هذه المدة المحدودة دل ذلك على أنه توقيت من الشارع وتحديد منه، لأن النساء يختلفن فيه فلا معنى للتحديد الذي ذكرته، وإنما المعنى أن مكثهن هذا العدد كان مؤقتًا من النبي ﷺ.
- وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه يوقت بستين يومًا (٦٠) فلا يتجاوزها.
ودليل هؤلاء الواقع وأن النفاس بلغ هذه المدة.
لذا ذهب بعض أهل العلم إلى تحديده بسبعين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النُّفَساء قال: " حدثنا أحمد بن يونس، أخبرنا زهير، حدثنا علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مُسَّةَ عن أم سلمة، قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا أو أربعين ليلة، وكنا نطلي على وجوهنا الوَرْس تعني من الكلَفِ "، وأخرجه الترمذي في الطهارة، برقم ١٣٩، وابن ماجه برقم ٦٤٨، سنن أبي داود [١ / ٢١٨] .
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وذهب شيخ الإسلام: إلى أنه لا حد لأكثره كقاعدته في الحيض.
لكن الراجح الأول؛ للدليل، ولما ذكر من الإجماع.
وقد ذكر الموفق هذا القول عن عمر وابن عباس وأنس وأم سلمة وعائذ بن عمرو، وقال: " لا يعلم لهم مخالف ".
وأكثر هذه الآثار رواها البيهقي في سننه، وأثر ابن عباس رواه ابن الجارود في منتقاه بإسناد صحيح (١) .
فلا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف فكان قولهم حجة.
فإذا استمر الدم مع المرأة بعد أن تمت الأربعين فما الحكم؟
الجواب: أنه لا يخلو من حالين: إما أن يكون موافقًا لوقت عادتها فحينئذ هو دم حيض وإلا فهو دم فساد، فإذا لم يكن موافقًا لوقت عادتها فهو دم فساد، - وله أحكام دم الاستحاضة -.
قال: (ومتى طهرت قبله تطهرت وصلت)
إذن لا حد لأقله، وهذا هو المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم.
فإذا انقطع الدم عن النفساء بعد خمسة أيام أو عشرة أيام أو يومين أو يوم، أو لم يخرج منها الدم مطلقًا وهذا قد يكون من الحالات النادرة، فإنها لا تدع الصلاة وغيرها، بل حكمها حكم الطاهرات.
وقد تقدم الإجماع الذي ذكره الترمذي وفيه: " ألا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي ".
وللقاعدة المشهورة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فهنا العلة خروج الدم وقد توقف فحينئذ لا يثبت الحكم.
واعلم أن الولادة التي يترتب عليها حكم النفاس – عند العلماء – هي الولادة التي تنتج مضغة مخلقة، أي تخلق منها الآدمي.
أما إذا سقطت نطفة أو علقة أو مضغة غير مخلقة فإنها – عند أكثر أهل العلم – لا يثبت بها النفاس.
وهذا – أي كونها مضغة مخلقة – يكون زمن ٨١ يومًا فأكثر، فإذا سقط لإحدى وثمانين يومًا فأكثر ورؤيت المضغة مخلقة أي تبيّن فيه خلق إنسان، والغالب أن يكون ذلك بعد تسعين يومًا أي بعد ثلاثة أشهر.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قالوا: لأن هذا الواقع الساقط مشكوك فيه هل هو إنسان أم لا، ومتى كان مشكوكًا فيه فإنه لا ينتقض الحكم الثابت عندنا وهو أنها مطالبة شرعًا بأحكام شرعية، والنفاس يمنعها من أداء الأحكام الشرعية، وإذا حكمنا أنه نفاس فهذا يعني إبراء ذمتها من ذلك، وهذا مجرد شك ولا ننتقل من الحكم الثابت بمجرد الشك، فيحتمل أن يكون قطعة إنسان.
أما إذا كانت النطفة متخلقة، وقد تبين فيه خلق إنسان فإن الحكم يثبت على ما تقدم، وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم.
قال: (ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهر)
إذا طهرت بعد عشرة أيام من نفاسها – مثلًا – فإنها يكره وطؤها – كما روى البيهقي والدارمي وغيرهما – عن الحسن بن أبي الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص أن امرأته أتته وقد طهرت قبل الأربعين فقال: (لا تقربيني) (١)
قالوا: فهذا يدل على كراهية وطئها إذا طهرت قبل الأربعين هذا هو المشهور في المذهب.
- وذهب جمهور أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يكره ذلك.
إذن: هم متفقون على أنه لا يحرم، وإنما الخلاف في الكراهية فالحنابلة كرهوا ذلك.
والجمهور قالوا: بعدم الكراهية، قالوا: لأنها طاهرة ولها حكم الطاهرات، والكراهة حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل. والأثر ليس صريحًا في ذلك، فقد يكون تركه تورعًا أو احتياطًا أو خشية من عدم ثبوت الطهر أو نحو ذلك.
وهذا على القول بثبوت الأثر، وقد ذكر الحافظ أن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص، فإذا ثبت هذا فإنه يكون منقطعًا.
ثم لو صح – فكما تقدم – ليس صريحًا في ذلك فقد يكون تركه احتياطًا لشبهة وقعت في طهرها أو نحو ذلك.
إذن: الراجح مذهب الجمهور ورواية عن الإمام أحمد وهو عدم كراهية ذلك.
قال: (فإن عاودها الدم فمشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الواجب)
فإن عاودها الدم بصفته وهيئته في أثناء الأربعين.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
بمعنى: نفست عشرة أيام ثم انقطع الدم خمسة أيام ثم عاد إليها عشرة أيام ثم انقطع، فقد عاودها في زمنه.
" فمشكوك فيه " إذن: لا يكون في حكم النفاس، لأن هذا الدم مشكوك فيه.
" تصوم وتصلي وتقضي الواجب " إذن: تجمع بين فعل الواجبات أثناء خروج الدم، وقضاء ما يجب قضاؤه بعد انقطاع الدم وإن كانت فعلته.
فعلى ذلك – في المثال السابق – العشرة الأيام الثانية التي رأت فيها الدم تصلي وتصوم لاحتمال أن يكون دم فساد ثم إذا انتهت فيجب عليها قضاء الصوم لاحتمال أن يكون دم نفاس.
لكن هذا القول ضعيف.
لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: إلى أن هذا الدم دم نفاس؛ لأنه على هيئة دم النفاس، وهو واقع في زمن النفاس ولم يكن حيضًا، وفيه صفة دم النفاس فيكون له حكم النفاس تمامًا.
فتدع الصلاة والصوم وتقضي الصوم بعد ذلك، وهذا هو الراجح.
وأما كونها تقضيه؛ فقد تقدم ضعف هذا، وأن الشارع لا يأمر بفعل الشيء مرتين – كما نهى أن تصلى الصلاة مرتين.
فإذن: إذا عاودها في زمن النفاس فإنه دم نفاس، فتدع الصلاة وغيرها من الأحكام.
قال: (وهو كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط)
فأحكام النفاس كأحكام الحيض.
" فيما يحل " من مباشرتها فيما دون الفرج.
" ويحرم " كوطئها من فرجها.
" ويجب " كقضاء الصوم والغسل عند انقطاع الدم.
" ويسقط " كالصلاة والصوم.
قال: (غير العدة والبلوغ)
هذان استثناءان واضحان.
" غير العدة " فلا يحسب النفاس من العدة، فالله ﷿ إنما ذكر الحيض فقال تعالى ﴿ثلاثة قروء﴾ (١) فلا يكون النفاس محسوبًا من ذلك.
وهذا لا يتصور مثله: لأن المرأة إذا طلقت قبل نفاسها فإنها تنقضي عدتها عند نفاسها أي عند وضعها للحمل.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وإن كان الطلاق أثناء النفاس فهو كالطلاق أثناء الحيض على القول بصحته، فإنه لا يحسب من العدة، فإن الرجل إذا طلق امرأته وهي حائض – على القول بصحته – فإنها لا تحسب هذه الحيضة، وكذلك النفاس.
وأما البلوغ فإن المرأة متى حملت فإن ذلك دليل سبق بلوغها، فإنه لا يكون حمل إلا بعد الاحتلام والإنزال، وهذا دليل البلوغ – فحينئذ: لا يتعلق البلوغ بالنفاس؛ لأن هذا مسبوق بحمل والحمل لا يكون إلا باحتلام.
ومن الاستثناءات: أن المُولي وهو الذي يحلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن الحيض يحسب، إذا تُربص به أربعة أشهر.
أما النفاس فلا يحسب؛ لأن مدة الحيض معتادة بخلاف مدة النفاس فإنها ليست بمعتادة.
قال: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما)
امرأة ولدت توأمين فأنجبت الأول ثم بعد أربعين يومًا جاءت بالثاني فما الحكم؟
فأول النفاس وآخره من أولهما، إذن الثاني على المدة التي تقدم ذكرها لا يكون له شيء من النفاس، فالمدة متعلقة بالأول؛ لأن هذا الدم خرج بسبب الولادة وهما كانا حملًا واحدًا فحكمهما واحد – وهذا مذهب الجمهور -.
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه – وهو وجه عند الشافعية –: إلى أنه يحسب من الثاني.
قالوا: لأن الدم الخارج مع الثاني دم خارج بسبب الولادة فلا معنى لعدم اعتباره، وظاهر هذا القول أن المدة التي توقفت لها عن وضع الثاني لا تحسب من النفاس، وإنما تحسب من الثاني، وهذا – كذلك – فيه ضعف.
والذي ينبغي أن يقال: أن كليهما له نفاسه، فالأول له نفاسه، فإذا وضعت الثاني فتستأنف النفاس مرة أخرى وتحسب أربعين يومًا.
إذن الراجح: أن الدم الخارج مع المولود الثاني معتبر خلافًا للمشهور في المذهب – كما هو رواية عن الإمام أحمد –؛ لأنه دم خارج بسبب ولادة مستقلة وإن كانت عن حمل واحد، فهي ولادة مستقلة وقد خرج بسببها هذا الدم فكان الواجب اعتباره لا إلغائه.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فعلى ذلك: الدم الخارج مع الثاني محسوب من النفاس.
والأظهر أن الأول كذلك يكون محسوبًا من النفاس، فإذا وضعت الأول ثم جلست خمسة أيام وهي يخرج ويجري معها الدم فهي في حكم النفساء على القول الأول.
فإذا انقطع عنها الدم خمسة أيام ثم ولدت الثاني، فهذه الخمسة أيام على القول الأول ليست من النفاس، وخروج الدم الخارج بعد عشرة أيام مع المولود الثاني ليس في مدة النفاس.
وهذا ضعيف؛ لأن الدم قد انقطع بعد خمسة أيام،ولو ولدت بعد الطهر، فحينئذ المولود الثاني لا دم له.
وهذا ضعيف، وضعفه ظاهر.
فعلى ذلك: الراجح ما تقدم وأن الدم الخارج مع الثاني محسوب من النفاس.
(فائدة)
هل يجوز للمرأة أن تأكل مانعًا للحيض أم لا يجوز لها ذلك؟
نص الإمام أحمد – ﵀ – على جواز ذلك، وأنه يجوز للمرأة أن تأكل مانعًا للحيض حيث أمنت الضرر.
قال بعض الحنابلة: بشرط أن يأذن زوجها، قال في الإنصاف: وهو الصواب.
وهو كما ذكرا، فإن هذا الشرط لابد منه.
فلابد أن يكون ذلك بإذن من الزوج؛ لكون ذلك يؤثر في الولادة في تأخرها وتقدها، فكان لابد من إذن الزوج بذلك.
والحمد لله رب العالمين
انتهى باب الحيض
وكذلك: انتهى كتاب الطهارة بحمد الله
والله أعلم
فهرس الموضوعات
باب المسح على الخفين . ١ إلى ٣٠
باب نواقض الوضوء .. ٣٠ إلى ٦٦
باب الغسل ٦٧ إلى ٩٣
باب التيمم ٩٤ إلى ١٢٥
باب إزالة النجاسة ١٢٦ إلى ١٥٤
باب الحيض .. ١٥٥ إلى ١٨٧
فهرس الأحاديث والآثار
ابدؤا بما بدأ الله به ١١٤
أتى أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ.. ١٢٧
إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا ٩١
إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء ٤٠
إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ٧٣
[ ٢ / ٢٤٩ ]
إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ١٦، ١٠٥
إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ماذا رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما.. ١٣٣
إذا جامعها في أول الدم فدينار وإذا جامعها بعد انقطاع الدم فنصف دينار ١٦٣
إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل .. ٧١
إذا حذقت فاغتسل وإن لم تكن حاذفًا فلا تغتسل . ٦٧
إذا فضخت فاغتسل ٦٧
إذا كان دم الحيضة وهو دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة.. ٣١، ١٦٩
إذا قعد على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ٧٠
إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء.. ١٤٦
اذهب فأفرغه عليك . ٨٧، ٩٥
اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل ٧٢
استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر ١٤٧
أصبت السنة ٤
اصنعوا كل شيء إلا النكاح .. ١٦٢
أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي – وذكر منها – وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا.. ٩٣
اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم . ٩١
اغسلنها بماء وسدر . ٧٣
اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ٧٣
اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنبًا، فأما إن كان أحدكم جنبًا فلا ٧٥
أكل من كتف شاة ولم يتوضأ ٥٤
ألقوها وما حولها وكلوه .. ١٣٩
أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ١٦١
أمر الحيض أن يعتزلن المصلى ٧٩
أمر من أكسل أن يغسل ما مس من امرأته ويتوضأ ٧١
أمرنا النبي ﷺ أن نغسل الأنجاس سبعًا . ١٣١
أمرها أن تغتسل لكل صلاة ١٨١
[ ٢ / ٢٥٠ ]
أمسح علي الخفين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ ٣
إن جاءت ببطانة من أهلها يرضى دينه وأمانته فشهد لها بذلك وإلا فهي كاذبة.. ١٥٩
أن حمنة كانت مستحاضة وكان زوجها يطؤها ١٨٠
إن حيضتك ليست بيدك ٧٩
إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ٥٤
إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته..٩٥
إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي ٣٩
إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء ٥٧
إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه ١٣٨
إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس ١٥٢
إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ٣
إن المؤمن لا ينجس . ١٤٥
انقضي شعرك واغتسلي ٨٥
إنما الأعمال بالنيات . ٨٢
إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والمذي والدم والقيء ١٤١
إنما الماء من الماء ٦٧، ٦٨
إنما الوضوء على من نام مضطجعًا . ٣٧
إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال.. ١١٣
إنما يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح منه ما أصاب ثوبك منه .. ١٥٣
إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم ١٥٠
أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ٤٠
بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم .. ٦٢
بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي - ﷺ - أمرهم أن يمسحوا ١١
تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه .. ١٣١، ١٤٤
تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أبعة وعشرين ليلة ١٥٨
توضأ وانضح فرجك ١٥٣
[ ٢ / ٢٥١ ]
توضؤا مما مست النار ٥٤
توضؤوا منها ٥٤
توضئي لكل صلاة . ٣١، ١١٧، ١٧٩
تيمم قبل المدينة بميل أو ميلين ثم دخل والشمس مرتفعة فلم يعد ١٢١
ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده.. ٨٧
ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه .. ٨٥
جئت النبي ﷺ بابن لي لم يأكل الطعام فأجلسه النبي ﷺ في حجره.. ١٤١
جعل النبي ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة ٣
الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصلي .. ١٥٧
خذي فِرْصة " أي قطعة من صوف أي خرقة " من مسك فتطهري بها ١٦٦
دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ١٨
دعي الصلاة قدر أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي . ١٦٤، ١٧١
رأيت النبي ﷺ مسح على عمامته وخفيه ١٢
رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما ٢٧
رخص لنا النبي - ﷺ - ٢
الصعيد طهور المسلم ١١٨، ٩٥
صلى وجرحه يثعب دمًا . ٣٥
صلوا في مرابض الغنم ١٤٧
ضرب بكفيه الأرض ومسح شماله بيمينه ويمينه بشماله ثم مسح وجهه . ١١٤
طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا أولاهن بالتراب . ١٢٧
الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير ٦٤
العين وكاء السه، فمنام فليتوضأ ٣٩
غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ٨٠
فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليفعل .. ١٤٢
فاعتزلوا نكاح فروجهن ١٦١
[ ٢ / ٢٥٢ ]
فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر .. ٧٢
فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة ١٨٠
فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ٦٥
فإني كرهت أن أذكر الله على غير طهر . ٧٦
فتلجمي ١٧٨
فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي ﷺ بشحمة أذني يفتلها ٣٧
فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ٥٩
قاء فتوضأ . ٣٤
قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم.. ١٦، ١٠٥
قدم ناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يشربوا.. ١٤٧
كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار ٥٤
كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا ١٦٤
كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون ٣٦، ٣٧
كان رجال من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون.. ٨٠
كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض ١٦٣
كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه (وهو من حراسه) فنزفه الدم..٣٤
كان لا يستنزه من البول ١٤٧
كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه . ٨٢
كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن ينام أو يأكل توضأ ٩٠
كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام.. ٢
كان النبي ﷺ يسلت المني بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا فيصلي ١٤٨
كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه.. ٨٥
كان النبي ﷺ يغسل المني .. ١٤٨
[ ٢ / ٢٥٣ ]
كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ ٤٨
كان النبي ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا ٧٤
كان يتوضأ بمد - وهو ربع الصاع – ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ٨٩
كان يذكر الله على كل أحيانه ٧٥
كان يصبح صائمًا وهو جنب ١٦٤
كانت الصلاة خمسين وكان الغسل من الجنابة سبع مرار، وكان غسل الثوب من البول سبع.. ١٣١
كانت الفتيا التي يقولون (الماء من الماء) رخصةً رخص الله بها ثم أمر بالاغتسال ٧١
كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا . ١٨٢
كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا . ١٧٦
كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم ٥٣
كنا نحيض على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.. ١٦١
كنت أغسل المني من ثوب النبي ﷺ ١٤٨
كنت أفركه من ثوب النبي ﷺ فركًا فيصلي فيه ١٤٨
كنت أنام بين يدي النبي ﷺ وكانت رجلاي في قبلته فإذا . ٤٦
كنت أنام في المسجد في عهد النبي ﷺ ﷺ وكنت فتى شابًا.. ١٢٦
كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما..١٨
لا ١٣٨
لا أحل المسجد لحائض ولا جنب .. ٧٧
لا إنما ذلك عرق وليس بالحيض فإذا أقبلت الحيضة ١٦٩
لا، إنما هو بضعة منك ٤١
لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ٨٤، ٨٨
لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين . ٥٧
لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ١٧٧
لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن ٧٥
لا تقربيني ١٨٤
[ ٢ / ٢٥٤ ]
لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل ٥٦
لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ١٥٦
لا ضرر ولا ضرار ٩٩
لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ٦٠، ٦٣
لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا .. ٣٠
لما أغمي عليه في مرض موته اغتسل بعد أن أفاق .. ٨١
لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات ١٣٦
لما قدم مكة كان أول ما بدأ أن توضأ ثم طاف بالبيت ٦٤
لها ما شربت ببطونها ولنا ما غبر " أي بقى" طهور .. ١٥١
لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولقد رأيت النبي - ﷺ - ٢٧
ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه]، فإن ميتكم ليس بنجس ٥٢
ليصدق بدينار أو نصفه ١٦٢
ليطلقها طاهرًا أو حاملًا ١٥٧
ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ٣
ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم ٣٥
الماء طهور لا ينجسه شيء . ١٥١
مسح أعلى الخف وأسفله ٢٨
مسح على الجوربين والنعلين ١١
المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة ٤
مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر ٢٨
مسح على نعليه وقدميه ١٨
مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم .. ٦٥
من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن ٣٤
من غَسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ . ٥٢، ٨١
من مس ذكره فليتوضأ ٤٠
[ ٢ / ٢٥٥ ]
من مس فرجه فليتوضأ ٤٠
من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ١٢٤
النساء شقائق الرجال ١٤
نعم إذا توضأ فليرقد ٩٠
نعم إذا رأت الماء .. ٦٨، ٨١
نعم فتوضأ من لحوم الإبل . ٥٤
نعم وما شئت ٣
نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ٦١
نهى عن الجلالة ١٣٤
وأما الرجل فلينشر شعره فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ٨٣
وأن لا يمس القرآن إلا طاهر ٦١
وتتوضأ لكل صلاة ١٧٨
وجعلت تربتها لنا طهورًا .. ١١٠
ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا ٧٦
ولو استزدناه لزادنا ٤
يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ٩٩
يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره . ١٤٩
يضعون جنوبهم ٣٨
يغسل ذكره وأنثييه . ١٥٣
يغسل ذكره ويتوضأ ٣٠، ١٥٣
يكفيك الماء ولا يضرك أثره ١٣٢
[ ٢ / ٢٥٦ ]