"وميقات أهل المدينة ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب والجحفة "
الجحفةَ.
"الجحفةَ، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد قرن، وأهل المشرق ذات عرق، وهي لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم، ومن حج من أهل مكة فمنها، وعمرته من الحل، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة".
يقول -رحمه الله تعالى-:
[ ٧ / ٢٤ ]
"باب: المواقيت" الباب في الأصل من يدخل منه ويخرج معه، هذا هو الأصل، وفي العرف الخاص في الاصطلاح عند أهل العلم ما يشتمل على مسائل علمية، ويكون تحته فصول غالبًا، والمواقيت: جمع ميقات كمواعيد وميعاد، وهو ما حد ووقت للعبادة من زمان ومكان، والتوقيت التحديد، والمراد به هنا ما حدده الشارع للإحرام من الأماكن.
فيقول -رحمه الله تعالى-:
"ميقات أهل المدينة ذو الحليفة" .. إلى آخر ما ذكره مما حدده الشارع من الأماكن التي يحرم منها أهل تلك الجهات المذكورة، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة» فذو الحليفة ميقات أهل المدينة، هو بضم الحاء المهملة بعد اللام مثناة تحتية، وفاء تصغير حلفة، والحلفة واحدة الحلفاء، نبت في الماء، وهو مكان معروف بينه وبين مكة عشرة مراحل، أربع مائة كيلو تقريبًا، وهي من المدينة على فرسخ، وهو أبعد المواقيت عن مكة، قيل: الحكمة في ذلك لتعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن المدينة أقرب الآفاق التي وقت لها مواقيت إلى مكة.
والجحفة ميقات أهل الشام، بضم الجيم وسكون الحاء ففاء، سميت بذلك لأن السيل اجتحفها، أو اجتحف أهلها الذين هنالك، وهي من مكة على ثلاث مراحل، وتمسى مهيعة، كانت قرية قديمة، وهي الآن هي خراب، بل هي خراب من قديم، ولذا يحرم الناس من رابغ قبلها بقليل.
قرن المنازل ميقات أهل نجد، بفتح القاف وسكون الراء، بينها وبين مكة مرحلتان، ويعرف الآن بالسيل، ضبطه الجوهري بفتح الراء قرَن، ونسب إليها أويسًا، وغلطوه في ذلك، بل بالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، وإن كان صاحب المطالع يجوز الفتح، المطالع مطالع الأنوار لمن؟ نعم لابن قرقول.
[ ٧ / ٢٥ ]
ويلملم مقيات أهل اليمن بفتح التحتانية وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم، مكان على مرحلتين من مكة، ويقال له: ألملم بالهمز، وهو الأصل والياء تسهيل، وحكى ابن السيد فيه: يرمرم، برائين بدل اللامين، كذا ضبطه ابن السيد وإلا كيف؟ ها؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
ضبطه بإيش؟
طالب:. . . . . . . . .
لا غيره هذا، هذا أخر. . . . . . . . .
ها؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا ما هو بسيد، السِيد ويش معناها؟ ها؟ إيش معنى السِيد؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
صحيح الذئب اسمه.
طالب:. . . . . . . . .
ها؟
طالب:. . . . . . . . .
له شرح أدب الكتاب، الاقتضاب، وله كتب كثيرة، مكثر هو.
[ ٧ / ٢٦ ]
وذات عرق، وهي بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف، سمي بذلك لأن فيه عرقًا وهو الجبل الصغير بينه وبين مكة مرحلتان، اختلف فيمن جعله ميقات لهم، هل توقيت ذات عرق لأهل المشرق من قبل النبي -﵊- أو عمر -﵁- اجتهد فوقت لهم ذات عرق؟ في صحيح البخاري عن ابن عمر -﵄- قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر -﵁- فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله -ﷺ- حد لأهل نجد قرن، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فنظروا حذوها من طريقهم فحد لهم ذات عرق، روى أبو داود والنسائي عن عائشة -﵂- أن النبي -﵊- وقت لأهل العراق ذات عرق، وهو حديث لا بأس به، والحديث الأول يدل على أن الذي وقته عمر -﵁-، والثاني يدل على أن الذي وقته هو النبي -﵊-، يقول المجد ابن تيمية في المنتقى: "والنص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة كغيره" يعني النص المرفوع إلى النبي -﵊- ليس في القوة كغيره "فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر -﵁- على وفقه" ليس في القوة كغيره فإن ثبت فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر -﵁- على وفقه، فإنه كان موفقًا للصواب، وكأن عمر -﵁- لم يبلغه الحديث فاجتهد بما وافق النص، ثم انعقد الإجماع على ذلك، يعني إن ثبت فقد يخفى النص على عمر -﵁-، خفيت عليه نصوص على جلالته وعظم قدره ومنزلته، ويكون اجتهد فوافق اجتهاده النص، هذا إن ثبت وإن لم يثبت النص المرفوع فيكفينا اجتهاد عمر -﵁-؛ لأنه من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاستنان بسنتهم، والعض عليها بالنواجذ، ثم انعقد الإجماع على ذلك روى أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -﵊- وقت لأهل المشرق العقيق، لكنه ضعيف، في سنده يزيد بن أبي زياد، قد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، وهذه المواقيت لأهل تلك الجهات كما في الحديث: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» فيشمل العراقي مثلًا إذا مر على قرن، ويشمل الشامي إذا مر على ذي الحليفة، فإذا مر الشامي مثلًا
[ ٧ / ٢٧ ]
على ذي الحليفة يلزمه الإحرام منه، والعراقي إذا مر بقرن المنازل لزمه الإحرام منه؛ لأن الرسول -﵊- يقول: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» عندنا جملتان: «هن لهن» هذا هو الأصل أن هذه المواقيت لهذه الجهات، الجملة الثانية: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» الإشكال يمكن تصوره في عراقي مر على ميقاته فتجاوزه، وقال: أُحرم من ميقات دونه هو أقرب منه إلى مكة، أو شامي مر بذي الحليفة وقال: أتجاوزه إلى ميقاتنا أقرب إلى مكة، مقتضى قوله: «هن لهن» أنه يسوغ له ذلك؛ لأنه من أهل تلك الجهة التي حدد لها هذا المكان، ومقتضى الجملة الثانية أنه لا يسوغ له أن يتجاوز الميقات الذي مر عليه أولًا بدون إحرام، فإذا مر الشامي بذي الحليفة وتجاوزه إلى الجحفة قال: أريد أن أحرم من ميقاتنا الذي حدد لنا بدلًا من أن أحرم أربعمائة كيلو أحرم سبعين ثمانين مائة كيلو أيسر، لا شك أن هذه أيسر له، لا سيما إذا كان الجو بارد، هل يسوغ له ذلك؟ مقتضى الجملة الأولى يسوغ له ذلك، وعلى مقتضى الجملة الثانية أنه لا يجوز له أن يتجاوز الميقات الذي مر به دون إحرام، والجمهور يلزمونه بدم في مثل هذه الصورة؛ لأنه تجاوز الميقات دون إحرام، فإذا مر على غير ميقاته فهو الميقات بالنسبة له؛ لأن هذه المواقيت حددت لأهل تلك الجهات ومن مر بها، فهي ميقاته في الحقيقة، والإمام مالك -رحمه الله تعالى- يسوغ له ذلك، وإن كان الأولى عنده أن يحرم من ذي الحليفة.
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يميل إلى رأي مالك، وأنه ما دام أحرم مما حدد له شرعًا فلا داعي لتكليفه أكثر من ذلك، الشرع حدد له ووقت له وهو متصف بهذا الوصف، وهو من أهل الشام أحرم من الجحفة والنص قال: "ولأهل الشام الجحفة" نعم، فعلى رأي مالك لا يلزمه شيء، وهو اختيار الشيخ -﵀-، وهذه المواقيت عينت لأهل تلك الجهات قبل أن تفتح، غالبها لم يفتح، وفي هذا علم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزاته -﵊-؛ لأن توقيتها يدل على أنها سوف تفتح، ويحج أهلها، ويصيرون مسلمين بعد أن كانوا كفارًا.
[ ٧ / ٢٨ ]
ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ومن حج من أهل مكة فمنها وعمرته من الحل" تقدم في الخبر أن من كان دون المواقيت فإنه يحرم من حيث أنشأ، حتى أهل مكة يحرمون من مكة، وهذا دال على أن أهل مكة يحرمون منها، ولا يلزمهم أن يخرجوا إلى الميقات ولا إلى الحل، وأن مكة ميقاتهم سواء كانوا من أهلها أو من المجاورين أو الواردين إليها، فمقتضى النص أنهم يحرمون من مكة، ويستوي في ذلك الحج والعمرة، هذا ظاهر اللفظ، فالنص شامل للحج والعمرة ورجحه
[ ٧ / ٢٩ ]