دخول رمضان برؤية الهلال – على من يجب الصوم
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الناس إذا قدم شهر رمضان وقبله بقليل يقولون: كل عام وأنتم بخير، هل تشرع هل حكمها مثل الأعياد؟
على كل حال، التهنئة بما يسر له أصل في الشرع، وبالألفاظ التي لا محظور فيها.
يقول: هل تجوز قراءة القرآن أثناء وقت الدوام، خصوصًا أن هناك متسعًا في بعض الوقت، فهل أحصل على الأجر وهل يكون كاملًا أو منقوصًا.
الدوام ملك للمستأجر، وحينئذ يكون ملك للأمة، فإذا كان لا يؤثر على عملك، وأنت ليس عندك عمل في وقت من الأوقات فاستغله بما ينفعك من قراءة قرآن، وأذكار وغيرها، والله المستعان.
اللهم صلي على محمد.
سم.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف -﵀- تعالى: كتاب الصيام:
يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، وإن رؤي نهارًا فهو لليلة المقبلة،
كمل، كمل.
وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، ويصام برؤية عدل ولو أنثى، وإن صاموا بشهادة واحدة، بشهادة واحدة.
بشهادة واحد، بشهادة واحد،
وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله أو رأى هلال شوال صام، ويلزم الصوم لكل مسلم.
يكفي، يكفي بركة.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -﵀- تعالى: كتاب الصيام:
يجب صوم رمضان برؤية هلاله، برؤية هلاله
الصيام يجب بأحد أمرين: الأول: رؤية الهلال، ولو من قبل واحد عدل من المسلمين، ولو كان امرأة، فثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي -﵊- قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، وثبت عن ابن عمر -﵄- قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي -ﷺ- أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه".
[ ٢ / ١ ]
ويشهد له حديث الأعرابي الذي شهد عند النبي -ﷺ- بأنه رأى الهلال، فقال النبي -﵊-: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال: نعم، فأمر بالصيام.
فالهلال إذا رآه عدل ولو واحد ولو كان امرأة بالنسبة لدخول الشهر وجب الصيام به، يعني برؤيته، وأما خروج الشهر وانتهاؤه فلا بد من شاهدين عدلين كسائر الشهور، فسائر الشهور لا تثبت إلا بشهادة عدلين لما جاء عنه -﵊- أنه قال: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا، فصوموا وأفطروا».
ويشهد له حديث الحارث بن حاطب -﵁- أنه قال: "عهد إلينا رسول الله -ﷺ- أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما".
وعن ربعي بن حراش لما رواه أبو داود عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: "اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي -ﷺ- بالله لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله -ﷺ- الناس أن يفطروا.
فالصيام ودخول الشهر يثبت بواحد، وأما خروجه كسائر الشهور لا يثبت إلا باثنين، وسبب التفريق الاحتياط لهذه العبادة التي هي ركن من أركان الإسلام، والملحوظ في ذلك أن ثبوت الشهر ولزوم الصيام كأنه ليس من باب الشهادات التي يطلب لها العدد، وإنما هو من باب الإخبار، فتفترق الشهادة مع الإخبار بأمور منها أن الشهادة يطلب لها العدد، ويطلب لها شهادة الأحرار، بينما الأخبار لا يطلب لها العدد، فتثبت الأخبار بقول واحد، ولو امرأة، ولو عبد، فدخول الشهر خبر، خبر شرعي، كرواية الحديث، تثبت برواية واحد، وكما أن شهر الشهر يثبت برؤية واحد، وبالنسبة لخروجه، دخول شهر شوال، شوال كغيره من الشهور، تترتب عليه أحكام، بعضها متعلق بحقوق الله -﷾-، وبعضها متعلق بحقوق العباد، فهي تحتاج إلى شهادة، وأما رمضان فأعظم عمل فيه الصيام، فهو إلى الأخبار أقرب، والعمدة في ذلك ما جاء عنه -﵊- من حديث ابن عمر والأعرابي.
[ ٢ / ٢ ]
بعض الناس من باب الاحتياط للعبادة قد يتساهل في هذا الباب ويدعي أنه رأى الهلال، وهو في الحقيقة لم يره، ويزعم أنه لا يضر الناس أن يصوموا زيادة يوم، وأن يكفوا عن الشرور الأمور التي كانوا يزاولنها قبل الصيام، نقول: هذا حرام، وهذه حجة من كذب على النبي -﵊-، مدعيًا أنه يكذب له لا عليه، فالدين ليس بحاجة إلى ترويج من أمثال هؤلاء.
من رأى الهلال ولم يُعمل بشهادته، من رأى الهلال ولم يعمل بشهادته، ردت شهادته، هل يجب عليه أن يصوم؟ لأن الحديث الصحيح: «صوموا لرؤيته» وقد رآه، وهل له أن يفطر إذا رأى هلال شوال؟
الذي مشى عليه المؤلف أنه إذا ردت شهادته أنه عليه أن يصوم، ولو وحده، لكن الصحيح أنه يصوم مع الناس ويفطر مع الناس لحديث: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» وهو حديث حسن.
مما يجب به صيام رمضان إن لم ير الهلال، يجب صيام رمضان بإكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا، لقوله -﵊-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» وهذا نص صحيح صريح مفسر، «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» وهنا يقول في الكتاب: فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، هذا لا إشكال فيه، إن كانت صحو، يقول: وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، فظاهر المذهب يجب صومه، والحديث الذي في الصحيحين: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» فعلق الصوم بالرؤية، «فإن غم عليكم» نص في الباب، «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» وهذا الحديث مخرج في الصحيح من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٣ ]
وروى مسلم من حديث ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين» أيضًا هذا نص في الموضوع، وبهذا يفسر حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له» هذا نص مجمل، «فاقدروا له» يحتمل أن يكون معناه: احسبوا له المدة المفسرة في الروايات الأخرى، وهي ثلاثين يومًا، والتقدير هو الحساب، احسبوا له المدة المفسرة في الروايات الأخرى وهي ثلاثون يومًا، ويحتمل أيضًا أن معنى اقدروا: ضيقوا عليه، ضيقوا شهر شعبان، وتضييقه يكون بتسعة وعشرين.
لكن هذا الاحتمال ترده الروايات الصحيحة الصريحة، فإذا لم ير الهلال لغيم أو قتر فإنه حينئذ لا يجوز الصيام لماذا؟ لأنه هو يوم الشك الذي صح النهي عنه في حديث عمار -﵁- قال: "من صام هذا اليوم –يعني الذي يشك في من شعبان أو رمضان – فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-" رواه أهل السنن بإسناد صحيح. "من صام هذا اليوم –يعني يوم الشك– فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-".
وما اختاره المؤلف هنا أنه يصام، لا شك أنها رواية في المذهب، وإن قال المؤلف أنها ظاهر المذهب، وفي بعض النسخ من الزاد: فظاهر المذهب يجوز صومه، عندنا في الرواية هنا في النسخة المطبوعة معنا: فظاهر المذهب يجب صومه، وعليها أكثر النسخ، لكن في بعض النسخ: فظاهر المذهب يجوز صومه، والصواب أنه لا يجوز صومه، لماذا؟ لأنه هو يوم الشك الذي جاء في حديث عمار، فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-.
هم يقولون: بأنه يجب صومه احتياطًا، إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر فإنه يجب الصوم احتياطًا، لاحتمال أن يكون الهلال قد ظهر لكن لم ير لوجود الغيم أو القتر أو لغير ذلك، يستدلون على ذلك أن ابن عمر -﵄- كان إذا كان يوم الثلاثين من شعبان، وحال دونه غيم أو قتر أصبح صائمًا، وهذا لا شك أنه من احتياط ابن عمر الذي لم يوافق عليه، له احتياطات، وله اجتهادات لم يوافق عليها، وله تشديدات معروفة، كان يدخل الماء في عينيه حتى عمي، وهذا من احتياطه، وأخباره في هذا كثيرة، وهو لا شك أنه من أهل الاحتياط.
[ ٢ / ٤ ]
الاحتياط الذي يؤدي إلى فعل محظور كما هنا، فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-، الاحتياط الذي يؤدي إلى فعل محظور أو ترك مأمور، قال شيخ الإسلام -﵀- تعالى: "الاحتياط في ترك هذا الاحتياط" "الاحتياط في ترك هذا الاحتياط".
وعلى كل حال فعل ابن عمر اجتهاد منه، وهو في مقابل نص صحيح صريح، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم -ﷺ-.
ثبت عنه -﵁- أنه كان يفارق مجلس العقد خشية أن يستقيله البائع أو المشتري، وقد صح النهي عن ذلك، ثبت عنه أنه كان يكفكف دابته لكي تقع أخفافه على أخفاف أو مواطئ أخفاف ناقة النبي -﵊-، وكان يتتبع الآثار التي نزل بها النبي -﵊-، ويظن أن هذا يدخل في الاقتداء، له اجتهادات وتشديدات لم يوافق عليها، ولم يفعلها من هو أفضل منه من الصحابة -رضوان الله عليهم-، وحينئذ فلا بد من الرؤية أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
والرؤية المراد بها ما كان بالعين المجردة؛ لأنها هي الأصل، هذا الأصل، لكن لو استعمل فيها ما يساعد على الوضوح كالدرابيل والمراصد مثلًا، فالأدلة تدل على عدم تكليف الناس بذلك؛ لأن الله -سبحانه تعالى- لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، فليست الأمة مأمورة بأن تجعل المراصد، والدرابيل من أجل رؤية الهلال، إن رؤي بالعين المجردة، وإلا أصبح الناس مفطرين، لكن لو استعمل، من طالع الهلال بواسطتها وجزم بأنه رآه بعد غروب الشمس وهو مسلم عدل، فقد قال الشيخ عبد العزيز -﵀-: "لا أعلم مانعًا من العمل برؤية الهلال؛ لأنها من رؤية العين المجردة"، فهو رأى الهلال بعينه، لكن بواسطة هذه الآلات، فالهلال موجود قطعًا، لكن نعلم أننا لسنا مكلفين باستعمال هذه الآلات، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، هذا الأصل، لكن لوا استعملت فالشيخ -﵀- لا يعلم مانعًا من العمل برؤية الهلال بواسطة هذه الآلات يقول: لأنها من رؤية العين المجردة.
[ ٢ / ٥ ]
وأما الحساب فلا يعول عليه، ولا يعتمد على التقاويم في دخول الشهر ولا خروجه، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- الإجماع على أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة، ونقل ابن حجر في فتح الباري عن أبي الوليد الباجي إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب وإجماعهم حجة على من بعدهم.
«صوموا لرؤيته» الخطاب للأمة، الخطاب للأمة، «صوموا لرؤيته»، وإن كان في الأصل الخطاب لمن حضره -﵊- لكن من غاب عنه في حكمه؛ لأن خطابه للواحد خطاب للجميع، «صوموا لرؤيته».
هنا مسألة وهي مسألة اختلاف المطالع، هل هذا الخطاب للأمة بكاملها؟ أو خطاب لمن تتصور رؤيته للهلال؟ بمعنى أنه لو رؤي الهلال رآه المسلم في أقصى المشرق هل يلزم أهل المغرب الصيام وإن لم يروه؟ أو العكس؟ أو نقول: كل بلد، وكل إقليم له رؤيته، وهذه مسألة معروفة عند أهل العلم، مسألة اختلاف المطالع، والمطالع اختلافها معلوم بالضرورة حسًا وعقلًا، لا شك أن الهلال يُرى في بلد، ولا يُرى في بلد آخر، يرى في إقليم ولا يرى في إقليم آخر، لكن هل هذه الاختلاف له أثر في الحكم؟ بمعنى أنه إذا رؤي في الإقليم الفلاني يلزم الناس، يلزم الأمة كلها على وجه الأرض الصيام، وقد تمت رؤيته من قبل المسلمين، واللفظ يحتمل.
أو النص يتجه إلى من تمكنه الرؤية، تمكنه الرؤية، واللفظ أيضًا يحتمل، وقع الخلاف بين علماء المسلمين باعتبار اختلاف المطالع في ابتداء صوم شهر رمضان والفطر منه، وعدم اعتباره، وسبب ذلك، سبب الخلاف أولًا: اختلاف المطالع معروف، معلوم بالضرورة حسًا وعقلًا، معروف أن الهلال لا يرى في الدنيا كلها، نعم المطالع مختلفة، لكن هل لهذا الاختلاف أثر في الحكم الشرعي؟
العلماء يقولون: هذه المسألة من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والخلاف فيها سائغ، لماذا؟ لأن لفظ الحديث: «صوموا لرؤيته» يحتمل، «صوموا» أيها المسلمون كلكم لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، وعلى هذا إذا رؤي الهلال، على هذا الفهم إذا رؤي الهلال في أي قطر من أقطار المسلمين فإنه يلزم المسلمين الصوم في جميع أقطار الأرض.
[ ٢ / ٦ ]
والاحتمال الثاني أنه ممن تمكنه الرؤية وتتصور له الرؤية، وتتصور له الرؤية، على كل حال هذه المسألة من المسائل النظرية التي فيها مجال للاجتهاد والخلاف فيها سائغ؛ لأن قوله -﵊-: «صوموا لرؤيته» يحتمل الأمرين: أن يكون خطابًا لجميع الأمة بكمالها، وأن يكون خطابًا لمن تمكنه الرؤية، ومشى هو على أن اختلاف المطالع لا أثر له في الحكم.
وقال: وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، العلماء اختلفوا في هذه المسألة قديمًا وحديثًا على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، وقال: لكل أهل بلد رؤيتهم، ومنهم من لم يعتبر ذلك، فإذا رأى الهلال المسلم العدل في أي بلد من بلدان المسلمين لزم الناس، أو لزم المسلمين كلهم الصوم، بعدوا أو قربوا، واستدل الفريقان بالنص الواحد، الفريقان استدلوا بالنص الواحد: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة]، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [(١٨٩) سورة البقرة]، والهلال واحد.
مجلس الهيئة، هيئة كبار العلماء في هذه البلاد يرون أن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المذكورين، يعني إذا ترجح لدى علماء هذه البلاد مثلًا القول الأول لهم أن يعملوا به، وإذا ترجح لديهم القول الثاني عملوا به، وهكذا في سائر البلدان على ما يترجح عندهم؛ لأن المسألة اجتهادية.
[ ٢ / ٧ ]
يقول: إذ لكل منهما أدلته ومستنداته والخلاف في هذه المسألة ليست لها آثار تخشى عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنًا، لا يعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة، ولا شك أن النبي -ﷺ- حين قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» لم يقصد أهل المدينة فقط، وإنما قصد عموم المسلمين، كما أنه لم يقصد بالضرورة مخاطبة كل شخص بعينه، هذا ضرورة، «صوموا لرؤيته»، هل المقصود كل شخص يصوم لرؤيته؟ لرؤية نفسه، هذا بالضرورة، معروف أن هذا ليس المقصود، وأيضًا أهل المدينة وإن كان الخطاب متجهًا لهم؛ لأنهم هم الذين يوجه لهم الخطاب، فالخطاب من شرطه أن يكون لحاضر وفي حكمه الغائب.
من الأدلة التي يحتج بها من قال باختلاف المطالع، أو باختلاف الرؤية تبعًا لاختلاف المطالع ما رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: "فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبدالله بن عباس -﵄- ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله -ﷺ-".
فهذا يدل على أن ابن عباس -﵄- يرى أن الرؤية لا تعم، وأن لكل أهل بلد رؤيتهم، إذا اختلفت المطالع، وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام، وقال آخرون: لعله لم يعمل برؤية أهل الشام؛ لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل بها في الدخول، وفيه نظر.
الآن الشهادة التي أدلى بها كريب عند ابن عباس، عند ابن عباس في أول الشهر وإلا في آخره؟
طالب: أوله.
وقت الكلام، وقت الكلام، كلام كريب لابن عباس في آخر الشهر، لكن هذا الكلام مبني على الرؤية التي حصلت في أول الشهر، مبني على الرؤية التي حصلت في أول الشهر.
[ ٢ / ٨ ]
ننظر إلى قول هؤلاء، وقال آخرون: لعله لم يعمل برؤية أهل الشام؛ لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل بها في الدخول، وفيه نظر؛ لأن كريبًا شهد أنه رآه في الدخول لا في الخروج، والخروج تابع للدخول، ففيه دلالة قوية على نسبة القول بالعمل باختلاف المطالع، لا سيما وقد نسبه إلى الرسول -ﷺ-؛ لأن ابن عباس يقول: هكذا أمرنا رسول الله -ﷺ-.
وعلى كل حال المسألة فيها شيء من السعة، وإن كان على القول باختلاف الرؤية تبعًا لاختلاف المطالع هو القول المتجه.
يقول: إن رؤي نهارًا فهو الليلة المقبلة، تراءاه الناس عند غروب الشمس فلم يروه، فلما أصبحوا رأوه لا شك أنه لليلة المقبلة.
يقول: فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا.
كأنه جعل الصيام بشهادة واحد كالصيام لأجل الغيم للاحتياط، لا أنه حكم ملزم تترتب عليه آثاره، إذا قلنا: إن شهادة الواحد حكم ملزم تترتب عليه آثاره، فإذا أتموا الثلاثين خلاص يفطرون، ولو لم يروا هلال شوال؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين، وهنا كأنه جعل شهادة الواحد مثل تغليب الظن بظهور الهلال ليلة الثلاثين من شعبان مع وجود الغيم، كل هذا من باب الاحتياط.
يقول: فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا، ومن رأى وحده هلال رمضان رد قوله أو رأى هلال شوال صام، ويلزم الصوم إلى آخره.
إذا رأى الهلال وحده رد قوله، سواءً كان في دخول الشهر أو في خروجه، المرجح عند المؤلف أنه يصوم؛ لأنه تحقق فيه الشرط، رأى الهلال، شهد الشهر فيلزمه الصيام، لكن رأى الهلال متأكد فرد قوله، نفترض أنه شخص فاسق، ورأى الهلال دون تردد أنه الهلال، تقدم لإدلاء شهادته فردت شهادته، يقولون: يلزمه الصوم، ومثله لو رأى هلال شوال فردت شهادته يلزمه الصوم، هل القول مطرد أو غير مطرد؟ قوله مطرد وإلا غير مطرد؟
طالب: غير.
[ ٢ / ٩ ]
غير مطرد، إذ لو كان قوله مطردًا لعمل برؤيته في آخر الشهر كما عمل بها في أول الشهر، لكن كل هذا من باب الاحتياط، وإلا الصوم حينما يصوم الناس والفطر كذلك، يقتضي أن من ردت شهادته لا يصوم، بل يصوم مع الناس، وكأن مرد هذه المسألة إلى اتهام النفس، إلى اتهام النفس، وإلا فالقول المتجه أنه يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وماذا لو رأى هلال ذي الحجة، وردت شهادته، وأكمل شهر القعدة ثلاثين وقد رأى الهلال رؤية لا يشك فيها، هل يقف قبل الناس؟ نعم؟ لا يجوز له أن يقف قبل الناس، لا يجوز له أن يقف قبل الناس؛ لأن المسألة حكم شرعي، وماشي مع الناس، حكمه حكم الأمة.
نعم.
طالب:
كأن هذا هو الظاهر في الصيام والفطر مع الناس.
طالب: ما يقال أن العبادة في الصيام فيها شك، أما الحج فهي عامة، لا يمكن أن يقوم بالحج.
لكن ماذا عن لو رأى هلال شوال يفطر وإلا يصوم؟
طالب: بس الفقهاء. . . . . . . . .
هو يقول يصوم، يقول: ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله أو رأى هلال شوال صام، وهذا كله عندهم مبني على الاحتياط، يحتاط للصيام، لكن لو صار رمضان كامل، هل يلزم الشخص أن يصوم واحدًا من ثلاثين يومًا؟ هل يتصور أن يكون الشهر واحد وثلاثين؟ لا يمكن، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
لنفسه، لنفسه، لنفسه؟
طالب:
حتى الواحد يشترط فيه العدالة، وهذا فاسق، المسألة افترضناها في الفاسق مثلًا ردت شهادته، نعم.
طالب:
صام يوم العيد نفس الشيء، نعم.
طالب: القول: صوموا لرؤيته، ما تفسير لرؤيته؟
رؤيته خطاب لشخص بمفرده أو للأمة؟ «صوموا»؟
طالب:
شهد بمعنى حضر، ما هو برأى، شهد يعني حضر في مقابل السفر، الشهود في مقابل السفر هنا، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى نعم، على كل حال المسألة اجتهادية.
[ ٢ / ١٠ ]
ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرًا، ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا، ويسن لمريض يضره ولمسافر يقصر، وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر، وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفًا على أنفسهما قضتا فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا.
يكفي.