قوله: [وأركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ، والتسليمتان] .
ركن الشيء في اللغة جانبه الأقوى، والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وأركان الصلاة من أجزائها، والفرق بين الشرط والركن، أن ركن الشيء جزء منه داخل فيه، وأما الشرط، فليس من أجزائه، بل هو إما متقدّم عليه ومصاحب له كالطهارة، أو مصاحب له كاستقبال القبلة.
[ ٤٣ ]
قوله: [الركن الأول: القيام مع القدرة، والدليل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]] .
يجب في صلاة الفرض أن يصلي المرء قائمًا إذا كان قادرًا على القيام، ومن صلى جالسًا مع قدرته عليه لم تصح صلاته، ويدل لذلك حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". رواه البخاري (١١١٧) .
أما في صلاة النافلة، فيجوز أن يصليها وهو جالس، وأجره على النصف من أجر القائم، والأفضل أن يصليها قائمًا ليحصل الأجر كاملًا، لحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ في ذلك، أخرجه مسلم (٧٣٥)، وإذا لم يستطع المريض أن يصلي قائمًا، فصلى الفرض والنفل جالسًا فله الأجر
[ ٤٤ ]
كاملًا، لقوله ﷺ في حديث أبي موسى ﵁: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". رواه البخاري (٢٩٩٦) .
قوله: [الثاني تكبيرة الإحرام، والدليل حديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"] .
تكبيرة الإحرام، أول تكبيرات الصلاة، وهي في الصلاة كالإحرام في الحج والعمرة، وإنما سميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم على المصلي إذا دخل في صلاته بهذه التكبيرة، أمورٌ كانت حلالًا له قبل ذلك كالأكل والشرب والكلام وغير ذلك، ولهذا قال ﷺ: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم". رواه الترمذي وغيره عن علي ﵁ وقال (٣): هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وانظر إرواء الغليل (٣٠١) .
قوله: [وبعدها الاستفتاح، وهو سنّة، قول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى
[ ٤٥ ]
جدك، ولا إله غيرك". ومعنى (سبحانك اللهم): أي أنزهك التنزيه اللائق بجلالك. (وبحمدك): أي ثناء عليك. (وتبارك اسمك): أي البركة تنال بذكرك. (وتعالى جدك): أي جلّت عظمتك. (ولا إله غيرك): أي لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله] .
الاتيان بدعاء الاستفتاح سرًا بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة من سنن الصلاة ومستحباتها، وقد ثبت عن النبي ﷺ بصيغ متعدّدة، يأتي المصلي بأحدها في صلاته، ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، وهذا الذي ذكره الشيخ أحدها وهو عن عمر وعائشة وأبي سعيد ﵃، وانظر إرواء الغليل (٣٤٠) و(٣٤١)، ثم إن الشيخ ﵀ شرح هذا الدعاء، وفي الجمع بين التسبيح والتحميد تنزيه الله ﷿ عن كلّ ما لا يليق به، وإثبات كل كمال يليق به، و(تبارك) على وزن تفاعل، من البركة، وكل خير
[ ٤٦ ]
وبركة إنما ينال بذكره ﷾، كما قال الله ﷿: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقال ﷺ: "مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت". رواه البخاري (٦٤٠٧) من حديث أبي موسى ﵁، ويحتمل أن يكون المراد بالاسم الأسماء، فيكون من قبيل إضافة المفرد إلى معرفة، فيعم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾، و(تعالى جدك) هو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾، وهذه الكلمات الثلاث، التي جاءت في هذا الدعاء وهي (سبحانك) و(تبارك) و(تعالى)، لا تقال إلاّ لله تعالى، فلا يقال لغيره: سبحانك، وتباركت، وتعاليت، ولا سبحانه وتبارك وتعالى.
قوله: [(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): معنى (أعوذ): ألوذ وألتجىء وأعتصم بك يا الله من
[ ٤٧ ]
الشيطان الرجيم، المطرود، المبعد عن رحمة الله؛ لا يضرّني في ديني، ولا في دنياي] .
وبعد الاستفتاح وقبل القراءة يأتي بالاستعاذة، وقد ذكرها الشيخ وشرحها، وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، أي: إذا أردت قراءته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة".
قوله: [وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، كما في حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهي أم القرآن] .
قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، لقوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". رواه البخاري
[ ٤٨ ]
(٧٥٦) ومسلم (٣٩٣) . والمأموم يقرؤها خلف إمامه في الصلاة السرية والجهرية، ويدل لقراءتها خلفه في الجهرية حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعلكم تقرؤون خلف الإمام والإمام يقرأ"، قالوا: إنا لنفعل ذلك. قال: "فلا تفعلوا، إلاّ أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب "، أو قال: "فاتحة الكتاب". رواه أحمد في مسنده (١٨٠٧٠) بإسناد صحيح، وجاء مثل ذلك من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث، فأمن تدليسه، رواه أحمد في المسند (٢٢٧٤٥)، ويجمع بين هذا وبين ما جاء من حديث انتهاء الناس عن القراءة خلف الإمام، وحديث: "من كان له إمام فقراءته قراءة له"، وحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، بحمل ذلك على قراءة غير الفاتحة.
ثم إن الشيخ ﵀ فسّر الفاتحة تفسيرًا موجزًا
[ ٤٩ ]
فقال:
[﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: بركة واستعانة] .
والمعنى أن المسلم يأتي بالبسملة تبركًا باسم الله ومستعينًا بالله في قراءته، وكذلك الحال في أي شيء يأتي بالتسمية قبله، يأتي بها تبركًا واستعانة، ويقرأ البسملة سرًّا، والبسملة آية من القرآن، وهل هي آية من كل سورة؟ أو آية مستقلة للفصل بين السور، وهل هي آية من سورة الفاتحة أو ليست منها؟ أقوال لأهل العلم، ويدل على أنها من القرآن أن الصحابة أدخلوها في المصحف، ولم يدخلوا فيه إلاّ ما هو قرآن، وجاء في سنن أبي داود بسند صحيح (٧٨٨) عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
ولا خلاف بين أهل العلم في أن البسملة بعض
[ ٥٠ ]
آية في أثناء سورة النمل، وسورة الفاتحة سبع آيات، فمن قال من العلماء إنها آية من الفاتحة عدَّ البسملة في السبع، ومن قال إنها ليست من الفاتحة، جعل السابعة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، ومما استدل به على أن البسملة ليست آية من الفاتحة قوله ﷺ في الحديث القدسي: "قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي " الحديث، رواه مسلم عن أبي هريرة (٣٩٥)، فلم يذكر البسملة فيها.
قوله: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه: فالثناء به يسمى مدحًا لا حمدًا] .
حمد العباد ربّهم عبادةٌ، وهو من توحيد الألوهية
[ ٥١ ]
الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، والله ﷾ هو أهل الحمد والثناء على كل نعمة حصلت للعباد، سواء كان لأحد من العباد سبب فيها أو لم يكن، لأن الفضل في ذلك كلِّه لله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك"، فجميع المحامد على الحقيقة لله فهو سبحانه وحده المحمود على كل حال، وأما العباد، فما كان منهم من جميل اختياري كالبر والإحسان وفعل المعروف فإنهم يحمدون ويثنى عليهم فيه، وما كان فيهم من جميل لا صُنع لهم فيه، كالجمال وحُسن الخِلقة فإنهم يُمدحون فيه ولا يحمدون عليه.
قوله: [﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الرب: هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلق
[ ٥٢ ]
بالنعم. "العالمين": كل ما سوى الله عالم وهو رب الجميع] .
وهذا فيه توحيد ربوبيته وأسمائه وصفاته، فإن توحيد الربوبية، توحيده بأفعاله ﷾، فهو واحد في الخلق والرَّزق والإحياء والإماتة، لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، وله ﷾ الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وقد جاء في هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اسمان من أسماء الله وهما "الله، والرب"، وقد قال الله ﷿: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] .
قوله: [﴿الرَّحْمَنِ﴾: رحمة عامة جميع المخلوقات. ﴿الرَّحِيمِ﴾: رحمة خاصة بالمؤمنين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾] .
الرحمن والرحيم: اسمان من أسماء الله، وهما يدلان على صفة من صفاته وهي الرحمة، وأسماء الله
[ ٥٣ ]
﷿ كلّها مشتقة، تدل على معان هي الصفات، فيؤخذ من كل اسم من أسمائه صفة من صفاته، والرحمن أعم من الرحيم؛ وهو لا يطلق إلاّ على الله، فلا يقال لغيره رحمن، وأما الرحيم، فيطلق على الله وعلى غيره، وقد قال الله تعالى عن نبيه ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .
قوله [﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: يوم الجزاء والحساب، يوم كل يجازى بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧-١٩]، والحديث عنه ﷺ: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها
[ ٥٤ ]
وتمنى على الله الأماني] .
الله ﷾ مالك كل شيء، وهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما خصّ يوم الدين هنا بأن الله مالكه، لأنه اليوم الذي يخضع فيه الخلائق لرب العالمين، وهذا بخلاف الدنيا، فإنه وُجد فيها من عتى وتجبّر، وقال: (أنا ربكم الأعلى)، وقال: (ما علمت لكم من إله غيري)، والحديث الذي ذكره الشيخ أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.
قوله: [﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: أي لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يعبد إلاّ إياه. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يستعين بأحد غير الله] .
قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وتقديم المفعول وهو
[ ٥٥ ]
(إياك) في العبادة والاستعانة، فيه قصر واختصاص، قصر العبادة على الله واختصاصه بها، فلا يُعبد إلاّ الله، ولا يُستعان إلاّ بالله، فلا يطلب العبد العون من الملائكة ولا الجن ولا الغائبين، أما طلبه العون من إنسان حاضر يقدر على إعانته ومساعدته في تحصيل نفع أو دفع ضرٍّ، فهذا سائغ لا محذور فيه.
قوله: [﴿اهْدِ نَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: معنى ﴿اهْدِنَا﴾: دلنا، وأرشدنا، وثبتنا، و﴿الصِّرَاطَ﴾: الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن، والكل حق، و﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: الذي لا عوج فيه] .
حاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب سبب بقائهم في هذه الحياة الدنيا، وأما هدايتهم الصراط المستقيم فهي
[ ٥٦ ]
سبب فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن طلب الدلالة والإرشاد إلى طريق الحق والهدى، ويتضمن طلب التوفيق لسلوك الصراط المستقيم، وسؤال العبد ربّه في كل ركعة من ركعات الصلاة الهداية إلى الصراط المستقيم، يتضمن سؤال الله ﷿ تثبيته على ما حصل له من الهداية، ويتضمن طلب المزيد من الهداية كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ولا تنافي بين تفسير (اهْدِنَا) بدُلّنا وأرشدنا وثبّتنا، وتفسير الصراط المستقيم بالإسلام، والرسول، والقرآن، لأن ذلك من قبيل اختلاف التنوع، وليس من قبيل اختلاف التضاد، ولهذا قال الشيخ: والكل حق، وتفسيرات السلف غالبًا تكون من هذا القبيل، إما تفسيرٌ بألفاظ متقاربة كلها حق، ولا تنافي بينها كما هنا، وإما تفسير بالمثال وهو أن يفسر لفظ عام ببعض أجزائه، مثل
[ ٥٧ ]
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١]، فإن تفسير حسنة الدنيا بالزوجة الصالحة أو الولد الصالح أو المال الطيب، لا منافاة بينها وهو من قبيل التفسير بالمثال.
قوله: [﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾: طريق المنعم عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: وهم اليهود‘ معهم علم ولم يعملوا به، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾: وهم النصارى؛ يعبدون الله على جهل وضلال، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ودليل الضالين، قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
[ ٥٨ ]
يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣]، والحديث عنه ﷺ: "لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" أخرجاه، والحديث الثاني: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة".
قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"] .
الصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه أن يهديه إياه، هو طريق المُنعم عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، كما قال ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:
[ ٥٩ ]
١٥٣]، وهو يسأل الله ﷿ في كل ركعة من ركعات صلاته أن يهديه طريق الحق والهدى، وأن يجنّبه طريق أهل الضلالة والغواية من اليهود والنصارى، وحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم "، رواه البخاري (٧٣٢٠) ومسلم (٢٦٦٩) عن أبي سعيد، وأوله عند البخاري بلفظ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا"، وعند مسلم بلفظ: "لتتبعن الذين من قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع".
وحديث افتراق الأمة جاء عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ، انظر تخريجه في التعليق على الحديث رقم (١٦٩٣٧) من مسند الإمام أحمد، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (٢٠٣-٢٠٤)، وقد نقل تصحيحه عن ابن تيمية والشاطبي والعراقي.
والمراد بالأمة في الحديث أمة الإجابة، وهذه الثلاث والسبعون فرقة مسلمون، فرقة ناجية وهم
[ ٦٠ ]
الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، واثنتان وسبعون فرقة متوعدون بالنار لانحرافهم عن طريق الحق، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، وأما أمة الدعوة، فهم كل إنسي وجنّيّ من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، وسائر ملل الكفر، لقوله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار". رواه مسلم (٣٨٦) عن أبي هريرة ﵁، وانظر فتاوى شيخ الإسلام (٧/٢١٨)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٢/١٥٧) .
قوله: [والركوع والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ ٦١ ]
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، والحديث عنه ﷺ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم"، والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان، والدليل حديث المسيء صلاته عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ دخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فعلها ثلاثًا، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيًا، لا أحسن غير هذا، فعلمني، فقال له النبي ﷺ: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"] .
هذه سبعة من أركان الصلاة كلها أفعال، وقد دلّ عليها جميعها حديث المسيء صلاته، رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) عن أبي هريرة ﵁، وحديث
[ ٦٢ ]
السجود على الأعضاء السبعة أخرجه البخاري (٨١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر"، ورواه مسلم أيضًا (٤٩٠) .
والطمأنينة في الأركان: الهدوء وعدم العجلة، فلا ينقر هذه الأفعال، بل يطمئن فيها، سواء طال الاطمئنان أو قصر، وأما الترتيب فيأتي بها مرتّبة، القيام ثم الركوع، ثم الرفع منه، ثم السجود، ثم الجلوس بين السجدتين، فلو سجد ناسيًا قبل أن يركع وجب عليه أن يرجع ليأتي بالركوع ثم السجود، ولا يعتدّ بالسجود الذي حصل منه سهوًا.
قوله: [والتشهد الأخير ركن مفروض، كما في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول قبل أن
[ ٦٣ ]
يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، فقال النبي ﷺ: "لا تقولوا: السلام على الله من عباده، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ومعنى "التحيات": جميع التعظيمات لله ملكًا واستحقاقًا، مثل: الانحناء والركوع، والسجود، والبقاء والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، و"الصلوات" معناها: جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس، و"الطيبات لله": الله طيب، ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلاّ طيبها، "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة
[ ٦٤ ]
والبركة، والذي يدعى له ما يدعى مع الله، "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، تسلم على نفسك، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، والسلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله، "أشهد أن لا إله إلاّ الله" وحده لا شريك له، تشهد شهادة اليقين أن لا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلاّ الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله: بأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع، شرفه الله بالعبودية، والدليل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]] .
التشهد الذي يكون قبل السلام من كل صلاة ركن من أركان الصلاة، وهذا هو الركن الحادي عشر، والركن الثاني عشر: الجلوس له، فلو سلّم بعد السجود، ترك ركنين، ولو جلس ونسي أن يتشهد،
[ ٦٥ ]
ترك ركنًا واحدًا، وتركهما معًا أو ترك التشهد وحده مبطل للصلاة، والتشهد جاء عن النبي ﷺ بصيغ متعدّدة، يحصل أداء الواجب بأي واحد منها ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، والتشهد الذي ذكره الشيخ هو تشهد عبد الله بن مسعود ﵁، وقد جاء في بعض رواياته أن النبي ﷺ كان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وسمي تشهدًا لأنه خُتم بأشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهذا التشهد أخرجه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢)، وعند البخاري (٦٢٦٥) بعد ذكر التشهد زيادة: "وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام - يعني - على النبي ﷺ" والمعنى: أن الصحابة كانوا يقولون: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" بكاف الخطاب، فلما توفي صاروا يقولون: "السلام على النبي" بالغيبة، لكن جاء في تشهد عمر بن الخطاب
[ ٦٦ ]
﵁ في موطأ الإمام مالك (٥٣) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر، يعلّم الناس التشهد، يقول: قولوا: "التحيات لله"، وفيه: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، بكاف الخطاب. ففي هذا أن عمر ﵁ كان يعلِّم التشهد وهو على المنبر، ومما علّمه هذه الصيغة.
وهو يدل على أن الصحابة ﵃ بعد وفاته ﷺ جاء عنهم هذا وهذا، والأمر في ذلك واسع، فللمصلي أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وله أن يقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وقد شرح الشيخ ﵀ هذا التشهد بهذا الشرح الواضح، وقول الشيخ ﵀ في معنى "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": "تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، والذي
[ ٦٧ ]
يدعى له ما يدعى مع الله".
وقوله في معنى: "السلام على عباد الله الصالحين": "والسلام دعاء والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله".
في هذا تقرير توحيد الألوهية، وأن الدعاء عبادة، وقد قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء هو العبادة". رواه أبو داود (١٤٧٩) وغيره بسند صحيح، فلا يدعى إلاّ الله، ولا يستغاث بأحد سواه، كما قال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]، والنبي ﷺ وغيره من المرسلين، والملائكة والصالحين، يدعى لهم الله، ولا يدعون مع الله، فالله ﷾ هو الذي يدعى ويرجى، وغيره يدعى
[ ٦٨ ]
له ولا يدعى، وقوله ﵀: "وشهادة أن محمدًا رسول الله: بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع"، المعنى: أن من شأن العبد أن يكون عابدًا لا معبودًا، ومن شأن الرسول أن يكون مصدَّقًا ومطاعًا ومتبوعًا، وقد قال ﵀ في كتابه "الأصول الثلاثة": ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر وألاّ يعبد الله إلاّ بما شرع.
وقوله: [ومعنى "التحيات": جميع التعظيمات لله ملكًا واستحقاقًا، مثل الانحناء، والركوع، والسجود، والبقاء، والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر] .
العبادة حق الله كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
[ ٦٩ ]
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فيجب صرف جميع أنواع العبادة لله، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره تعالى، فالصلاة لله، والركوع والسجود لله، والاستغاثة بالله، والدعاء لله والتوكل على الله، والاستعاذة بالله، وهكذا جميع أنواع العبادة لله، قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣]، ومن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله، فهو مشرك كافر، وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق وعلى من بلغته الحجة، وأما الشخص المعين فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو جاهل فإنه يتوقّف في تكفيره حتى يُبَيَّن له وتقام عليه الحجّة، وهذا أحد
[ ٧٠ ]
قولين في المسألة، ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في جواب سؤال عن بعض أهل البدع، جاء فيه: "كذلك التوسل بالأولياء قسمان: الأول: التوسل بجاه فلان أو حق فلان، هذا بدعة وليس كفرًا. التوسل الثاني: هو دعاؤه بقوله: يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي، هذا هو الشرك الأكبر وهذا يسمونه توسلًا أيضًا، وهذا من عمل الجاهلية، أما الأول فهو بدعة، ومن وسائل الشرك، قيل له: وقولهم: إنما ندعوه لأنه ولي صالح وكل شيء بيد الله وهذا واسطة. قال: هذا عمل المشركين الأولين، فقولهم: مدد يا بدوي، مدد يا حسين، هذا جنس عمل أبي جهل وأشباهه، لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، هذا الدعاء كفر وشرك بالله ﷿، لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه أم ينتظر
[ ٧١ ]
حتى تقام عليه الحجّة وحتى يبيّن له، على قولين: أحدهما: أن من قال هذا يكون كافرًا كفرًا أكبر لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلّته، والقول الثاني: أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل وعندهم علماء سوء أضلّوهم، فلابد أن يبين لهم الأمر ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم، فإن الله قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فإذا وضح لهم الأمر وقال لهم: هذا لا يجوز، قال الله كذا وقال الرسول كذا، بين لهم الأدلة، ثم أصروا على حالهم، كفروا بهذا، وفي كل حال فالفعل نفسه كفر شرك أكبر، لكن صاحبه هو محل نظر هل يكفر أم يقال: أمره إلى الله، قد يكون من أهل الفترة لأنه ما بيّن له الأمر فيكون حكمه حكم أهل الفترات، أمره إلى الله ﷿، لأنه بسبب تلبيس الناس عليه من علماء السوء" انتهى. نقلًا من كتاب "سعة رحمة رب العالمين
[ ٧٢ ]
للجهال المخالفين للشريعة من المسلمين" لسيد بن سعد الدين الغباشي، وفي أول الكتاب رسالة من الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ للمؤلف بتاريخ: ٧/٥/١٤٠٣هـ، تتضمن إقرار الكتاب والإذن بطبعه.
والقول الثاني من القولين وهو التوقف في التكفير، قرّره كثيرون من العلماء، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الاستغاثة (٢/٧٣١): "فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول ﷺ، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور،
[ ٧٣ ]
وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ، مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاّ تفطّن، وقال: هذا أصل الدين، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين".
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم". الدرر السنية (١/٦٦)، وقال أيضًا: "بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا
[ ٧٤ ]
بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك". مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣/٣٤)، وقال أيضًا: "ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول: من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضًا من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقرّ بدين الله ورسوله ثم عاداه وصدّ الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنه دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلاّ رجلًا معاندًا أو جاهلًا". مجموع مؤلفات الشيخ (٣/٣٣) .
وقال أيضًا: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر
[ ٧٥ ]
بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله". مجموع مؤلفات الشيخ (٣/١٤) .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتاب "منهاج التأسيس والتقديس ص: ٩٨-٩٩": "والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: "وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبّة الكواز، حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمنًا موحدًا". وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال، فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور".
[ ٧٦ ]
وقال أيضًا ﵀ في "مصباح الظلام ص: ٤٩٩": "فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قرّر هذا وبينه وفاقًا لعلماء الأمة واقتداء بهم ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية ﵀: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له". وقال أيضًا في "مصباح الظلام ص: ٥١٦": "وشيخنا ﵀ لم يكفر أحدا ابتداء بمجرد فعله وشركه، بل يتوقف
[ ٧٧ ]
في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة".
وإنما أفضت بذكر النقول عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تقرير هذه المسألة، وهي أن تكفير المعين الذي وقع في الشرك في العبادة لجهله، إنما يكون بعد البيان له وإقامة الحجة، لا قبل ذلك، لأن من الجاهلين والحاقدين عليه وعلى دعوته، المبنية على الكتاب والسّنّة، وما كان عليه سلف الأمّة، من يشنع عليه وينفّر من دعوته، برميه بتكفير المسلمين، والتكفير بالعموم، وهو إنما يكفر من قامت عليه الحجة، وبانت له المحجة، ولأن نفرًا يسيرًا من طلبة العلم من أهل السّنّة فيما علمت يعيبون على من يقرّر ذلك وهو عيب لما قرّره شيخا الإسلام، ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما من أهل
[ ٧٨ ]
العلم، ومع ذلك فإن الخطأ في العفو في الأمور المشتبهة، خير من الخطأ في العقوبة، وهم في عيبهم القول الذي قرّره الشيخان والحرص على خلافه يفسحون المجال للمتربصين بأهل السّنّة الذين يصطادون في الماء العكر، فيردّدون صدى نعيق أعداء الإسلام والمسلمين، الذين يزعمون أن تطرف من ابتلي بالتفجير والتدمير، راجع إلى دراسة مناهج التعليم المبنية على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من أهل السّنّة، وهو بهت وزور ممن افتراه أو ردّده، فإن الذين ردّدوا هذا النعيق من أهل هذه البلاد، قد درسوا كما درس غيرهم هذه المناهج، ولم يحصل لهم ضرر منها بل حصل النفع العظيم منها لكل من شاء الله هدايته وتوفيقه، وإنما حصل التطرف من هؤلاء المتطرفين لفهومهم الخاطئة التي شذّوا بها وخرجوا عن جماعة المسلمين، وقدوتهم في ذلك الخوارج الذين
[ ٧٩ ]
شذّوا وخرجوا على الصحابة نتيجة لفهومهم الخاطئة، ولكل قوم وارث، والله المستعان.
قوله: ["اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد": الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة، والصواب الأول. ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء] .
الركن الثالث عشر من أركان الصلاة: الصلاة على النبي ﷺ، وأفضل كيفيات الصلاة على النبي ﷺ، الصلاة الإبراهيمية، التي علّم النبي ﷺ أصحابه إياها عند سؤالهم عن كيفية الصلاة عليه ﷺ، وقد جاءت على صيغ متعدّدة، عن جماعة من الصحابة، وأفضلها الكيفية التي جمع النبي ﷺ فيها بين الصلاة عليه - ﷺ - وآله، والصلاة على إبراهيم - ﷺ -
[ ٨٠ ]
وآله، ففي صحيح البخاري (٣٣٧٠) عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ﷺ؟ فقلت: بلى، فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علّمنا كيف نسلم. قال: "قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقد علم الصحابة ﵃ منه كيفية السلام عليه بالتشهد الذي علّمهم النبي ﷺ إياه، وفيه "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فسألوه عن كيفية
[ ٨١ ]
الصلاة عليه ﷺ، فأجابهم بالصلاة الإبراهيمية، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه كما كان يعلمهم السورة من القرآن وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وفي مسند الإمام أحمد (١٧٠٧٢)، ومستدرك الحاكم (١/٢٦٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده، فقال: يا رسول الله! أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك " الحديث، وفي إسناده عندهما محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد صرّح بالتحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي فقال: "وحدثني في الصلاة على رسول الله ﷺ إذا المرء المسلم صلى عليه
[ ٨٢ ]
في صلاته محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي"، وفي هذا دليل على أنه يجمع في آخر الصلاة بين السلام والصلاة على رسول الله ﷺ، وقد نقل ابن كثير في تفسيره القول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير عن الإمام الشافعي والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحديث أبي مسعود ﵁ الذي تقدّم، يدل على ذلك، كما قال ابن كثير ﵀، وجمهور العلماء على القول بعدم الوجوب.
وتعجبني قصة لأحد الفضلاء، وهو الشيخ ثاني المنصور ﵀ من الجبيل في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية سمعتها ممن سمعها منه مضمونها: أنه زار إحدى الدول التي فتن بعض أهلها بالبناء على القبور والغلو في أصحابها، فلقي جماعة في مسجد فيه قبر لمزوه وأهل بلده بأنهم لا يحبون الرسول ﷺ، فقال لهم: هل في بلادكم حانات للخمور وأماكن
[ ٨٣ ]
للعهر والفجور؟ قالوا: نعم كثيرة!، فقال: إن بلادنا ليس فيها ولا محل واحد، وقال لهم أيضًا: ما حكم الصلاة على النبي ﷺ عندكم في الصلاة؟ قالوا مستحبّة، قال: فإنها عندنا ركن، إذا لم يأت بها المصلي في صلاته، لا تصح صلاته، فمن يكون الأولى إذًا بمحبة الرسول ﷺ؟
وما ذكره ﵀ واضح في المسألة الأولى، وأما المسألة الثانية فالقول بالاستحباب، قول جمهور العلماء كما تقدّم، لكن ما ذكره لا بأس به، لكونه في مقام المجادلة، والاحتجاج على من لمز أهل السّنّة في هذه البلاد بما هم برآء منه براءة الشمس من اللمس، وأقول إضافة إلى ما ذكره، فإن القضاة في هذه البلاد، يقضون بأحكام الشريعة الرفيعة، وأما ذلك البلد وأكثر البلاد الأخرى، فالقضاة فيها يحكمون بالقوانين الوضعية الوضيعة، وفي هذه البلاد كليات عديدة باسم
[ ٨٤ ]
كلية الشريعة، ومن خريجيها يختار القضاة، وأما البلاد الأخرى، فجلّها إن لم يكن كلها، إذا وجد فيها شيء من ذلك فإنه يطلق عليه اسم كلية الشريعة والقانون، وهذه التسمية تعادل اسم: كلية الحق والباطل.
وفي عام ١٣٩٧هـ زرت الباكستان فدعاني جماعة من المحامين لإلقاء كلمة، فاقترحت عليهم فيها أن يبحثوا عن مهن أخرى طيبة غير مهنة المحاماة "الوكالة في الخصومة" في محاكم غير شرعية، وزرت الرئيس ضياء الحق ﵀ وشكرته على الجهود التي كان يبذلها لتطبيق الشريعة الإسلامية، وكان مما قلته له: إن الفرق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، كالفرق بين الله وخلقه، لأن الشريعة وحي من الله، والقوانين وضع من خلق الله، وأسأل الله ﷿ أن يوفق المسلمين لتحكيم شريعة ربهم ليظفروا بسعادة الدنيا والآخرة، وقد قال الله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ
[ ٨٥ ]
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقال في حق أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]، وقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣-١٢٤]، وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣] .
ولا شك أن محبة الرسول ﷺ يجب أن تكون في قلب كل مسلم، فوق محبته لأبيه وأمّه وابنه وبنته، لقوله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". رواه البخاري (١٥) ومسلم (١٦٩) عن أنس ﵁، والعلامة.
[ ٨٦ ]
الواضحة الجلية لمحبة الرسول ﷺ، إنما هي اتباعه والسير على نهجه، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] .
قوله: ["وبارك " وما بعدها: سننُ أقوالٍ وأفعالٍ] .
والمعنى: أن المتعين التشهد والصلاة على النبي ﷺ، وأما (اللهم بارك على محمد) وما بعدها من الذكر، وكذلك الجلوس لهذا الذكر، فسننُ أقوالٍ وأفعالٍ، وسنن الأقوال والأفعال في الصلاة كثيرة، وقد ذكرت في كتب الفقه، ومنها (دليل الطالب) لمرعي بن يوسف (ص:٣٥) .
والركن الرابع عشر: التسليمتان، وبهما يكون الخروج من الصلاة، لحديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"، وقد تقدّم.
[ ٨٧ ]
وقد ذكر ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) (٢/٣٥٨): أن أحاديث الخروج من الصلاة بالتسليمتين جاءت عن خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ ما بين صحيح وحسن، وذهب بعض أهل العلم إلى الاكتفاء بتسليمة واحدة، والقول بالتسليمتين هو الذي تظافرت عليه الأدلة، وفيه الاحتياط والخروج من الخلاف.
وهذه الأركان الأربعة عشر، خمسة منها قولية، وهي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ، والتسليمتان، والبقية فعلية، وقد ذكر الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه "دليل الطالب" (٣٣) أركان الصلاة الأربعة عشر وعدّ فيها: التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ ركنًا واحدًا، وعدّ فيها الاعتدال قائمًا بعد الركوع، واعتباره ركنًا جاء النص عليه في حديث المسيء في صلاته،
[ ٨٨ ]
ففيه: "ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا"، والشيخ الإمام اعتبر الاعتدال قائمًا بعد الركوع مع الرفع من الركوع ركنًا واحدًا، فكأنه يقول: والرفع منه حتى يعتدل قائمًا.
[ ٨٩ ]