عود إلى بقية شروط الصلاة
قوله: [الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث، من البدن والثوب، والبقعة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾] .
والمعنى أن الإنسان قبل صلاته يزيل ما على بدنه وثيابه وفي البقعة التي يصلي فيها من نجاسة إن وجدت، وذلك بغسلها بالماء، فإن صلى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة وأمكن خلع ما به النجاسة خلعه واستمر في صلاته، وإلاّ قطعها، لأنه ﷺ صلى بأصحابه وعليه نعلاه فخلعهما في أثناء الصلاة وأخبرهم بعد فراغها أن جبريل أخبره بأن فيهما قذرًا،
[ ٢٩ ]
رواه أبو داود (٦٥٠) بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، فقد دلّ استمراره ﷺ في صلاته بعد خلع نعليه على صحّة صلاة من صلّى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة، لأنها لو كانت لا تصحّ لاستُؤنفت الصلاة من أولها، وهذا بخلاف من صلّى وهو محدث فإنه إذا علم في أثنائها قطعها، وإن لم يعلم إلاّ بعد الفراغ منها أعادها، لقوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". رواه البخاري ومسلم، وقد تقدّم. وإذا وضع المصلي فراشًا على الأرض التي فيها نجاسة أو كان تحت الأرض التي يصلي فيها أماكن لقضاء الحاجة أو مجرى مياه متنجّسة فإن الصلاة صحيحة لعدم مباشرة النجاسة، وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ نقولًا عن جماعة من السلف في تفسير ذلك بالطهارة من الذنوب والمعاصي، ثم قال: "قال محمد بن سيرين:
[ ٣٠ ]
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه".
قوله: [الشرط السادس: ستر العورة، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عريانًا وهو يقدر، وحد عورة الرجل من السرّة إلى الركبة، والأمة كذلك، والحرة كلها عورة إلاّ وجهها، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي: عند كل صلاة] .
المطلوب في حال السعة أن يكون المسلم في صلاته وغيرها على هيئة حسنة في اللباس وغيره لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولقوله ﷺ: "إن الله جميل يحب الجمال" رواه مسلم (١٤٧) وفي
[ ٣١ ]
حال الضيق يجب ستر العورة مطلقًا في الصلاة وغيرها بما لا يصف البشرة، إلاّ من الزوجة وملك اليمين، لقوله ﷺ: "احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو مما ملكت يمينك" أخرجه الترمذي (٢٧٦٩) وغيره عن معاوية بن حيدة، وقال: حديث حسن، وانظر إرواء الغليل (١٨١٠)، وحد عورة الرجل ما فوق الركبة ودون السرّة لقوله ﷺ: "وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة" رواه أبو داود (٤٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وإسناده حسن، والمعنى: أن السيد إذا زوّج خادمه وهو أمته، فليس لذلك الخادم وهو الأمة أن ينظر إلى عورة السيد لأنّه بتزويجها انتقلت منفعة الاستمتاع إلى الزوج، فخرج بذلك عن حكم قوله ﷺ: "احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو مما ملكت يمينك"، ويدل لذلك أيضًا قوله
[ ٣٢ ]
ﷺ: "غطِّ فخذك فإنها من العورة" أخرجه الترمذي (٢٧٩٨) عن جرهد، وقال: حديث حسن، وقال البخاري في صحيحه: [باب ما يذكر في الفخذ ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ: "الفخذ عورة" وقال أنس: حسر النبي ﷺ عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم] . صحيح البخاري مع الفتح (١/٤٧٨) .
والإجماع الذي ذكره الشيخ، حكاه ابن قدامة في المغني (٢/٢٨٤) عن ابن عبد البر، وقد جاءت السّنّة بأن المصلي مع ستر عورته يستر عاتقه في الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء" أخرجه البخاري (٣٥٩) ومسلم (١١٥١) .
والمرأة عورة لقوله ﷺ: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان" رواه الترمذي (١١٧٣)
[ ٣٣ ]
عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وانظر إرواء الغليل (٢٧٣)، فيجب على المرأة ستر بدنها حتى وجهها عن الرجال الأجانب، قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان في تفسير سورة الأحزاب (٦/٥٩٦) عن هذا الحديث: "وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة"، وذكر شيخنا أيضًا (٦/٥٨٥-٥٨٦) أن حكم تغطية الوجه لأمهات المؤمنين مما أجمع عليه أهل العلم، وأن الآيات التي نزلت في أمرهن بالحجاب تشتمل على قرينتين تدلان على أن الحكم ليس خاصًّا بهن، بل لهن ولسائر نساء الأمة:
الأولى: تعليل الأمر بالحجاب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وذلك
[ ٣٤ ]
أنه إذا قيل ذلك فيهن مع ما أكرمهن الله به من الطهارة والبعد عن الريبة، فإن غيرهن من نساء الأمة اللاتي لم يظفرن بمثل ما ظفرت به أمهات المؤمنين من باب أولى.
والثانية: في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، لأن الأمر بالإدناء عليهن من الجلابيب، كما أُمر به أمهات المؤمنين فقد أُمر به بناته ﷺ ونساء المؤمنين، وهو يدل على أن الحكم ليس خاصًّا بأمهات المؤمنين بل لهن ولغيرهن".
وأشار بعد ذلك ﵀ إلى أنه لو كان الحكم خاصًا بهن على سبيل الفرض فإنهن قدوة حسنة لغيرهن من النساء، فقال (٦/٥٩٢): "وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن
[ ٣٥ ]
الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد ﷺ، مريض القلب كما ترى".
ومن أوضح ما يستدل به من السّنّة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، ما جاء فيها أن النساء يغطين أقدامهن، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبرًا"، فقالت:
[ ٣٦ ]
إذن تنكشف أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه". رواه أهل السنن وغيرهم، وقال الترمذي (١٧٣١) هذا حديث حسن صحيح.
فإن مجيء الشريعة بتغطية النساء أقدامهن يدل دلالة واضحة على أن تغطية الوجه واجب، لأنه موضع الفتنة والجمال من المرأة، وتغطيته أولى من تغطية الرجلين.
والمرأة الحرة في الصلاة تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها، وهذا الذي ذكره الشيخ ﵀ قد عزاه في المغني (٢/٣٢٦) إلى مذهب الإمام أحمد، وذكر له رواية أخرى، وهي جواز كشف الكفين أيضًا وعزاه إلى مالك والشافعي، وعزا إلى أبي حنيفة جواز كشف القدمين مع الوجه واليدين، وإذا كان عند المرأة رجال أجانب وهي تصلي فإنها تغطي وجهها، قال في المغني (٢/٣٣١): "قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام".
[ ٣٧ ]
والاقتصار على كشف الوجه في الصلاة، وهو الذي أجمع عليه العلماء هو الأولى والأحوط.
وأما الأمَة فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس فإن صلاتها صحيحة في قول عامة أهل العلم إلاّ الحسن كما حكاه في المغني (٢/٣٣١) وفي كشف غير الرأس خلاف بين أهل العلم، والأولى للأمة أن تكون كالحرّة في الاحتشام والستر في جميع أحوالها في الصلاة وغيرها.
قوله: [الشرط السابع: دخول الوقت، والدليل من السّنّة حديث جبريل ﵇ أنه أمّ النبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره فقال: "يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين" وقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، أي: مفروضًا في الأوقات، ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ
[ ٣٨ ]
الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] "] .
يشترط لصحّة الصلاة أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، فلا يجوز أن تصلى قبل أوقاتها، وإن صليت وجب إعادتها ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فلو أخرها حتى خرج وقتها، فإن كان لنوم لا تفريط معه أو نسيان قضاها ولا إثم عليه، وإن كان لغير ذلك أثم وقضاها.
وحديث إمامة جبريل النبي ﷺ في يومين، جاء عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وجابر وهو عند أبي داود (٣٩٣-٣٩٤)، والترمذي (١٤٩-١٥٠)، وانظر التعليق على حديث (٣٠٨١) وحديث (١١٢٤٩) من مسند الإمام أحمد، ومن أوضح ما جاء في بيان أوقات الصلوات الخمس، حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في صحيح مسلم (٦١٢) أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل
[ ٣٩ ]
الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان".
قوله: [الشرط الثامن: استقبال القبلة، والدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]] .
يشترط في أداء الصلوات أن تكون إلى جهة القبلة، وهي الكعبة المشرّفة، فإن كان في حضر أو كان لديه من يخبره بجهة القبلة وجب عليه السؤال عن جهتها، ولا يجوز له أن يصلي باجتهاد منه، ولديه من يخبره، فإن صلّى وكان إلى غير جهة القبلة وجب عليه
[ ٤٠ ]
الإعادة، أما إن كان في سفر فإنه يجتهد في معرفة جهتها، فإن صلّى وتبيّن أن الصلاة إلى غير جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ويجوز للمسافر أن يصلي النوافل كلها على مركوبه إلى غير جهة القبلة، وقد ثبتت السّنّة في ذلك عن جماعة من الصحابة منها: حديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبّح، يومىء برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" رواه البخاري (١٠٩٧) ومسلم (٧٠١)، وإذا أراد المسافر النافلة على الدابة استقبل القبلة عند دخوله فيها ثم توجه إلى أي جهة يريد، لحديث أنس بن مالك ﵁ عند أبي داود (١٢٢٥): "أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبّر ثم صلّى حيث وجهه ركابه"، قال الحافظ ابن حجر في البلوغ: وإسناده
[ ٤١ ]
حسن. وقال شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حاشيته عليه (١/١٧٦): "هو كما قال المؤلف، رجاله ثقات لا بأس بهم، وبذلك يكون هذا الحديث مخصّصًا للأحاديث الأخرى المطلقة في استقباله ﷺ جهة سيره في السفر".
قوله: [الشرط التاسع: النية، ومحلها القلب والتلفظ بها بدعة، والدليل حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى"] .
النية في الصلاة وغيرها من العبادات شرط، فلا تصح الصلاة بدون نية، لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" أخرجه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)، وبالنية يكون التمييز بين فرض وفرض، وفرض ونفل، وقد تقدّم عند ذكر شرط النية من شروط الوضوء أنه لا يجوز تلفظ الإنسان بما نواه، إلاّ في مناسك الحج فيجوز أن يتلفظ بما نواه فيقول: "لبيك عمرة أو لبيك حجًّا أو لبيك عمرة وحجًّا"
[ ٤٢ ]