قوله: [والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول: "ربنا ولك الحمد" للكل، وقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، وقول: "رب اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له] .
هذه الواجبات كلها قولية إلاّ واحدًا منها، فهو فعليّ، وهو الجلوس للتشهد الأول، وقد ذكر ابن قدامة في المغني (٢/١٨٠) أن وجوب هذه السبعة القولية هو المشهور عن أحمد، وأن القول بعدم وجوبها قول أكثر الفقهاء، قال: "والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، واجب وهو قول
[ ٩٠ ]
إسحاق وداود، وعن أحمد أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء".
ومما استدل به ابن قدامة في المغني على الوجوب قوله: "وقد روى أبو داود عن عليّ بن يحيى بن خلاد عن عمه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ" إلى قوله: "ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائمًا ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته"، وهذا نص في وجوب التكبير". والحديث في سنن أبي داود (٨٥٧) بإسناد صحيح.
وقد ذكر الشيخ ﵀ التسميع للإمام والمنفرد دون المأموم، وهو الصحيح، لقوله ﷺ في الحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وفيه قوله: "وإذا قال:
[ ٩١ ]
سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد". أخرجه البخاري (٧٣٢-٧٣٤) عن أنس وأبي هريرة ﵄، فقد قال ﷺ في الحديثين: "فقولوا: ربنا ولك الحمد"، ولم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، مستدلًا بعموم قوله ﷺ في حديث مالك بن الحويرث: "وصلوا كما رأيتموني أصلي". أخرجه البخاري (٦٣١)، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ يقول: "سمع الله لمن حمده" فالمأمومون يقولون: سمع الله لمن حمده، لكن حديث: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" مخصِّص لحديث: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وهو نظير قوله ﷺ: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". رواه البخاري (٦١١) ومسلم (٣٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقد خُصَّ من الحديث: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" فإنه يقال
[ ٩٢ ]
عندهما: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله كما في صحيح مسلم (٣٨٥) عن عمر ﵁.
قوله: [فالأركان: ما سقط منها سهوًا أو عمدًا بطلت الصلاة بتركه، والواجبات: ما سقط منها عمدًا بطلت الصلاة بتركه، وسهوًا جبره السجود للسهو، والله أعلم] .
أركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها، كلّها من أجزائها وهي داخلة تحت التعريف الشرعي للصلاة، وهو: "أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم"، وبين الأركان والواجبات والمستحبات فرق، فإن الأركان يتعيّن الاتيان بها، ولا تسقط إذا تركها سهوًا أو عمدًا، وأما الواجبات، فتعمد تركها يبطل الصلاة، وتركها سهوًا يجبر بسجود السهو، وأما المستحبات، مثل دعاء الاستفتاح، والاستعاذة، فإن من أتى بها أثيب، ومن تركها لا
[ ٩٣ ]
يعاقب إلاّ إذا كان تركه إياها رغبة عن السّنّة، لقوله ﷺ: "فمن رغب عن سنّتي فليس منّي". رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١)، فإن لفظ السّنّة في هذا الحديث أوسع إطلاقات لفظ السّنّة، فإن المراد به طريقته وما كان عليه ﷺ، ويشمل ذلك كل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.
هذا آخر ما تيسّر تحريره في شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأسأل الله ﷿ أن يغفر له ويجزل له الأجر والثواب على جهوده العظيمة في نصرة الدين والدعوة إلى التمسّك بالكتاب والسّنّة وما كان عليه سلف الأمّة، وأسأله تعالى أن يوفّق المسلمين للفقه في الدين والثبات على الحق إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٩٤ ]