﵃ كانوا يقرؤونها وينكرون على من رغب عن قراءتها، وهم أعلم بالسنة، ولأنه يشرع قراءتها في النافلة، فكذلك في الفريضة، ولأنه يشرع قراءتها في أول السورة خارج الصلاة، فكذلك في الصلاة وأولى، ولأنها مكتوبة في المصحف، وإنما كتبت لتقرأ.
وهل قراءتها واجبة أو سنة؟ يأتي إن شاء الله توجيهها.
والسنة: الإسرار بها، هذا مذهبه الذي لم تختلف فيه نصوصه، وهو قول عامة أصحابه، والجهر بها مكروه، نص عليه، وقد ذهب بعض أهل مذهبه إلى استحباب الجهر بها، وهو قول أبي القاسم عبد الرحمن بن منده، وربما حكى بعض
[ ١٠٧ ]
الناس هذا رواية عنه، وهو غلط، وإنما مذهبه الإسرار؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». وفي لفظ «يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ» رواه الجماعة، وفي لفظ «كَانُوا لاَ يَذْكُرُونَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا» رواه أحمد ومسلم، وفي لفظٍ متفقٍ عليه: «فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رواه أحمد بإسنادٍ جيد شرط الصحيح، ولفظه: «كَانُوا لاَ يَجْهَرُونَ بِبِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وفي لفظ لابن شاهين: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يخفون بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي لفظ «كان رسول الله ﷺ يسر بسم الله الرحمن الرحيم وأبو بكر وعمر».
فإن قيل: قوله: «بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أراد به السورة، يعني أنه كان يقرأ الفاتحة قبل السورة، والروايات الصريحة لعلها من بعض الرواة رواها بما فهمه من المعنى، يدل على ذلك ما روي سعيد بن زيد عن أبي مسلمة قال: «سَأَلْتُ أَنَسًا: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِبِسْمِ
[ ١٠٨ ]
اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَوْ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: إِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ، وَلاَ سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَطْ قَبْلَكَ» رواه أحمد والترمذي وصححه النسائي، وإسناده على شرط الصحيحين، وقال الدارقطني: إسناده صحيح.
قلنا: هذا التأويل لا يصح لو تجرد عن الروايات الصريحة؛ لأنه لو أراد السورة. لذكرها باسمها، فقال: «بالفاتحة» أو «أم الكتاب» أو «أم القرآن» كما عادتهم في سائر الخطاب، فأما تسميتها بالحمد بأول كلمةٍ منها، كما تقول سورة «والعاديات» وسورة «اقرأ» ونحو ذلك كما عرف أهل زماننا، فأما تسميتها الحمد لله رب العالمين بالجملة جميعها، فليس يعرف في اللسان قديمًا ولا حديثًا، ثم لو كان المقصود أن يبتدئ القراءة بسورة أم الكتاب، لم تكن فيه فائدة، لأن هذا من العلم العام، مثل كون قراءة الليل يجهر بها وقراءة النهار يخافت بها، وسنَّة ذلك. وفي حديث قتادة: أنهم سألوا أنسًا عن ذلك، من توهم بعض الرواة، فقال قولًا عظيمًا؛ لأن في الحديث ذِكر لفظ أنس في قوله: «لَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِها» وهذه زيادة على الرواية الأخرى، ثم قد رواه عن أنسٍ جماعة، كل منهم يؤدي لفظًا صريحًا غير الآخر، ومن تتبع
[ ١٠٩ ]
طرق الحديث علم ذلك.
وأما الحديث الآخر: إنْ كان محفوظًا فالظاهر: أن السائل سأل أنسًا عن قراءتها سرًّا، فلم يكن إذ ذاك يعلم ذلك، وإنما كان الذي يعلمه أنهم لا يجهرون بها، وعَلم من طريق آخر أنهم كانوا يسرون بها، فرواه في وقتٍ آخر، إن كانت مسألته لأنسٍ قديمًا، وإن كان ذلك حديثًا، فلعل أنسًا قد نسي؛ لأنه كان في آخر عمره وسعيد ابن يزيد []. وبكل حال: مثل هذا لا يصلح أن يعارض الروايات المستفيضة عنه.
وأيضًا مما روى أبو الجوزاء عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْد للهِ، رَبِّ الْعَالَمِينَ» رواه أحمد ومسلم، وقد تقدم الكلام على تأويله بالسورة.
[ ١١٠ ]
وروى ابن شاهين من حديث ابن عمر وأبي هريرة، وعُصمة بن مالك الخطمي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ».
وعن أم الحصين قالت: «صليت خلف النبي ﷺ فلما افتتح الصلاة قرأ الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين». وهذه الرواية صريحة بأنهم أرادوا الآية وما بعدها.
وأيضًا ما روى ابن عبد الله بن المغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ -قَالَ: وَلَمْ أَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ حَدَثًا فِي الإِسْلاَمِ مِنْهُ- فَإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ عُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا، فَلاَ تَقُلْهَا، إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ، فَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» رواه الخمسة إلا أبا
[ ١١١ ]
داود، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لابن شاهين: «فإني صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يقرءون بالحمد لله رب العالمين» وهذا -مع أنه نص في عدم الجهر بها- فيه بيان أن قوله: «الحمد لله رب العالمين» إنما كانوا يعنون به الآية وما بعدها ولا يعنون أنه كان يبتدئ بالفاتحة المسماة بالحمد لله رب العالمين، والذي يحقق ذلك مما تقدم أن أنسًا وعبد الله بن مغفل وأم الحصين وغيرهم، ممن أطلق إنما كان يروي ذلك لموضع الشبهة واللبس لما اختلفوا في آخر عصر الصحابة، فمن الناس من كان يجهر بها، ومنهم من كان يخفيها، فاحتاج الناس إلى استعلام السنة والرجوع إلى الصحابة في ذلك.
فأما أن الفاتحة تقرأ قبل غيرها: فلم يكن عند أحد في ذلك شبهة، ولا يحتاج أن يروى عن فلان أو فلان، أو يحتج بسنة رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون على من خالفه، حتى لو فرضنا أن المراد أنهم كانوا يفتتحون بالسورة، فإن البسملة ليست من السورة، على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.
وأيضًا حديث: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ » على ما سنذكره، فإنه كالنص في أنه لا يجهر بها.
[ ١١٢ ]
وأيضًا: فإن هذا قول أكابر الصحابة وجماهيرهم، وهم أعلم بالسنة وأتبع لها، قال الترمذي: على هذا العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وقد تقدم ذكر ذلك عن الخلفاء الثلاثة.
وروى ابن شاهين وابن أبي موسى عن أبي وائل قال: «كان عمر وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم»، وعن علي وعمار «أنهما كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم»، وعن الأسود بن يزيد قال: «صليت خلف أمير المؤمنين عمر سبعين صلاة، يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ثم يقول: الحمد لله رب العالمين» وروى أحمد عن ابن عباس قال: «الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة
[ ١١٣ ]
الأعراب» وقال بسر بن سعيد -وهو أحد أجلاء التابعين:- «ما أدركت أحدًا يفتتح إلا بالحمد لله رب العالمين»، «وسئل الحسن عن الجهر بها في الصلاة فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب»، وقال إبراهيم النخعي: «الجهر بدعة» رواهن ابن شاهين.
والآثار في ذلك كثيرة في الزجر عن تركها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ أنه جهر بها، رواها الدارقطني وغيره، وكذلك عن كثير من أصحابه، وروي أيضًا أحاديث كثيرة في الزجر عن تركها.
فإما أن تكون رواية من روى ترك الجهر، أراد به أن النبي ﷺ كان يخفض بها صوته ويجهر بها جهرًا خفيًا، ثم يرفع صوته بسائر السورة.
وإما أن يكون الجهر بها والإسرار سواء؛ لمجيء الأحاديث
[ ١١٤ ]