أن المأموم لا تجب عليه القراءة، لا في صلاة السر ولا في الجهر، من غير اختلاف في المذهب، حتى كان الإمام أحمد بعد الخلاف في ذلك يقول: ما سمعت أحدًا في الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقرآن لا تجزي صلاة من خلفه إذا لم يقرأ، وقال: هذا النبي ﷺ وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا سفيان في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهنا الليث في أهل مصر، ما قالوا: الرجل [إذا] صلى خلف إمامه ولم يقرأ هو صلاته باطلة.
أما إذا جهر الإمام فالأدلة عليه كثيرة.
وأما إذا خافت فيدل عليه وجوه:
أحدها: ما روى موسى بن أبي عائشة قال: سألت عبد الله بن شداد بن الهاد عن القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، فقال:
[ ١٤٢ ]
صلى رسول الله ﷺ بالناس ورجل خلفه يقرأ، وبجنبه رجل فجعل يومئ إليه وينهاه، حتى عرف المنهي أنه ينهاه عن القراءة، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة فقال المنهي: ما إقبالك علي؟ أتنهاني أن اقرأ القرآن؟ فقال: أتقرأ ورسول الله ﷺ إمامنا؟ فقال المنهي؟ يا رسول الله، إن هذا ينهاني أن أقرأ خلفك، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ كان له إمام فقراءته له قراءة» رواه سعيد وأحمد وغيرهما، وهذا حديث معروف ثابت عن موسى بن أبي عائشة، وقد أسنده بعضهم عن جابر، والمشهور عنه مرسلًا لوجوه:
أحدها: أن الذي أرسله احتج به، فلولا أنه قد حدثه به ثِقة ما جاز الاحتجاج به، وهو من كبار التابعين.
[ ١٤٣ ]
الثاني: أنه قد عضده أقوال الصحابة، كما سيأتي وذلك نص وحجة على من لا يقول بالدليل المجرد.
الثالث: أنه روي من غير هذا الوجه، (فليعتضد به ما يعضده).
الرابع: أنه شهد له ظاهر الكتاب والسنة.
الخامس: أن الإمام أحمد وابن ماجة رواه من حديث جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» رواه الدارقطني من حديث ليث وجابر عن
[ ١٤٤ ]
أبي الزبير وجابر الجعفي: قد وثقه سفيان وشعبة، وقال أحمد: لم يتكلم فيه لحديثه، بل لرأيه، وليث قد حدث عنه الناس، وقد تكلم فيهما بالجملة، لكن الحديث محفوظ عن جابر، رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
فإذا كان للمستمع أجرين وللقارئ أجر، فلا حاجة إلى
[ ١٤٥ ]
[ ١٤٦ ]
القراءة معه، ولأنه إذا قرأ مع جهر الإمام نازع الإمام القراءة وخالجه إياها، وربما منع من يليه من كمال الاستماع والإصغاءِ، وفاته هو الاستماع والإنصات، ولم يكد يفقه ما يقرأه من أجل إسراعه بالقراءةِ، واشتغاله بقراءةِ الإمام، ومثل هذا لا يكون مشروعًا إلى التحريم أقرب منه إلى الاستحباب أو الإيجاب، ولأن القراءة في حال الجهر منهي عنها، والاستماع واجب فكيف يترك ذلك لقراءة الفاتحة وهي مستحبة للمأموم؟ ولأن حقيقة
[ ١٤٧ ]
المؤتم هو المتبع المقتدي للإمام في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي استمع له، فإذا لم يفهم ما هو فيه كان كالحمار يحمل أسفارًا، وإلى هذه المعاني أشارت الصحابة رضوان الله عليهم، وما اعتل به بعض أصحابنا من الخروج من الخلاف، ففيه أجوبة:
[ ١٤٨ ]