أن الجماهير، مثل شعبة وأبي عوانة وزائدة بن قدامة والمفضل وجماعة غيرهم، رووه عن عاصم، فقالوا في الحديث: «فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ» وقال بعضهم: «حذاء أذنيه» وكذلك رواه مسلم وغيره من حديث عبد الجبار بن وائل عن وائل عن علقمة.
ومن رجَّح الثاني قال: صحة النقل بهما توجب أن يكون النبي ﷺ فعل كل واحدٍ منهما، لكن الرفع إلى الأذن أزيد، فيكون أولى؛ لأنه زيادة عبادةٍ، ويشبه أن يكون هو آخر الأمرين؛ لأن الوفود إنما قدموا على رسول الله ﷺ بعد الفتح، ولأن الانتقال من النقص إلى الزيادة هو اللائق، لا سيما وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقد رأوه يصلي رافعًا يديه إلى فروع أذنيه.
ومنهم من قال: لعل الرفع إلى المنكبين كان لعذرٍ من به داء وغيره، وليس بشيء.
واعلم أن رفع اليد إلى المنكب أو إلى فروع الأذنين هو: أن يحاذي بيده ذلك العضو، واليد جميعًا لا تحاذيه، فالمحاذاة: إما أن تكون بأصل اليد وهو الرسغ، أو تكون بطرف اليد وهو رؤوس أصابع اليد، أو توسط اليد وهو أصول الأصابع عن الكف، أما الأول فلا أعلم أحدًا قال إن المحاذاة تكون بذلك الموضع. وأما الآخران ففيهما وجهان:
[ ٥٣ ]
أحدهما: أن يحاذي منكبيه أو فروع أذنيه برؤوس أصابعه، وهذا قول القاضي في «المجرد» وطائفة من أصحابنا، منهم أبو محمد؛ لأن المفهوم من قولنا: «رفع يده إلى كذا»: أن يحاذي برأسها ذلك المكان.
والثاني: أن يحاذي بكفه منكبيه أو فروع أذنيه، وهو الذي ذكره القاضي في «الجامع» و«الخلاف» وغيره من أصحابنا، وهو الصحيح المنصوص عن أحمد، قال في رواية: الأذنين. وقد سأله أبو الحرث: إلى أين يرفع يديه؟ قال: يرفعها إلى فروع أذنيه. وقال: الذي اختار له أن يجاوز بهما أذنيه. قال: ورأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يجاوز بهما أذنيه، فقد نص صريحًا إذا قلنا: يرفعهما إلى أذنيه، على مجاوزة الأذنين، ومعلوم أنه لا يجاوزهما بكفه؛ لأن ذلك لم يقله أحد، فعلم أنه جاوزهما برؤوس الأصابع، وكيف يصح أن يحمل قوله: «على رفع رؤوس الأصابع» إلى «فروع الأذنين»؟ وإن كان في الرفع إلى الأذنين، ففي الرفع إلى المنكبين
[ ٥٤ ]