بهما، بنى على أنه كان يجهر أحيانًا ويخفي أحيانًا.
قال بعضهم: يكون الجهر بها على حرف من يعدّها من الفاتحة، وتركه على حرف من لا يعدها من الفاتحة، وهما حرفان مشهوران. أو يكون الجهر أوْلى؛ لأنها إما أن تكون آية من الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة، أو آية من القرآن فيجهر بها كسائر القرآن، وإذا كانت التسمية مشروعة في أول الوضوء ففي الصلاة أوْلى.
قلنا: أما الأحاديث فضربان ما صرّح فيه بذكر الجهر فليس فيه عن النبي ﷺ شيء صحيح يخرج به الحجة، ولذلك لم يخرج عن أصحاب السنن منها شيء. وقال الدارقطني، وقد سئل عن أحاديث الجهر: ليس فيها عن النبي ﷺ شيء صحيح. وأما عن الصحابة فمنه صحيح و[منه] ضعيف. ومن تتبع أسانيدها علم الضعيف فيها، ويؤكد ذلك أن أكثرها من رواية الصحابة الذي قد صح عنهم عدم الجهر، مثل علي وعمار وأنس، فكيف وما لم يصرح فيه بالجهر وإنما فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فهذا يدل على استنان قراءتها، والرد على من رغب عنه.
قال أبو عبيد: الأحاديث التي ذكرناها في ترك قراءة:
[ ١١٥ ]
«بسم الله الرحمن الرحيم» فليس هو على الجهر بها، وإنما غلَّطوا ترك قراءتها في الصلاة أو غير الصلاة، إلا أنه يسرها في الصلاة.
ومن نقل عنه من أصحابه الجهر، مثل ابن عباسٍ وابن الزبير وابن عمر، فقد نقل عنهم الإسرار بها، وهذا يدل على أن من جهر بها من الصحابة كان مقصوده تعليم الناس أن قراءتها سنة، كما جهر عمر بالاستفتاح، وكما جهر أبو هريرة بالاستعاذة، وكما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على الجنازة، وهذا -والله أعلم- معنى قول الإمام أحمد وقد سأله أبو طالب:
[ ١١٦ ]
أتجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: بالمدينة نعم، وهاهنا من كان يقول إنها آية من كتاب الله، مثل ما قال ابن عباسٍ: بسم الله الرحمن الرحيم آية، وأبو هريرة: هي إحدى آياتها، وابن الزبير: كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ويتأولونها أنها آية من كتاب الله وحمل القاضي هذا على أن أهل المدينة كانوا يرون الجهر، فإذا خافت استنكروا فِعله فلم يصلوا معه، وليس كذلك، فإن أهل المدينة كانوا لا يقرءونها سرًّا ولا جهرًا، فأراد أحمد ﵁ أن يجهر بها الرجل هناك؛ ليبين أن قراءتها سنّة، ويكون قدوته في الجهر بها من جهر بها من الصحابة على هذا التأويل، ولذلك ما أمر بقراءتها بعد الاستعاذةِ، قال: ومالك لا يرى ذلك، وما يعجبني هذا من قوله، والجهر بها على الوجه مستحب؛ لما قدمناه.
فأما اتخاذ الجهر بها سنة فمكروه، نص عليه في غير موضع، لأنه خلاف السنة.
فأما النبي ﷺ: فلا شك أن المعروف من حاله كان ترك الجهر، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، وعمل به الخلفاء الراشدون. وما نقل عنه من الجهر بها إنْ صح وكان له أصل، فله ثلاثة أوجه:
[ ١١٧ ]