أحدها: في قراءة الفاتحة في الصلاة، أما قراءة الفاتحة في الصلاة، فهذا من العلم العام المتوارث بين الأمة خلفًا عن سلف عن نبيها ﷺ، وظاهر المذهب أن صلاة الإمام والمنفرد لا تصح إلا بقراءة الفاتحة، سواء تركها عمدًا أو سهوًا، وعنه: إذا صلي بآيةٍ واحدةٍ أجزأته. وقوله: «لاَ صَلاَةَ إِلاَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» على طريق الفضل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وقال النبي ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: «كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَ ارْكَعْ»، ولأن المفروض في
[ ١٣٥ ]
الصلاة هو القرآن بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ سمي الصلاة قرآنًا، وإنما يعبر عن الشيء باسم بعضه إذا كان ركنًا فيه، كما سمي ركوعًا وسجودًا وقيامًا. وكذلك قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وسائر الصورة دليل على أن الصلاة لا بد فيها من القراءة.
وقد روى أبو الدرداء أنَّ رجلًا قال: يَا رَسُولُ اللهِ أَفِي كُلِّ صَلاَةٍ قُرْآنٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «وَجَبَتْ هَذِهِ» رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وقال ﷺ: «إِنَّ صَلاَتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآدَمِيِّينَ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رواه مسلم وغيره.
وهذا يعم جميع القرآن، وكله كلام الله، فاستوى في انعقاد
[ ١٣٦ ]
الصلاة بما تيسر منه، كما استوى في جهة تلاوته وصحة الخطبة به، وإنما اعتبرت الآية كما اعتبرناها في الخطبة.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم تشترط الفاتحة فعليه أن يأتي بسبع آياتٍ، وهل يشترط أن تتضمن قدر الحروف؟ على وجهين، وهو مع مخالفة النصوص فاسد الوضع؛ لأن اعتبار سبع آيات على إيجاب الفاتحة، فكيف يوجب مع القول بعدم وجوبها؟ والصحيح الأول؛ لما روى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رواه الجماعة.
فإن قيل: هو محمول على نفي الفضل والكمال؛ لأن حقيقة الصلاة قد وجدت، فلا يمكن نفيها فلا بد من إضمار الإجزاء أو الكمال، إذ لا يمكن إضمارها؛ لما بينها من التنافي، ولأن المقتضي لا عموم له، فإن الإضمار أوجبته الضرورة، فيتقدر بقدرها، وليس أحدهما أولى، فتقف الدلالة، أو يحمل على الكمال؛ لأنه المتيقن، ولما قدمناه من الدلالة.
قلنا: بل المنفي حقيقة الصلاة؛ لأن الصلاة المطلقة في لسان الشرع هي: الصلاة المشروعة المأمور بها، وهذه لم توجد مع
[ ١٣٧ ]