الصديق ﵁ أنه كان يستفتح بذلك، وكان أبو بكر أشبه الناس صلاة برسول الله، وهو مشهور عن عمر، رواه مسلم في «الصحيح» عن عبد الله: أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ». ليسمعنا ذلك ويعلمنا، وعلى هذا الوجه اعتمد أحمد لوجوه:
أحدها: أن عامة الاستفتاحات المأثورة عن النبي ﷺ إنما هي في النوافل.
الثاني: أن هذا جهر عمر به في الفريضة؛ ليعلمه الناس بحضرة أصحاب النبي ﷺ، ولم ينكروه عليه، وهو إنما يعلم الناس سنة النبي ﷺ، ولا شيء يختاره لنفسه، وكذلك أقره الناس على ذلك ولم ينكره عليه أحد، بل قد روى الدارقطني عن عثمان مثل ذلك، وروى [ابن] المنذر عن ابن مسعودٍ مثل ذلك، وإذا كان الخلفاء الراشدون على ذلك علم أنه المسنون
[ ٨٢ ]
غالبًا.
الثالث: ما روى سعيد بن منصور وغيره عن الضحاك في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: حين تقوم إلى الصلاة، قال: تقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ» وقال النبي ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: «لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» رواه أبو داود والنسائي. فالافتتاح بهذا أشبه بامتثال الأمر في الكتاب والسنة.
الرابع: أن أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فاستفتح الصلاة بالتكبير
[ ٨٣ ]
وضم إليها سبحانك اللهم وبحمدك ولا إله غيرك فقد أتى بمعنى هذه الكلمات، وضم إليها: تبارك اسمك وتعالى جدك، والجدّ هو العظمة والكبرياء، وهو الأمثل الأعلى في السماوات والأرض.
فإذا انضم إلى الباقيات الصالحات أسماؤه سبحانه وصفاته، فقد حصل الثناء في جميع الجهات.
الخامس: إن هذه الكلمات كلها في القرآن أمرًا وثناءً، والذكر الموافق للقرآن أفضل من غيره، أما التكبير فقال: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وأما التسبيح والتحميد فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾
[ ٨٤ ]
وكان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ» يتأول هذه الآية، فعلم أن قول العبد: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» يكون امتثالًا لها، وكذلك قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. وأما التبريك فقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وأما التعلية فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ وأما التهليل فكثير.
السادس: أن هذا ثناء محض على الله وما سواه؛ إما إخبار عن الحال التي هو فيها، أو دعاء ومسألة، والثناء على الله أفضل منهما، وكذلك اختير التسبيح في الركوع والسجود، على قول العبد: لك سجدت، وعلى الدعاء.
السابع: أن ما سواه فيه طول ينافي ما يشرع في المكتوبة من التخفيف، وكذلك من يختاره من العلماء لا يختار جميعه، فكأن الذكر المعمول بجميعه [أولى] من الذكر المعمول ببعضه، ولهذا والله أعلم كان النبي ﷺ إنما يقول غالبًا في قيام الليل؛
[ ٨٥ ]