ثمانيًا وعفِّروه الثامنة"، كما روى أبو داود في حديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعَ مرّات، السابعة بالتراب" (^١).
وإذا ثبت هذا الحكم في الكلب، فالخنزير الذي لا يباح اقتناؤه والانتفاع به أصلًا ونصّ عليه القرآن أولى.
وله أن يستعمل التراب في أيّ غسلة شاء، فإن كان المحلّ يتضرَّر بالتراب لم يجب استعماله في أصح الوجهين.
ويجزئ موضعَ التراب الأُشنان والصابون ونحوهما في أقوى الوجوه. وقيل: لا يجزئ مطلقًا، وقيل: لا يجزئ إلا عند عدم التراب. وأما الغسلة الثامنة فلا تجزئ بدل التراب في الأصح.
ويجب التسبيع والتراب في جميع نجاسات الكلب من الريق والعرق والبول وغيرها، وكذلك في جميع موارد نجاسته التي لا تتضرّر بالتراب في المشهور.
وقيل عنه: لا يجب التراب إلا في الإناء خاصة.
وأما سائر الحيوانات فعلى قسمين: أحدهما: ما يؤكل لحمه فهذا طاهر. وكذلك ما لا يؤكل لحمه لشرفه، [١٣/أ] وهو الإنسان سواء كان
_________________
(١) أبوداود (٧٣)، وأخرجه الدارقطني (١/ ٦٤) من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -. ورجال إسناده ثقات، غير أن أكثر الرواة عن ابن سيرين وأحفظهم قدموا الغسل بالتراب في الترتيب، انظر: "الإمام" (١/ ٢٦٠ - ٢٦٩)، "فتح الباري" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
[ ١ / ٣٧ ]
مسلمًا أو كافرًا. ولا يكره سؤره في ظاهر المذهب (^١)، وعنه: يكره سؤر الكافر.
والثاني: ما لا يؤكل لحمه، وهو ضربان: أحدهما ما هو طوَّاف علينا كالهرّ، وما دونها في الخلقة مثل الحية والفأرة والعقرب وشبه ذلك. فهذا لا يكره سؤره إلا ما تولَّد من النجاسات كدُود النجاسة والقروح، فإنه يكون نجسًا لنجاسة أصله، لما روت كبشة بنت كعب بن مالك أنها سكبت وضوءًا لأبي قتادة الأنصاري، فجاءت هرّةٌ، فأصغى لها الإناء حتى شربت منه، وقال: إنّ رسول الله - ﷺ - قال: "إنّها ليست بنجَس، إنّها من الطوَّافين عليكم والطوّافات". رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٢).
وعن عائشة أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ليست بنجَس، إنما هي من الطوّافين عليكم" وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ بفضلها. رواه أبو داود (^٣).
_________________
(١) وهو اختيار المصنف. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٦٧).
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ برواية يحيى" (٤٦)، ومن طريقه: أحمد (٢٢٥٨٠)، وأبوداود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧) من طرق عن حميدة بنت عبيد، عن كبشة بنت كعب به. وصححه الترمذي، وابن خزيمة (١٠٤)، وابن حبان (١٢٩٩)، وأعله ابن منده بجهالة حميدة وكبشة، انظر: "الإمام" (١/ ٢٣٢ - ٢٣٦)، "البدر المنير" (١/ ٥٥١ - ٥٥٨).
(٣) أبوداود (٧٦)، وأخرجه الدارقطني (١/ ٧٠)، وبنحوه ابن ماجه (٣٦٨)، واختلف في رفعه ووقفه، انظر: "البدر المنير" (١/ ٥٦٥ - ٥٦٩)، "صحيح أبي داود: الكتاب الأم" للألباني (١/ ١٣٣ - ١٣٥).
[ ١ / ٣٨ ]
ومما ينبني على ذلك أنه إذا خرجت الهرَّة أو الفأرة أو الحيّة من مائع يسير لم تنجِّسه في المنصوص. وقيل: تنجِّسه لملاقاة دبرها. والأول أصحّ، لأن من عادة الحيوان جمعَ دبره إذا دخل الماء خوفًا من دخوله فيه، فلا يتحقق التنجُّس (^١).
وإذا أكلتْ نجاسةً ثم ولَغت في ماء يسير، فقيل: طاهر، وقيل: هو نجس إلا أن تغيب غَيبةً يمكن أنها وردت فيها ماءً يطهِّر فاها. وقيل: نجس إلا أن تلَغَ (^٢) بعد الأكل بزمن يزول فيه أثر النجاسة بالريق (^٣).
[١٣/ب] والضرب الثاني من المحرَّم: ما ليس بطوّاف، وهو نوعان: أحدهما الوحشي، وهو سباع البهائم وجوارح الطير وما يأكل الجِيَف، مثل الفهد والنمر والغراب الأبقع والبازي والسَّقر (^٤)، فهذا نجس في أشهر الروايتين.
وفي الأخرى: هو طاهر لما روى جابر قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلَت الحُمُر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباعُ كلُّها". رواه الشافعي والدارقطني (^٥). ولأن الأصل في الأعيان: الطهارة، ويفارق الكلب بجواز
_________________
(١) في المطبوع: "التنجيس". والمثبت من الأصل.
(٢) في الأصل والمطبوع: "تلغوا". والصواب ما أثبتنا.
(٣) في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٣): "وهو أقوى الأقوال".
(٤) كذا في الأصل بالسين، وهو لغة في الصقر. وفي المطبوع غيِّر إلى "الصقر".
(٥) الشافعي (٢/ ١٩)، والدارقطني (١/ ٦٢)، من طريق داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر - ﵁ -، وتارة من طريق داود، عن جابر، دون واسطة. وقواه بمجموع طرقه البيهقي في "معرفة السنن" (٢/ ٦٧)، وأعله الدارقطني، وابن التركماني في "الجوهر النقي" (١/ ٢٥٠) بالاختلاف في إسناده وبالكلام في بعض رجاله، انظر: "البدر المنير" (١/ ٤٦٧ - ٤٧١)، "الدراية" (١/ ٦٢).
[ ١ / ٣٩ ]
اقتنائه مطلقًا وجواز بيعه.
ووجه المشهور حديث ابن عمر المتقدِّم في القلّتين لمّا سئل - ﷺ - عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، ولو كانت أسآرها (^١) طاهرة لم يكن للتحديد فائدة. ولا يقال: لعله أراد: إذا بالت فيه، لأن الغالب أنها إنما ترِدُه للشرب، والبول فيه نادر؛ فلا يجوز حمل اللفظ العامّ على الصور القليلة. ثم إنه لم يستفصل، ولو كان الحكم يختلف لبيَّنه أيضًا، فإنه - ﷺ - لما علَّل طهارة الهرِّ بأنها من الطوّافين علينا عُلِم أن المقتضي لنجاستها قائم، وهو كونها محرَّمة، لكن عارضه مشقةُ الاحتراز منها، فطهرت لذلك؛ لأنه لما علَّل طهارتها بالطواف وجب التعليل به. وعند المخالف أنها طهرت لأنها حيوان لا يحرم اقتناؤه، وليس للطواف أثر عنده. [١٤/أ] ولأن تحريم الأكل يقتضي كونه خبيثًا لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ويقتضي نجاسته إلا ما قام عليه الدليل، بدليل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونهيُه - ﷺ - عن جلود السباع يؤيِّد ذلك؛ و(^٢) لأنه حيوان حُرِّم لا لحرمته ليس بطوَّاف، فكان نجسًا كالكلب والخنزير. والحديث المتقدِّم (^٣) ضعيف لا تقوم به حجة.
_________________
(١) في المطبوع: "أسؤرها". والصواب ما أثبتنا من الأصل.
(٢) في الأصل والمطبوع: "أو".
(٣) يعني حديث جابر.
[ ١ / ٤٠ ]
والثاني (^١): الإنسي، وهو البغل والحمار، ففيه روايتان وجهُهما ما تقدَّم. ورواية ثالثة: أنه مشكوك فيه لتعارض دليل الطهارة والنجاسة، فيتوضأ بسؤره ويتيمَّم. والطهارة هنا أقوى، لأنَّ فيها معنى الطواف، وهو أنه لا يمكن الاحتراز منها غالبًا (^٢).