وأمّا الماء الجاري، فعن أحمد ما يدل على روايتين (^١). إحداهما: أنه كالدائم، إذا كانت عين النجاسة في جِرية منه تبلغ قلّتين ولم تتغير فهي طاهرة، وإن نقصت عنها فهي نجسة، وإن كانت النجاسة واقفةً فكلُّ جِرية (^٢) تمرُّ عليها ولم تتغير إن بلغت قلّتين فهي طاهرة، وإلا فهي نجسة.
والجِرية: ما تحاذي النجاسة من فوقها وتحتها وعن يمينها وعن شمالها ما بين جانبي النهر. فأما [ما] أمامها فهو طاهر لأنها لم تلحقه، وكذلك ما وراءها لأنها لم تصل إليه.
وإن اجتمعت الجريات كلّها، وفيها جرية طاهرة تبلغ قلّتين، فالجميع طاهر ما لم يتغيَّر، وإلا فهو نجس في المشهور. وعلى قولنا: إنَّ ضمَّ القليل إلى القليل أو الكثير النجس يُوجب طهارةَ الجميع إذا زال التغيّر، فهنا كذلك.
وقال ابن عقيل: متى بلغ المجموع هنا قلّتين وكانت النجاسة في جِرية منه فهو طاهر لأنه ماء واحد (^٣).
وقال السامرِّي (^٤): إن كانت الجرية التي فيها النجاسة قلَّتين أو مجموع المتقدم والمتأخر قلتين فهو طاهر وإلا فلا.
وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور أصحابنا، لعموم حديث القلّتين،
_________________
(١) انظر: "المغني" (١/ ٤٧) و"الشرح الكبير" (١/ ١٢٤).
(٢) في المطبوع: "واقعة بكل جرية". والصواب ما أثبتنا من الأصل.
(٣) نقله في "المستوعب" (١/ ٥٢) عن "تذكرة ابن عقيل"، وفيه نظر.
(٤) في "المستوعب" (١/ ٥٢).
[ ١ / ١٣ ]
وقياسًا للجاري على الدائم.
[٥/أ] والرواية الأخرى: أنَّ الجاري لا ينجس إلا بالتغير (^١) قليلًا كان أو كثيرًا، اختاره الشيخ وغيره. وهي (^٢) أظهر (^٣)، لأن النبي - ﷺ - قال: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه". وفي لفظ: "يتوضأ منه" (^٤). ومفهومه جواز ذلك في الجاري مطلقًا.
وكذلك قوله: "لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" (^٥)، ومفهومه جواز الاغتسال في الجاري وإن استدبر الجرية.
وكذلك نهيه - ﷺ - أن يبال في الراكد، ومفهومه الإذن في البول في الماء الجاري، ولو نجَّسَه (^٦) لم يأذن فيه. وكذلك حديث بئر بضاعة عامّ.
ومفهوم حديث القلّتين لا يعارض هذا، لأنّ قوله: "إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبَث" دليل على أنّ ما دون القلتين بخلاف ذلك، وإذا فرَّقنا بين جاريه وواقفه حصلت المخالفة، لا سيّما وسبب الحديث هو السؤال عن
_________________
(١) في الأصل: "التغيير"، والظاهر أنه تصحيف.
(٢) أثبت في المطبوع: "وهو" ليوافق قوله: "اختاره".
(٣) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٧٣، ٣٢٦) و"اختيارات" ابن اللحام (ص ٤). وفي الموضع الأول: "وهو أنصُّ الروايتين عن أحمد واختيار محققي أصحابه".
(٤) الحديث رواه الجماعة كما سبق، وهذا اللفظ عند أحمد (٧٥٢٥) والترمذي (٦٨) والنسائي (٥٧).
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٦) أثبت في المطبوع: "ينجِّسه" مع التنبيه على ما في الأصل. والذي فيه صواب محض.
[ ١ / ١٤ ]
الماء الراكد. ولأن القليل الواقف إنما ينجس ــ والله أعلم ــ لضعفه عن استهلاك النجاسة، والجاري بقوة (^١) جريانه يحيلها ويدفعها إذا ورد عليها، فكان كالكثير.