فصل
وأما المستعمل في رفع الحدث، فهو طاهر في ظاهر المذهب (^١)، لما روى جابر قال: جاءني رسول الله - ﷺ -، وأنا مريض لا أعقِل، فتوضّأ وصبَّ وضوءَه عليّ. متفق عليه (^٢).
وفي "الصحيح" (^٣) أيضا عن المِسْوَر بن مخرمة أن النبي - ﷺ - كان إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه.
ولأنّ بدن المحدث طاهر، فلا ينجس الماء بملاقاته كسائر الطاهرات. ودليل طهارته ما روى الجماعة (^٤) عن أبي هريرة قال: [٨/أ] لقيني رسولُ الله - ﷺ - وأنا جنُب، فانسللتُ فأتيتُ الرَّحلَ فاغتسلتُ، ثم جئتُ وهو قاعد، فقال: "أين كنتَ يا أبا هريرة؟ " فقال: كنتُ جنُبًا. فقال: "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس".
_________________
(١) انظر: "المغني" (١/ ٣١). والرواية الثانية أنه طهور، وهي اختيار المصنف. انظر: "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٣٦)، (٢٠/ ٥١٩) و"الفروع" (١/ ٧١) و"اختيارات" البرهان ابن القيم (رقم ٧٤) وابن اللحام (ص ٣).
(٢) البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦).
(٣) البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).
(٤) أحمد (٧٢١١) والبخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٧١) وأبو داود (٢٣١) والترمذي (١٢١) وابن ماجه (٥٣٤) والنسائي (٢٦٩).
[ ١ / ٢٢ ]
وهو مع طهارته غير مطهِّر في المشهور أيضًا، لما روى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "لا يغتسِلْ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنُب". قالوا: يا أبا هريرة، كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا. رواه مسلم (^١). ولو كان الغسل فيه يجزئ ولا يغيِّر الماء لم ينه عنه. ولأن الصحابة ما زالوا تضيق بهم المياه في أسفارهم، فيتوضؤون ولا يجمعون مياه وضوئهم، ولو كانت مطهِّرةً لجمعوها. ولأنه مستعمل لإزالة مانع من الصلاة فانتقل حكم المنع إليه كالمستعمل في إزالة النجاسة.
وما دام الماء يجري على بدن المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال فليس بمستعمل حتى ينفصل. فإن انتقل من عضو إلى عضو لا يتصل به مثل أن يعصِر الجنبُ شعر رأسه على لُمعة من بدنه، أو يمسح المحدث رأسه ببَلِّ يده (^٢) بعد غسلها، فهو مستعمل في إحدى الروايتين، كما لو انفصل إلى غير محل التطهير مثل أن يمسح رأسه ببَلٍّ يأخذه من لحيته، أو يعصِر شعره في كفِّه ثم يردّه على اللمعة.
وفي الأخرى: ليس بمستعمل. وهو أصح لما روت الرُّبَيِّع بنت معوِّذ أنَّ النبي - ﷺ - مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه. رواه أحمد [٨/ب] وأبو داود (^٣).
_________________
(١) برقم (٢٨٣).
(٢) في حاشية ابن قندس على "الفروع" (١/ ٧٨ - ٧٩): "ببلل يده"، وكذا "ببللٍ يأخذه" فيما يأتي. وقد نقل كلام المصنف من قوله: "وما دام الماء" إلى آخر حديث الربيّع بنصِّه.
(٣) أحمد (٢٧٠١٦)، وأبو داود (١٣٠)، وأخرجه الدارقطني (١/ ٨٧) بنحوه مختصرًا، وهو جزء من حديث يُروى عن عبد الله بن محمد بن عقيل بطرق وألفاظ مختلفة، عن الرُّبَيّع تنعت فيه وضوءه - ﷺ -. وحسّن لفظ المؤلف ابن حجر في "الدراية" (١/ ٥٥)، وحسّن الحديث الترمذي (٣٣)، واستدركه الحاكم على الشيخين (١/ ١٥٢)، ومداره على عبد الله، وقد اختلف فيه جرحًا وتعديلًا، واختلف عليه في ألفاظه أيضًا، انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (١/ ٢٣٧)، "البدر المنير" (٢/ ١٦٨ - ١٦٩).
[ ١ / ٢٣ ]
وعن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله - ﷺ - من جنابة، فلما خرج رأى لُمعةً على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فعصَر شَعرَه عليها. رواه أحمد وابن ماجه (^١).
ولأنه ما زال ينتقل (^٢) في مواضع التطهير (^٣). فأشبه انتقاله إلى محلّ متصل.
وإن اغتمس الجنب في ماء يسير بنية الطهارة صار الماء مستعملًا، ولم يرتفع حدثه، لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد (^٤). وهل يصير
_________________
(١) أحمد (٢١٨٠)، وابن ماجه (٦٦٣)، وفيه أبو علي الرحبي مجمع على ضعفه كما في "مصباح الزجاجة" (١/ ١٤٤). وفي الباب عن أنس وعائشة ورجل من أصحاب النبي - ﷺ - بأسانيد واهية، ومرسل جيد من حديث العلاء بن زياد، انظر: "سنن الدارقطني" (١/ ١١٠)، "العلل المتناهية" (١/ ٣٤٦ - ٣٤٨).
(٢) قراءة المطبوع: "يتنقَّل".
(٣) في حاشية ابن قندس (١/ ٧٩) ــ وقد نقل هذه الجملة من كلام المصنف ــ: "غير مواضع التطهير". والظاهر أن ما هنا هو الصواب.
(٤) واختيار المصنف أنه يرتفع الحدث ويبقى الماء طهورًا. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٥١٩) و"الإنصاف" (١/ ٧٦).
[ ١ / ٢٤ ]
مستعملًا بانفصال أول جزء منه، أو بملاقاة أول جزء منه؟ على وجهين أنسبُهما بكلامه (^١): الأول. وصار هنا مستعملًا قبل انفصال جميع البدن، بخلاف ما إذا اغتسل لا يصير حتى ينفصل، كما أنَّ الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس حتى ينفصل، وإذا أُوردت (^٢) على قليله نجَّسته.
ولو لم ينو الاغتسال حتى انغمس كان كمن صُبَّ عليه الماء، فترتفع الجنابة ويصير مستعملًا في وجه. وفي وجه: لا ترتفع (^٣) إلا عن أول جزء منفصل.
وإذا غمس المتوضِّئ يده في الإناء بعد غسل وجهه ولم ينو غسلها فيه لم يصر مستعملًا. وقيل: يصير مستعملًا كما لو اغترف بها الجنب بعد النية (^٤). والصحيح الأول، لأن عبد الله بن زيد لما توضّأ وضوء رسول الله - ﷺ - اغترف بيده من الإناء بعد غسل وجهه، وقال: هكذا كان يتوضأ رسول الله - ﷺ - (^٥).
وكذلك الجنب في رواية. والرواية الأخرى: الفرق، للعسر والمشقة في الوضوء، ولأن الأثر جاء فيه.
وإذا كان الانغماس [٩/أ] في ماء كثير لم يغيِّره كالنجاسة، وأولى.
_________________
(١) في حاشية المطبوع: "أي بكلام الإمام أحمد".
(٢) كذا في الأصل. وفي المطبوع: "وردت".
(٣) في المطبوع: "يرتفع"، والأصل غير منقوط.
(٤) في "الفروع" (١/ ٧٨) و"الإنصاف" (١/ ٧٩) أن المذهب أنه طهور لمشقة تكرره.
(٥) رواه البخاري (١٩٩ ومواضع أخرى) ومسلم (٢٣٥).
[ ١ / ٢٥ ]