ولو جُمِع حتى بلغ قلّتين كان كالماء القليل النجس إذا جمع إلى مثله حتى بلغ قلتين لا يصير طهورًا في ظاهر المذهب.
فصل
فأما المستعمَل في طهر مستحبّ كغسل الجمعة وتجديد الوضوء فهو طهور في أظهر الروايتين، لأنه لم يُزِلْ مانعًا. وفي الأخرى: هو غير مطهرِّ لأنه مستعمل في طهارة شرعية، فأشبه الأول. وعلى هذا إذا قلنا: إن وطء الذمية لا يجوز حتى تغتسل من الحيض ــ وهو إحدى الروايتين ــ فاغتسلت كان ذلك الماء مستعملًا، لأنه أزال المانع. وقيل: لا يكون مستعملًا لأنه ليس بعبادة.
وإذا غسل رأسه بدلًا عن المسح ففي المسألة (^١) وجهان.
فأمَّا فضل الطهور ــ وهو ما تبقَّى في الإناء ــ فهو طهور سواء كان المتطهِّر رجلًا أو امرأةً؛ لما روى ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - من صَحْفةٍ، فأراد النبي - ﷺ - أن يتوضأ منه، فقالت (^٢): يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إنَّ الماءَ لا يُجْنِبُ"، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "المسائل"، والظاهر أنه سبق قلم. وفي المطبوع كما أثبتنا. وانظر: "الإنصاف" (١/ ٦١).
(٢) في الأصل: "فقلت"، وكذا في المطبوع. والصواب ما أثبتنا من السنن، وهو مقتضى السياق.
(٣) الترمذي (٦٥)، وأخرجه أحمد (٢١٠٢)، وأبو داود (٦٨)، والنسائي (٣٢٥)، وابن ماجه (٣٧٠) من طرق عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - بألفاظ متقاربة، وفي بعضها: "الماء لا ينجسه شيء". وصححه ابن خزيمة (١٠٩)، وابن حبان (١٢٤٢، ١٢٦١)، وأعله قوم بإرسال عكرمة وتلقين سماك، انظر: "تهذيب الآثار: مسند ابن عباس" (٢/ ٦٩١ - ٧٠١)، "المحلى" (١/ ٢١٤ - ٢١٥). والرواية الصحيحة عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة. رواه مسلم (٣٢٣). وفي لفظ آخر (٣٣٣): أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - في إناء واحد.
[ ١ / ٢٦ ]
لكن إذا خلت بالطهارة منه امرأة لم يجز للرجل أن يتطهَّر به في وضوء ولا غسل في أشهر الروايتين (^١)، لما روى الحكم بن عمرو الغفاري أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٢).
قال أحمد: أكثر أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: إذا خلت بالماء فلا
_________________
(١) واختيار المصنف: الجواز. انظر: "اختيارات" البرهان ابن القيم (رقم ٩٥) وابن اللحام (ص ٣).
(٢) أحمد (١٧٨٦٣، ٢٠٦٥٥)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي (٣٤٣)، وابن ماجه (٣٧٣) بطرق وألفاظ مختلفة، وفي بعضها: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يتوضأ الرجل من سؤر المرأة ". وصححه ابن حبان (١٢٦٠)، وأعله البخاري كما في "العلل الكبير" للترمذي (٣٢)، والدارقطني في "السنن" (١/ ٥٣). وفي الباب عن عبد الله بن سرجس ــ مرفوعًا وموقوفًا ــ وأبي هريرة ورجل من أصحاب النبي - ﷺ -، انظر: "الإعلام بسنته ﵇" (١/ ٢٨٨ - ٢٩١)، "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (١/ ٣٩ - ٤٥).
[ ١ / ٢٧ ]
يتوضأ منه (^١).
ويُحمَل توضؤ النبي صلى الله [٩/ب] عليه وسلم بفضل وضوء ميمونة (^٢) على أنها لم تخلُ به توفيقًا بين الحديثين، وإن تعارضا فحديث المنع أولى لأنه حاظر، ولأنه ناقل عن الأصل فيكون أولى من المبقي على الأصل؛ لأن الأصل الحِلّ فالحظر بعده، فإن كان الحلّ بعده لزم البعد مرتين، وإن كان الحلّ قبل الحظر لزم مرّة واحدة.
والخلوة: [أن] (^٣) لا يشاركها الرجل سواء شاهدها أو لم يشاهدها، في إحدى الروايتين، لعموم الحديث؛ خصص منه حال المشاركة (^٤) لقول عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة. متفق عليه (^٥). وقال عبد الله بن سَرْجِس: "اغتسِلا جميعًا، هي هكذا وأنت هكذا؛ فإذا خلَتْ به فلا تقرَبْه" (^٦). والرواية الأخرى: ألا تُشاهَد عند الطهارة، وهي أصح لأن النبي - ﷺ - توضأ بفضل ميمونة. ومتى شاهدتها
_________________
(١) "المغني" (١/ ٢٨٤). وقال في رواية الأثرم عنه في "سننه" (ص ٢٤٩): "أما إذا خلت به فقد كرهه غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - ".
(٢) سبق تخريجه عند حديث "إن الماء لا يجنب" في الصفحة السابقة.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) في الأصل: "المشاهدة"، وصوابه من المطبوع.
(٥) البخاري (٢٦١)، مسلم (٣٢١).
(٦) أخرجه الأثرم في "السنن" (٧٠)، وبنحوه عبد الرزاق (٣٨٥)، والدارقطني (١/ ١١٧) وصححه. وجاء مرفوعًا عند ابن ماجه (٣٧٤)، وأبي يعلى (١٥٤٦)، وصحح البخاري والدارقطني وقفه، انظر تخريج حديث الحكم بن عمرو الذي تقدم.
[ ١ / ٢٨ ]
امرأة أو صبي مميِّز أو كافر، فهو كالرجل عند الشريف أبي جعفر وغيره كخلوة النكاح. وقال القاضي: يختصّ الرجل (^١) المسلم لأن الحكم يختص به، بخلاف خلوة النكاح (^٢).
وهل يختص ذلك بفضل طهارة الحدث أو يعمّ طهارتي الحدث والخبَث؟ على وجهين. وكذلك هل للرجل استعماله في الخبث؟ على وجهين.
وفيما خلت به الكافرة وجهان. فأما ما خلا به خنثى مشكل فلا بأس به.
ولا يؤثِّر التطهير من الماء الكثير في أصح الوجهين.
فأما فضل طهور الرجل [١٠/أ] للمرأة، فلا بأس به في المنصوص المشهور، وقيل: تمنع منه.
ولا بأس بشربه في أصح الروايتين، ويكره في الأخرى إذا خلت به.
فأما المستعمل في غير الحدث فلا بأس به، إلّا ما غمس القائم من نوم الليل يده فيه قبل غسلها ثلاثًا، ففي بقاء طهوريته روايتان (^٣). فإن قلنا: يؤثِّر، فسواءٌ غمَسها قبل نية غسلها أو بعده في المشهور. وقيل: لا يؤثِّر إلا بعد نية غسلها. وقيل: بعد نية الوضوء، نوى غسلها أو لم ينوه. وحدُّ هذه اليد إلى الكوع. وفي غمس اليسير كالإصبع والإصبعين وجهان. وفي غمس من
_________________
(١) في المطبوع: "بالرجل"، والمثبت من الأصل صواب.
(٢) انظر قولي أبي جعفر والقاضي في "المغني" (١/ ٢٨٤) و"الإنصاف" (١/ ٨٧).
(٣) واختيار المصنف: بقاء طهوريته. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٦) و"الإنصاف" (١/ ٦٨).
[ ١ / ٢٩ ]