ولا يعفى عن يسير النبيذ المختلَف فيه في أصحِّ الروايتين كالمجمَع عليه، فإنه رواية واحدة.
قال ابن عقيل: وفي العفو عن يسير القيء روايتان، وكذلك ذكر أن يسير القيء يعفى عنه.
وكذلك كلُّ ما لا ينقض الوضوءَ خروجُه كيسير الدود والحصى والخارج من غير الفرجين، لا يجب غسلُ موضعه، كما لا يجب التوضؤ منه.
وذكر القاضي في العفو عن أرواث البغل والحمار والسباع روايتين أقواهما أنه لا يعفى.
وأما الذي لا يعفى عن يسيره، فكالبول والغائط والخمر والميتة، لقول النبي - ﷺ -: "تنزَّهوا عن البول، فإنّ عامَّة عذاب القبر منه" (^١)، وقوله: "إذا ولَغ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيُرِقْه" (^٢)، ولأن هذه نجاسات مغلَّظة في أنفسها، ولا يعمُّ الابتلاءُ بها، وليس في نجاستها اختلاف= فلا وجه للعفو عنها، مع أن الاختلاف فيها لا أثر له على الأصح.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٦٣ ]
فصل
في بيان النجاسات
وهي إما حيوان، أو جماد. أما الحيوان فقد تقدَّم ذكره. وما تحلَّل من ظاهره مثل ريقه ودمعه وعرقه، فهو مثلُه. وأما روث غير المأكول وبوله فهو نجس بكلّ حال، إلا ما لا نفس له سائلة، فإنَّ روثه وبوله وجميع رطوباته طاهرة. وكذلك لبن (^١) غير المأكول كالحمُر لا يجوز شربه للتداوي ولا غيره، سواء قلنا بطهارة (^٢) ظاهره أو لا، إلا لبن الآدمي فإنه طاهر.
وأما الشَّعر [٢١/أ] فحكمه حكم ميتته في ظاهر المذهب. وعنه: أنه طاهر مطلقًا.
والقيء نجس لأن النبي - ﷺ - قاء فتوضأ (^٣)،
وسواء أريد غسل يده أو
_________________
(١) في الأصل: "اللبن".
(٢) في الأصل: "بطهارته".
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٨٧)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٢٢٤) ــ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، ولم أجده في "المسند" ــ من حديث حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد المخزومي، عن أبيه، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - قاء فتوضأ"، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه. قال الترمذي: "جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب". وبأصل إسناد الترمذي أخرجه أحمد (٢١٧٠١)، وأبو داود (٢٣٨١) وفيه: "قاء فأفطر"، وفي نسخة للترمذي: "قاء فأفطر فتوضأ"، وفي لفظ لأحمد (٢٧٥٣٧): "استقاء رسول الله - ﷺ - فأفطر، فأتي بماء فتوضأ". واحتج به أحمد فيما حكاه الأثرم في "السنن" (٢٦١ - ٢٦٢)، وصححه ابن خزيمة (١٩٥٦)، وابن حبان (١٠٩٧)، وقال البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٤٤): "إسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه اختلافًا شديدًا"، وأعله ابن حزم في "المحلى" (١/ ٢٥٨) بجهالة يعيش وأبيه. انظر: "الإمام" (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٣)، "صحيح أبي داود: الكتاب الأم" (٧/ ١٤٠ - ١٤٣).
[ ١ / ٦٤ ]
الوضوء الشرعي، لأنه لا يكون إلا عن نجاسة. فأما بلغم المعدة فطاهر في أقوى الروايتين كبلغم الرأس، وفي الأخرى: هو نجس كالقيء.
والبيض واللبن في أحد الوجهين، وفي الآخر: كالولد. وأما المني فكاللبن مطلقًا.
وأما الجماد، فالميتة، وقد ذكرها في الآنية.
والدم كلُّه نجس، وكذلك المِدّة والقيح والصديد وماء القروح المتغير، على ما ذكرناه من العفو عن يسيره؛ إلا الدماء المأكولة كالكبد والطحال وما بقي على اللحم بعد السفح، ودم السمك رواية واحدة. وإلا الدماء التي ليست سائلة كدم الذباب والبقّ والبراغيث في أقوى الروايتين؛ إلا دم الشهيد ما دام عليه، لأن الشارع أمر بإبقائه عليه مع كثرته، فلو حمله مصلٍّ لم تبطل صلاته. وإلا العَلَقةَ في وجه كالطحال والمني، والصحيح أنها نجسة، وسواء استحالت عن مني أو عن بيض.
والمائعاتُ المسكرةُ كلُّها نجسة لأن الله سمَّاها رجسًا، والرجس هو القذر والنجس الذي يجب اجتنابه، وأمر باجتنابها مطلقًا، وهو يعمُّ الشرب
[ ١ / ٦٥ ]
والمسّ وغير ذلك، وأمر بإراقتها، ولعن النبيُّ - ﷺ - عينها (^١)، فهي كالدم وأولى لامتيازها عليه بالحدّ وغيره.
ولا يجوز القصد إلى تخليلها، فإن خُلِّلت لم تطهر في المنصوص المشهور، لما روى أنس أن النبي - ﷺ -[٢١/ب] سئل عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: "لا". رواه مسلم وغيره (^٢).
وعنه أيضًا: أن أبا طلحة سأل النبي - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: "أَهْرِقُها". قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: "لا". رواه أحمد وأبو داود (^٣).
وقيل عنه: تطهر، وقيل: تطهر (^٤) بنقلها من مكان إلى مكان دون إلقاء شيء فيها.
فأما إن ابتدأ الله قلبها طهرت، وإن أمسكها كذلك، سواء اتخذ (^٥) العصير للخلّ أو للخمر في المشهور. وقيل: إن اتخذه للخمر ثم أمسكه حتى تخلَّل لم تطهر. والأول أصح لقول عمر: "لا تأكل خلًّا من خمر أفسدت حتى يبدأ الله
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٧٨٧)، وأبو داود (٣٦٦٦)، وابن ماجه (٣٣٨٠) من حديث ابن عمر. ولا تخلو أسانيده من مقال، غير أن له شاهدًا من حديث أنس وابن عباس، انظر "البدر المنير" (٨/ ٦٩٨ - ٧٠١).
(٢) مسلم (١٩٨٣).
(٣) أحمد (١٢١٨٩، ١٣٧٣٣)، وأبو داود (٣٦٧٥)، من طرق عن السدي، عن أبي هبيرة، عن أنس - ﵁ -. وهو إسناد صحيح، وبه أخرج مسلم الحديث، وقد سبق لفظه آنفًا. وقد اختلف على السدي؛ فجعله بعض الرواة عنه من مسند أبي طلحة، وجعله آخرون من مسند أنس، وصحح الأخير الدارقطني في "العلل" (٦/ ١٢).
(٤) "تطهر" ساقط من المطبوع.
(٥) في المطبوع: "ليتخذ".
[ ١ / ٦٦ ]
بفسادها، وذلك حين طاب الخلُّ. ولا بأس على امرئ أصاب خلًّا من أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنهم تعمَّدوا إفسادها". رواه سعيد (^١).