فلا بأس.
وكذلك يُكره أن يستقبل الريحَ خشيةَ أن يرجع عليه رشاشُ بوله.
مسألة (^١): (ولا يستقبلُ القبلةَ ولا يستدبرها، لقول رسول الله - ﷺ -: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها". ويجوز ذلك في البنيان).
هذا هو المنصور عند الأصحاب، وأنه يحرُم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان. وعنه: يحرُمانِ (^٢) فيهما. اختاره أبو بكر (^٣)، لما روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ -[٣٦/أ] قال: "إذا جلس أحدكم لحاجته، فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها" رواه أحمد ومسلم (^٤).
وعن أبي أيوب الأنصاري عن النبي - ﷺ - قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". قال أبو أيوب: فقدِمنا الشامَ، فوجدنا مراحيضَ قد بُنيت نحوَ الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله. متفق عليه (^٥)
_________________
(١) "المستوعب" (٢/ ٨١٢)، "المغني" (١/ ٢٢٠ - ٢٢٢)، "الشرح الكبير" (١/ ٢٠٣ - ٢٠٧)، "الفروع" (١/ ١٢٥ - ١٢٧).
(٢) في المطبوع: "يحرم"، والصواب ما أثبتنا من الأصل.
(٣) وهو اختيار المصنف. انظر: "اختيارات" البرهان ابن القيم (رقم ٨٤) وابن اللحام (ص ٨) و"الإنصاف" (١/ ٢٠٥).
(٤) أحمد (٧٣٦٨) ومسلم (٢٦٥).
(٥) البخاري (٣٩٤)، مسلم (٢٦٤).
[ ١ / ١١٦ ]
وعنه: يحرم الاستقبال فيهما دون الاستدبار، لما روى ابن عمر قال: رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة، فرأيت النبي - ﷺ - على حاجته مستقبلَ الشام مستدبرَ الكعبة. متفق عليه (^١). فهذا يبيح الاستدبار، فيبقى الاستقبال على ظاهر النهي.
ووجه الأول: حديث ابن عمر المذكور. وعن عِرَاك بن مالك أن عائشة قالت: ذُكِر لرسول الله - ﷺ - أن ناسًا كرهوا أن يستقبلوا القبلةَ بفروجهم، فقال: "أوَقد فعلوها؟ حوِّلوا مقعدتي قِبلَ القبلة". رواه أحمد وابن ماجه (^٢).
وروى أبو داود (^٣) عن مروان الأصفر قال: رأيتُ ابن عمر أناخ راحلته مستقبلَ القبلة يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهي عن هذا؟
_________________
(١) البخاري (١٤٨)، مسلم (٢٦٦).
(٢) أحمد (٢٥٠٦٣، ٢٥٨٩٩)، وابن ماجه (٣٢٤)، من طرق عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة به. وصححه مغلطاي في "الإعلام" (١/ ١٨٢ - ١٨٥)، والبوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ٩٦)، وفي تصحيحهما نظر؛ إذ أعل الحديث بعدة علل بعضها كاف في رده فكيف وهي مجتمعة؟! ومن أقوى ما أعل به الاضطراب الشديد في إسناده، ومخالفته لما صح عن عائشة من ردها لهذا القول، فضلًا عن الكلام في سماع عراك من عائشة، ورجح وقفه البخاري كما في "العلل الكبير" للترمذي (١/ ٢٤)، وأبو حاتم في "العلل" (١/ ٤٧٢). انظر: "الإمام" (٢/ ٥٢١ - ٥٢٥)، "تهذيب السنن" لابن القيم (١/ ٢٢ - ٢٣)، "السلسلة الضعيفة" (٩٤٧).
(٣) برقم (١١). وصححه ابن خزيمة (٦٠)، والدارقطني في "السنن" (١/ ٥٨).
[ ١ / ١١٧ ]
قال: إنما هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يستُرك فلا بأس.
وعلى هذا يُحمَل ما روى جابر قال: نهَى رسول الله - ﷺ - أن تُستقبلَ القبلةُ ببول، فرأيته قبل أن يُقبَض بعام يستقبلها. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب (^١). [٣٦/ب] وقال البخاري: هذا حديث حسن صحيح (^٢).
وقد قيل في وجه الفرق: إنّ كشف العورة محظور في الأصل، وإنما يباح لحاجة، فإذا لم يكن بين يديه أو قريبًا منه شيء يستره كان أفحَش؛ وجهةُ القبلة أشرفُ الجهات، فصِينت عنه. وعلى هذا نقول: إن الجلوس في الصحراء في وَهْدٍ (^٣) أو وراء جدار أو بعير كما بين البنيان، وإنّ الجلوس على سطوح البُنيان (^٤) ولا سُتْرةَ لها كالفضاء.
_________________
(١) أحمد (١٤٨٧٢)، وأبو داود (١٣)، وابن ماجه (٣٢٥)، والترمذي (٩)، من طرق عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر به. وصححه البخاري كما في"الخلافيات" للبيهقي (٢/ ٦٨)، وابن خزيمة (٥٨)، وابن حبان (١٤٢٠)، وقال الدارقطني (١/ ٥٩) في رواته: "كلهم ثقات". وأعله قوم بعنعنة ابن إسحاق، وبضعف أبان، كابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣١٢)، وليس بشيء؛ إذ صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد وغيره، وأما أبان فمتفق على توثيقه، كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (١/ ٥٣).
(٢) ذكره البيهقي في "الخلافيات" (٢/ ٦٨) نقلًا عن الترمذي بلفظ: "هذا حديث صحيح"، وليس في المطبوع من "العلل الكبير" (ص ٢٣).
(٣) الوَهْد: المكان المنخفض.
(٤) في المطبوع: "الوديان"، والصواب ما أثبتنا من الأصل.
[ ١ / ١١٨ ]