هذا هو الأفضل، لأن عائشة - ﵂ - قالت: مُرْنَ أزواجكنَّ أن يُتبعوا الحجارةَ الماءَ من أثر الغائط والبول، فإنِّي [٣٧/ب] أستحييهم. كان رسول الله - ﷺ - يفعله (^٢).
احتجَّ به أحمد في رواية حنبل (^٣). وروى أيضًا في كتاب "الناسخ والمنسوخ" أن ناسًا من الأنصار كانوا يُتبعون الاستنجاءَ بالحجارةِ الماءَ، فنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ الآية (^٤)؛ ولأن الغسل بعد تخفيف (^٥) النجاسة أبلغ في التنظيف، فصار كالغسل بعد الحَتِّ والفَرْك في غير ذلك؛ ولأنه أبعد من مسِّ الأذى باليد المُحْوِج إلى تكلُّف تطهيرها.
_________________
(١) "المغني" (١/ ٢٠٦ - ٢٠٩)، "الشرح الكبير" (١/ ٢١١ - ٢١٥)، "الفروع" (١/ ١٣٧).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ سعيد بن منصور فيما حكاه عنه ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٠٩)، وقال الألباني في "إرواء الغليل" (١/ ٨٣): "لا أصل له بهذا اللفظ". وهو عند أحمد (٢٤٦٣٩)، والترمذي (١٩)، والنسائي (٤٦)، بلفظ: "مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم؛ فإن رسول الله - ﷺ - كان يفعله"، وليس فيه موضع الشاهد.
(٣) انظر: "المبدع" (١/ ٦٧). وفي "المغني" (١/ ٢٠٩): "احتج به أحمد".
(٤) أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (١/ ١٣٠)، من طريق عبد الله بن شبيب، ثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس به. قال البزار: "لا نعلم رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه". وإسناده ضعيف؛ فابن شبيب ومحمد ضعيفان. انظر: "البدر المنير" (٢/ ٣٧٤)، "التلخيص الحبير" (١/ ١١٢). وسيأتي تخريج أصل هذا الحديث.
(٥) في المطبوع: "تجفيف"، وهو تصحيف.
[ ١ / ١٢٢ ]
وإنما يستحبّ الإيتار في الاستجمار، لما أخرجا في "الصحيحين" (^١) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من استجمر فليوتر". وإن قطع عن شفع جاز، لأن في رواية أبي داود وابن ماجه: "من فعَلَ فقد أحسَنَ، ومن لا فلا حرج" (^٢).
وإن اقتصر على أحدهما، فالماء أفضل في ظاهر المذهب. وعنه: أنه يكره الاستنجاء من غير استجمار، لأن فيه مباشرةَ النجاسة بيده ونشرَها من غير حاجة، ولأن الاقتصار على الحجر يجزئ بالإجماع من غير كراهة، والماء قد أنكره بعض السلف.
والأول أصح، لأنَّ الماء يطهِّر المحلَّ، ويزيل الأثر؛ والحجر يخفِّف. وكان قياسها على سائر البدن يقضي ألا يجزئ إلا الماءُ، وإنما أجزأت الأحجار رخصةً، فإذا استعمل الطهور كان أفضل. والمباشرة باليد لغرض صحيح وهو الإزالة، كما في سائر المواضع. ثم في الحجر يبقى أثر النجاسة ويدوم، فإن لم يُكره الحجرُ فلا أقلَّ من أن يكون مفضولًا.
وما نُقِل عن بعض الصحابة من إنكار الماء، فهو ــ والله أعلم ــ إنكارٌ على من يستعمله معتقدًا [٣٨/أ] لوجوبه، ولا يرى الأحجار مجزئة؛ لأنهم شاهدوا من الناس محافظةً على الماء لم تكن في أول الإسلام، فخافوا التعمُّقَ في الدين، كما قد يبتلى به بعض الناس. ولهذا قال سعد بن أبي وقاص: "لِمَ تُلحقون (^٣) في دينكم ما ليس منه؟ يرى أحدكم أنّ حقًّا عليه أن
_________________
(١) البخاري (١٦١) ومسلم (٢٣٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في المطبوع: "يلحقون"، تصحيف.
[ ١ / ١٢٣ ]
يغسل ذكرَه إذا بال! " (^١). فإن لم يُحمَل على هذا، فلا وجه له. فقد أخرجا في "الصحيحين" (^٢) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - ﷺ - يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماء وعنَزَةً، فيستنجي بالماء. وقصة أهل قباء مشهورة (^٣).
ويستحب للمستنجي أن يدلُكَ يده بالأرض، لما روى أبو هريرة قال: كان النبي - ﷺ - إذا أتى الخلاءَ أتيتُه بماء في تَورٍ أو رَكْوة، فاستنجى، ثم مسح يده بالأرض. رواه أبو داود وابن ماجه (^٤)
_________________
(١) أخرجه بنحوه ابن أبن شيبة (٥٩١)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٤٧).
(٢) البخاري (١٥٠) ومسلم (٢٧١) واللفظ له.
(٣) أخرج أبو داود (٤٥)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآية، وكانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية. قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وفي إسناده يونس بن الحارث وإبراهيم بن أبي ميمونة متكلم فيهما، وللحديث شواهد يقوي بعضها بعضًا من طريق عويم الأنصاري، وابي أيوب، وجابر وأنس وغيرهم. انظر: "الإمام" (٢/ ٥٣٩ - ٥٤٤)، "البدر المنير" (٢/ ٣٧٤ - ٣٨٦).
(٤) أبو داود (٤٥)، وابن ماجه (٣٥٨)، وأخرجه أحمد (٨١٠٤)، والنسائي (٥٠)، من طرق عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة به. شريك سيئ الحفظ، وقد تابعه أبان بن عبد الله عند النسائي (٥١)، غير أنه جعله عن إبراهيم عن أبيه، قال النسائي: "هذا أشبه بالصواب من حديث شريك"، وأعله ابن القطان في "بيان الوهم" (٤/ ١٠٣) بشريك وبجهالة إبراهيم، وصححه ابن حبان (١٤٠٥)، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود: الكتاب الأم" (١/ ٧٧).
[ ١ / ١٢٤ ]