النجاسات على قسمين: ما يُبطل الصلاةَ [١٩/ب] قليلُها وكثيرُها، وما يُعفى عن يسيرها.
أما المَذْي فيعفى عنه في أقوى الروايتين، لأن البلوى تعُمُّ به ويشقُّ التحرّز منه، فهو كالدم، بل أولى للاختلاف في نجاسته، والاجتزاء عنه
_________________
(١) يعني زوالها بالمذكور، وهو اختيار المصنف. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٥٢٢)، (٢١/ ٧٠، ٦١٠) و"الفروع" (١/ ٣٢٤) و"اختيارات" البرهان ابن القيم (رقم ٥٩) وابن اللحام (ص ٢٣).
(٢) "المستوعب" (١/ ١١٥ - ١١٦)، "المغني" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٨)، "الشرح الكبير" (٢/ ٣١٧ - ٣٢٦)، "الفروع" (١/ ٣٤٢ - ٣٥٠).
[ ١ / ٥٨ ]
بنضحه. وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته. وأما الوَدْي فلا يعفى عنه في المشهور عنه كالبول.
وأما الدم فيعفى عن يسيره رواية واحدة. وكذلك القَيح والمِدَّة والصديد. وماء القروح إن كان متغيّرًا فهو كالقيح، وإلا فهو طاهر كالعرَق. قال أحمد: "القَيح والصَّديد والمِدَّة عندي أسهل من الدم الذي فيه شكّ" (^١). يعني في نجاسته. وسئل: القيح والدم عندك سواء؟ فقال: "لا (^٢)، الدم لم يختلف الناس فيه، والقَيح قد اختلف الناس فيه".
وإنما عفي عنه (^٣) لإجماع الصحابة (^٤). قال البخاري: بزَقَ عبد الله بن أبي أوفى دمًا، فمضى في صلاته، وعصَر ابن عمر بَثْرةً، فخرج منها دم، فلم (^٥) يتوضأ (^٦).
وحكى أحمد أن أبا هريرة أدخل إصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فلم
_________________
(١) انظر: مسائل صالح (٣/ ٢٠٨) والكوسج (٢/ ٣٦٣).
(٢) زاد بعضهم بعدها في الأصل تحت السطر حرف النون، يعني: "لأن". أما في المطبوع فلم يثبت هذه ولا تلك، ولا أشار إلى ما في الأصل.
(٣) بجانبها في آخر السطر زيادة بخط مختلف: "يعني الدم".
(٤) "وإنما عفي الصحابة" ساقط من المطبوع.
(٥) في المطبوع: "ولم" وفقًا لما في الصحيح. والمثبت من الأصل، وانظر: شرح الزركشي (١/ ١٢٠) ولعله صادر عن كتابنا هذا.
(٦) "الصحيح" باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر، وأخرج أثر ابن أبي أوفى عبد الرزاق (٥٧١)، وابن أبي شيبة (١٣٤٣). وأخرج أثر ابن عمر عبد الرزاق (٥٥٣)، وابن أبي شيبة (١٤٧٨).
[ ١ / ٥٩ ]
يتوضأ (^١).
وعن جابر بن عبد الله (^٢) أنه سُئل عن رجل يصلِّي، فامتخط فخرج من مُخاطه شيء من دم. قال: "لا بأس بذلك، يتمُّ صلاته" (^٣).
ولأن الله سبحانه حرَّم الدم المسفوح خاصّةً، لأن اللحم لا يكاد يخلو من دم، فأباحه للمشقَّة، فلَأنْ يبيحَ ملاقاته في الصلاة أولى؛ لأنّ الإنسان لا
_________________
(١) "سنن الأثرم" (٢٦٧) دون إسناد، وأخرج الأثر عبد الرزاق (٥٥٦) ــ ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ١٧٣) ــ من طريق جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال: رأيت أبا هريرة به. وإسناده صحيح، صححه ابن حزم في "المحلى" (١/ ٢٦٠). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨١)، ومسدد ــ كما في "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ٣٤٦) وضعفه ــ من وجه آخر منقطع عن غيلان بن جامع، عن ميمون بن مهران، وغيلان ثقة، وجعفر أوثق منه في الرواية عن ميمون، فروايته أرجح.
(٢) كذا وقع "جابر بن عبد الله" في الأصل والمطبوع هنا، وفي باب نواقض الوضوء. وانظر الحاشية الآتية.
(٣) أخرجه الأثرم في "السنن" (٢٦٤) بإسناد لا بأس به من طريق حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن جابر ــ دون تعيين أبيه ــ، وعمرو من أتباع التابعين، وإنما يروي عن جابر بن زيد أبي الشعثاء وهو مكثر عنه، وله عنه سؤالات كثيرة مبثوثة في "مصنف بن أبي شيبة" وغيره، ويغلب على ظني أن نسبته إلى جابر بن عبد الله سبق قلم، والله أعلم. أما أثر جابر بن عبد الله فقد أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨٢)، والأثرم في "السنن" (٢٦٨) بإسناد صحيح من طريق أبي الزبير، عن جابر أنه أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، فمسحه بالأرض أو بالتراب، ثم صلى. وأخرجه بمثل إسناده ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ١٧٣) غير أنه جعله من قول جابر لا من فعله.
[ ١ / ٦٠ ]