أما [٢٤/ب] الأواني التي استعملوها، ففيها ثلاث روايات:
إحداها (^٤): يباح مطلقًا، لما روى جابر بن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ -، فنصيب آنية المشركين وأسقِيتَهم، فنستمتع بها فلا يعيب ذلك علينا. رواه أحمد وأبو داود (^٥).
وفي "الصحيحين" (^٦) عن عمران بن حصين أنَّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه توضؤوا من مَزادةِ مشركةٍ.
_________________
(١) في الأصل: "أبنية"، تحريف.
(٢) في المطبوع: "فضة غالبة كذلك". والصواب ما أثبتنا من الأصل.
(٣) "المغني" (١/ ١٠٩ - ١١٢)، "الشرح الكبير" (١/ ١٥٥ - ١٥٩)، "الفروع" (١/ ١٠٨).
(٤) في المطبوع: "أحدها" خلافًا للأصل.
(٥) أحمد (١٥٠٥٣)، وأبو داود (٣٨٣٨). وصححه النووي في "الخلاصة" (٧٥)، والألباني في "إرواء الغليل" (١/ ٧٦).
(٦) البخاري (٣٤٤) ومسلم (٦٨٢).
[ ١ / ٧٨ ]
وروى أنس أنَّ يهوديًّا دعا النبيَّ (^١) - ﷺ - إلى خبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخةٍ (^٢)، فأجابه. رواه أحمد (^٣).
والثانية: تكره لِمَا روى أبو ثعلبة الخُشَني قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قومٍ أهلِ كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: "إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا" متفق عليه (^٤). ولأنهم لا يجتنبون النجاسة لا سيَّما الخمر لاستحلالهم إياها، فالظاهر أنَّ أوانيهم لا تسلم من ذلك. وقد قال النبي - ﷺ -: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٥).
_________________
(١) في المطبوع: "رسول الله". وقد كتب الناسخ أولًا "رسول الله" سهوًا، فوضع عليه علامة الحذف، ثم كتب "النبي".
(٢) الإهالة: الشحم. والسنخة: المتغيرة الريح.
(٣) برقم (١٣٨٦٠)، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٤٠٧)، من طرق عن أبان العطار، ثنا قتادة، عن أنس به. وإسناده برسم الصحيح، وقد صححه الضياء في "المختارة" (٣/ ٨٤)، غير أن أبان كان يرويه على وجهين: أحدهما: "أن يهوديًا"، وهو الشاهد من إيراده هنا. والآخر: "أن خياطًا"، وهذا الوجه هو الموافق لرواية همام عن قتادة، ولسائر أصحاب أنس من أوجه مخرجة في "الصحيحين" وغيرهما، فيبقى تفرد أبان بهذا الحرف شاذًّا، كما في "إرواء الغليل" (١/ ٧١).
(٤) البخاري (٥٤٨٨) ومسلم (١٩٣٠).
(٥) برقم (٢٥١٨)، وأخرجه أحمد (١٧٢٣)، والنسائي (٥٧١١)، وابن خزيمة (٢٣٤٨)، وابن حبان (٧٢٢)، والحاكم: (٢/ ١٣) من طريق أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي عن النبي - ﷺ - به. قال الترمذي: حديث صحيح. وصححه الحاكم، وسكت عليه الذهبي. وله شاهد من حديث أنس بن مالك عند أحمد (١٢٥٥٠) مرفوعًا وهو ضعيف، وروي موقوفًا عليه عند أحمد (١٢٠٩٩) وسنده صحيح، وأخرجه النسائي (٥٣٩٧) موقوفًا من كلام ابن مسعود، قال عنه النسائي: هذا الحديث جيّد جيّد. [علي العمران].
[ ١ / ٧٩ ]
والرواية الثالثة: أنّ من لا تباح ذبيحته كالمجوس والمشركين أو من يُكثر استعمال النجاسة كالنصارى المتظاهرين بالخمر والخنزير لا تباح أوانيهم. وتباح آنية من سواهم، لكن في كراهتها الخلاف المتقدِّم. والصحيح: أنها لا تكره، وهذا اختيار القاضي.
وأكثر أصحابنا من يجعل هذا التفصيل هو [٢٥/أ] المذهب قولًا واحدًا لحديث أبي ثعلبة المتقدِّم حملًا له على من يُكثِر استعمال النجاسة، وحملًا لغيره على غير ذلك؛ كما جاء مفسَّرًا فيما رواه أبو داود (^١) عن أبي ثعلبة قال: قلت: يا رسول الله إنَّ أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ قال: "إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء، واطبخوا فيها واشربوا".
قال آدم بن الزبرقان: سمعت الشعبي قال: غزوت مع ناس من أصحاب النبي - ﷺ -، فكنَّا إذا انتهينا إلى أهل قرية، فإن كانوا أهل كتاب أكلنا من طعامهم وشربنا من شرابهم، وإن كانوا غير أهل كتاب انتفعنا بآنيتهم وغسلناها (^٢)
_________________
(١) برقم (٣٨٣٩) بنحوه من طريق مسلم بن مشكم، عن أبي ثعلبة. وأخرجه مطولًا عبد الرزاق (٨٥٠٣) ــ ومن طريقه أحمد (١٧٧٣٧) ــ واللفظ له، من طريق أبي قلابة عن أبي ثعلبة. وهو منقطع؛ فأبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، غير أن متابعة مسلم بن مشكم المتقدمة تجبر موضع الشاهد منه، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١/ ٧٥).
(٢) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٨)، والدولابي في "الأسماء والكنى" (٢/ ٦٣٣).
[ ١ / ٨٠ ]
وعلى هذه الرواية لا يؤكل من طعام هؤلاء إلا الفاكهة ونحوها مما لم يصنعوه في آنيتهم، نصَّ عليه (^١). وتكون أسآرهم نجسة، ذكرها القاضي وغيره (^٢). وذلك لأن من تكون ذبيحته نجسةً أو من هو مشهور باستعمال النجاسة لا تسلم آنيته المستعملة من ذلك، إلا على احتمال نادر لا يلتفت إليه. وما لم يستعملوه أو شكَّ في استعماله فهو على أصل الطهارة.
وأما الثياب فما لم يُعلَم أنهم استعملوه لا تكره قولًا [٢٥/ب] واحدًا، سواء نسجوه أو حملوه كالآنية؛ لأن عامة الثياب والآنية التي كانت على عهد رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانت من نسج الكفار وصنعتهم. وما لبسوه ففي كراهته روايتان، إلا أن يكون مما يلي العورة كالسراويل والأزُر ففي جواز استعماله روايتان.
فأما ثياب المجوس ونحوهم فكآنيتهم، كما تقدَّم في أحد الوجهين. وفي الآخر: هي كثياب غيرهم من أهل الكتاب.