مَسْأَلَةٌ: (حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى فَيَبْدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كَحَصَى الْخَذْفِ، يَكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يَصْنَعُهُ إِذَا قَدِمَ مِنًى أَنْ يَؤُمَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَهِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ أَقْصَاهُنَّ مِنْ مِنًى وَأَدْنَاهُنَّ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْآخِرَةُ، وَقَدْ تُسَمَّى الْجَمْرَةُ الْقَصْوَى بِاعْتِبَارِ مَنْ يَؤُمُّهَا مِنْ مَنًى، وَرُبَّمَا سُمِّيَتْ
وَسُمِّيَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ; لِأَنَّهَا فِي عَقَبَةِ مَأْزِمِ مِنًى وَخَلْفَهَا مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ وَادٍ فِيهِ بَايَعَ الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَدْ بُنِيَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ، فَيَبْدَأُ بِرَمْيِ هَذِهِ الْجَمْرَةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -.
قَالَ أَصْحَابُنَا: رَمْيُهَا تَحِيَّةُ مِنًى، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ، وَكَمَا أَنَّ الْمَغْرِبَ تَحِيَّةُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَكَمَا أَنَّ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْلُكَ إِلَيْهَا
، وَالْجَمْرَةُ اسْمٌ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
أَنْ يَرْمِيَهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي تَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ
[ ٢ / ٥٢٨ ]
سَلَفٍ، قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ: «ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَنَّهُ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْحَصَى كَحَصَى الْخَذْفِ كَمَا رَوَاهُ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَمْرًا وَفِعْلًا، وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا وَهُوَ مِنْ مِنًى» قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» وَفِي لَفْظٍ: «يُشِيرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ)
أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعَ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ، قَالَ جَابِرٌ - فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: «يُكَبِّرُ فِي أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ» ..
وَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَيُكَبِّرُ؟ قَالَ: نَعَمْ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً، قُلْتُ: بَعْدَ الرَّمْيِ أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ؟ قَالَ: يَرْمِي وَيُكَبِّرُ.
(الْفَصْلُ الْخَامِسُ)
أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ ; لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ».
(الْفَصْلُ السَّادِسُ)
أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَرْمِيَهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ الطَّرِيقُ يَمَانِيُّ الْجَمْرَةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ الْمَنْصُوصُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي: مِنْ أَيْنَ يُرْمَى الْجِمَارُ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.
وَقَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: قُلْتُ: فَإِنْ رَمَى الْجَمْرَةَ مِنْ فَوْقِهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: يُكَبِّرُ؟ قَالَ: يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً، قُلْتُ: بَعْدَ الرَّمْيِ أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ؟ قَالَ: يَرْمِي وَيُكَبِّرُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ حَرْبٍ، عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَرْمِي الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَرْمِي مِنْ فَوْقِ الْجَمْرَةِ، قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي لَا يَرْمِيهَا عَرْضًا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا لَمْ يَسْتَبْطِنِ الْوَادِيَ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُرْمَى إِلَيْهِ لَا فِيهِ، فَإِذَا رَمَى فِيهِ سَقَطَ وُقُوفُهُ عَلَى مَا عَلَاهُ، وَسَقَطَ بَعْضٌ مَاحِيَةً بِالرَّمْيِ.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وَهَذَا غَلَطٌ عَلَى الْمَذْهَبِ مَنْشَأُهُ الْغَلَطُ فِي نَقْلِ الرِّوَايَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ - الْمَذْهَبَ كَمَا حَكَيْنَاهُ، وَلَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي نَقَلَ مِنْهَا رِوَايَةَ حَرْبٍ كَانَ فِيهَا غَلَطٌ، فَإِنِّي نَقَلْتُ رِوَايَةَ حَرْبٍ مِنْ أَصْلٍ مُتْقَنٍ قَدِيمٍ مِنْ أَصَحِّ الْأُصُولِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي ; لِمَا «رَوَى قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيُّ: " أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.
«وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ فَاسْتَعْرَضَهَا فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ:
[ ٢ / ٥٣١ ]
هَذَا - وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ - مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى الشَّجَرَةَ اعْتَرَضَهَا فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَكَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا - وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ - قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَهُوَ رَاكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا كَانَ يَقُومُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ".
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " أَنَّهُ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي "، وَكَذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَلَا مَعْدِلَ عَنِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، أَمْ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَرْمِي مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِسُنَّتِهِ وَأَتْبَعُهُمْ لَهَا.
(الْفَصْلُ السَّابِعُ)
أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فَيَجْعَلُ الْجَمْرَةَ عَنْ يَمِينِهِ وَمِنًى وَرَاءَهُ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ كَمَا
[ ٢ / ٥٣٢ ]
ذِكَرَ الشَّيْخُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَ ; لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " أَنَّهُ لَمَّا أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ وَاسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، وَجَعَلَ الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا - وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ - رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ -، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَكُونُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلًا لِمِنًى، فَإِنَّهُ إِذَا وَافَى هَذِهِ الْجَمْرَةَ مَرَّ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا، فَإِذَا جَاوَزَهَا، ثُمَّ عَادَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِمِنًى مُسْتَدْبِرًا لِلْقِبْلَةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَإِنَّمَا يَرْمِيهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَأْزِمِ.
(الْفَصْلُ الثَّامِنُ)
أَنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَهَا