مَسْأَلَةٌ: (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا مُبَاحًا، فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ وَالْأَهْلِيِّ وَمَا حُرِّمَ أَكْلُهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إِلَّا مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحْرِمِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُبَاحُ لَهُ ذَبْحُ جَمِيعِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا كَرَاهَةٍ، وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْإِنْسِيُّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
[ ٢ / ١٢٥ ]
وَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَالْحَيَوَانِ الْبَحْرِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ حِلُّ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ صَيْدُ الْبَرِّ خَاصَّةً قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] مُطْلَقًا، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] بَيَانُ أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ حَلَالٌ لَنَا مُحِلِّينَ كُنَّا أَوْ مُحْرِمِينَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] فَكَانَ هَذَا مُبَيِّنًا وَمُفَسِّرًا لِمَا أَطْلَقَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وَهَذَا مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ١٢٦ ]
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " وَالدَّجَاجُ الْأَهْلِيُّ لَيْسَ بِصَيْدٍ قَوْلًا وَاحِدًا "، وَفِي الدَّجَاجِ السِّنْدِيِّ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ صَيْدٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَيْسَ بِصَيْدٍ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: صَيْدُ الْبَرِّ فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] فَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُمْ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُسْتَحِلِّي الصَّيْدِ فِي إِحْرَامِهِمْ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٤ - ٩٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ - أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦].
وَالصَّيْدُ الَّذِي يُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مُتَوَحِّشًا سَوَاءٌ اسْتَأْنَسَ أَوْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَمْلُوكًا.
[ ٢ / ١٢٧ ]
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَرِّيًّا وَهُوَ مَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَكْلُهُ، فَإِذَا كَانَ مُبَاحًا فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِغَيْرِ خِلَافٍ كَالظِّبَاءِ وَالْأَوْعَالِ وَالنَّعَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا تُوُلِّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ، كِالْعِسْبَارِ: وَهُوَ وَلَدُ الذِّيبَةِ مِنَ الضِّبْعَانِ، وَالسِّمْعُ: وَهُوَ وَلَدُ الضَّبُعِ مِنَ الذِّيبِ، وَمَا تُوُلِّدَ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ.
فَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ: فَقِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُؤْذِي فَالْمَأْمُورُ بِقَتْلِهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالثَّانِي غَيْرُ مُؤْذٍ: فَالْمُبَاحُ قَتْلُهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤْذِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُلُّ مَا قُتِلَ مِنَ الصَّيْدِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ أَحْمَدَ، وَفِي الْآخَرِ يَفْدِي الثَّعْلَبَ وَالسِّنَّوْرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ "، وَقَالَ: مَا يَفْدِي الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ؟ ..
قَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ -: وَالْأَمْرُ عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ
[ ٢ / ١٢٨ ]
عَقِيلٍ: مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا يُؤْذِي فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: لَا ضَمَانَ فِيهِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - إِنَّمَا جُعِلَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ، فَأَمَّا السَّبُعُ فَلَا أَرَى فِيهِ كَفَّارَةً.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ؟ فَقَالَ: يُؤْكَلُ، لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. قَالَ: وَكُلُّ مَا يُؤْدَى إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ إِذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِمُ، قِيلَ لَهُ: «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذِهِ خَارِجَةٌ مِنْهُ، وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا وَجَعَلَهَا صَيْدًا وَأَمَرَ فِيهِ بِالْجَزَاءِ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ، فَكُلُّ مَا وُدِيَ وَحُكِمَ فِيهِ: أُكِلَ لَحْمُهُ ".
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مُحْتَجًّا عَلَى إِبَاحَتِهَا: بِأَنَّهَا صَيْدٌ، يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ صَيْدًا فَهُوَ مُبَاحٌ.
وَعَنْ أَبِي الْحَارِثِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ؟ فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ، وَقَدْ جُعِلَ جَزَاؤُهُ بَدَنَةً، يَعْنِي أَنَّهُ مُبَاحٌ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الضِّفْدَعِ حُكُومَةً.
فَعَلَى طَرِيقَتِهِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ، كَالضِّفْدَعِ وَالنَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ
[ ٢ / ١٢٩ ]
وَالصُّرَدِ، وَمَا لَمْ يُنْهَ عَنْ قَتْلِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِي الثَّعْلَبِ إِذَا قُلْنَا: لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.
وَحَمَلَ الْقَاضِي نَصَّ أَحْمَدَ فِي الْجَزَاءِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَقُولُ: يُؤْكَلُ، لَكِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ نَصُّ أَحْمَدَ وَقَوْلُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ: أَنَّ الثَّعْلَبَ يُؤْدَى بِكُلِّ حَالٍ.
وَالثَّانِيَةُ: فِيهِ الْكَفَّارَةُ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَسِنْدِيٍّ -: " فِي الثَّعْلَبِ الْجَزَاءُ "، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: أَكْثَرُ مَذْهَبِهِ - وَإِنْ كَانَ يُؤْدَى - فَإِنَّهُ عِنْدَهُ سَبُعٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ -: الثَّعْلَبُ يُؤْدَى لِتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ وَلَا يَلْبَسُهُ ; لِأَنَّهُ سَبُعٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ ثَعْلَبًا: " قَالَ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ هُوَ صَيْدٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " سَأَلْتُ أَبِي قُلْتُ: مَا تَرَى فِي أَكْلِ الثَّعْلَبِ؟ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كُلِّ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِيهِ إِلَّا عَطَاءً، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِجُلُودِهِ يُصَلَّى فِيهَا ; لِأَنَّهَا تُؤْدَى يَعْنِي فِي الْمُحْرِمِ إِذَا أَصَابَهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ ".
[ ٢ / ١٣٠ ]
وَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ جَزَاءٌ يُرَخَّصُ فِيهِ فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُؤْدَى مَعَ أَنَّهُ سَبُعٌ ".
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي السِّنَّوْرِ - الْأَهْلِيِّ وَغَيْرِ الْأَهْلِيِّ -: " حُكُومَةٌ ".
مَعَ أَنَّ الْأَهْلِيَّ لَا يُؤْكَلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَالْوَحْشُ: فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ -: فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ شَاةٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَكَذَلِكَ الْوَبَرُ فِيهَا الْجَزَاءُ مَعَ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي إِبَاحَةِ الْوَبَرِ وَالْيَرْبُوعِ، وَحُكِيَ عَنْهُ الْخِلَافُ فِي الْأَرَانِبِ أَيْضًا - وَأُمُّ حُبَيْنٍ فِيهَا الْجَزَاءُ فِي وَجْهٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي بَعْضِ كُتُبِهِ - وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ إِلَّا فِي الْمَأْكُولِ، وَحَمَلَ نُصُوصَهُ فِي الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ عَلَى
[ ٢ / ١٣١ ]
الْقَوْلِ بِأَكْلِهِ، وَنَصُّهُ فِي السِّنَّوْرِ الْأَهْلِيِّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ: غَلَطٌ، فَإِنَّهُ قَدْ نُصَّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الثَّعْلَبِ مَعَ حُكْمِهِ بِأَنَّهُ سَبُعٌ مُحَرَّمٌ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: يُضْمَنُ مَا تَعَارَضَ فِيهِ دَلِيلُ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حَرَامٌ قَوْلًا وَاحِدًا، كَالصُّرَدِ وَالْهُدْهُدِ وَالْخُطَّافِ وَالثَّعْلَبِ وَالْيَرْبُوعِ وَالْجَفْرَةِ، كَمَا يُضْمَنُ السِّمْعُ وَالْعِسْبَارُ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَجُوسِ - لَمَّا تَعَارَضَ فِيهِمْ سُنَّةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسُنَّةُ الْمُشْرِكِينَ -: حَرُمَ طَعَامُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ كَالْمُشْرِكِينَ، وَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ بِالْجِزْيَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ.
فَكَذَلِكَ هَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تُشْبِهُ السِّبَاعَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتُشْبِهُ الْبَهَائِمَ الْمُبَاحَةَ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلُهَا وَيَدِيهَا كَالْمَأْكُولِ، وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا كَالسِّبَاعِ.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وَعَلَى طَرِيقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ فَجَمِيعُ الدَّوَابِّ الْمُحَرَّمَةِ إِذَا لَمْ تُؤْدَ: رِوَايَتَانِ كَالسِّنَّوْرِ الْأَهْلِيِّ.
فَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].
فَلَمَّا أَبَاحَ صَيْدَ الْبَحْرِ مُطْلَقًا، وَحَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ مَا دُمْنَا مُحْرِمِينَ: عُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ الْمُحَرَّمَ بِالْإِحْرَامِ هُوَ مَا أُبِيحَ فِي الْإِحْلَالِ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ تَحْرِيمَهُ بِالْإِحْرَامِ، وَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِهِ لَا يُعَلَّقُ تَحْرِيمُهُ بِالْإِحْرَامِ، فَعُلِمَ أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُبَاحٌ بَعْدَ الْإِحْلَالِ، كَمَا نَصَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إِبَانَةَ إِحْلَالِهِ وَنَحْنُ حَلَالٌ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: «سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: الضَّبُعُ آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتَ ذَاكَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ» ". رَوَاهُ
[ ٢ / ١٣٣ ]
فَلَوْلَا أَنَّ الصَّيْدَ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ لَمْ يَسْأَلْ: أَصَيْدٌ هِيَ أَمْ لَا؟ وَلَوْلَا أَنَّ الصَّيْدَ نَوْعٌ مِنَ الْوَحْشِيِّ لَمْ يُخْبِرِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهَا أَنَّهَا صَيْدٌ، وَلَوْ كَانَ كَوْنُهَا صَيْدًا بِاللُّغَةِ أَوْ بِالْعُرْفِ لَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ لِتَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهَا صَيْدٌ عُلِمَ أَنَّ كَوْنَ الْبَهِيمَةِ صَيْدًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحِلُّ أَكْلُهُ.
وَوَجْهُ الثَّانِي:
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الضِّفْدَعِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لَا شَيْءَ فِيهِ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: لَا أَعْرِفُ فِي الضِّفْدَعِ حُكُومَةً، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ فِيهِ حُكُومَةٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ؟ وَهَذَا قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُ.
وَالثَّانِيَةُ: فِيهِ الْجَزَاءُ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: هُشَيْمٌ ثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَأَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ نَحْوُ السُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ وَالضَّفَادِعِ.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَخَذَ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى.
فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يُضْمَنُ فَإِنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ بِلَا تَرَدُّدٍ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: يَفْسُقُ بِفِعْلِهِ عَمْدًا.
وَمَا لَا يُضْمَنُ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالذِّئْبَ وَالسُّبُعَ وَكُلَّ مَا عَدَا مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُ الْقِرْدَ وَالنَّسْرَ وَالْعُقَابَ إِذَا وَثَبَ وَلَا كَفَّارَةَ.
فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْدُوَ عَلَيْهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ.
وَفِي لَفْظٍ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحِدَأَ وَالْغُرَابَ الْأَبْقَعَ، وَالزُّنْبُورَ وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْفَأْرَةَ، وَالذِّئْبَ وَالسَّبُعَ، وَالْكَلْبَ، وَيَقْتُلُ الْقِرْدَ، وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَيَقْتُلُ النَّسْرَ وَالْعُقَابَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ شَبِيهٌ بِالْحِدَأِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ
[ ٢ / ١٣٥ ]
- ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِهَا مُحْرِمًا وَغَيْرَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ يَخْطِفُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الْكَفَّارَةُ وَالْجَزَاءُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ، وَهَذَا سَبُعٌ فَلَا كَفَّارَةَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الذَّرَّ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - يَقْتُلُ السَّبُعَ عَدَا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْدُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - يَقْتُلُ الْقَمْلَ، وَيَقْتُلُ الْمُحْرِمُ النَّمْلَةَ إِذَا عَضَّتْهُ، وَلَا يَقْتُلُ النَّحْلَةَ فَإِنْ آذَتْهُ قَتَلَهَا، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ الذَّرِّ، وَالصُّرَدِ، وَالصُّرَدُ طَيْرٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: يُقَرِّدُ الْمُحْرِمُ بَعِيرَهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمَرُّوذِيِّ -: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَكُلَّ سَبُعٍ عَدَا عَلَيْكَ، أَوْ عَقَرَكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْكَ.
وَجُمْلَةُ هَذَا: أَنَّ مَا آذَى النَّاسَ أَوْ آذَى أَمْوَالَهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُ مُبَاحٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الْأَذَى كَالسَّبُعِ الَّذِي قَدْ عَدَا عَلَى الْمُحْرِمِ أَوْ لَا يُؤْمَنُ أَذَاهُ، مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، فَإِنَّ هَذِهِ الدَّوَابَّ وَنَحْوَهَا تَدْخُلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَيَعُمُّ بَلْوَاهُمْ بِهَا فَأَذَاهُمْ بِهَا غَيْرُ مَأْمُونٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: قَتْلُهَا مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ:
[ ٢ / ١٣٦ ]
حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْحِدَأَةَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْغُرَابَ» ".
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ "، وَفِي لَفْظٍ: " فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: " «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ؛ الْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ، الْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ مَا يَقْتُلُ مِنَ الدَّوَابِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ وَالْحَيَّةِ، قَالَ وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا،» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ وَذَكَرَهُ».
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ؛ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ».
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقَةٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ وَلَا يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ؛ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحَيَّةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ؛ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْفُوَيْسِقَةَ وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحِدَأَةَ وَالسَّبُعَ الْعَادِيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ.
فَذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَسَمَّاهُنَّ فَوَاسِقَ لِخُرُوجِهِنَّ عَلَى النَّاسِ.
وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ (خَمْسٌ) عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ ; لِأَنَّ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ ذَكَرَ الْحَيَّةَ، وَفِي الْآخَرِ ذَكَرَ الْعَقْرَبَ، وَفِي آخَرَ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ السَّبُعَ الْعَادِيَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَثِيرًا وَهُوَ هَذِهِ الدَّوَابُّ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِفُسُوقِهَا ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ الْمُنَاسِبِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ، فَحَيْثُ مَا وُجِدَتْ دَابَّةٌ فَاسِقَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تَضُرُّ النَّاسَ وَتُؤْذِيهِمْ جَازَ قَتْلُهَا.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وَقَوْلُهُ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ -: «يَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ». إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ بَعْدَ النَّهْيِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّغْيِيرُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ يَكُونَ رَمْيُهُ هُوَ الْأَوْلَى وَقَتْلُهُ جَائِزًا.
فَأَمَّا مَا هُوَ مُضِرٌّ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ النَّاسَ بِالْأَذَى فِي مَسَاكِنِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، وَإِنَّمَا إِذَا اجْتَمَعَ بِالنَّاسِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَتَاهُ النَّاسُ آذَاهُمْ، مِثْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، مِثْلِ الْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالدُّبِّ، وَالْفَهْدِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْبَاشِقِ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْلِ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ.
وَقَدْ نَصَّ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - عَلَى أَنَّهُ يَقْتُلُ السَّبُعَ عَدَا عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَعْدُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَالصَّيْدُ اسْمٌ لِلْمُبَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَبَاحَ قَتْلَ السَّبُعِ الْعَادِي، وَالْعَادِي صِفَةٌ لِلسَّبُعِ سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ الْعُدْوَانُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ. كَمَا قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكَمَا يُقَالُ: السَّيْفُ قَاطِعٌ، وَالْخُبْزُ مُشْبِعٌ، وَالْمَاءُ مُرْوٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ السَّبُعِ وَبَيْنَ الصَّيْدِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، قَالُوا: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَكَرَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ أَدْنَاهُ ضَرَرًا لِيُنَبِّهَ بِإِبَاحَةِ قَتْلِهِ عَلَى إِبَاحَةِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ضَرَرًا، فَنَصَّ عَلَى الْفَأْرَةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا مِنَ
[ ٢ / ١٤٠ ]
الْحَشَرَاتِ، وَذَكَرَ الْغُرَابَ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ الْجَوَارِحِ، وَذَكَرَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَهُوَ أَدْنَى السِّبَاعِ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى سَائِرِ السِّبَاعِ.
قَالُوا: وَفَحْوَى الْخِطَابِ تَنْبِيهُهُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِهِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: الْكَلْبُ الْعَقُورُ اسْمٌ لِجَمِيعِ السِّبَاعِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي دُعَائِهِ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ، فَأَكَلَهُ السَّبُعُ ".
[ ٢ / ١٤١ ]
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْتَلُ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ، فَإِذَا لَمْ يَعْدُ فَلَا يَنْبَغِي قَتْلُهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْدُوَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا -: يَقْتُلُ مَا عَدَا عَلَيْهِ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
فَخَصَّ قَتْلَهُ بِمَا إِذَا عَدَا عَلَيْهِ أَوْ بِمَا إِذَا عَدَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ إِذَا لَمْ يَعْدُ. وَلَوْ أَرَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الْعُدْوَانَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلسَّبُعِ لَمْ يَقُلْ: كُلُّ مَا عَدَا مِنَ السِّبَاعِ، فَإِنَّ جَمِيعَ السِّبَاعِ عَادِيَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَفْتَرِسُ وَلِذَلِكَ حَرُمَ أَكْلُهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ عُدْوَانًا تُنْشِئُهُ وَتَفْعَلُهُ، فَلَا تُقْصَدُ فِي مَوَاضِعِهَا وَمَسَاكِنِهَا فَتُقْتَلُ، إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْدُوَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَالْأَسَدِ، فَيُقْتَلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْدُوَ دُونَ أَوْلَادِهَا الصِّغَارِ، وَدُونَ مَا لَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَيُنْظَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ قَالَ: يَقْتُلُ السَّبُعَ مُطْلَقًا ول الهم.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: وَيُقْتَلُ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكُلُّ سَبُعٍ عَدَا عَلَيْكَ أَوْ عَقَرَكَ.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنَ السِّبَاعِ هُوَ الَّذِي يَعْدُو عَلَى الْمُحْرِمِ وَيُرِيدُ عَقْرَهُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَوْ أَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْإِذْنَ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَقَالَ: يَقْتُلُ كُلَّ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَيَقْتُلُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، فَإِنَّهُ - ﷺ - كَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، أَلَا تَرَاهُ لَمَّا أَرَادَ النَّهْيَ عَنْهَا قَالَ: " «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ» ". وَلَمْ يُعَدِّدْ أَنْوَاعًا مِنْهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَّلَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُنَّ فَوَاسِقُ، وَالْفَاسِقُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يَقْصِدَهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَمَّا مَنْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُقْصَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَيْسَ بِفَاسِقٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ خَصَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَلَوْ قَصَدَ مَا لَا يُؤْكَلُ، أَوْ مَا هُوَ سَبُعٌ فِي
[ ٢ / ١٤٣ ]
الْجُمْلَةِ لَمْ يَخُصَّ الْعَقُورَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْكَلْبَ سَبُعٌ مِنَ السِّبَاعِ، وَأَكْلُهُ حَرَامٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ مَا يَأْتِي النَّاسَ فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَيَعُمُّ بَلْوَاهُمْ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِقَتْلِهِ، مِثْلُ الْحُدَيَّا، وَالْغُرَابِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ إِهْدَارُهُ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ إِلَّا بِنَصٍّ آخَرَ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَالَ: وَالسَّبُعُ الْعَادِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعُدْوَانُ صِفَةً لَازِمَةً، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ السَّبُعَ الَّذِي يَعْتَدِي، أَوِ السَّبُعَ إِذَا اعْتَدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ أَوِ السَّبُعَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى النَّاسِ فَيَأْتِيَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. كَمَا يُقَالُ: الرَّجُلُ الظَّالِمُ، كَمَا قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، فَكَانَ ذَلِكَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الْكِلَابِ ; فَلِذَلِكَ هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ السِّبَاعِ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعُدْوَانَ الَّذِي فِي طِبَاعِ السِّبَاعِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَفْتَرِسُ غَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ لَكَانَتْ جَمِيعُ السِّبَاعِ عَادِيَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَتَبْقَى الصِّفَةُ ضَائِعَةً، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَأْتِي لِلتَّوْكِيدِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّقْيِيدُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ مَعَ أَنَّ الْعُدْوَانَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ صِفَةً تَخُصُّ بَعْضَ السِّبَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصِّفَاتِ أَنْ تَكُونَ لِتَمْيِيزِ الْمَوْصُوفِ مِمَّا شَارَكَهُ فِي الِاسْمِ وَتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهَا، وَقَدْ تَجِيءُ لِبَيَانِ حَالِ الْمَوْصُوفِ وَإِظْهَارِهِ وَإِيضَاحِهِ، لَكِنَّ هَذَا خِلَافٌ لِلْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ فِي إِظْهَارِ الصِّفَةِ فَائِدَةٌ مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى شَيْءٍ خَفِيٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهُنَا قَالَ: الْعَادِي، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَادِي تَقْيِيدًا لِلسَّبُعِ أَوْ إِخْرَاجًا لِلسَّبُعِ الَّذِي لَيْسَ
[ ٢ / ١٤٤ ]
بِعَادٍ، إِذْ إِرَادَةُ عُدْوَانٍ لَازِمٍ: مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْعُدْوَانُ الطَّبِيعِيُّ مَعْلُومٌ بِنَفْسِ قَوْلِهِ: سَبُعٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُدْوَانَ الَّذِي هُوَ فِعْلُ السَّبُعِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وَالْعُدْوَانُ الَّذِي هُوَ طَبْعُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.
السَّابِعُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدَّوَابِّ قَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا فِي الْإِحْلَالِ، مِثْلُ الضِّفْدَعِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْإِحْرَامِ؟ وَقَدْ قَالَ فِي الْفَوَاسِقِ: " يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ".
الثَّامِنُ: أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ فِي الْكِلَابِ: «لَوْلَا أَنَّهَا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَهَا أُمَّةً وَصْفٌ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِيعَابِهَا بِالْقَتْلِ لِتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ تَعْبُدُ اللَّهَ وَتُسَبِّحُهُ، نَعَمْ خَصَّ مِنْهَا مَا يَضُرُّ بَنِي آدَمَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ;
[ ٢ / ١٤٥ ]
لِأَنَّ رِعَايَةَ جَانِبِهِمْ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ جَانِبِهِ، وَيَبْقَى مَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ.
فَعَلَى هَذَا قَتْلُهُ: حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ لَا جَزَاءَ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ هَذَا، فَغَيْرُهُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا فِي طَبْعِهِ الْأَذَى أَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَالسَّبُعَ، وَالذِّئْبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ الْأَبْقَعَ، وَالزُّنْبُورَ، وَالْقِرْدَ، وَالنَّسْرَ، وَالْعُقَابَ إِذَا وَثَبَ عَلَيْهِ، وَالْبَقَّ، وَالْبَعُوضَ، وَالْحَلَمَ، وَالْقِرْدَانَ، وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ وَآذَاهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبَاحُ قَتْلُ كُلِّ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَسَمَّى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالَ: وَالْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالْبَعُوضُ وَالْقُرَادُ وَالْوَزَغُ وَسَائِرُ الْحَشَرَاتِ وَالذُّبَابِ، وَيَقْتُلُ النَّمْلَ إِذَا آذَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، قِسْمٌ يَضُرُّ
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَلَا يَنْفَعُ: كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْجِرْجِسِ وَالْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَعُوضِ وَالْعَلَقِ وَالْقُرَادِ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ.
الثَّانِي: مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ: كَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ مِنَ الطَّيْرِ وَالْمِخْلَبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَقَتْلُهُ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
الثَّالِثُ: مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ: كَالْخَنَافِسِ وَالْجِعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالرَّخَمِ وَالذُّبَابِ وَالنَّحْلِ، وَالنَّمْلِ إِذَا لَمْ يَلْسَعْهُ يُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا يَحْرُمُ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْقِسْمِ ، وَهُوَ مَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَذَكَرْنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَضُرَّ، ثُمَّ قَدْ أَدْخَلُوا فِيهِ الْكَلْبَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: مِنَ الْمُؤْذِي، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي: فِيمَا لَا يُؤْذِي وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا يَجُوزُ أَكْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْمَنَ.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَأَمَّا الذَّرُّ: فَقَدْ رَوَى عَنْهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ الذَّرِّ».
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْقَمْلَةَ، وَلَا يَقْتُلَ النَّمْلَةَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا يَقْتُلُ الضِّفْدَعَ، وَهَذِهِ الْمَنْهِيَّاتُ عَنْ قَتْلِهَا، مِثْلُ الصُّرَدِ وَالنَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، مَرَدُّ هَلْ هُوَ مَنْعُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَا يَقْتُلُ النَّمْلَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا الضِّفْدَعَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، فَقَالَ: " إِذَا آذَتْهُ قَتَلَهَا "، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّحْلِ وَالصُّرَدِ وَهُوَ طَيْرٌ ".
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ - فِي الضَّفَادِعِ لَا تُؤْكَلُ وَلَا تُقْتَلُ: «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ».
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الضِّفْدَعُ لَا يُؤْكَلُ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: «النَّبِيُّ - ﷺ - نَهَى عَنْ أَنْ يُجْعَلَ فِي الدَّوَاءِ مَنْ يَأْكُلُهُ!». فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَتْلَهَا وَأَكْلَهَا سَوَاءٌ وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
[ ٢ / ١٤٨ ]
فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْهُ النَّحْلَةُ أَوِ النَّمْلَةُ أَوْ تَعَلَّقَ الْقُرَادُ بِبَعِيرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُ أَدْنَاهُ بِدُونِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ النَّمْلَةَ بَعْدَ أَنْ تَقْرُصَهُ.
فَصْلٌ.
وَمَا حَرُمَ قَتْلُهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَصْدُ قَتْلِهِ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَسَبُّبٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمَلُّكُهُ بِاصْطِيَادٍ أَوِ ابْتِيَاعٍ أَوِ اتِّهَابٍ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّمَلُّكَاتِ مِثْلَ كَوْنِهِ عِوَضًا فِي صَدَاقٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فَإِنْ قَبَضَهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ فَتَلَفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ، وَضَمِنَ الْقِيمَةَ لِمَالِكِهِ بِخِلَافِ مَا قَبَضَهُ بِعَقْدِ الْهِبَةِ، وَمَتَى رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ زَالَ الضَّمَانُ.
فَأَمَّا مِلْكُهُ بِالْإِرْثِ: فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَإِذَا اصْطَادَهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى حَلَّ: فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ الِاصْطِيَادِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ ذَبَحَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ فَهُوَ مَيْتَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ أَكْلُهُ وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ ذَبِيحَةُ حَلَالٍ، أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَالْغَاصِبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَالْأَوَّلُ: أَجْوَدُ ; لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ.
وَإِذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ لَيْسَتْ يَدُهُ الْحِسِّيَّةُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَكُونَ فِي مُصَرَّةٍ غَائِبًا عَنْهُ: فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ الْحِسِّيَّةُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ مَرْبُوطًا مَعَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ، أَوْ هُوَ فِي قَفَصِهِ أَوْ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِزَالَةُ يَدِهِ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ - فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ يُرْسِلُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يُحْرِمُ وَفِي بَيْتِهِ النَّعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَزَالَ يَدَهُ إِنْسَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَزَالَ يَدَهُ عَنِ الْمُكَاتَبِ.
وَأَمَّا مِلْكُهُ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى حَلَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ بِخِلَافِ مَا اصْطَادَهُ فِي
[ ٢ / ١٥٠ ]
الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتَدَامَتُهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ لَا يَجِبُ إِزَالَتُهُ إِذَا اسْتَدَامَهُ فِي الْحَلَالِ كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوِ اصْطَادَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَأَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ وَاجِبًا، فَإِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ أَوْ ذَبَحَهُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِ الْمَمْلُوكِ صَيْدُهُ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ.
وَظَاهِرُهُ الْفَرْقُ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الصَّيْدَ أَوْ يَهَبَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ -: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَصَرُّفَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ شَرْعًا عَنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا هَلْ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ؟
وَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَهَبَهُ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ إِزَالَةَ يَدِهِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ إِزَالَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ إِزَالَةِ الْيَدِ، وَلِهَذَا نَقُولُ فِي الْعَبْدِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ عِنْدَ سَيِّدِهِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِقْرَارِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِمُسْلِمٍ وَيَهَبَهُ لَهُ، هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْيَدُ الْحِسِّيَّةُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي الْحَالِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ.
[ ٢ / ١٥١ ]
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ -: أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ مِنْ حَلَالٍ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ يَدِهِ، وَهَذَا يُلَائِمُ حَالَهُ فَعَلَى هَذَا.
وَإِذَا بَاعَهُ ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَ الْبَيْعِ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي أَوْ لِعَيْبٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ لِخِيَارِ شَرْطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ بِمِلْكٍ إِلَّا أَنْ نَقُولَ إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ مِثْلَ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ الْمَنْعَ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَلَالًا وَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ الْمُحْرِمِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَلَهُ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ..
فَإِذَا صَارَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَزِمَهُ إِطْلَاقُهُ لِأَجْلِ إِحْرَامِهِ، وَيَتَخَرَّجُ إِذَا قُلْنَا: لَا يُورَثُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُحْرِمًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى بَائِعٍ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهُوَ كَابْتِدَاءِ بَيْعِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ عَلَيْهِ: لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ أَرَادَ الْوَاهِبُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا طَلَّقَ
[ ٢ / ١٥٢ ]
امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَالصَّدَاقُ صَيْدٌ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ طَلَاقِهَا، لَكِنْ هَلْ يَدْخُلُ نِصْفُ الصَّدَاقِ فِي مِلْكِهِ؟ ..
فَصْلٌ.
وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا: فَهُوَ حَرَامٌ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ كَافِرٌ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ، وَتَسْمِيَةُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَيْتَةً: بِمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَيْتَةِ، إِذْ حَقِيقَةُ الْمَيْتَةِ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ لَمْ يَأْكُلْهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ.
وَفِي لَفْظٍ لِحَنْبَلٍ وَإِبْرَاهِيمَ فِي مُحْرِمٍ ذَبَحَ صَيْدًا: " هُوَ مَيْتَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَسَمَّاهُ قَتْلًا فَكُلُّ مَا اصْطَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَتْلٌ قَتَلَهُ.
وَفِي لَفْظٍ: لَا إِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ لَمْ يَأْكُلْهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ قَتْلًا فَلَا يُعْجِبُنَا لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَهُ.
وَذَلِكَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَسَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَمْيَ
[ ٢ / ١٥٣ ]
الصَّيْدِ بِالسَّهْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَتْلًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ تَذْكِيَةً.
وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ حَرَامًا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ، كَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ، وَعَنِ الْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَعَنْ قَتْلِ الْآدَمِيِّ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ يَقْتَضِي شَرَفَهُ وَكَرَامَتَهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَتَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ سَمَّى جُرْحَهُ قَتْلًا، وَالْقَتْلُ إِذَا أُطْلِقَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفِعْلَ الْمُزْهِقَ لِلرُّوحِ الَّذِي لَا يَكُونُ ذَكَاةً شَرْعِيَّةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَنْزِلُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ»، وَقَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ» وَقَالَ «اقْتُلُوا الْأَبْتَرَ وَذُو
[ ٢ / ١٥٤ ]
الطُّفْيَتَيْنِ» وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَعِجُّ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: رَبِّي سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي».
[ ٢ / ١٥٥ ]
«وَسُئِلَ عَنْ ضِفْدَعٍ تُجْعَلُ فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: " إِنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ»، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَقَالَ فِي الْفِعْلِ الْمُبِيحِ: «إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ»، وَقَالَ: «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ»، وَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ ".
[ ٢ / ١٥٦ ]
فَلَمَّا سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَمْيَ الصَّيْدِ بِالسَّهْمِ وَإِزْهَاقَ رُوحِهِ قَتْلًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ ذَكَاةً وَلَا عَقْرًا، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مُذَكًّى تَذْكِيَةً شَرْعِيَّةً.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا عَقْرٌ قَدْ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ لِمَعْنًى فِي الْقَاتِلِ، فَلَمْ يُفِدِ الْإِبَاحَةَ وَلَا الطَّهَارَةَ كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، وَعَكْسُهُ ذَبْحُ الْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ - إِنْ سَلِمَ - فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْمَالِكِ، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَطِبْ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ حَالُ الْغَاصِبِ قَبْلَ الْإِذْنِ وَبَعْدَهُ، إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَغْصُوبِ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّ إِحْرَامَهُ صِفَةٌ فِي نَفْسِهِ تَكُونُ مَعَ وُجُودِ الصَّيْدِ وَعَدَمِهِ كَدَيْنِ الْمُشْرِكِ وَالْمُرْتَدِّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَقْرٌ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ فَلَمْ يُفِدِ الْإِبَاحَةَ، كَالْعَقْرِ فِي غَيْرِ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَبِكَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، وَبِدُونِ التَّسْمِيَةِ وَبِدُونِ قَصْدِ الذَّكَاةِ، وَعَقْرِ الْمُشْرِكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ قَبْلَ الذَّكَاةِ حَرَامٌ فَلَا يُبَاحُ إِلَّا بِأَنْ يُذَكَّى عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْفَرْجَ قَبْلَ الْعَقْدِ مُحَرَّمٌ، فَلَا يُبَاحُ إِلَّا بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ، فَإِذَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ عَقْرِهِ لَمْ يَكُنْ عَقْرُهُ مَشْرُوعًا، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوْ نَكَحَ الْمَرْأَةَ نِكَاحًا لَمْ يُبِحْهُ الشَّارِعُ ; وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُبِيحُهُ الْمَقْتُولَ لِقَاتِلِهِ بِحَالٍ، فَلَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ كَسَائِرٍ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ مِنَ الْقَتْلِ ; وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَا يُفِيدُ الْحِلَّ كَذَبْحِ الْإِنْسَانِ وَالضِّفْدَعِ وَالْهُدْهُدِ ; وَلِأَنَّ جُرْحَ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَالْإِبَاحَةَ، وَاقْتِضَاؤُهُ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنِ اقْتِضَائِهِ الْإِبَاحَةَ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إِثْبَاتِهِ وَبِدُونِ قَصْدِ الذَّكَاةِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْرِكِ، فَإِذَا كَانَ جُرْحُ الصَّيْدِ فِي حَالِ الصَّيْدِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، فَأَنْ لَا يُفِيدَ الْإِبَاحَةَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَصَيْدُ الْحَرَمِ - إِذَا ذُبِحَ فِيهِ - بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ: كَالصَّيْدِ الَّذِي يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ،
[ ٢ / ١٥٧ ]
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: إِذَا ذُبِحَ فِي الْحِلِّ. وَنَقَلَ عَنْهُ أَيْضًا: إِذَا رَمَاهُ فِي الْحِلِّ فَتَحَامَلَ فَدَخَلَ الْحَرَمَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ ".
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ فَلَا يُصْطَادُ، وَلَا أَرَى أَنْ يُذْبَحَ إِلَّا أَنْ يُدْخَلَ مَذْبُوحًا مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فَيَأْكُلَهُ، وَلَا أَرَى أَنْ يَذْبَحَ شَيْئًا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ وَلَا الْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ صَيْدُ الْمَدِينَةِ الَّذِي يُصْطَادُ فِيهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: صَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ أَكْلُهُ حَرَامٌ صَيْدُهُ، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: الْفَرْقُ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ فِي الصَّيْدِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهَا مِنْ خَارِجٍ بِخِلَافِ حُرْمَةِ حَرَمِ مَكَّةَ.
وَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْحَرَمِ ثُمَّ ذَبَحَهُ: لَمْ يَحِلَّ أَيْضًا كَمَا لَوْ أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ ثُمَّ ذَبَحَهُ، وَإِذَا اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي الذَّكَاةِ.
وَإِنْ أَعَانَ الْمُحْرِمُ حَلَالًا بِدَلَالَةٍ أَوْ إِعَارَةِ آلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: هُوَ ذَكِيٌّ مُبَاحٌ لِلْحَلَالِ وَلِغَيْرِ الْمُحْرِمِ الدَّالِّ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي
[ ٢ / ١٥٨ ]
قَتَادَةَ: «فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، قَالَ: فَقَالُوا: أَكَلْنَا لَحْمًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالُوا: أَنَأْكَلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ. فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «هَلْ مَعَكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ".
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ حَرُمَ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا أَبَانَ الْمُحْرِمُ فَاصْطَادَهُ حَلَالٌ: فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ وَلَا يَأْكُلُ الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ.
وَلِأَنَّهُ إِذَا أَعَانَ الْمُحْرِمُ عَلَى قَتْلِهِ: كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَضَمَانُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ مَيْتَةً، فَإِنَّ الذَّكِيَّ لَا يُضْمَنُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ الْحَلَالُ لِحَرَمٍ.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَةً أَوْ قَطَعَ شَجَرَةً: لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى الصَّيْدِ جَازَ لَهُ عَقْرُهُ، وَيَأْكُلُهُ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ; لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ أَكْلَ جَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْعُ لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَالصَّيْدُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ.
وَإِذَا قَتَلَهُ: فَهَلْ يَكُونُ ذَكِيًّا بِحَيْثُ يُبَاحُ أَكْلُهُ لِلْمُحِلِّينَ أَوْ مَيْتَةً؟ قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ ذَكَاةٌ بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ قَتْلًا.
وَإِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَصَيْدًا: فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَدَعُ الصَّيْدَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ اسْتَثْنَى حِلَّ الْمَيْتَةِ فِي كِتَابِهِ لِلْمُضْطَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَلَمْ يَسْتَثْنِ حِلَّ الصَّيْدِ لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ اسْتِدْلَالًا وَقِيَاسًا، وَمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالنَّصِّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي هَذَا الْحَالِ قَدْ لَا يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى الصَّيْدِ.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ يَحْرُمُ أَخْذُهُ وَقَتْلُهُ وَأَكْلُهُ، وَالْمَيْتَةُ إِنَّمَا يَحْرُمُ أَكْلُهَا خَاصَّةً، وَمَا حَرُمَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَفْعَالٍ، أَعْظَمُ مِمَّا يَحْرُمُ فِيهِ فِعْلٌ وَاحِدٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ قَدْ صَارَ بِالْإِحْرَامِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يُشْبِهُ الْآدَمِيَّ وَمَالَهُ، وَالْمَيْتَةُ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا، فَيَكُونُ اسْتِحْلَالُ مَا لَا حُرْمَةَ لَهُ أَوْلَى مِنِ اسْتِحْلَالِ مَا هُوَ مُحْتَرَمٌ، كَمَا تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ يُوجِبُ بَقَاءَ الْجَزَاءِ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمَيْتَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: الصَّيْدُ أَيْسَرُ ; لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ ذَكِيٌّ وَأَنَّ أَكْلَهُ حَلَالٌ، قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ ; لِأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ حَلَالٌ لِلْقَاتِلِ وَلَا ذَكِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ حَلَالًا لِغَيْرِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَطَعَامِ الْغَيْرِ مَعَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّ الْمَيْتَةَ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا قَدْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَأْكُلُ ذَبِيحَةَ الْمُحْرِمِ هُنَا وَيَتْرُكُ الْمَيْتَةَ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَفْعَلَ فِي الصَّيْدِ غَيْرَ الْأَكْلِ، وَأَكْلُهُ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ; لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مَيْتَةٌ وَذَكِيٌّ.
فَأَمَّا إِنْ ذَبَحَ هُوَ الصَّيْدَ فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْمَيْتَةَ.
وَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَطَعَامًا مَمْلُوكًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ فَقَالَ يُقَدِّمُ أَكْلَ طَعَامِ الْغَيْرِ، وَقِيلَ.
[ ٢ / ١٦١ ]
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا صَادَهُ الْحَلَالُ بِغَيْرِ مَعُونَةٍ مِنَ الْمُحْرِمِ وَذَكَّاهُ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ وَلَا عَقَرَهُ لِأَجْلِهِ، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِهِ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْحَلَالِ، حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْحَرَامُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ؟ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ; فَقَالَ: إِذَا صِيدَ الصَّيْدُ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَأْكُلْهُ الْمُحْرِمُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الصَّيْدِ إِذَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلَالٌ إِلَّا مَا صِدْتُمْ أَوْ صِيدَ لَكُمْ» " وَكَرِهَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِمَا صِيدَ لَهُ.
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَهُمْ حُرُمٌ، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ صَادَهُ وَهُوَ حَلَالٌ، فَإِذَا صَادَهُ الْحَلَالُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُحْرِمُ إِذَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا يَأْكُلُهُ إِذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ.
وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ لَحْمَ الصَّيْدِ، وَكَانُوا ذَهَبُوا إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ .
[ ٢ / ١٦٣ ]
قِيلَ: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ ثِقَةٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ» " وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كَرَاهَةِ صَيْدِ الْحَلَالِ لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ إِبَاحَتِهِ لَهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: " «أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَحْمَ حِمَارٍ " وَفِي رِوَايَةٍ: " مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ " وَفِي رِوَايَةٍ:
[ ٢ / ١٦٤ ]
" شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ " وَفِي رِوَايَةٍ: " عَجُزَ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا " رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
فَهَذَا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ أَعَانَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَادُ لَهُ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى لَمَّا أَهْدَاهُ أَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِ ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَدْ تَسَامَعُوا بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلٌّ يُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِبَ إِلَيْهِ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ الصَّعْبَ إِنَّمَا صَادَهُ لِأَجْلِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا يَكُونُ تَرْكُهُ وَاجِبًا، أَوْ يَكُونُ خَشِيَ ﷺ أَنْ يَكُونَ صِيدَ لِأَجْلِهِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَهُ تَنَزُّهًا، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁، كَمَا كَانَ يَدَعُ التَّمْرَةَ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ، قَالَ: " أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، وَقَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ».
[ ٢ / ١٦٥ ]
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشِيقَةُ ظَبْيٍ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - وَلَمْ يَأْكُلْهُ» " رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْوَشِيقَةُ مَا طُبِخَ وَقُدِّدَ.
وَعَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ - «وَكَانَ الْحَارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمَانَ عَلَى الطَّائِفِ " فَصَنَعَ لِعُثْمَانَ طَعَامًا فِيهِ مِنَ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ
[ ٢ / ١٦٦ ]
وَلَحْمِ الْوَحْشِ، وَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لِأَبَاعِرَ لَهُ، فَجَاءَهُ وَهُوَ يَنْفُضُ الْخَبْطَ عَنْ يَدِهِ فَقَالُوا لَهُ: كُلْ، فَقَالَ: أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا فَإِنَّا حُرُمٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ أَشْجَعَ أَيَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «كَانَ أَبِي الْحَارِثُ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ مَكَّةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، فَاسْتَقْبَلْتُ عُثْمَانَ بِالنُّزُولِ بِقَدِيدٍ فَاصْطَادَ أَهْلُ الْمَاءِ حَجَلًا فَطَبَخْنَاهُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَجَعَلْنَاهُ عَرَقًا لِلثَّرِيدِ، فَقَدَّمْنَاهُ إِلَى عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ فَأَمْسَكُوا، فَقَالَ عُثْمَانُ: " صَيْدٌ لَمْ يَصْطَدْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِصَيْدِهِ، اصْطَادَهُ قَوْمٌ حِلٌّ فَأَطْعَمُونَاهُ فَمَا بَأْسٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ يَقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا: عَلِيٌّ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ فَجَاءَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ جَاءَ يَحُتُّ الْخَبْطَ عَنْ كَفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: صَيْدٌ لَمْ يَصِدْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِصَيْدِهِ،
[ ٢ / ١٦٧ ]
اصْطَادَهُ قَوْمٌ حِلٌّ، فَأَطْعَمُونَاهُ فَمَا بَأْسٌ، فَغَضِبَ عَلِيٌّ وَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُتِيَ بِقَائِمَةِ حِمَارِ وَحْشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ فَأَطْعِمُوهُ أَهْلَ، قَالَ: فَشَهِدَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُتِيَ بِبَيْضِ النَّعَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ، أَطْعِمُوهُ أَهْلَ الْحِلِّ " قَالَ: فَشَهِدَ دُونَهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، قَالَ: فَثَنَى عُثْمَانُ وَرِكَهُ عَنِ الطَّعَامِ، فَدَخَلَ رَحْلَهُ وَأَكَلَ ذَلِكَ الطَّعَامَ أَهْلُ الْمَاءِ».
فَهَذَا الصَّيْدُ قَدْ كَانَ صُنِعَ لِعُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ عُثْمَانُ يَرَى أَنَّ مَا لَمْ يُعِنْ عَلَى صَيْدِهِ بِأَمْرٍ أَوْ فِعْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ، رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مِمَّا صُنِعَ لَهُ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵇ بِالْعَرَجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَقَدْ غَطَّى رَأْسَهُ بِقَطِيفَةٍ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، قَالُوا: وَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي " رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: خَرَجَ أَبِي مَعَ عُثْمَانَ إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَقُرِّبَ إِلَى عُثْمَانَ ظَبْيٌ قَدْ صِيدَ، فَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا فَإِنِّي غَيْرُ آكِلِهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَتَأْمُرُنَا بِمَا لَسْتَ بِآكِلِهِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَوْلَا أَنِّي أَظُنُّ أَنَّمَا صِيدَ لِي وَأُمِيتَ مِنْ أَجْلِي لَأَكَلْتُ، فَأَكَلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ عُثْمَانُ مِنْهُ شَيْئًا " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ: " إِنِّي لَسْتُ فِي ذَاكَ مِثْلَكُمْ إِنَّمَا صِيدَ لِي وَأُمِيتَ بِاسْمِي ".
وَمَا نُقِلَ عَنْ عُثْمَانَ مِنَ الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يُصَادُ لَهُ الْوَحْشُ عَلَى الْمَنَازِلِ، ثُمَّ يُذْبَحُ فَيَأْكُلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ سَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَتِهِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ الزُّبَيْرَ كَلَّمَهُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا يُصَادُ لَنَا أَوْ مِنْ أَجْلِنَا أَنْ لَوْ تَرَكْنَاهُ، فَتَرَكَهُ.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وَهَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ ﵁ وَأُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ فَأَكَلَ مِنْهُ، وَعَلِيٌّ جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا صِدْنَا وَلَا أَشَرْنَا وَلَا أَمَرْنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُ عُثْمَانَ وَالزُّبَيْرِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ لَا يَأْكُلُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ عَلِيٌّ وَالْأَشْجَعِيُّونَ بِالْحَدِيثِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ فَهِمُوا ذَاكَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ الصَّعْبِ وَحَدِيثَ زَيْدٍ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمِ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَأْكُلْهُ» ".
وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَا يَحِلُّ لَحْمُ الصَّيْدِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ.
وَمَعَ هَذَا فَقَدَ رَوَى سَعِيدٌ وَأَحْمَدُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا صِيدَ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ فَكُلْ، وَمَا صِيدَ بَعْدَمَا تُحْرِمُ فَلَا تَأْكُلْ " فَيُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَا صِيدَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ صِيدَ لِأَجْلِهِ، بِخِلَافِ مَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَتَتَّفِقُ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِقَطَا مَذْبُوحٍ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَقَالَ: إِنَّمَا صِيدَ لِي، وَكَانَ عَلِيٌّ يَكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: " أَنَّ عُثْمَانَ كَرِهَ أَكْلَ يَعَاقِيبَ أُصِيدَتْ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا أُصِيدَتْ وَأُمِيتَتْ لِي ".
وَأَمَّا أَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ فَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ - وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ - قَالَ: " «كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ وَنَحْنُ حُرُمٌ فَأُهْدِيَ لَنَا طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَلَمَّا أَفَاقَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
[ ٢ / ١٧١ ]
وَعَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَهْزٍ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي بَعْضِ وَادِي الرَّوْحَاءِ وَجَدَ النَّاسُ حِمَارَ وَحْشٍ عَقِيرًا، فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " أَقِرُّوهُ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ " فَأَتَى الْبَهْزِيُّ وَكَانَ صَاحِبَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهُ فِي الرِّفَاقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْأُثَايَةِ إِذَا نَحْنُ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فِي ظِلٍّ فِيهِ سَهْمٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ حَتَّى يُجِيزَ النَّاسُ عَنْهُ». رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
«وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: " كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَامَنَا وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ
[ ٢ / ١٧٢ ]
نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَّأْتُ الْعَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، فَأَكَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ " وَفِي رِوَايَةٍ: " هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: قَالَ: " مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا " وَلِمُسْلِمٍ: " هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» ".
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيْتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ، فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ وَأَنِّي إِنَّمَا صِدْتُهُ لَكَ، فَأَمَرَ
[ ٢ / ١٧٣ ]
النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: قَوْلُهُ: إِنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ مَعْمَرٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ طَائِرٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَأْكُلْ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ فِيهَا أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهُ ﷺ فَيُنْظَرُ .
[ ٢ / ١٧٤ ]
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ وَجَدَ رَكْبًا مِنَ الْعِرَاقِ - مُحْرِمِينَ - فَسَأَلُوهُ عَنْ صَيْدٍ وَجَدُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الرَّبَذَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنِّي شَكَكْتُ فِيمَا أَمَرْتُهُمْ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَاذَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ؟ قَالَ: بِأَكْلِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ بِكَ. يَتَوَعَّدُهُ. "
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ مُحْرِمِينَ أُهْدِيَ لَهُمْ لَحْمُ صَيْدٍ أَهْدَاهُ حَلَالٌ، فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَمَرْتَهُمْ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: أَتَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ خَيْرٌ مِنِّي، وَعُمَرُ خَيْرٌ مِنِّي " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فَانْظُرُوا مَا فَعَلَ عُمَرُ فَاتَّبِعُوهُ ".
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ نَفْسُ الْحَيَوَانِ الْمَصِيدِ لَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا، وَاصْطَادَ يَصْطَادُ
[ ٢ / ١٧٥ ]
اصْطِيَادًا، وَأَنَّ الْمَعْنَى: حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ فِي حَالٍ مِنَ الْإِحْرَامِ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ حَيْثُ ذَكَرَ الصَّيْدَ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مَا يُصَادُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] وَإِنَّمَا يَسْتَمْتِعُونَ بِمَا يُصَادُ لَا بِالِاصْطِيَادِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١].
الثَّانِي: أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى الْأَعْيَانِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦]
[ ٢ / ١٧٦ ]
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْسُ الْمَصِيدِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] الْمُرَادُ بِهِ مَا يُصَادُ مِنْهُ; لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ، وَطَعَامُهُ: مَالِحُهُ وَطَافِيهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَقْرُونُ بِالطَّعَامِ هُوَ النَّوْعَ الْآخَرَ وَهُوَ الرَّطْبُ الصَّيْدُ ; وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] وَإِنَّمَا يُسْتَمْتَعُ بِنَفْسِ مَا يُصَادُ لَا بِالْفِعْلِ، فَإِذَا كَانَ صَيْدُ الْبَحْرِ قَدْ عُنِيَ بِهِ الصَّيْدُ، فَكَذَلِكَ صَيْدُ الْبَرِّ; لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي مُقَابَلَتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ فَسَّرُوهُ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ مِثْلِهِمْ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُضَافُ إِلَى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَّا عَلَى تَكَلُّفٍ بِأَنْ يُقَالَ: الصَّيْدُ فِي الْبَرِّ وَالصَّيْدُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا ; لِأَنَّ الصَّائِدَ لَوْ كَانَ فِي الْبَحْرِ وَصَيْدُهُ فِي الْبِرِّ لَحَرُمَ عَلَيْهِ الصَّيْدُ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَحَلَّ لَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَكَانِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ الْحَيَوَانُ لَا بِمَكَانِ الِاصْطِيَادِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ صَيْدُ الْبَرِّ وَصَيْدُ الْبَحْرِ: فُهِمَ مِنْهُ الصَّيْدُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ فَيَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى: حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الصَّيْدُ الَّذِي فِي الْبَرِّ، فَالتَّحْرِيمُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمُعَيَّنِ كَانَ الْمُرَادُ الْفِعْلَ فِيهَا، وَقَدْ فَسَّرَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ فِعْلٌ يَكُونُ سَبَبًا إِلَى هَلَاكِ الصَّيْدِ، وَأَكْلُ صَيْدٍ يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ﷺ، كَمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] عَلَى اجْتِنَابِ الْفُرُوجِ
[ ٢ / ١٧٧ ]
خَاصَّةً، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُ الصَّيْدِ ; لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ تُفْضِي إِلَى قَتْلِهِ، وَلِهَذَا بَدَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ، فَقَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّحْرِيمِ: اسْتِحْيَاءُ الصَّيْدِ وَاسْتِبْقَاؤُهُ مِنَ الْمُحْرِمِينَ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِأَذًى، وَلِهَذَا إِذَا قَتَلُوهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ قَطْعًا لِطَمَعِ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِذَا كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الَّذِي قَدْ صَادَهُ كَمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ وَذَكَّاهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنَ الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا مَا إِذَا كَانَ قَصَدَ الْحَلَالُ اصْطِيَادَهُ لِلْحَرَامِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ صَارَ لَهُ سَبَبٌ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْحَلَالُ أَنَّمَا صَادَهُ الْحَلَالُ لَا يَحِلُّ كَفُّ الْحَلَالِ عَنِ الِاصْطِيَادِ لِأَجْلِ الْحَرَامِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَصَارَ وُجُودُ الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ كَعَدَمِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يُصَادُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ إِذَا كَانَ حَيًّا، فَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ يُصَدْ، فَإِذَا صَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ، فَقَدْ أَكَلَ لَحْمَ
[ ٢ / ١٧٨ ]
الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ قَدْ صِيدَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، أَوْ صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ قَدِيدًا أَوْ شِوَاءً أَوْ قَدِيرًا، فَلَمْ يَعْتَرِضِ الْمُحْرِمُ لِصَيْدِ الْبَرِّ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِطَعَامِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ صَيْدِ الْبَحْرِ وَطَعَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ مَا اصْطِيدَ مِنْهُ وَالطَّعَامَ مَا لَمْ يُصْطَدْ مِنْهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ طَفَا أَوْ لِكَوْنِهِ قَدْ مُلِّحَ، ثُمَّ إِنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُ الْبَرِّ خَاصَّةً دُونَ طَعَامِ صَيْدٍ فَعُلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ مَا اصْطِيدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ هُوَ أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهِ فَقَدْ صَارَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ حِينَ هُوَ صِيدَ فَلَا يَحِلُّ، أَمَّا إِذَا صَادَهُ الْحَلَالُ وَذَبَحَهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَهْدَاهُ أَوْ بَاعَهُ لِلْمُحْرِمِ فَلَمْ يُصَادِفْهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا وَهُوَ طَعَامٌ لَا صَيْدٌ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةٍ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ فِي الْإِحْرَامِ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ الصَّيْدَ مَا دُمْنَا حُرُمًا، وَلَوْ أَحَلَّ الرَّجُلُ وَقَدْ صَادَ صَيْدًا أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ لَحَرُمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيمُهُ إِذَا كَانَ صَيْدًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ صَادَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَلَمْ يَتَنَاوَلِ الصَّيْدَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ، وَلَا تَنَاوَلَهُ أَحَدٌ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يَكُونُ حَرَامًا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَهُ أَحَدٌ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ كَانَ حَرَامًا فِي حَالِ الْإِحْلَالِ.
[ ٢ / ١٧٩ ]
الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلٍ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمَصِيدُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ لَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ لَقَالَ: وَلَحْمَ الصَّيْدِ، كَمَا قَالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إِذَا كَانَ لَا حَيَاةَ فِيهِ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إِلَى عَيْنِهِ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْلُ وَنَحْوُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ حَيًّا فَلَوْ قِيلَ: وَالْخِنْزِيرُ، لَمْ يُدْرَ مَا الْمُحَرَّمُ مِنْهُ؛ أَهُوَ قَتْلُهُ أَوْ أَكْلُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قِيلَ: وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَنَحْوِهُ، فَلَمَّا قَالَ فِي الصَّيْدِ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ؛ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ قَتْلِهِ، وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ الَّذِي يُفْضِي إِبَاحَتُهُ إِلَى قَتْلِهِ، لَا مُطْلَقُ تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ بِعَيْنِهِ جَازَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ الْأَكْلُ مِنْهُ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، الْقَاضِي قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ - الْمُحْرِمُ إِذَا أُصِيدَ
[ ٢ / ١٨٠ ]
الصَّيْدُ مِنْ أَجْلِهِ لَا يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ، وَيَأْكُلُهُ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ إِذَا صَادَهُ حَلَالٌ.
وَقَدْ أَخَذَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَفِيهِ: " أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ " وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: " «صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ وَلَا صِيدَ لَهُ، فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ صِيدَ لِمُحْرِمٍ آخَرَ ; وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَدْ لِهَذَا الْمُحْرِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فِي قَتْلِهِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لِنَوْعِ الْمُحْرِمِينَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمِيَاهِ وَالْأَعْرَابُ وَغَيْرُهُمْ يُعِدُّونَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُحْرِمِينَ يَبِيعُونَهُمْ أَوْ يُهْدُونَ لَهُمْ ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَادُوهُ لِلرَّئِيسِ وَأَصْحَابِهِ.
وَإِنْ كَانُوا قَدْ صَادُوهُ لِيَبِيعُوهُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَغَيْرِهِمْ إِذَا اتَّفَقَ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ غَالِبًا الْمُحْرِمُ، مِثْلُ مَرَارَةِ الضَّبُعِ الَّتِي تَشْتَرِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَعْرَابِ
فَإِذَا أَكَلَ الصَّيْدَ مَنْ صِيدَ لِأَجْلِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا لَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ ; لِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ إِتْلَافٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ.
[ ٢ / ١٨١ ]
فَضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، بِخِلَافِ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ، فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً.
فَإِنْ أَتْلَفَ الصَّيْدَ الَّذِي صِيدَ لِأَجْلِهِ بِإِحْرَاقٍ وَنَحْوِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ كَالْأَكْلِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ، لَا يَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُصِدَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ مُحْتَرَمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَقَ الطِّيبَ وَلَمْ يَتَطَيَّبْ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِذَا أَكَلَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِمُوَافَقَةِ قَصْدِ الصَّائِدِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بِسَبَبِ الْمُحْرِمِينَ.
أَمَّا إِذَا أَحْرَقَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْصُودَ الصَّائِدِ، وَسَائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ مِنَ اللُّبْسِ وَالتَّدَاوِي وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِثْلُ الْأَكْلِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ أَصْلًا مِثْلُ الْإِحْرَاقِ.
(فَصْلٌ)
وَكَمَا يَحْرُمُ قَتْلُ الصَّيْدِ تَحْرُمُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِعَارَةِ آلَةٍ لِصَيْدِهِ أَوْ لِذَبْحِهِ.
وَإِذَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِعَارَةِ آلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَكَ فِي قَتْلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَانُ حَلَالًا فَالْجَزَاءُ جَمِيعُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا اشْتَرَكَا فِيهِ ; لِمَا تَقَدَّمَ فِي «حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: " فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " «فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ فَطَعَنْتُهُ، فَأَتَيْتُهُ
[ ٢ / ١٨٢ ]
فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي» " مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ - يَعْنِي فَوَقَعَ سَوْطُهُ - فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ» " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: " «فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي السَّوْطُ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ» " وَفِي الْحَدِيثِ: " «فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا فَقُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا فَقَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» " وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: " «هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» " وَلِلْبُخَارِيِّ: " «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» " وَلِلنَّسَائِيِّ: " «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» ".
[ ٢ / ١٨٣ ]
فَقَدِ امْتَنَعَ الْقَوْمُ مِنْ دَلَالَتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ إِشَارَةٍ، وَمِنْ مُنَاوَلَتِهِ سَوْطَهُ أَوْ رُمْحَهُ وَسَمَّوْا ذَلِكَ إِعَانَةً، وَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُعِينُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بِشَيْءٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِعَانَةَ تُوجِبُ الْجَزَاءَ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا» " فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْقَتْلِ، وَلِهَذَا قَالَ: " «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِعَانَةَ عَلَى الْقَتْلِ تُوجِبُ الْجَزَاءَ وَالضَّمَانَ فَكَذَلِكَ الْإِشَارَةُ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُحْرِمٍ أَشَارَ إِلَى بَيْضِ نَعَامٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي أَشَرْتُ بِظَبْيٍ وَأَنَا مُحْرِمٌ، قَالَ: فَضَمَّنَهُ ".
وَعَنْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَشَرْتُ إِلَى ظَبْيٍ وَأَنَا مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ صَاحِبِي، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مَا تَرَى، قَالَ: أَرَى عَلَيْهِ شَاةً، قَالَ: فَأَنَا أَرَى ذَلِكَ " رَوَاهُنَّ النَّجَّادُ.
[ ٢ / ١٨٤ ]