في هذا الكلام فصلان:
أحدهما: أن المرأة الحامل إذا خافت من الصوم على ولدها: إما لأن الجوع يضرُّ به، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه؛ فإنه يجوز لها أن تفطر؛ لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر وبعض المرضى؛ فإنه يخاف هلاك الولد بصومها.
وقد تقدم حديث أنس بن مالك الكعبي عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن الله وضع الصوم عن المسافر (وفي رواية: وعن الحبلى والمرضع»). لقد قالهما رسول الله ﷺ جميعًا أو أحدهما». [وفي رواية]: «وعن الحامل وعن المرضع».
وعليهما مع الفطر القضاء؛ لأنها ترجو القدرة عليه، فإذا قدرت؛ صامت كالمريض والمسافر، وعليها أيضًا الفدية، وهو أن تطعم عن كل يوم مسكينًا.
٢١٨ - وعن نافع: أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، فقال: «تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مُدًّا من حنطة». رواه
[ ١ / ٢٤٥ ]
٢١٩ - وعن عكرمة: أن ابن عباس قال: «أثبتت للحبلى والمرضع»؛ يعني: قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. رواه أبو داوود.
٢٢٠ - وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ قال: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا،
[ ١ / ٢٤٦ ]
والحبلى والمرضع إذا خافتا» قال أبو داوود: يعني: على أولادهما. رواه أحمد في «الناسخ والمنسوخ» مستوفى.
[ ١ / ٢٤٧ ]
٢٢١ - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾؛ قال: «رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم، ورخص لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وثبتت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليهما».
٢٢٢ - وعن عطاء ابن عباس: «أنه كان يرخص في الإِفطار في رمضان للشيخ الكبير والحامل المتم والمرضع، ولصاحب العطاش أن يفطروا ويطعموا لكل يوم مسكينًا». رواه سعيد.
[ ١ / ٢٤٨ ]
قال أحمد في رواية صالح: المرضع والحامل تخاف على نفسها تفطر وتقضي وتطعم، أذهب إلى:
٢٢٣ - حديث أبي هريرة.
٢٢٤ - ٢٢٥ وأما ابن عباس وابن عمر يقولان: تطعم ولا تصوم.
٢٢٦ - وكان ابن عباس يقرأها: (يطوقونه). قال: يكلفون، ومن قرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾؛ فإنها منسوخة، نسخها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ فقد ثبت وجوب الفدية عن ثلاثة من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف.
واختلفوا في القضاء، وأشبه القولين وجوب القضاء.
[ ١ / ٢٤٩ ]
٢٢٧ - لأن النبي ﷺ ذكر: «أن الله وضع الصوم عن المسافر والحامل والمرضع»، ولم يرد إلا وضع الأداء دون القضاء؛ لأنه ذكر المسافر، وإنما وضع عنه الأداء فقط، ولأنها ترجو القدرة على القضاء؛ فهي كالمريض.
وأما إن خافت على نفسها:
فقال أصحابنا: تفطر وتقضي ولا تكفر.
قال بعضهم: هذا بغير خلاف؛ لأنها بمنزلة المريض أو بمنزلة من يخاف حدوث مرض به، وإنما وجبت الفدية إذا خافت على جنينها، لأنها هناك أفطرت للخوف على غيرها، وهو أغلظ من الفطر خوفًا على نفسها، فغلظ بوجوب الفدية، ولأن الفطر يرتفق به هنا شخصان الحامل وجنينها، فكان القضاء عنها والفدية عن جنينها، بخلاف فطر المريض والمسافر؛ فإنه لا يرتفق به إلا شخص واحد.
وقال أحمد في وآية الميموني: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولدهما يفطران ويطعمان ويصومان إذا أطاقا.
وقد تقدمت رواية صالح: الحامل والمرضع تخاف على نفسها تفطر وتقضي وتطعم.
وقال في رواية حرب في الحامل والمرضع يشتد عليهما الصيام: يفطران ويقضيان ويكفران لكل يوم مدًّا لمسكين، والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويطعم مدًّا أيضًا.
وتأل القاضي هذا على أنها تخاف على ولدها مع خوفها على نفسها؛ فإن خافت على نفسها فقط؛ فلا فدية، ولذلك قيَّد الخرقي وغيره أن تخاف على جنينها فكأنها تارة تخاف على ولدها فقط، وتارة تخاف على نفسها وعلى ولدها.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن أحمد فرَّق بين خوفها على نفسها وخوفها على ولدها، ولأنها إذا خافت على نفسها وولدها؛ لم يجب عليها الفدية في قياس قول مَنْ لا يوجبها بالخوف على النفس.
ولو أفطرت وهي حامل مريضة أو وهي حامل مسافرة؛ فإنها تفطر للمرض والسفر ولا كفارة عليها؛ لأنه قد وُجد سبب يبيح الفطر من غير كفارة.
وهذا الذي قاله أحمد يجمع قول ابن عمر وابن عباس؛ لأنه أطلق الخوف، وجعلها من الذين يطيقونه، فكأن إيجاب الفدية لأجل طاقتها في الحال لا لأجل ولدها، وابن عمر ذكر خوفها على ولدها، ولأن خوفها على نفسها بسبب الحمل؛ فإن المسألة إنما هي إذا كان كذلك، أما لو خافت من الفطر لأمرٍ آخر غير الحمل، بأن تكون مريضة؛ فإنه لا كفارة عليها ألبتة، وإذا كان بسبب الحمل؛ لم تكن مثل المريض الذي خوفه من جهة نفسه؛ فإنه إذا كان وجود الحمل يمنعها الصوم والحمل في الأصل باختيارها؛ صارت كأنها ممتنعة عن الصوم باختيارها، فناسب ذلك وجوب الفدية، وصارت من وجهٍ قادرة على دفع الحمل فلا تصوم.
ويحتمل أن أحمد قال ذلك لأنها إذا خافت على نفسها فإنه يخاف على جنينها؛ لأن الحامل إذا مرضت خيف على الجنين، وقد يخاف على جنينها من غير خوف على نفسها. . . .
فعلى هذا يكون قول من أطلق الحامل إذا خافت على جنينها صحيح كالخرقي وابن أبي موسى، وأحمد ﵁ فَصَّلَ الخوف؛ لأنها تارة تخاف على جنينها فقط، وتارة تخاف على نفسها، فتخاف على جنينها.
[ ١ / ٢٥١ ]
وأما قول من قال: إذا خافت على نفسها؛ فلا فدية عليها؛ فهو مخالف لنص أحمد ولأقوال السلف.
٢٢٨ - قال مسلم بن يسار: أدركت أهل المدينة وهم يخيرون المرضع والحامل في شهرها الذي تخاف على نفسها يفطران ويطعمان كل يوم مسكينًا.
٢٢٩ - وقال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «وهو الكبير الذي كان يصوم فيعجز، والمرأة الحبلى التي يعسر عليها الصيام؛ [فعليهما] إطعام مسكين كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان». رواهن سعيد.
*الفصل الثاني: في المرضع:
وهي كالحامل وأولى منها بوجوب الفدية؛ لأنها ترضع الطفل باختيارها في الجملة؛ بخلاف الحامل؛ فإنها لا تستطيع مفارقة الجنين، وحكمها حكم الحامل في جميع أمورها كما تقدم؛ فإنها تخاف على ولدها إذا صامت بتغير اللبن أو نقصه، وقد تخاف على نفسها إذا صامت وأرضعته بأن يضعفها إرضاعه.
وجوب الفدية هنا إذا خافت على نفسها ظاهر؛ فإنها قادرة على الصوم، وإنما إرضاعها الذي يضعفها، وهو فعل لها.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ومن استباح المحظورات بفعله؛ وجبت عليه الكفارة، وإن كان جائزًا.
ولهذا تجب الكفارة بالحنث في اليمين إذا فعله، وإن كان واجبًا، ولو فعل به؛ لم يكن عليه الكفارة، وكذلك محظورات الإِحرام، والفرق بينها وبين المسافر.
ثم لا يخلوا إما أن تكون والدة أو ظئرًا بأجرة أو غيرها.
فأما الأم فقال. . . إن قبل غيرها، وقدرت أن تستأجر له، أو كان له مال تستأجر منه؛ فلتفعل ذلك ولتصم، وإلا جاز لها الفطر.
وهذا فيما إذا كان الخوف على نفسها، أما إذا خيف عليه. . . .
وأما الظئر التي ترضع ولد غيرها بأجرة أو بدونها؛ فذكر ابن عقيل: أنها تستبيح الإِفطار كاستباحته لولدها؛ لأنه أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق، فهو كالمسافر في المضاربة يستبيح بسفره ما يستبيح بالسفر لنفسه.
وطرده العمل في الصنائع الشاقة إذا بلغت منه الجهد.
والكفارة في الحال التي تبيح في حق نفسه أباحت في حق غيره، وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإِفطار؛ لم يبح في حقه، ولا في حق غيره.
ومن لم يمكنه إنجاء شخص من الهلكة إلا بالفطر، مثل أن يكون غريقًا أو يريد أحد أن يقاتله. . . .
[ ١ / ٢٥٣ ]