وقال الأثرم: قضية المباشرة شبيهة بقضية القبلة، فالقبلة إذا خاف الصائم أن ينتشر؛ اجتنبها، وإذا أمن ذلك؛ فلا بأس بها، وذلك أن ينتشر فيمذي فيجرح صومه.
ولا يباشر الصائم النساء لشهوة. قاله ابن أبي موسى.
وهل هو محرم أم مكروه؟
ولفظه: ولا تقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قبلة إذا كان شديدًا شابًّا شبقًا يخاف على نفسه.
فأما مباشرتها لغير شهوة؛ مثل أن يمس يدها لمرض ونحوه؛ فلا يكره؛ كما لا يكره في الإِحرام والاعتكاف.
وقال ابن عقيل: المباشرات دون الفرج مثل القبلة واللمس والمعانقة والمصافحة لشهوة: إن كان من الشيخ الهرم الذي لا تحرك القبلة منه ساكنًا؛ فلا إثم عليه ولا قضاء ولا كفارة، وإن كان شابًّا؛ كره له ذلك، وأثم بفعله.
فأما القبلة: فإن كانت تحرك شهوته بأن يكون شابًّا؛ كرهت له القبلة. قال بعض أصحابنا: كراهة تحريم. وكذلك ذكر ابن عقيل وأبو الحسين.
وقال بعضهم: إذا كان ذا شهوة مفرطة؛ بحيث يغلب على ظنه أنه ينزل معها؛ حرمت كما يحرم [عليه] الاستمناء، وإن لم ينزل معه، وإلا؛ كرهت ولم تحرم.
وإن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ فعلى روايتين:
[ ١ / ٤٨٦ ]
إحداهما: لا بأس بها.
قال في رواية أبي داوود: إذا كان لا يخاف؛ فإذا كان شابًّا؛ فلا.
وقال في رواية ابن منصور وقد سئل عن الصائم يقبل أو يباشر: أما المباشرة شديدة، والقبلة أهون.
والثانية: يكره مطلقًا.
قال في رواية حنبل: وقد سئل عن القبلة للصائم، فقال: لا يقبل، وينبغي له أن يحفظ صومه، والشاب [ينبغي له] أن يجتنب ذلك؛ لما يخاف من نقض صومه.
وهذه الكراهة كراهة تحريم فيما ذكره القاضي وابنه أبو الحسين.
لأن الله سبحانه قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. . .﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
والمباشرة أن تلاقي البشرة للبشرة على وجه الاستمتاع، وهو أعم من الجماع.
وقد مُدَّ إباحة ذلك إلى تبين الفجر، يدل على ذلك أنه قال في الاعتكاف: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وعم ذلك المباشرة بالوطء والغمز والقبلة، وكذلك قوله في آية الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾، [والرفث الجماع ومقدماته].
[ ١ / ٤٨٧ ]
وآية الصيام قد ذكر فيها الرفث [والمباشرة]، ولأن كل عبادة حرمت من الوطء؛ حرمت مقدماته؛ كالإِحرام والاعتكاف، ولأن المباشرة والقبلة من دواعي الجماع؛ فلا يؤمن أن يقترن بها إنزال مني أو مذي، أو أن تدعو إلى الازدياد والإِكثار، فيفضي إلى الجماع.
- فإن سلمة بن صخر رأى بياض ساق امرأته، فدعاه ذلك إلى جماعها.
ومن نصر هذه الرواية؛ قال: إن تقبيل النبي ﷺ كان من خصائصه.
٤٩٤ - لما روت عائشة ﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإِربه». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «في شهر رمضان».
والرواية الأولى اختيار أبي موسى والقاضي وأصحابه.
٤٩٥ - لما روي عن امسلمة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم». متفق عليه.
وعن عمرو بن أبي سلمة: أنه سأل رسول الله ﷺ: أيقبل الصائم؟ فقال
[ ١ / ٤٨٨ ]
له: «سل هذه (لأم سلمة»). فأخبرته أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. فقال: يا رسول الله! قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله ﷺ: «أما والله؛ إني لأتقاكم لله وأخشاكم له». رواه مسلم.
[وتكرار] النظر مكروه لمن تحرك شهوته بخلاف من لا تحرك شهوته.
وقيل: لا يكره بحال.
٤٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه عنها؛ فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب». رواه أبو داوود.
[ ١ / ٤٨٩ ]
مسألة: