٦١٥ - وقد بين النبي ﷺ ذلك فيما رواه عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب». رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
فأما صومه للمتمتع الذي لا يجد الهدي آخر الثلاثة. . . .
وقال القاضي: الاختيار له، والفضل أن يفطر ولا يقف بعرفة صائمًا.
* فصل:
وأما صوم يوم عاشوراء؛ فقد تقدم قوله ﷺ: إنه يكفر السنة الماضية.
فإن قيل: إنما أمر بصيامه قبل رمضان؛ فأما بعد رمضان؛ فهو يوم من الأيام.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
٦١٦ - بدليل ما روى علقمة: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يطعم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: «قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان؛ ترك؛ فإن كنت مفطرًا؛ فأطعم». أخرجاه.
ولمسلم: «كان رسول الله ﷺ يصومهم قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تركه».
٦١٧ - وعن عبد الله؛ قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يوم كان يصومه أهل الجاهلية؛ فمن أحب منكم أن يصومه؛ فليصمه، ومن كرهه؛ فليدعه».
٦١٨ - وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان؛ قال رسول الله ﷺ: «إن عاشوراء يوم من أيام الله؛ فمن شاء صامه»، وكان ابن عمر لا يصومه؛ إلا أن يوافق صيامه. متفق عليه.
٦١٩ - وعن جابر بن سمرة؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم يوم
[ ٢ / ٥٧٠ ]
عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان؛ لم يأمرنا ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده». رواه أحمد ومسلم.
قلنا: استحباب صومه ثابت بعد رمضان لحديث أبي قتادة المقدم.
٦٢٠ - ولما روى معاوية بن أبي سفيان؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر». متفق عليه.
وفي رواية سفيان عن الزهري، عن حميد، [عن معاوية بن أبي سفيان؛ قال]: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بصيام هذا اليوم».
[ ٢ / ٥٧١ ]
وهذا خطاب يخاطب به النبي ﷺ أصحابه، ولم يؤكد عليهم صيامه، وهذا إنما يكون بعد فرض شهر رمضان؛ لأن ما قبل شهر رمضان كان مؤكدًا.
ومعاوية لم ير النبي ﷺ بعد الهجرة يوم عاشوراء إلا وهو مسلم؛ لأنه قبل ذلك كان بمكة، والنبي ﷺ بالمدينة، وإنما أسلم بعد الفتح، وقد فرض قبل ذلك بست سنين.
وحديث ابن عباس الآتي ذكره صريح بأن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه قبل موته بعام.
(وأما هذه الأحاديث) معناها أن التوكيد الذي كان رسول الله ﷺ يؤكد في صومه نسخ شهر رمضان، ولم يؤكد شأنه بعد الهجرة؛ إلا عامًا واحدًا؛ لأن النبي ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فأدركه عاشوراء من السنة الثانية، وفرض رمضان تلك السنة فلم يجئ عاشوراء آخر إلا ورمضان فرض.
وقد اختلف هل كان هذا التوكيد إيجابًا؟
فقال القاضي: لا يعرف عن أصحابنا رواية بأن صوم عاشوراء كان فرضًا في ذلك الوقت. قال: وقياس المذهب أنه لم يكن مفروضًا؛ لأن من شرط صيام الفرض النية من الليل، والنبي ﷺ أمرهم بالنية من النهار.
وذكر هو وأصحابه وأبو حفص البرمكي وغيرهم أنه لم يكن مفروضًا؛ احتجاجًا بحديث معاوية المتقدم، وبأن النبي ﷺ أمر مَنْ أكل بإمساك بقية اليوم، ولم يأمرهم بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرهم بالقضاء؛ كما يجب القضاء على مَنْ أكل يوم الشك ثم قامت البينة بأنه رمضان.
والتزموا على هذا أن الإِمساك بعد الأكل في يوم شريف فيه فضل يكون
[ ٢ / ٥٧٢ ]
قربة كما يكون الإِمساك في اليوم الواجب واجبًا.
واعتذروا عما ورد من النسخ بأن المنسوخ تأكيد صيامه وكثرة ثوابه؛ فإنه كان قبل رمضان أوكد وأكثر ثوابًا منه بعد رمضان.
وذكر بعض أصحابنا عن أحمد: أنه كان مفروضًا.
وهو الذي ذكره أبو بكر الأثرم؛ قال في «ناسخ الحديث ومنسوخه»: وقد روي من أكثر من عشرين وجهًا: أن النبي ﷺ أمر بصوم عاشوراء. وذكر الأحاديث الأخر. قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي ﷺ وكَّد صومه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم، حتى أمرهم بأن يتموا بقية يومهم، وإن كانوا قد أكلوا، وإنما يفعل ذلك في الفريضة، ثم جاءت الأحاديث لما بين أن ذلك كله كان قبل شهر رمضان، فلما فرض في شهر رمضان؛ كان ما سواه تطوعًا.
ومما يؤكد ذلك حديث معاوية؛ ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء، وفيه أيضًا بيان أن النسخ لم يكن على تركه ألبتة، ولكن على أنه صار تطوعًا، وهو اختيار أبي محمد، وهو أشبه.
٦٢١ - وهذا لما روى سلمة بن الأكوع ﵁؛ قال: «أمر رسول الله ﷺ رجلًا أن أذن في الناس أن من كان أكل؛ فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل؛ فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء». متفق عليه.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
والأمر يقتضي الإِيجاب، خصوصًا في الصوم؛ فإنه لم يكن يأمر بصيام التطوع، وإنما يرغب فيه ويحض عليه، ثم أذانه بذلك في الناس أذانًا عامًا وأمره للآكل بصوم بقية يومه توكيد ومبالغة لا يكون مثله لصوم مستحب.
٦٢٢ - وعن هند بن أسماء؛ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي من اسلم، فقال: «مُرْ قومك؛ فليصوموا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء؛ فمن وجدته منهم قد أكل أول يومه؛ فليصم آخره». رواه أحمد.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
٦٢٣ - وعن الربيع بنت معوذ ﵂؛ قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى [الأنصار] التي حول المدينة: «من كان أصبح
[ ٢ / ٥٧٥ ]
صائمًا؛ فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا؛ فليتم بقية يومه». فكنا بعد ذلك نصومه، ونصومه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام؛ أعطيناها إياه حتى يكون عند الإِفطار». أخرجاه.
وفي لفظ. . . .
٦٢٤ - وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «أرسل رسول الله ﷺ إلى أهل قرية على أربع فراسخ (أو قال: فرسخين) يوم عاشوراء، فأمر من أكل أن لا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل أن يتم بقية صومه». رواه أحمد.
٦٢٥ - وعن محمد بن صيفي؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في يوم عاشوراء، فقال: «أصمتم يومكم هذا؟». فقال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم هذا». وأمرهم أن يؤذنوا أهل العوالي أن يتموا بقية يومهم.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
٦٢٦ - وعن عائشة ﵂؛ قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة؛ صامه وأمر بصيامه، لما فرض رمضان؛ قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه». متفق عليه.
٦٢٧ - وعن أبي موسى؛ قال: كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا، فقال رسول الله ﷺ: «فصوموه أنتم». [متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء؛ يتخذونه عيدًا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول الله ﷺ: «فصوموه أنتم»].
٦٢٨ - وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قدم النبي ﷺ، فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟». فقالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى ﵇. فقال: «أنا أحق بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
٦٢٩ - وعن ابن عباس أيضًا: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر (يعني: رمضان»). متفق عليهما.
فقد بين أصحاب النبي ﷺ: أن النبي أمر بصيامه ووكده، وجعلوا في نفسه كفضل رمضان، وأخبروا أن ذلك كان قبل أن يفرض رمضان، ولما فرض رمضان؛ لم يأمر به، وبينوا أنه كان يصومه بعد فرض رمضان ويأمر بذلك أمر استحباب.
٦٣٠ - ويدل على أنهم قصدوا ترك صومه وجوبًا ما روى علقمة؛ قال: «أتيت ابن مسعود ما بين رمضان إلى رمضان، ما من يوم إلا أتيته فيه، فما رأيته في يوم صائمًا؛ إلا يوم عاشوراء».
وقد تقدم عنه أنه ترك صومه.
٦٣١ - وقال الأسود بن يزيد: «لم أر رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا بالكوفة آمر بصوم عاشوراء من علي والأشعري». رواهما سعيد.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
ومعلوم أن هذا التوكيد لا يليق بمستحب؛ لأن يوم عرفة أفضل منه؛ فإنه يكفر سنتين، ومع هذا فلم يؤمر به، فثبت أن ذلك [إنما هو لوجوبه إذْ ذاك، ولأنه ﷺ صامه أولًا بناء على اعتيادهم صومه قبل الإِسلام؛ كما ذكرت عائشة، وموافقة لموسى ﵇ في صومه؛؛ لأنا أحق به من بني إسرائيل؛ كما ذكر أبو موسى وابن عباس، ثم نسخ التشبيه بأهل الكتاب في صومه صوم يوم آخر.
وأما حديث معاوية؛ فهو متأخر بعد فرض رمضان، وإذ ذاك لم يكن واجبًا بالاتفاق.
٦٣٢ - وأما كونه لم يأمر بالقضاء؛ فقد روى قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة، عن عمه: أن أسلم أتت النبي ﷺ، فقال: «صمتم يومكم هذا؟». قالوا: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه». رواه أبو داوود والنسائي.
ثم إنما لم يأمر بالقضاء لأن الوجوب إنما ثبت بالنهار. . . .
* فصل: