٥٣٦ - وعن الربيع بن خيثم: أنه كان إذا أفطر؛ قال: «الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت». رواه سعيد.
* فصل:
والسحور سنة، وكانوا في أول الإِسلام لا يحل لهم ذلك.
٥٣٧ - قال البراء بن عازب: «كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإِفطار، فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإِفطار؛ أتى امرأته، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، فنام، جاءته امرأته، فلما رأته؛ قالت له: خيبة لك! فلما انتصف النهار؛ غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
[ ١ / ٥١٤ ]
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾».
٥٣٨ - وعنه أيضًا؛ قال: «لما نزل صوم رمضان؛ كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]».
رواهما البخاري.
٥٣٩ - قال البراء بن عازب: «كانوا إذا أكلوا لم يأكلوا إلا أكلة حتى يكونوا من الغد. قال: فعمل رجل من الأنصار في أرض له، فجاء، فقامت امرأته تبتاع شيئًا، فغلبته عيناه، فقام، فأصبح وهو مجهود، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]». رواه أحمد في «الناسخ و[المنسوخ]».
٥٤٠ - وعن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ يعني بذلك أهل الكتاب،
[ ١ / ٥١٥ ]
[وكان] كتابه على أصحاب محمد ﷺ: «أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد؛ فإذا صلى العتمة ورقد؛ منع ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسختها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]». رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ».
وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى أن الأكل والشرب والنكاح كان مباحًا إلى أن يرقد أو يصلي العشاء.
٥٤١ - وقال ورقاء: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «كانوا يصومون، فإذا أمسوا؛ أكلوا وشربوا وجامعوا، فإذا رقد أحدهم؛ حرم ذلك كله إلى مثلها من القابلة، وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك، فخفف الله عنهم، وأحل لهم الطعام والشراب والجماع قبل النوم وبعده في الليل كله».
[ ١ / ٥١٦ ]
٥٤٢ - وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ في قول الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: «وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء؛ حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا النساء والطعام في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ يعني: انكحوهن، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ يعني بياض الفجر من سواد الليل، والرفث هو النكاح».
٥٤٣ - وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم ولم يطعم؛ شيئًا إلى القابلة، وحرم عليهم الرفث إلى نسائهم ليلة الصيام
[ ١ / ٥١٧ ]
الشهر كله، فرخص الله لكم، وهو اليوم عليهم ثابت». رواه أحمد.
٥٤٤ - وعن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». رواه الجماعة إلا أبا داوود.
٥٤٥ - وعن أبي هريرة مثله. رواه أحمد والنسائي.
[ ١ / ٥١٨ ]
٥٤٦ - وعن ابن مسعود. رواه النسائي.
[ ١ / ٥١٩ ]
٥٤٧ - وعن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «السحور بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». رواه أحمد.
[ ١ / ٥٢٠ ]
قال بعض أصحابنا: وكل ما حصل منه أكل أو شرب؛ حصلت به فضيلة السحور؛ لقوله: «ولو على جرعة ماء».
والأشبه: أنه إن قدر على الأكل؛ فهو السنة.
٥٤٨ - وعن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
٥٤٩ - وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».
[ ١ / ٥٢١ ]
٥٥٠ - وعن سعيد بن عبد الله بن أبي هند؛ قال: أخذ النبي ﷺ بيده قبضة من تمر، فقال: «نعم؛ سحور المسلم التمر».
٥٥١ - وعن راشد بن سعد؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن السحور؟ فقال: «ذاك الغذاء المبارك».
٥٥٢ - وعن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل، وبأكل السحر على صيام النهار». رواهن سعيد.
والسنة تأخيره.
[ ١ / ٥٢٢ ]
٥٥٣ - لما روى أبو ذر أن النبي ﷺ كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطور». رواه أحمد.
وعن مكحول. . . .
٥٥٤ - وعن أنس عن زيد بن ثابت؛ قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية».
رواه الجماعة إلا أبا داوود.
ويجوز له أن يأكل ما لم يتبين طلوع الفجر، وإن أكل شاكًّا فيه من غير كراهة، لكن يستحب تركه إذا شك في طلوع الفجر، قاله كثير من أصحابنا.
قال أصحابنا: فإن شك في الفجر؛ فالاحتياط أن لا يأكل.
فإن أكل ولم يتيقن طلوعه؛ فصومه صحيح، وإن غلب على ظنه طلوعه؛ لم يجز الأكل، فإن أكل؛ قضي؛ لأن غالب الظن في المواقيت كاليقين.
وأما الجماع؛ فيكره مع الشك.
[ ١ / ٥٢٣ ]
قال أحمد في رواية أبي القاسم: الجماع في السحر. . . في وقت ليس هو مثل الأكل، الأكل أخف وأيسر، وأخاف عليه من الجماع لا يسلم.
وقال في رواية أبي داوود: إذا شك في الفجر؛ يأكل حتى يستيقن طلوعه؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال في رواية يوسف بن موسى: تأخير السحور حتى يعترض الفجر، فإذا كان الطول ناحية القبلة؛ فذلك هو الكاذب، وإذا كان هكذا وأبعد ومدَّ يده باع؛ فذلك هو الصادق.
وقال في رواية حنبل وقد ذكر حديث عدي بن حاتم: ولكن بياض النهار وسواد الليل.
قال أبو عبد الله: إذا طلع؛ [فهو] وقت لا يأكل ولا يشرب؛ فجعل الله ﷿ الفجر علمًا وفصلًا بين الليل والنهار.
فقد نص على أنه إذا طلع الفجر الصادق؛ حرم الأكل والشرب.
ونص في رواية حرب والأثرم وغيرهما: أنه إذا تبين أنه أكل بعد طلوع الفجر؛ أفطر. وهذا هو المذهب.
٥٥٥ - وقال في رواية عبد الله: عن سواد بن حنظلة، عن سمرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمنعنكم من السحور أذان بلال، ولا الصبح
[ ١ / ٥٢٤ ]
المستطير في الأفق».
٥٥٦ - وقال: عن قيس بن طلق بن [علي]، عن أبيه، عن النبي ﷺ: «ليس الفجر الأبيض المعترض ولكنه الأحمر».
وهذا يدل على جواز الأكل إلى ظهور الحمرة، وقد جاءت الأحاديث تدل على مثل.
٥٥٧ - كما روت عائشة وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن لكم ابن أم مكتوم». متفق عليه.
وفي رواية لأحمد والبخاري: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». قال ابن
[ ١ / ٥٢٥ ]
شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
فقد أجاز الأكل إلى حين يؤذن ابن أم مكتوم، مع قوله: «إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»، ومعلوم أن من أكل حين تأذينه؛ فقد أكل بعد طلوع الفجر؛ لأنه لا بد أن يتأخر تأذينه عن طلوع الفجر ولو لحظة.
٥٥٨ - وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته». رواه أبو داوود بإسناد جيد.
ومعلوم أنه أراد النداء الثاني الذي أخبر أنه بعد طلوع الفجر.
[ ١ / ٥٢٦ ]
٥٥٩ - وعن قيس بن طلق، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا واشربوا، ولا يهدينكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر». رواه أبو داوود والترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه وقد اعتمده أحمد.
٥٦٠ - وعن حذيفة؛ قال: كان بلال يأتي النبي ﷺ وهو يتسحر، وإني لأبصر مواقع نبلي. قلت: أبعد الصبح؟ قال: «بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح.
[ ١ / ٥٢٧ ]
[ ١ / ٥٢٨ ]
٥٦١ - وعن حكيم بن جابر؛ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ وهو يتسحر، فقال: الصلاة. فذهب ثم رجع، فقال: الصلاة. ثم ذهب ثم رجع، فقال: يا رسول الله! لقد أصبحنا. فقال: «يرحم الله بلالًا، لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس». رواه سعيد وأبو داوود في «مراسيله».
٥٦٢ - وعن مسروق؛ قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
٥٦٣ - وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن حذيفة؛ قال: «خرجت معه في رمضان إلى الكوفة، فلما طلع الفجر؛ قال: هل كان أحد منكم آكلًا أو شاربًا؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم؛ فلا. فقال لكني. ثم سرنا، حتى إذا استبطأته بالصلاة، فقال: هل كان منكم أحد آكلًا أو شاربًا؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم؛ فلا. قال: لكني، فنزل فتسحر ثم صلى».
٥٦٤ - وعن حبان بن الحارث؛ قال: «أتيت عليًّا وهو معسكر بدير
[ ١ / ٥٢٩ ]
أبي موسى، فوجدته يطعم، فقال: ادن فاطعم. قال: قلت: إني أريد الصيام. قال: وأنا أريد الصيام: قال: فطعمت معه، فلما فرغ؛ قال: ابنَ التياح! أقم الصلاة».
والصحيح الأول، وأنه إذا دخلت الصلاة؛ حرم الطعام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
[فمنه أدلة:
أحدها: قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾]، ولو كان المراد به انتشار الضوء؛ لقيل الخيط الأحمر؛ فإن الضوء إذا انتشر ظهرت الحمرة.
الثاني: أن الخيط الأبيض يتبين منه الأسود بنفس طلوع الفجر، فينتهي وقت جواز الأكل والشرب حينئذ.
الثالث: تسميته لبياض النهار وسواد الليل بالخيط الأبيض والخيط الأسود دليل على أنه أول البياض الذي يبين في السواد مع لطفه ودقته؛ فإن الخيط يكون مستدقًا.
الرابع: قوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: دليل على أنه يتميز أحد الخيطين من الآخر، وإذا انتشر الضوء؛ لم يبق هناك خيط أسود.
وأيضًا؛ فإن النبي ﷺ قال لعدي: «إنما هو بياض النهار وسواد الليل»، فعلم أنه أول ما يبدو البياض الصادق يدخل النهار، كما أنه أول ما يقبل من المشرق السواد يدخل الليل.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وأيضًا؛ فإنهم كانوا أولًا يربط أحدهم في رجليه خيطًا أبيض وخيطًا أسود، فنزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لرفع هذا التوهم.
ثم إن عديًّا ﵁ جعل تحت وسادته عقالين أبيض وأسود، فقال النبي ﷺ: «إن وسادك لعريض»، وهو كناية عن عرض القفا الذي يكنى به عن قلة الفهم.
وفي رواية: أنه قال له: «يا ابن حاتم! ألم أقل لك: من الفجر، إنما هو بياض النهار وسواد الليل».
فهذا نص من النبي ﷺ: أن الانتظار إلى أن يتبين مواقع النبل وينتشر الضوء حتى يتبين العقال الأبيض من الأسود غير جائز، وأن بعض المسلمين كان قد غلط أولًا في فهم قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ثم نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وغلط بعضهم في فهمها بعد ذلك.
وأيضًا قوله: «ولكن يقول هكذا» وفرق بين السبابتين. وقوله: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل في الأفق».
وفي لفظ: «نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر»:
دليل على أنه متى ظهر البياض المعترض المنتشر الذي به ينفجر الفجر؛ فقد حرم الطعام.
وقد بين ذلك قوله: «وأما الذي يأخذ الأفق؛ فهو الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام». فبين أن الذي به تحل الصلاة ويحرم الطعام.
وأما حديث حذيفة ومسروق:
ففيهما ما يدل على أن عامة المسلمين كانوا على خلاف ذلك.
[ ١ / ٥٣١ ]
والحديث المرفوع يحتمل أحد شيئين:
أحدهما: أن تلك الليلة كانت مقمرة، فكان يبصر مواقع النبل لضوء [القمر]، فاعتقد أنه من ضوء النهار، وهذا يشتبه كثيرًا في الليالي التي يقمر آخرها، وتقدم ذكر أحمد ونحو هذا.
قال حرب: سألته؛ قلت: رجل يأكل بعد طلوع الفجر في رمضان وهو لا يعلم؟ قال: يعيد يومًا مكانه. قلت: فالأحاديث التي رويت في هذا، وذكرت له حديث حذيفة؟ قال: إنه ليس في الحديث أن الفجر كان قد طلع.
الثاني: أن يكون هذا منسوخًا، وكان هذا في الوقت الذي كان رجال يربط أحدهم في رجليه خيطًا أبيض وخيطًا أسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، حتى نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، ويكون هذا كان الواجب عليهم كما فهموه من الآية، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
وكذلك قوله في الحديث المرسل: «لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس»: دليل على أن التحديد بالفجر لم يكن مشروعًا إذْ ذاك.
وأما حديث: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، وقوله: «إذا سمع أحدكم النداء والإِناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته»؛ فقد قال أحمد في الرجل يتسحر فيسمع الأذان؛ قال: يأكل حتى يطلع الفجر. فهو دليل على أنه لا يستحب إمساك جزء من الليل، وأن الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: داخلة في المغيَّى؛ بخلافها في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولهذا جاءت هذه بحروف (حتى)، ولا ريب أن الغاية المحدودة بـ (حتى) تدخل فيما قبلها؛ بخلاف الغاية المحدودة بـ (إلى).
[ ١ / ٥٣٢ ]
قال أحمد في رواية الميموني في رجل أخذ في سحوره، ثم نظر إلى الفجر: فإن كان قد أكل بعد طلوعه؛ فعليه القضاء، وإن لم يعلم أنه أكل بعد طلوع الفجر؛ فليس عليه شيء.
قال القاضي: وظاهر هذا من كلامه أن الأكل إذا اتصل عند طلوع الفجر؛ لم يضره، ولم يؤثر في النية.
لكن الذي ذكر القاضي في «خلافه» وغيره من أصحابنا: أنه يجب الإِمساك قبل طلوع الفجر؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب، ولا يتم صوم جميع النهار إلا بصوم آخر جزء من الليل، ولهذا وجب عليه غسل جزء من الرأس يستوعب الوجه، وغسل رأس العضد يستوعب المرفق.
وإما إذا شك في طلوع الفجر؛ فيجوز له الأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. . .﴾، والشاك لم يتبين له شيء، ولحديث ابن أم مكتوم وأبي هريرة، وقد تقدم عن ابن عباس قوله: «إذا تسحرت فقلت: إني أرى ذلك الصبح؛ فكل واشرب. وإن قلت: إني أظن ذلك الصبح؛ فكل واشرب، وإذا تبين لك؛ دع الطعام».
٥٦٥ - وعن أبي الضحى؛ قال: جاء إلى ابن عباس، فسأله عن السحور، فقال رجل من جلسائه: حتى تشك. فقال ابن عباس: «إن هذا لا
[ ١ / ٥٣٣ ]