لفظه فازدرده؛ أفطر، وإن كان لا يعلم به، فجرى به الريق عن غير قصد، ويقدر على لفظه، فازدرده؛ لم يفطر.
وإن أصبح وهو في فيه، فلفظه؛ لم يفطر.
فأما ما يجري به الريق وهو ما لا يتميز عن الريق؛ فإنه لا يفطر به؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وهو التبزق.
وإذا تنجس فمه بالقيء أو الدم ونحوهما، أو بشيء من خارج، وابتلع ريقه؛ لم يفطر بابتلاع الريق، وإن كان نجسًا؛ إلا أن يكون معه جزء من النجاسة يمكن لفظه؛ لأن ما يجري به الريق لا يفطر به؛ كأثر المضمضة وأثر الطعام؛ إلا أن يكون قد وضع النجاسة في فمه عمدًا.
* فصل:
وما يوضع في الفم من طعام أو غيره لا يفطر؛ لأن المضمضة جائزة بالسنة المستفيضة؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يتمضمضون في وضوئهم وهم صيام.
وقد قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا»؛ فأمره بالاستنشاق مع الصوم دون المبالغة فيه.
وقد ضرب لعمر المثل بالمضمضة في أنها لا تفطر الصائم.
٤٩٠ - ولما روي. . .: «أن أسامة دخل على النبي ﷺ، وقد شج ودمه يسيل، فجعل النبي ﷺ يمص الدم من شجته».
[ ١ / ٤٧٨ ]
والدم محرم أكله، ولم يكن النبي ﷺ [بإدخاله] الدم إلى فمه بآكل ولا منهي عنه في هذا الحال.
فكذلك الأشياء إذا دخلت فم الصائم لا تضره، لكن يكره ذلك إذا لم تدع إليه الحاجة؛ [لأن فيه حومًا حول الحمى].
فأما إن كان لحاجة؛ مثل أن يذوق طعم القدر أو خلَاّ ونحوه مما يريد شراءه، أو يمضغ الخبز للصبي ونحو ذلك؛ ففيه روايتان:
إحداهما: يكره.
[ ١ / ٤٧٩ ]
٤٩١ - قال في رواية حنبل: عن عكرمة، عن ابن عباس: «لا بأس أن يذوق الصائم الخل والشيء الذي يريد شراءه ما لم يدخل حلقه».
٤٩٢ - ومنصور عن الحسن: «أنه كان يمضغ الجوز والشيء لابنه، وهو صائم».
قال أبو عبد الله: أحب إليَّ أن يجتنب الصائم ذوق الشيء، فإن فعل؛ لم يضره، ولا بأس به».
وهو اختيار أبي الخطّاب.
والثانية: لا يكره.
قال في رواية أبي الحارث: يمضغ للصبي الخبز في شهر رمضان ضرورة.
وهذا قول أبي بكر وابن عقيل.
وقال القاضي: إذا كان الشيء الذي يذوقه مما يتحلل إلى حلقه مثل الخل وغيره من الأشياء؛ منع من ذلك. [وإن كان ما لا يتحلل غالبًا كالخبز والقثاء ونحو ذلك؛ جاز له ذلك]؛ فإن فعل، فوجد طعمه أو نزل إلى جوفه بغير اختياره:
[ ١ / ٤٨٠ ]
فقال أبو بكر: لا يضرُّه ما لم يبلعه أو يزدرده متعمدًا، وعلى الغلبة لا قضاء عليه.
وقال القاضي وأصحابه وغيرهم من أصحابنا: يفطر بنفس وجود الطعم، وإن ذاقه ثم لفظه؛ لأنه يُعلم أنه قد تحلل إلى حلقه منه شيء؛ بخلاف ما إذا لم يجد طعمه في حلقه، وبخلاف العلك الذي يصلب بالعلك؛ فإن الريق يتميز عنه ويأخذ الطعم منه، وهذه المذوقات لا يتميز الريق منها.
وأكثر كلام أحمد على هذا، ورواية ابن القاسم توافق قول أبي بكر.
فأما وضع ما لا طعم له؛ فلا يكره.
قال في رواية المروذي: إذا وضع الصائم في فمه دينارًا أو درهمًا وهو صائم؛ أرجو أن لا يكون به بأس؛ ما لم يجد طعمه، وما وجد طعمه لا يعجبني.
قال ابن عقيل: وهذا عندي محمول على أجزاء ما يكون على الدينار من غبار وما شاكله، فأما الذهب؛ فلا طعم له في نفسه، ولو كان له طعم؛ فإنه لا يتحلل منه شيء إلى الفم.
وإذا وجد طعم الدرهم والدينار؛ ففيه وجهان على ما ذكره القاضي.
فأما ما يبقى في الفم من أجزاء الماء في المضمضة؛ فإنه لا يفطر بوصوله إلى جوفه، وإن أمكن الاحتراز عنه بالبصق، ولا يستحب إخراجه.
فأما ما يبقى من أثر المذوق. . . .
ويكره للصائم مضغ العلك، وهو الموميا واللبان، الذي كلما علكه؛ قوي وصلب ولم يتحلل منه شيء؛ لما تقدم من أنه لا حاجة إليه، وهو يحلب الفم
[ ١ / ٤٨١ ]
ويجمع الريق فيه ويورث العطش، وجمع الريق وبلعه مكروه، ولا يفطر باجتماع هذا الريق وابتلاعه ما لم يجد طعم العلك. قاله القاضي وغيره من أصحابنا.
وذكر ابن عقيل فيه الروايتين التي تقدمت فيمن جمع الريق وبلعه: فإن ابتلع الريق فوجد طعم العلك في حلقه؛ فقد قال أحمد فيما إذا وجد طعم الدينار: لا يعجبني. وهذا مثله، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يفطر.
قال القاضي: وهو ظاهر قوله: «لأنه وجد الطعم في حلقه»، فأفطر كما لو [وجد طعم الكحل] وأولى، ولأن الريق باختلاطه بالعلك وامتزاجه به صار بمنزلة شيء من خارج، فإذا بلعه؛ فقد بلع جسمًا له طعم فيفطر؛ كما لو مزج ريقه بخل ثم بلعه.
والثاني: لا يفطر.
لأن الطعم عرض، وهو لم ينزل في حلقه شيء من الأجسام، وهو لا يفطر بهذا؛ كما لو وضع رجله في الماء فوجد بردها، كما لو لطخ رجله بالحنظل فوجد طعمه في فيه؛ فإنه لا يفطر.
فأما الذي يتحلل منه أجزاء وهو يتفشى ويتهرأ بالعلك:
فقال أصحابنا: لا يجوز له مضغه، ومتى مضغه فوجد طعمه في حلقه؛ أفطر. وقال ابن عقيل: يحرم مضغه ويفسد الصوم؛ لأنه ابتلع في صومه ما يقدر على التحرز منه.
وقال غيرهما: يحرم؛ إلا إذا لم يبتلع ريقه.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وقال غيره: هذا إذا لم يكن إليه حاجة، فأما مع الحاجة؛ فيجوز.
وذكر القاضي: أنه لا يعلكه، ولم يكره؛ كما نص عليه أحمد في مضغ الجوز وغيره.
وإذا كانت الحاجة إليه؛ ففي الكراهة الروايتان.
وإذا وجد طعمه وأثره وبصاقه في فيه؛ فعلى الوجهين:
فإن مضغ هذا العلك، فنزل في حلقه منه شيء؛ أفطر؛ لأنه أجزاء منه؛ فهو كما لو جعل في [فمه] طعام، فذاب ونزل في حلقه.
وإن وجد الطعم، ولم يتيقن نزول الأجزاء؛ أفطر أيضًا. قاله أبو الخطاب.
وهو مقتضى قول القاضي؛ لأن طعم هذه العلك لا ينفصل عن أجزائها؛ فإنها تختلط بالريق وتمتزج به.
وهل يكره السواك الرطب؟ على روايتين:
إحداهما: يكره. نقلها الأثرم، فقال: لا يعجبني السواك الرطب.
والثانية: الرطب واليابس سواء.
قال في رواية ابن هانئ: أرجو؛ أي: سواء كان الرطب واليابس للصائم.
وهو اختيار أبي بكر.
وأما ابتلاع ريق الغير؛ فإنه يفطر أيضًا فيما ذكره أصحابنا.
[ ١ / ٤٨٣ ]
٤٩٣ - واعتذروا عما روي عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها». رواه أحمد وأبو داوود.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فإنه قد روي عن أبي داوود: أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح.
وإنه يجوز أن يكون المصُّ في غير وقت التقبيل، وأن يكون قد مصه ولم يبتلعه.
وحمله بعضهم على أن البلل الذي على لسانها لم يتحقق انفصاله إلى فيه ودخوله إلى جوفه لقلته، فلم يفطر على إحدى المقدمتين.
الفصل الثالث: إذا فكر فأنزل، أو قطر في إحليله، أو احتلم، أو ذرعه القيء؛ فإنه لا يفسد صومه.
أما القيء والاحتلام: فمن غير خلاف.
وأما إذا فكر فأنزل: فقد تقدم أن فيها وجهين:
وإذا قطر في إحليله: لم يفطر بمجرد ذلك، وكذلك لا يفسد صومه لو أنزل بغير شهوة؛ كالذي يخرج منه المني أو المذي لغير شهوة.
[ ١ / ٤٨٥ ]