قال أصحابنا: سواء كان البلدين متقاربين لا يختلف مطالع الهلال فيهما أو متباعدين يختلف.
قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا رأى أهل المصر الهلال، ولم نره نحن، ولم يكن سحابة في السماء، فصاموا أولئك وأفطرنا؛ نقضي يومًا، والنبي ﷺ قَبِل أولئك الذين جاؤوه وقالوا رأيناه، ولم يكن النبي ﷺ رآه.
١٤٨ - وذلك لما احتج به أحمد، وهو ما روى أبو عمير بن أنس؛ قال:
[ ١ / ١٧٠ ]
أخبرني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ؛ قالوا: «غُمِّ علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ: أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا ثم يخرجوا لِعيدهم من الغد». رواه الخمسة إلا الترمذي، وقد تقدم عن ربعي بن حراش
[ ١ / ١٧١ ]
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
فهؤلاء قوم قد رأوا الهلال في غير المدينة، وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأن شهادتهم كانت آخر النهار، والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة، ولأن حكم البلدين في هذه الرؤية حكم البلد الواحد؛ بدليل انقضاء الأجل وحلول الدين وغير ذلك؛ فلذلك يجب أن يكون في باب الصوم، ولأنه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحدًا؛ لكان يجب أن يجد ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط، وليس في ذلك حد مضبوط؛ لأن رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان، وتارة لصفاء الهواء، وتارة لزوال المانع، وتارة لِحدَّةِ البصر، ثم ذلك أمر يحتاج
[ ١ / ١٧٢ ]
إلى حساب، ونحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، فوجب أن نجعل الرؤية واحدة.
فإن قيل: طلوع الهلال يختلف باختلاف الأمكنة، فوجب أن يكون لكل قوم حكم أنفسهم؛ كطلوع الشمس وغروبها.
قيل: طلوع الشمس وغروبها يتكرر في كل يوم، ويشق مراعاته، ويلحق المشقة في اعتبار طلوعه وغروبه؛ بخلاف الهلال، ولهذا يختلف ذلك بارتفاع المكان وانخفاضه، حتى يفطر من يكون في الوادي، وإن لم يفطر م نْ هو في أعلى الجبل، والهلال بخلافه. . . ولأنه مطالعه تختلف إما با. . . .
وقد قال ابن عبد البر في البلاد المتباعدة جدًّا. . . .
١٤٩ - فإن قيل: قد روى كريب مولى ابن عباس: «أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام. قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتي، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال يوم الجمعة، ثم قدمت بالمدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا؛ هكذا أمرنا رسول الله ﷺ». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
[ ١ / ١٧٣ ]
قيل: ابن عباس أخبر أن رسول الله ﷺ أمرهم أن لا يفطروا في مثل هذه الواقعة، ولم يذكر لفظ رسول الله ﷺ.
وقد يكون ذلك لأن كريبًا هو الذي أخبرهم بالرؤية المتقدمة وحده، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا بشهادة اثنين؛ لأنهم لو علموا بخبره؛ لأفطروا وليس فيه تعرض لقضاء ذلك اليوم، وشهادة الواحد إنما تقبل في الهلال إذا اقتضت الصوم أداءً أو قضاءً، فأما إذا اقتضت الفطر؛ فلا.
ويجوز أن يكون ذك لأن النبي ﷺ أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه ويكملوا العدة؛ كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا، فاعتقد ابن عباس أن أهل كل بلد يصومون حتى يروه أو يكملوا العدة وقد تقدم عنه ﷺ ما يبين أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأن الخطاب لهم، وهذا عمل برؤية قوم في غير مصره.
يوضح ذلك. . . .
١٥٠ - فإن قيل: فقد روى ابن المظفر عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا اختلفت أعيادهم، فضحى أهل كل بلد خلاف هذا البلد، وأهل هذا البلد خلاف أهل هذا البلد». قال: «يا عائشة! عيد كل قوم يوم يعيدون».
[ ١ / ١٧٤ ]