فأما رمضان؛ فلا يجزئ إلا بتعيين النية في إحدى الروايات.
قال في رواية صالح فيمن صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعًا: أيجزيه؟ فقال: أو يفعل هذا مسلم؟ وكذلك الأثرم وقد تقدمت.
ونقل عنه من يحج ينوي به التطوع، ويصوم ينوي به التطوع؛ فالحج والصوم سواء، لا يجزيه العمل فيه إلا بنية، نص عليه فيمن صام رمضان ينوي به تطوعًا لا يجزيه، سواء تعمد ذلك أو لم يدر؛ كيوم الشك والأسير وغيرهما. قال: لا يجزيه يعزمه أنه من رمضان.
والثانية: يجزيه.
قال في رواية المروذي: إذا حال دونه حائل؛ فإنه يصوم. فقيل له: يصومه على أنه من رمضان؟ فقال: نحن اجمعنا على أن نصبح صيامًا، ولم نعتقد أنه من رمضان؛ فهو يجزينا من رمضان. فقيل له: أليس تريد أن ينوي أنه من رمضان؟ قال: لا، إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه.
فقد نص بأنه لا يجب تعيين النية، حتى لو نوى الصوم مطلقًا، أو نوى نذرًا أو قضاء أو تطوعًا؛ أجزأه من رمضان.
قال القاضي: فظاهره أنه لو نوى صومًا مطلقًا؛ أجزأه عن فرضه.
ومن أصحابنا مَنْ جعل هذا رواية بكل حال، وهذا اختيار الخرقي في «شرحه». قال: من أصلنا لو نوى أن يصوم تطوعًا، فوافق رمضان؛ أجزأه؛ لأنه يحتاج أن يفرق بين الفرض والنفل لما يصلح لهما، وشهر رمضان لا يصلح.
[ ١ / ٢٠٠ ]
والرواية الثالثة: أن تعيين النية برمضان يجب مع الغيم دون الصحو.
قال في رواية صالح: إذا حال دونه شيء، فأصبح صائماَ؛ أجزأه، وإن لم يحل؛ لم يجزه، حتى ينوي أنه من رمضان.
واختار جَدي ﵀: أنه يجزيه مع الإِطلاق على رواية المروذي، ولا يجزيه مع تعيين غير رمضان؛ كما نص عليه في رواية الجماعة.
وذلك لأن التعيين إنما يفتقر إليه للتمييز بين العبادتين، لجواز أن ينوي كل واحدة منهما، والوقت هنا لا يصلح لغير رمضان، ولا يصح فيه غيره؛ فإنه لو صام في رمضان قضاءً أو نذرًا أو نفلًاَ؛ لم يصح وفاقًا.
وإذا كان متميزًا بنفسه؛ لم يفتقر إلى التعيين؛ كما لا يفتقر المقيم أن ينوي الظهر أربعًا، ولأنه متى قصد الصيام وأراده؛ فقد أتى بالصوم الشرعي؛ لأنه عبارة عن الإِمساك والنية، وإذا أتى بالصوم الشرعي؛ أجزأه عن صوم شهر رمضان؛ لأنه لا يصح في هذا الوقت غيره، ولأنها عبادة تعين لها هذا الوقت شرعًا، فإذا وقع غيرها من جنسها، وقع [عينها]؛ كما لو أحرم بالحج نفلًا أو نذرًا؛ فإنه يقع عن حجة الإِسلام؛ لأن الشارع عَيَّن أول حجة لحجة الإِسلام بقوله:
١٦٩ - «هذه عنك، ثم حج من شبرمة».
[ ١ / ٢٠١ ]
[ ١ / ٢٠٢ ]
[ ١ / ٢٠٣ ]
بلى هذا أولى من الحج؛ لأن هذا الزمان تعين بتعيين الشارع.
وقد أجمع الناس أنه لا يجوز أن يوقع فيه غيره.
والحج، وإن تعين له ذلك العام؛ فقد كان يجوز أن يوقع في غيره.
وقد اختلف في جواز إيقاع غيره فيه:
. . والأول هو المذهب الذي عليه عامة الأصحاب؛ مثل أبي بكر
[ ١ / ٢٠٤ ]
وأبي حفص والقاضي وأصحابه؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فإنه أمر بصوم هذا الشهر متضمن للأمر بنيته، فإن من صام فيه تطوعًا أو قضاءً أو صومًا مطلقًا؛ لم يصمه، وإنما صام فيه، ولأن النبي ﷺ قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا لم ينو صوم رمضان أصلًا ولا ضمنًا؛ فلا يجزيه، ولأنها عبادة. . . .
وإن قال ليلة الشك: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، وإن لم يكن منه فهو نفلي؛ أجزأه إن كان منه على قولنا: يصح بنية [من] الليل لا يشترط تعيين النية، وعلى قولنا: يشترط، لا يجزيه.
. . فيمن أصبح متلومًا إذا كان من رمضان، وإلا؛ فهو شعبان نافلة، فإذا صام على هذا، قضى يومًا مكانه، ولا يكون صائمًا حتى يجمع عليه من الليل.
وإن قال: وإن لم يكن من رمضان؛ فصومي عن واجب آخر سماه لم يجزه عن ذلك الواجب بحال، وهل يجزيه عن رمضان إن بان أنه منه؟ على روايتين.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وإن قال: إن كان من رمضان؛ فأنا صائم، وإلا؛ فأنا مفطر؛ لم يجزه بحال، نص عليه في رواية الأثرم. قال: سألت أحمد: تقول: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائمًا، فإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطرًا. ثم قال: كان ابن عمر إذا رأى في السماء سحابًا؛ أصبح صائمًا. قلت لأبي عبد الله: فيعتد به؟ قال: كان ابن عمر يعتد به، فإذا أصبح عازمًا على الصوم؛ اعتد به ويجزيه. قلت لأبي عبد الله: فإن أصبح متلومًا يقول: إن قالوا: هو من رمضان صمت، وإن قالوا: ليس من رمضان أفطرت. قال: هذا لا يعجبني، يتم صومه ويقضيه؛ لأنه لم يعزم.
وكذلك نقل حرب في يوم الشك إن لم يجمع الصيام ولكنه أصبح يقول: أصوم إن صام الناس، وأفطر إن أفطر الناس، ولم يجمع الصيام، وصام ذلك اليوم؛ فإذا هو من رمضان، يعيد يومًا مكانه.
وإن قال: أنا غدًا صائم من رمضان أو من نقل؛ لم يجزه عن رمضان؛ إنْ تبين أنه منه؛ إلا على القول بإجزاء الفرض بنية النفل؛ لأنه شرَّك بين الفرض والنفل في النية.
وإن قال في سائر الأيام: أنا صائم غدًا قضاءً أو تطوعًا، وقع تطوعًا.
[ ١ / ٢٠٦ ]