مَسْأَلَةٌ:
" وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا ".
أَمَّا الْأَوَانِي الَّتِي اسْتَعْمَلُوهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: أَحَدُهَا يُبَاحُ مُطْلَقًا لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ آنِيَةَ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتَهُمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» " وَرَوَى أَنَسٌ " «أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَجَابَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ لِمَا «رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، قَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا
[ ١١٩ ]
تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَةَ لَا سِيَّمَا الْخَمْرُ لِاسْتِحْلَالِهِمْ إِيَّاهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوَانِيَهُمْ لَا تَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» "، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ أَوْ مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَالنَّصَارَى الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا تُبَاحُ أَوَانِيهِمْ وَتُبَاحُ آنِيَةُ مَنْ سِوَاهُمْ، لَكِنْ فِي كَرَاهَتِهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْمَذْهَبَ قَوْلًا وَاحِدًا لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمُتَقَدِّمِ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ وَحَمْلًا لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا. فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ أَهْلِ كِتَابٍ وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ، قَالَ: " إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا» "، قَالَ آدَمُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَكُنَّا إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ
[ ١٢٠ ]
فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ أَكَلْنَا مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرِبْنَا مِنْ شَرَابِهِمْ، وَإِنَّ كَانُوا غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ انْتَفَعْنَا بِآنِيَتِهِمْ وَغَسَلْنَاهَا " وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِ هَؤُلَاءِ إِلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَمْ يَصْنَعُوهُ فِي آنِيَتِهِمْ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَتَكُونُ آسَارُهُمْ نَسْجَةً ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ تَكُونُ ذَبِيحَتُهُ نَجِسَةً أَوْ مَنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ لَا تَسْلَمُ آنِيَتُهُ الْمُسْتَعْمَلَةُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى احْتِمَالٍ نَادِرٍ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ أَوْ شُكَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ. وَأَمَّا الثِّيَابُ فَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ لَا تُكْرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا سَوَاءٌ نَسَجُوهُ أَوْ حَمَلُوهُ كَالْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ الثِّيَابِ وَالْآنِيَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ كَانَتْ مِنْ نَسْجِ الْكُفَّارِ وَصَنْعَتِهِمْ، وَمَا لَبِسُوهُ فَفِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَلِي الْعَوْرَةَ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْأُزُرِ فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ رِوَايَتَانِ.
فَأَمَّا ثِيَابُ الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ كَآنِيَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ هِيَ كَثِيَابِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.