مَسْأَلَةٌ:
" وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ النِّيَّةُ وَالْغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً مَا خَلَا الْكَفَّيْنِ ".
وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ وُجُوبِ النِّيَّةِ وَأَمَّا الِاجْتِزَاءُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً؛ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا.
وَأَمَّا الْكَفَّانِ فَغَسْلُهُمَا قَبْلَ الْوَجْهِ سُنَّةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ وُجُوبِهِمَا بَعْدَ الْوَجْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِإِسْبَاغِ كُلِّ مَرَّةٍ فَإِنْ لَمْ يُسْبِغْ بِالْأُولَى كَانَتِ الثَّانِيَةُ تَمَامًا لَهَا؛ وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ لَمَّا حَكَى وُضُوءَ النَّبِيِّ
[ ٢١٢ ]
ﷺ أَخَذَ غَرْفَةً رَابِعَةً لِوَجْهِهِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ سَابِغَاتٍ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَمَنْهِيٌّ (عَنْهَا)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوُضُوءِ " فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ " مَا هَذَا السَّرَفُ ". فَقَالَ أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ. قَالَ: " نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لِلْوُضُوءِ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ
[ ٢١٣ ]
ابْنَهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ ﵎ الْجَنَّةَ وَعُذْ بِهِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالْوُضُوءِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلَوْ خَالَفَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ بِأَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَهُ مَرَّتَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ وَإِذَا شَكَّ هَلْ غَسَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَالسَّاقِ إِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
وَيُكْرَهُ تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا مِنْ بَرْدٍ وَغَيْرِهِ؛ «لِأَنَّ مَيْمُونَةَ لَمَّا وَضَعَتْ غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ لَا يُخَافُ ضَرَرُهُ أَوْ لَا يُسْتَحَبُّ إِزَالَتُهُ فَكُرِهَتْ
[ ٢١٤ ]
كَدَمِ الشَّهِيدِ، وَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ، وَطَرْدُهُ التُّرَابُ بِجَبْهَةِ السَّاجِدِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلِنَا فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ لَهُ " فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلْتُهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانَ أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ سَلْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْأَثَرَ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِاسْتِطَابَتِهِ فَأَشْبَهَ غُبَارَ الْقَدَمَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَبِهَذَا يُنْقَضُ قِيَاسُهُمْ، وَأَصْلُ قِيَاسِهِمْ عَكْسُ عِلَّتِنَا. وَأَمَّا نَفْضُ يَدِهِ فَكَرِهَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
[ ٢١٥ ]
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ» ". وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يُكْرَهُ كَالتَّنْشِيفِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُبَاحُ مُعَاوَنَتُهُ فِي الْوُضُوءِ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَحَمْلِهِ وَصَبِّهِ عَلَيْهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَلِيَ هُوَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا إِنِ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي فِعْلِ الْوُضُوءِ بِأَنْ نَوَى وَغَسَلَ الْغَيْرُ أَعْضَاءَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ وَيُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ نَوَى وَوَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ وَأُنْبُوبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.